المحرر موضوع: أحوال المسيحيّن في عهد المغول بعد سقوط بغداد سنة 1258م الجزء الأول  (زيارة 190 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نافــع البرواري

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 349
    • مشاهدة الملف الشخصي

أحوال المسيحيّن في عهد المغول بعد سقوط بغداد سنة 1258م الجزء الأول
نافع شابو
مقدمة
جاء في مقدمة كتاب"تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية "الجزء الأول للأب البير ابونا مايلي:
"إنّ التاريخ للأمّة بمثابة العمر للأنسان . فكلما تقدّم الأنسان في سنيه إزداد خبرة الحياة ، إن هو أراد أن يعتبر بعِبَر الحياة في مراحلها السابقة .وكذا الشان مع التاريخ ، الذي قيل أنّه أكبر معلم للبشرية .أجل إنّ التاريخ تجربة البشرية وحصيلة معطياتها يتيح للأنسان استقراء الظواهر وألأحداث وتحليلها ومقارنتها وإدراك طبيعة السنن والقوانين التي تحكم نشاط الجماعات البشرية وتطور الحضارات وعوامل سقوطها . وعلى المؤرخ ان يتلافى النظر الى تاريخ العالم كاحداث عمودية وكعالم جامد مسطح ، بل أن ينظر اليه كحركة حية متطورة تاخذ شتى ألأتجاهات والأبعاد ، فيتدبرها افقيا بكل عناصرها وأبعادها . وعليه ان يعايش التاريخ أنطلاقا من تجاربه النفسية والفكرية والعقيدية لكي يدرك جوهر التاريخ ويقدم لمعاصريه عصارة هذه التجارب بعبارات تنبض حيوية وتتدفق نورا .أما المعايشة التاريخية فتعني أن المؤرخ يحيل التاريخ الى عملية حيوية ويخلصه من التجريد ويدخل الى صميم الحدث ، لا أن يقف خارج ألأسوار وينظر من بعيد . ذلك لأن التاريخ ليس حصيلة أحداث خارجية فحسب ، بل هناك القوى الداخلية والطاقات الروحية للأنسان في عملية تقييم مجرى التاريخ وتحديد مصيره (1).
يكتب غبطة الباطريرك لويس ساكو عن تاريخ الكنيسة المشرقية فيقول :
ربّما كان ينطبق على كنيسة المشرق اليوم، ومن غير مبالغة، كلامُ النبيّ أشعيا: «لا صورة له ولا بهاءَ فننظرَ إليه، ولا منظرَ فنشتهيَه» (2،53). غير أنّه يكفي أن نزيح حجاب الأحداث الراهنة لنرى جمال وجهها المشوّه! فهذه الكنيسة، التي يستهدفها اليوم مسلّحو داعش في شمال العراق وسوريا والعثمانيون في سفربرلك(1915-1919)، قد حافظت على الوجود المسيحيَ في بلاد ما بين النهرين، الذي يعود إلى عهد الرسل. فقد نشأت وسط الاضطهادات، في شبه عزلة واستقلاليَة وعرفت في القرون الوسيطة اندفاعة إرساليَة لا مثيل لها، قادتها إلى أقاصي الصين. ولم تكن أبدًا في تاريخها كنيسة قوميَة بالمعنى الإقصائيّ للكلمة، إذ جمعت تحت جناحيها شعوبًا وأممًا عديدة من بلاد الرافدين إلى الخليج العربيّ، ومن الهند إلى الصين. لذلك فإنّ محاولة تحويلها من سرّ مقدّس وُهب للعالم إلى قوميّة متقوقعة – كما يريدها البعض – يعني تحنيطها. فالكنيسة تتخطّى حدود الأعراق واللغات والقوميّات، لأنّ الكنيسة هي بشرى حياةٍ تتجسّد في كلّ الحضارات والثقافات
ازدهار واضطهاد
ثلاث خصائص أساسيّة ميّزت هذه الكنيسة عبر التاريخ: الاستشهاد تحت الحكم الفارسيّ، الحياة الرهبانيّة التي ازدهرت بعد الاضطهاد، وتشبّثها بالإيمان وبرسالتها خلال العهد الإسلاميّ
عندما جاء العرب المسلمون إلى ما يُسمّى اليوم بالعراق وهزموا الجيوش الفارسيّة، كان أكثر من نصف السكّان مسيحيّين ذوي لغة وثقافة سريانيّة. وانتشرت اللغة العربيّة بسرعة، وذلك أيضًا لأنّ الخليفة الأمويّ عبد الملك (685-705) كان قد جعلها اللغة الرسميّة للإدارة العامّة. وسهّل هذا الجوّ الاجتماعيّ الاقتصاديّ السياسيّ الجديد المسيحيّين في تبنّي لغة القادمين، في حين انحسرت اللغة السريانيّة إلى الليتورجيا والأدب(2)
يتسائل الأب جوزيف قزّي في مقدمة كتابه "بين المسيحية والأسلام" فيقول:
"ماذا بين المسيحية والأسلام ؟ حوار أم جدال؟ قبول أم رفض ؟ تسامح أم تصادم؟..لأ احد يسعهُ أن يجزم ،لأنّ تعاليم ألأثنين تعدو ، من جهة ، الى المحبة والقبول والحوار . ومن جهة ثانية ، نرى الممارسات المسلكية والتطبيقات العقادية مشحونة بالتصادم والقتل .
هناك في الحقيقة مواجهة عنيفة كانت منذ بداية ألأسلام : فكان غزو ، وتهجير، وجهاد ، وفتح وقتال ، وتصنيف للناس بين كافرين ومشركين وأهل ذمة ، وغيرذلك . والله نفسه (في ألأسلام طبعا) يدعو الى الجهاد ، حتى يدعو الناس إسلامهم ، إذ "إنَّ الدين عند الله ألأسلام "" ومن يبتغي غير الأسلام دينا فلن يُقبل منه" و" من يُرِد الله أن يُهديه يشرح صدره للأسلام .
ولايجب أن يبقى في جزيرة العرب دينان ، بحسب وصية النبي الأخيرة .....بينما في المسيحية : الله خالق الجميع ، وإله الجميع ، ويدعو الجميع الى الخلاص: الله "يُريد جميع الناس يخلصون ويبلغون الى معرفة الحق ""1طيموثاوس 2:4
(انتهى ألأقتباس)(3)
في الحقيقة منذ انتشار المسيحية في الشرق، وصولا الى الهند والصين ، كانت هذه الكنيسة مضطهدة، وفي كل عهودها وعبر عصورها. فمنذ عهد الساسانيين وبعدهم غزوات العرب المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيّين ،مرورا بعهد المغول بعد سقوط بغداد (1258)م ومن بعدهم الجلائريون والأتراك والعثمانيّون وحتى بعد سقوط الخلافة الأسلامية العثمانية في الحرب العالمية الأولى(1915-1920) ،وصولا الى يومنا هذا . عان المسيحيّون وعبرهذه الحقبات التاريخية من الأضطهاد والظلم والأستعباد والقتل وحتى ابادات جماعية وتهجير وتشريد وتدمير مقدساتهم . كان المسيحيّون في اغلب الأحيان تحت مطرقة الغزوات والحروب التي تُشن من خارج بلدانهم فكان المسيحيّون المسالمون الغير المسلحون في الغالب من اوائل الضحايا والظلم والأستعباد. بينما في الداخل ، كان المسيحيّون تحت سندان الخلفاء والسلاطين والحكام المسلمين يمارسون اشنع وابشع الوسائل الهمجية والغير الأنسانية بحق المسيحيين ، وكان آخرها هي ألأبادة الجماعية للأرمن والسريان والآشوريين والكلدان في تركيا الحالية ، والتي راح ضحيتها حوالي 2 مليون انسان . ولم يتوقف الأضطهاد والتهجير والظلم في البلدان العربية والأسلامية ،بحق المسيحيين ، بل مازال الجرح ينزف دما حتى عصرنا الحالي .هكذا اصبحت المسيحية في دول الشرق اقلية بعد ان كانوا يمثلون نسبة كبيرة خاصة في الدول العربية والفارسية والتركية .

اضطهاد المسيحيين في العهد المغولي
جاء في كاتب تاريخ الكنيسة للأب البير ابونا الجزء الثاني:
منذُ سقوط بغداد بيد هولاكو ( 1258) مرت ستة قرون تخللها الكثير من الحروب والأنقلابات ، واعتراها الكثير من الغموض والألتباس .إنها العصور المظلمة لتاريخ البلاد وتاريخ الكنيسة التي عاشت في هذه البلاد. فعلى الصعيد السياسي ، عمّت الفوضى وساد ألأستبداد وأستشرى ألأستغلال ، منذ أن اطاح الغزو المغولي بالحكم العباسي الذي كان ، رغم ضعف إدارته في العهود ألأخيرة ، يضمن للناس شيئا من ألأستقرار والنظام والأزدهار ، على الصعيدين المادي والفكري . فجاء الأجتياح المغولي ضربة قاضية على ما انشاته ألأجيال من الحضارة والثقافة بجهود جبّارة ، وعلى ما أسفرت عنه تلك الجهود المتواصلة من النتائج الباهرة . فغرقت البلاد في بحر من الذعر والدمار ، وتفكّكت النظم الجميلة التي كانت سائدة فيها ، وأحتل السيف والقتل والنهب مكان الثقافة والنظام والقانون ...
وتوالت العهود المختلفة في البلاد، من المغول الى التركمان ، الى عهد تيمورلنك الدموي ، الى العهود العثمانية ألأولى ،بالأضافة الى تدخلات شاهات الفرس الصفويين التي زادت مشاكل البلاد تعقيدا ، وكلفتها المزيد من الخراب والدمار .وحاولت كل فئة أن تستغل ثروات البلاد بجشع دون حدود.فكثرت المظالم ، وضاعت المقاييس ، وعمّت الفوضى في طول البلاد وعرضها .
أمّا المسيحيّون المنتشرون في شتى ارجاء هذه البلاد ، فلم تكن حالهم بافضل من حال أخوانهم المسلمين[خاصة العرب]،بل كانوا غالبا ما يصبحون ضحايا سهلة للغزاة الذين كانت اطماعهم تملي عليهم مواقف تعسفية تجاه الجميع ، ولاسيما تجاه الفئات المستضعفة التي كانت تحاول دوما أن تعيش في سلام في ظل مختلف الأنظمة التي سيطرت على البلاد،وأن تتعاون معهم للخير والبنيان ، دون ان تفلح دوما في اقناعهم بنزاهتها أو درء اساليبهم التعسفية عن جماعاتها المسالمة.
وفي خضمّ هذه الفوضى المتفاقمة ، كاد سراج العلم أن ينطفيء (منذ حكم المتوكل بالله في العصر العباس الأخيرعندما سيطر فكر النقل على العقل وحورب العلماء والمفكرون ) ، فقلت النتاجات الفكرية ، وارتبك المؤرخون القلائل في تدوين الأحداث فلا عجب والحالة هذه ، ان تكون في تاريخ هذه الحقبة الطويلة فجوات مؤسفة او تناقضات في الروايات نتيجة انحياز المؤرخين او عدم حريتهم في التعبير عن ألأحداث بطريقة موضوعية وتقييمها [بل تم قلب الحقائق التاريخ في الكثير من ألأحيان من قبل الحكام والسلاطين المسلمين ].
كانت كنيسة المشرق ، في شطريها الشرقي والغربي(شرق الفرات وغربه) ، تعيش في جو من القلق وتبحث دوما عن الطرق الكفيلة بحفظ كيانها واستمرارية حيويتها ونشاطها . ولقد تعرضت لكثير من الأرتباكات من جرّاء التغييرات المستمرة الطارئة على ألأنظمة السياسية . ولم يكن من السهل على الكنيسة أن تفرض احترامها على أُناس طُبعوا على الهمجية والتخلُّف ، وهم لايقيمون وزنا لما تقدّمهُ هذه الكنيسة لشعوب المنطقة كلها من المثل العليا والقيم الأنسانية والروحية الأصيلة ، وما تسهم به في رفع شان الثقافة والعلوم(4) .
كاتب تاريخ الكنيسة للأب البير ابونا الجزء الثاني
اواخر العصر العباسي:
شهدت العهود ألأخيرة من الخلافة العباسية ضعفا في الأدارة وفي السيطرة على مختلف ارجاء المملكة المترامية الأطراف ، مما ادى الى نشأة دول عديدة وامارات مستقلة في قلب الخلافة وعلى أطراف مناطقها .فالخليفة قد اضاع منذ مطلع القرن العاشرسلطته الفعلية حتى على بغداد نفسها .
أما ألأسباب الحقيقية لهذا الضعف ، الذي ادى الى الأنهيار التام للسلطة العباسية
على البلاد فهي كثيرة منها:
1 – الكثير من الفتوحات الأسلامية لم تكن الاّ اسمية
2 – لم تكن طريقة الحكم وما رافقها من اساليب ألأستغلال لموارد البلاد وجباية الخراج ضامنة لأستقرار الحال وثباتها .
3 – كما انّ الفوارق والحواجز بين طبقات الشعب- من العرب وغير العرب ، والعرب المسلمين والموالي ، والمسلمين واهل الذمة ..الخ ظلت بارزة طوال تلك العهود
4 – ظلت العصبية القبلية متاصّلة في نفوس العرب ذواتهم تثير الضغائن بين اهل الشمال والجنوب . ولم تتم عملية الأمتزاج بين الفرس ألأيرانيين والترك الطورانيين والبربر الحاميين والعرب الساميين
5 – وظهر ضمن نطاق الدين (ألأسلامي) نفسه من النزاعات المنتنافرة ، مالايقل عن ألأحزاب السياسية ، أثرا في تمزيق ألأواصر . ومن هذه النزاعات نشأت الشيعة وحركة القرامطة وجماعة الحشاشين وغيرهم ..
زحف المغول:
يجمع المؤرخون على ان غزو المغول للشرق ألأوسط هو افدح كارثة حلّت بالأنسانية . ويعود الفضل في جمع المغول وتوحيد صفوفهم الى شخصية قوية هي : شخصية "جنكيزخان " الذي استطاع ان يجتاح بجحافل المغول بلدان التمدن القديم في وحشية مدمّرة ومتعطّشة الى الدم ....انطلق من قلب اسيا (من قبائل منغولية اطلق عليهم التتار). ) وفي زحفه نحو الغرب التقى خوارزمشاه ، واراد جنكيزخان اقامة علاقات طيبة معه ، وارسل اليه ثلاثة تجار مسلمين للتفاوض معه ، حاملين له هدايا نفيسة ، .إلاّ أنّ خوارزمشاه قتل الموفدين بغباوة ، مما اثار عليه سخط جنكيز خان الذي جمع نخبة جيشه وسار بها بنفسه الى خوارزم ، يرافقه اولاده .فسقط امامه المدن والقلاع واحدة تلو الأخرى ، ودمَّر بخارى الشهيرة بعد حصار وجيز.

ثم جاء دور سمرقند وغيرها من المدن الكبرى . وسيَّربعض كتائبه لتعقب الشاه الذي فرّ من امامه والتجأ الى جزيرة في بحر الخزر . وهناك توفي سنة 1221.
حين اجتاح المغول الدولة الخوارزمية سنة 1220 قاموا بقتل جل مسيحيي المدن الكبرى كسمرقند وبخارى ومرو بدون تمييز. وهو الأمر الذي جعل الأوربيون يترددون في الدخول في حلف معهم.

على اثر هذه الفتوحات الصاعقة عاد جنكيزخان الى موطنه ألأصلي لأخذ قسط من الراحة .وهناك وافته المنية سنة 1227
واصل ابنائه فتوحات ابيهم ، فتم لهم اخضاع اوربا الشرقية ، وفتحوا عاصمة البلغار وروسيا وبولندا والمجرما بين سنة 1237،1243م . ثم أُعلن "منكو" أحد احفاد جنكيزخان ،"خانا"أعظم . فعهد منكوخان سنة 1253 م لأخيه "هولاكو" بمهمة القيام باخضاع ما تبقى من بلدان الشرق ألأوسط وفتح آسيا الغربية كلها . فغادر هولاكو بلاد المغول ، في جيش جرّار وهو يقصد القضاء على "الحشّاشين " والخلافة(العباسية) معا . فدمّر قلاع الأسماعيليين (الحشاشين)[ كانوا يشبهون دواعش اليوم ] ، واسر زعيمها خورشاه،سنة 1256 م ثم وصل الى همدان في السنة التالية . ومن هناك ارسل الى الخليفة العباسي "المستعصم " يتهدده ويتوعده مطالبا اياه بالأستسلام .لكن الخليفة رفض هذا الطلب (5).
تاب تاريخ الكنيسة للأب البير ابونا الجزءالثاني

سقوط بغداد سنة 1258:
كان الخليفة المستعصم (اخرخلفاء العباسيين ) محاطا بمستشارين اردياء مثل الوزير مؤيد الدين العلقمي المتواطئ مع المغول . هؤلاء المستشارون حملوا الخليفة على اتخاذ موقف التصلب والرفض الذي ادى الى الكارثة والدمار...
في كانون الثاني سنة 1258 م اشتبكت القوات العباسية بقيادة الدويدار الصغير مجاهد الدين ايبك مع القوات المغولية عند الدُجيل(قرب بغداد).وانتهت المعركة
بتحطيم الجيش العباسي ..وتقدم هولاكو من خانقين بالجيش المغولى الرئيسي المؤلف من 200000 محارب الى بغداد. وفشلت محاولات الخليفة التوصل الى حل سلمي ، بعد فوات الأوان ، إذ أوفد الى هولاكو الوزير "إبن العلقمي" مع جاثليق النساطرة للمفاوضة بالصلح ، وكان لهولاكو زوجة مسيحية تُدعى "دقوز خاتون ". إلا ان هولاكو رفض مقابلتهما . إقتحمت عساكر هولاكو مدينة بغداد في شهر شباط 1258م . اضطر الخليفة مع 300 وقيل 3000 من خاصته وقضاته الى المجيء الى هولاكو خاضعين مستسلمين دون قيد او شرط . لكن هولاكو امر بقتلهم . وقتل الخليفة . ثم أطلق الفاتحون أيديهم ببغداد واهلها قتلا ونهبا وتمثيلا سبعة ايام او يزيد ، حتى قضوا على أكثر سكانها ، ولم يستثنوا اسرة الخليفة ، ولم يميزوا بين الرجال والنساء والأطفال ، حتى قيل ان عدد القتلى فيها بلغ 800000 نفس بل قيل الف الف (مليون )نفس ولم يبقى من اهل المدينة ومن اهل السواد الا القليل . والقيت النار في المساكن واستولى الخوف في المدينة . فتراكم القتلى في الدروب والأسواق كالتلول. عدا من أُلقي من ألأطفال في الوحل ومن هلك في القنى والآبار والسراديب ، فمات جوعا وخوفا. وثقل الهواء بما حمله من رائحة كريهة ، رائحة الجيف المنتنة واشلاء القتلى المطروحة في شوارع المدينة . بحيث اضطر هلاكو الى الأبتعاد عن المدينة اياما [ كما فعل محمد الفاتح العثماني بمسيحيي القسطنطينية (اسطنبول حاليا) عندما دخلت جيوشه المدينة سنة1453م وعمل مثل ما عمل هولاكو ولكن الفرق هو ان محمد الفاتح سمح لجنوده بالقتل والذبح وهتك الأعراض لمدة 3 ايام ]
كان هولاكو نفسه وثنيا ، ولكنه اظهر العطف على البوذيين والمسيحيين ، إبتغاء مرضاة زوجته المسيحية دقوز خاتون . وعامل جاثليق المشرق معاملة حسنة ، وابقى على بعض المدارس والمساجد.
توفي هولاكو سنة 1265 م ، بعد ان دوّخ العالم بفتوحاته ، وقضى على الكثير من معالم التمدن والحضارة .ودفنت معه غانيات جميلات ، عملا بالعادات المغولية .
وفي عهد الأليخان السابع "غازان محمود"1295-1303" تبنى المغول الديانة ألأسلامية التي اصبحت منئذ دين الدولة المغولي الرسمي .
منذ سقوط بغداد ،وما احدثه غزو هؤلاء ألأقوام من الفوضى والدمار والأبادة في بغداد العاصمة وفي المناطق الأخرى من البلاد ( في بلاد بين النهرين وما يجاورها من بلدان الشرق ألأوسط ) لم يكن هناك شعب يتمتع بالأستقلال سواء كانوا مسلمين او مسيحيين عرب او كردا او سريان او اشوريين .
فبالرغم من حماية داقوزخاتون ، زوجة هولاكو للمسيحيين ، الا ان المسيحيين لم يكونوا في وضع مستقر ، بل غالبا شاطروا مصير اخوانهم المسلمين، وتعرضوا للقتل والنهب والسلب من قبل السلطات المغولية عديمة الرحمة . فقد اصدر هولاكو امرا بابادة المسيحيين في تكريت ،بحيث لم ينجى منهم سوى القلائل من الشيوخ والعجائز.(6).
تاريخ الكنيسة الجزء الثاني الأب البير ابونا
يزودنا إبن العبري ، في التاريخ السرياني او تاريخ الزمان ، وفي تاريخ مختصر الدول بأحداث كثيرة تخص المسيحيين جرت في عهد المغول :
ففي سنة 1259 ، صعد عزالدين سلطان قونيا الى دير ماربرصوما ووعد البطريرك ديونيسيوس بكل خير ومساعدة . وفي 20 تموز من السنة نفسها ، توفي الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ ابو الفضائل صاحب الموصل(والي الموصل) ، وخلفه ابنه الملك صالح اسماعيل . ومن طريف مايروى عن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل أنّ الخليفة العباسي ألأخير المستعصم كتب اليه يطلب منه جماعة من اهل الطرب !!!. وفي تلك الحال ، وصل رسول السلطان هولاكو يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار . فقال بدر الدين: "أُنظروا الى المطلوبّين ، وأبكو على ألأسلام "[ ينطبق على الخليفة المستعصم المثل المشهور: "عرب وين وطمبورة وين "]. وما ان اقبلت سنة 1260م حتى نزل هولاكو بصحبة 400 الف جندي الى المناطق بين النهرين العليا . فاستسلمت حران والرها ، واقتحموا سروج واحتلوها عنوة . ومدوا جسورا على الفرات واجتازت العساكر الى سوريا ، مع ملك الملوك ودقوزخاتون الملكةالمسيحية . وجرت مجزرة رهيبة في منبج ، وأجتاح المغول الحصون والقلاع في تلك المنطقة . وحاصروا حلب ، فقاومهم الملك ابن صلاح الدين . ولكنه لم يصمد طويلا امام جيوش هولاكو. فدخل المغول مدينة حلب وجرت فيها مجازر قتل فيها أكثر مما قُتل في بغداد لدى استيلائهم عليها .ثم استولوا على الشام ، ورتَّب هولاكو فيها اميرا كبيرا يُدعى كتبوغا ، وهو تايماني مسيحي ، ومعه عشرة آلاف فارس . وكان ابن العبري نفسه مطرافوليطا في حلب لدى سقوطها في ايدي المغول . فذهب ليقدّم الخضوع لهولاكو . فسجنه هذا مدة في قلعة نجم . ثم عاد هولاكو الى بين النهرين ، وحاصر ماردين واستولى عليها بسبب الوباء الذي تفشّى فيها . وقد قُتل كتبوغا بعد ذلك في معركة جالوت .
ولدى اجتياز شمس بن يونس بناحية برطلي(في سهل نينوى) تشاور مع رؤوساء النصارى فيها ، وأطلعهم على ان الملك الصالح صاحب الموصل عازم على قتل زعماء النصارى في منطقة نينوى،فسارع المسيحييون في الذهاب الى اربيل .
وإثرهروب الملك الصالح من الموصل (والي موصل العباسي)، دخلها قوم من المناوئين ، وثار اهل الموصل على النصارى ، ونهبوا بيوتهم وقتلوا الذين لم يعتنقوا ألأسلام .وكثيرون من الكهنة والشمامسة والرؤساء والشعب جحدوا دينهم تجنبا للأضطهاد. ونزل الأكراد ايضا من الجبال المجاورة ودخلوا الموصل ومناطقها واقترفوا المجازر بين المسيحيين ، واستولوا على دير الراهبات في بلدة خوديدة (قره قوش) ، وقتلوا فيها خلقا كثيرا . ومن هناك صعدوا الى دير مار متي وحاصروا فيه الرهبان طوال اربعة اشهر. واقتطعوا جزءا من الجبل ودحرجوه على الدير . لكن الرهبان سدوا الثغرة التي احدثتها الصخرة في جدار الدير واستمروا في مقاومة الغزاة المعتدين . وأصيبت في المعركة عين ابي نصر رئيس الدير . في الأخير ، تفاوضوا على السلام ، وقبل ألأكراد ،لأنهم خافوا من قدوم المغول ، وأخذوا اموالا طائلة من الدير وعادوا ادراجهم . وكان مسيحيّوا آخرون قد فرّوا من الموصل واحتموا في دير الخنافس.
لكنهم غادروه وقصدوا الزاب يريدون الذهاب الى اربيل . إلا ان عصابة قوتلو بك صادفتهم وفتكت بهم وأبادتهم عن بكرة ابيهم .
واشتهر في ذلك الزمان القائد المغولي المسيحي "سمداغو" الذي لعب دورا هاما في الحروب الدائرة في منطقتي الموصل والجزيرة . فقد تمكن هذا القائد من الوصول الى الموصل سنة 1263م وأعادة النظام فيها. ثم ذهب وحاصر الجزيرة منذ الشتاء حتى الصيف . وكان حنانيشوع اسقف المدينة النسطوري خارج المدينة آنذاك .، فاخبر ملك الملوك انه يعرف صناعة الكيمياء وان بوسعه ان يطبع له من الذهب بمقدرا ما يشاء . ونال من هولاكو امرا بصيانة حياة سكان الجزيرة . فاستسلمت المدينة ودخلها الجيش المغولي بقيادة سمداغو الذي هدم اسوارها ورتّب فيها الرؤساء ، وعيّن حنانيشوع حاكما عليها .
في مطلع الصوم الكبير توفي هولاكو .ويقول عنه المؤرخ المسيحي "ابن عبري" انّه كان حكيما حليما ذا فهم ومعرفة يحب الحكماء والعلماء . وفي الصيف التالي تبعته الى القبر دقزوز خاتون ، وكانت ايضا عظيمة في رايها وخبرتها . وخيّم الحزنُ على المسيحيين بموتها لأنهما كانا يدعمان الديانة المسيحية.
وفي الثامن عشر من نيسان سنة 1265 ، توفي ايضا البطريرك الشرقي مكيخا ودفن في البيعة (كنيسة) الجديدة التي بناها بدار الخليفة ، وكانت رئاسته اكثر من ثماني سنين بقليل ، وخلا الكرسي بعده سبعة اشهر وخمسة عشر يوما .
بعض الجرائم ،التي ارتكبها المسلمون بحق المسيحيين في عهد ملوك المغول [غير الجرائم التي ارتكبها المغول ] قبل ان يدخلوا ألأخيرين في الأسلام ليكون دين الدولة الرسمي:
1 – في حزيران 1268 ، حاصر البندقدار صاحبُ مصر مدينة انطاكيا(ذات الغالبية المسيحية) واحتلتها جيوشه وأَعملوا فيها السيف والدمار واحرقوا كنائسها الشهيرة . وفي ذلك الصيف ،القي القبض على حنانيشوع اسقف الجزيرة النسطوري وصدر امر بقتله ، فقطعوا رأسه وعلقوه فوق باب مدينة الجزيرة .
2- وفي مطلع الصوم الكبير سنة 1271 هاجم بعض الرعاع المسلمين علاء الدين صاحب الديوان في بغداد وطعنوه بالسكاكين , وزعم المسلمون ان الجناة كانوا من المسيحيين الذين ارسلهم الجاثليق لهذا الغرض. فالقي القبض على الأساقفة والرهبان والرؤوساء المسيحيين في بغداد وأودعوا السجن !!!. والقى "قوتلوا بك" اميرُ اربيل القبض ايضا على الجاثليق مار دنحا وعلى اساقفته وسجنهم ، ومكثوا في هذه المحنة طوال الصوم ، الى ان جاء امر من المعسكر يقضي باخلاء سبيلهم . إذ ذاك ذهب الجاثليق المظلوم واستقر في مدينة اشنو في اذربيجان .
3- سنة 1274 م اراد مسيحيّوا اربيل ان يحتفلوا بعيد السعانين ،حسب تقاليدهم ، ولكنهم شعروا بان المسلمين سيسببون لهم المتاعب ، فاستنجدوا ببعض المغول المسيحيين الذين جاؤوا ورفعوا الصلبان فوق رماحهم ، وتقدموا موكب السعانين راكبين خيولهم ، يتبعهم المطرافوليط مع المؤمنين . وما ان وصلوا الى القلعة (قلعة اربيل) ، حتى انهال المسلمون عليهم رجما بالحجارة .فتشتت موكبهم وعادوا الى بيوتهم خائفين . وفي هذه السنة ايضا توفي نصير الدين الطوسي الفيلسوف صاحب الرصد في مدينة مراغة ، وكان حكيما عظيم الشأن في جميع فنون الحكمة .
4 – وفي سنة 1275 ، هاجم المصريون مناطق قليقية ودمروا البلاد ، وقتلوا 25 راهب في دير باقسماط ، مع الربان شليمون الشيخ الجليل وأمين سر البطريرك مار اغناطيوس السرياني ، واحرقوا الدير مع سائر الأديرة الأخرى في المنطقة .فاضطر البطريرك السرياني الى الهرب واللجوء الى قلعة بهغا .
5 – وفي 17 شباط سنة 1276 نزل غباراحمر كثيف في مناطق الموصل واربيل ، ودام ست ساعات ، واثار الرعب بين السكان . وفي ألأثنين السابق لعيد القيامة عند المسيحيين ، قتل الأتراك اسقف مدينة ارزنجان ألأرمني مع ثلاثين آخرين من الكهنة والرهبان والمؤمنين .
6 – وفي سنة 1277 ، هاجم الأكراد جبل ألألوف ، وقبضوا على عشرة رهبان من دير مار متى ، فقتلوا واحدا منهم وباعوا التسعة الآخرين باربعة آلاف درهم.
7 – وحينما رات الملكة قوتاي خاتون ، سنة 1279 م ،أنه منذ ان كفَّ المسيحيّون من تقديس ماء النهر(نهردجلة) يوم الدنح (عماد المسيح ) ، وذلك بسبب ما كانوا يتعرضون له من مضايقات المسلمين ، عمَّ البلاد بردٌ شديد ، جاءت الى مراغة ، وامرت المسيحيين بان يخرجوا كعادتهم ، مع صلبان معلقة على رؤوس الرماح . وعندما قاموا بهذه الرتبة ، منَّ الله عليه ، فتلطَّف المناخ ونبت الكلاْ وصار الشتاء معتدلا مثل الربيع ، وعمّت البهجة جميع الناس
8 - وفي مطلع عام 1282 عاد اباقا خان من بغداد الى مدينة همدان . وفي احد القيامة ، ذهب الى الكنيسة واحتفل بالعيد مع المسيحيين مبتهجا . وفي يوم ألأثنين اقام له احد كبار الفرس المسيحيين اسمه بهنام وليمة فاخرة في داره. وفي ليلة الثلاثاء تغيّر مزاجه واضطرب وصار يرى الخيالات في الهواء . ويوم ألأربعاء ، وهو اليوم ألأول من نيسان لتلك السنة ، وهو العشرون من ذي القعدة ، وافته المنية . وفي 26 نيسان توفي اخوه مانكو تيمور ايضا . وبعد موتهما ساد ألأضطراب في منطقة نينوى ، والتجأ المسيحيون الى دير مار متى ، حيث حلّ بهم الوباء وتوفي نحو 30 راهبا (6).
تابعونا في الجزء الثاني عما حدث للمسيحيين بعد تحول المغول الى الأسلام
------------------------------------------------------------------------
(1)
"تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية "الجزء الأول للأب البير

(2)
البطريك ساكو يكتب "كنيسة المشرق":الفا عام من الأضطهاد والرسالة
https://www.radiomariam.org/patriarca-sako/

(3)
الأب جوزيف قزّي في مقدمة كتابه "بين المسيحية والأسلام"

(4)
كاتب تاريخ الكنيسة للأب البير ابونا الجزء الثاني:
(5)
المصدر (4) اعلاه
(6)
تاريخ الكنيسة للأب البير ابونا الجزء الثالث
مصادر اخرى مهمة
لمن يريد المزيد عن موجز لتاريخ الكنيسة منذ بداية عصر الساسانيين الى سقوطها على يد العرب وبداية الأسلام يمكنه مراجعة المواقع التالية .
راجع مقال للكاتب بعنوان "احوال المسيحيين في عهد الخلفاء العباسيين "
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=828275.0

الحروب الدينية بين الفرس والروم البيزنطينيّين في عهد كسرى الثاني للفترة (590-628)م ج2

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=690483
الحروب الدينية بين الفرس والروم البيزنطينيّين في عهد كسرى الثاني للفترة (590-628)م ج1
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=689146
إنتشار المسيحية في عهد كسرو الثاني قبل الحروب الساسانية البيزنطية ج3
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=652010
انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج2
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=645449
انتشار المسيحية في عهد الأمبراطورية الساسانية قبل ظهور الأسلام ج1
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=644780
جذور ألأسلام النصرانية وأكذوبة "العصر الجاهلي" في التراث الأسلامي
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=641826