المحرر موضوع: قصة غياب الخال محمود خماس... كتابة الأستاذة وداد سلوم  (زيارة 181 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 659
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أشارت إليَّ بيدها أن تعالي ودوده  إجلسي بقربي لأقص عليكِ قصة غريبة
💕💕💕💕💕💕💕💕💕

جدتي لأمي التي كانت تقضي شهر نيسان أبريل عندنا تستمتع بدفئ الشمس وربوع مدينة الشرقاط الجميلة الهادئة الغافية على نهر دجلة العظيم ، هاربةً من ضوضاء الموصل وأصوات  الباعه المتجولين  الذين يبدأ نشاطهم مع الاول من نيسان  (گريمستي ،،،، گريمستي ) وتعني الموطا أو الآيس كريم وبعضها تسميات تركيه ، ثم ، (باگلة ،،، باگلة ) اي الباقلاء ، والخضراوت الموسمية وكل ما يمكن بيعه على عرباتهم التي يتجولون بها في حارات الموصل يطلقون العنان لأصواتهم منذ الصباح الباكر  .
كنّا ننتظر زيارتها بشوق ، تغمرنا بحنانها وتشدنا كل أمسية من أمسيات الربيع  الى قصصها وحكايات البادية التي كانت تحفظها بدقة وتسردها بجمال لا مثيل له وكأنها حكواتي نتعلم منها الحكمة والعِبَر  في كل حكايه حتى أنني حفظت الكثير من قصصها الرائعه  ، مثل العبد سعيد الذي خان شيخه الجليل الطيب وقصة شيوخ شمر وقصص الحب والشعر وساري العبدالله التي عُرِضَتْ فيما بعد على شاشات التلفزيون كمسلسل ..
💕💕💕💕💕💕

عندما أشارت إليَّ بيدها تطلبني للجلوس بجانبها
 قالت : سأحكي لك حكاية ستحتفظين بها في ذاكرتكِ وقد إخترتُكِ لأنني أعرف بأنك تُحبين خالك محمود أكثر من الجميع وهو يحبك أيضاً .
أتدرين كيف عثرت عليه بعد أن إنقطعت أخباره عنا في عام ١٩٤١ وكانت في تلك الأيام قد بدأت حرب رشيد عالي الگيلاني التي خسرها وهرب فتم إحتلال العراق من قبل الأنگليز ، لم أكن أنام الليل يا صغيرتي ، مضت السنين ثقيلة كالجبل الجاثم على قلبي الموجوع بفقد الولد البكر قرة عيني ومهجة الروح ، طرقتُ كل الأبواب ولا من مجيب زرت كل العرافات ، إنه إبني فلذة كبدي حتى أرشدوني يوماً أهل الخير الى شيخ يقرأ بالمرآة .
قلت كيف ياجدتي لشيخ ان يقرأ بالمرآة لا أفهم  ؟
قالت : ستفهمين عندما تعرفين ما حدث 
تواصل جدتي فتقول ، أنها توجهت إلى ذلك الشيخ الذي وصفوه لها واصطحبت أحد أقاربها معها فهي حريصة جداً ونقية جداً  ..
ـــ استقبلنا الشيخ فقال ما أتى بكِ سيدتي
قلت فقدت ولدي في الحرب منذ سنين ولا اعرف عنه شيء
وجئت بقلب الأم المفجوع الحائر التي لا تنام ليلها ولا تتوقف دمعتها    (هذا كل ماذكرته للشيخ)
نادى الشيخ على صبي لم يبلغ سن الرشد بعد
واعطاه مرآة صغيرة وغطاه بعباءة لا يدخل منها الضوء
وبدأ الشيخ يقرأ آيات من الذكر الحكيم  ثم يتمتم بعبارات غير مفهومة
حتى تململ الصبي تحت العباءة فسأله الشيخ ماذا ترى
قال : ضوء من نور الشمس يملأ المكان  وبابٌ كبير يُفتَح اللحظة، ثم توقف الصبي لحظة ليواصل
والان ، أرى شاب أسمر طويل القامة يرتدي معطفاً أسود
(تقول جدتي كاد قلبي يخرج من بين أضلعي وكنت ارتجف من صقيع لاوجود له)
قال الشيخ للصبي كيف حاله
أجاب  … هو بصحة جيدة أراه يحمل كتباً وكأنه ذاهب الى مدرسه   ــ طالب علم ــ
ردّ الشيخ مخاطباً صبيه : إبحث لنا عن علامة تجعل والدته تتعرف عليه من خلالها
قال الصبي : في يده اليمنى وشمٌ وفي أنفه ثقب ، هو بخير وينوي إرسال برقية لأمه ليبلغها أنه على قيد الحياة وأنه مشغولٌ بدراسته  ، إني أره وكأنه يكتب شيء
تقول جدتي هنا لم أتمالك نفسي  فأجهشت بالبكاء حتى كاد يغمى عليَّ
هدأني قريبي وهو يبكي مثلي ، انتهت الجلسة نهضت وقبلت الصبي من رأسه فأبتسم وقال إبنُكِ بخير يا أمي فلا تقلقي .
تقول جدتي عدتُ إلى البيت بالبشرى وبسعادةٍ لاتوصف وصبر جميل بأنتظار القادم .
بعد شهر وصلت برقية من ولدي محمود يخبرنا فيها أنه بخير وهو الان في برلين ولا يمكنه العودة لأنه طالب في إحدى جامعاتها  .
مع وصول البرقية نُحِرت الذبائح  وطُهي الطعام ودَعتْ جدتي جيرانها وكل فقراء المنطقة وهي تغني لمحمودِها الغالي وزهت الساحة أمام البيت وعلت أصوات الزغاريد والغناء والطبلة والمزمار لسبعة أيام بلياليها  وكأنها فرحة أم بزفاف ولدها الوحيد .
💕💕💕💕💕💕

هذه الحكاية تذكرتها قبل أسبوع خلال زيارتي لأحدى صديقاتي إذ طرقت باب بيتها جارتها سيدة مغربية وقورة وجميلة الوجه فدعتها صديقتي لتشاركنا قهوتنا وجلساتنا .
كنت لأول مرة ألتقيها ، تحدثنا عن بلادنا وعن الغربة ثم وباء كورونا الذي سلب منا أحبة أعزاء
كانت تنظر إليَّ بعمق حتى قالت 
إبنتي إسمحي لي أن أسألكِ ،،،
ماهذا الحزن والهم الذي يثقل كاهلك ؟
ما هذه الصدمات التي تعرضتي لها ؟
أراكِ كريمة النفس طيبة القلب لا تستحقين إلا كل الخير
(( الحقيقة إستغربت من أسئلتها )) حتى رجتني أن أقلب فنجان قهوتي لتفتح كتاب حياتي وتقرأ عناوين فصولها وتسرد تفاصيل خبأتها في ذاكرتي ، بل حددت لي أهدافاً كنت قد رسمتها لنفسي ولم أبوح بها لكائن  .
لقد أدهشتني هذه السيدة كما أدهشتني حكاية جدتي وشيخها
أيعقل هذا ؟
وما هذه القدرة العجيبة  التي يمتلكونها هؤلاء البشر لكشف المستخبي  ؟
💕💕💕💕💕

مساكم الله بالخير أصدقائي
الصورة لجدتي وخالي محمود في أول لقاء لهما في دمشق  ١٩٤٨
رحمهما الله وأحسن مثواهما