المحرر موضوع: أبي، محطات في كنفه... القاص خالد علي العبيدي  (زيارة 88 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 622
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
#ابي...محطات في كنفه..
___________________
3_ عيد...
اعاد ابي صورته _التي بدا فيها اكثر شبابا وهو يعتمر الكوفية والعقال_ وعلقها على جدار الغرفة بعد ان ازال عنها ما علاها من غبار وقال :
_سبعة ايام ويأتي العيد...
وتغيرت حياتنا في هذه الايام التي تسبق العيد..فكأننا في انتظار ضيف خفيف الظل .....حملت امي عصا طويلة من نبات الطرفة وفتحت بعض الوسائد ثم اخرجت ما بداخلها من قطن وراحت تضربه بالعصا مرارا ..وتكرارا حتى نفشته ثم اعادت حشو الوسائد به وكررت الضرب على الوسائد المنتفخة...وقد انتشر هباء القطن  حولها ..وكانت حين نزعجها تلوح بالعصا فنهرب في مرح طفولي ..
وفي اليوم الأّخرتغسلُ مجموعة من الفُرش تنشرها على اسِرتنا في باحة الدار صباحا وفي الظهيرة تصُفها على الجدار الطيني الذي يفصل بيتنا عن بيت جارنا ...ثم تصحبنا في يوم اّخر الى الخياطة التي كنا قد زرناها قبل هذا اليوم ، لنجدها قد اكملت خياطة جلابيب العيد التي عادة ً ما تكون من قماش البازة المخطط طوليا..ونعود الى البيت وكل منا يضُم جلبابه الى صدره بفرح غامر كبير...
ويقترب العيدُ رويدا..وفي اليوم الذي يسبق العيد تُعيد امي طقوس يوم الجمعة ، فتوقد المدفأة النفطية وتضع فوقها اّنية الماء فتتسلل الى انوفنا  رائحة النفط الابيض مختلطة برائحة احتراق فتيل المدفأة تلك الرائحة التي باتت تقترن بوقت الاستحمام االمزعج وتجلس امي على تختة وامامها (الطشت) الكبير فتأتي تباعا مُكرهين لنرزح تحت وطأة (الصابونة الحلبية ) المربعة ودعك ( الليفة) الخشنة..والم رغوة الصابون الذي يدخل في اعيننا ...فلا يُنقذنا من هذه المحنة سوى صبٌ الماء الدافىء على رؤوسنا الصغيرة مؤذنا نهاية المعركة...
ويأتي العيد الذي انتظرناه طويلا بكل جديد...فنرتدي الجلابيب التي باتت تحت وسائدنا فتختلط رائحتها الجديدة بعبير البخور الذي ينتشر في جو البيت..ويجلس ابي مبتسما في صدر الغرفة فنسرع اليه نُقبل يديه ووجنتيه ويضُمنا اليه شماً وتقبيلا....ثم يدس في يد كلٍ منا قطعة نقدية معدنية من الفئات الصغيرة..ونغادر البيت فرحين لنجد الدنيا ضاحكة مستبشرة...ورائحة العيد تملأ اجواء القرية وقد ازدحمت الأزقة بالاطفال..وبعض الرجال والنساء العائدين من المقبرة التي على التل القريب من القرية ...نمُر على بيوت الجيران والاقارب حتى تثقُلُ جيوبنا من قطع النقود والحلوى ..ثم نتجه زُمراً بين فــرادى وثـنــــا الى دكان العمة ( فرحة) الذي لم يكن سوى صندوق معدني ازرق اللون وضعته في احدى زوايا الغرفة ورصفت فيه بعض الحلويات والكعك ولعب الاطفال..وكانت تفتح قفله بمفتاح عقدته في طرف شالها الاسود....ويمضي نهار العيد سريعا فنعود الى البيت ونجد ابي جالسا يستقبلنا با بتسامته المعهودة والى جنبه تجلس أمي وامامها ابريق الشاي والاقداح...وكم كانت تطيبُ  نفسي لرائحة الشاي..وتطرب لسماع رنات الملعقة حين يحركها ابي فتقرع قدح الشاي..فتختلط انغامها بانغام  الأغنية التي انسجم ابي مع الحانها وراح يردد مع المغني ( شلون اوصفَك..وانت دفتر..انت دفتر...وانا چلمة...) وكنت حين ارى الفرح مرسوما على وجه ابي أتساءل، لماذا لايلبس ابي في العيد ملابس جديدة مثلنا ..؟!
لكنني ادركتُ فيما بعد ان نكهة العيد للطفل واحدة في كل  الازمان...لعب ..ومرح ..وسعادة ..لكنهم  حين يكبرون سيمنحون ابنائهم هذه السعادة الكبيرة..فيكون عيدهم سعادة الابناء التي تُغنيهم عن لبس الجديد..
#خالد