المحرر موضوع: البيئة والأدب... كتابة الدكتور عبد الرحمن المرسومي  (زيارة 117 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 653
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
( البيئة والأدب )

مازلت أذكر جيدا صيف العام ١٩٨٨ ، وذلك الموكب الحزين الذي سار بنا من بغداد إلى إحدى القرى الريفية في المحافظات،  بعد ان أجبرت الظروف أبي رحمه الله على ترك بغداد والبحث عن قرية تكون فيها الحياة اسهل وأقل تعقيدا . ولقد كان للعشيرة والقرابة تأثيرها البالغ على أبي وقراره في حينها . ربما اكون محظوظا حيث تعايشت وتأثرت بكلتا البيئتين المدنية والريفية .لقد كانت إنتقالة غريبة وقاسية ايضا على طفل لايزال في الصف الأول المتوسط ، إعتاد على زيارة أماكن مثل شارع الرشيد ، والباب الشرقي ، والسوق العربي ، ليجد نفسه في بيئة مليئة بالبساتين وانواع من الحيوانات لم أكن لأراها إلا في كتاب العلوم ( أو الحياتية كما كنا نسميها ) . كل شيء يبدو مختلفا ، الناس مختلفون ، لهجتهم  ، لباسهم،  اعمالهم،  كل شيء فيهم يختلف عن رجال المدينة . أما النساء فكُنّ أكثر غرابة من الرجال : فالمرأة هنا تحمل المعول وتعمل اعمالا لايبدو إنها تصلح لطبيعة المرأة والرقة التي وهبها الله إياها . إنها تحمل على رأسها صناديق العنب والطماطم التي تزن عشرين كيلو غراما !! وترعى الأغنام وسط الأشواك والأدغال ، تضع لثاما على وجهها كي لاتلفح الشمس خديها ، فلا أرى منها غير عينين تُنشدان لحنا حزينا صامتا لطالما ابكاني على الرغم من حداثة سني  . الليل شديد العتمة ، والظلام دامس ، والمدرسة التقليدية التي نقصدها يبدو أنها قد إستبدلت بمدرسة أخرى أسمها ( بيئة الريف ) . كنت أتأمل كل شيء أراه : أشجار العنب ، المشمش،  النخيل،  أصوات الحيوانات ، نقيق الضفادع في المستنقعات،  وصوت المرأة الريفية كذلك . في صيف ذلك العام رأيت ( العقرب ) لأول مرة حيث كنا جالسين في باحة البيت ، نشاهد من خلال التلفاز مسلسل ( ليالي الحلمية ) فشعرت بألم وحرقة شديدة في ذراعي الأيمن . صرخت صرخة عظيمة فهرع أبي نحوي ، نظر إلى الأرض وقال : عقرب ..... عقرب . نظرت إليها باكيا فكانت عقرب سوداء ، مالبث أبي أن قام بقتلها بحذاءه. أراد أبي نقلي إلى المستشفى ولكن لا أحد لديه سيارة ليقوموا بأيصالي إلى المستشفى في المدينة التي تبعد عشرين كيلو مترا عن البيت !! تدخل بعض الأعمام فراحوا يجرحون ذراعي بالسكين لأخراج السم بعد أن شدوا ذراعي من الأعلى . قضيت ليلتي تلك باكيا ، أما أبناء عمومتي الذين اعتادوا على هكذا لسعات فكانوا يسخرون مني ويقولون : أتبكي أن لسعتك العقرب!! كن رجلا ولاتكن بغداديا مدللا.  زال الألم في صباح اليوم التالي ، وبدت أكثر جرأة فرحت  اتعرف على العقارب وأقوم بقتلها بنفسي كلما رأيتها وهي كثيرة في بيئتي. كنت أقصد المدرسة الثانوية سيرا على الأقدام قاطعا العديد من الكيلو مترات ، وسط ارض موحلة في الشتاء ، عابرا العديد من البساتين والمزارع. كنت وحيدا في الطريق نحو المدرسة فأبناء الريف كانوا يكتفون بالشهادة الأبتدائية.  كنت أشعر بالخوف وسط البساتين ، فرحت أحاول تبديد مخاوفي بتخيلات وأحلام وقصص أولفها في طريقي نحو المدرسة . تخيلت نفسي طبيبا ، تخيلت نفسي أديبا بارعا ، ورسمت صورة في مخيلتي لفتاة أعشقها.  كنت أغني لها في طريقي نحو المدرسة ( لزرعلك بستان ورود شجرة زغيرة تفيّكِ .لغزلك من نور الشمس سوارا وأحطه بيديكِ ) .كنت أغنيها لحبيبتي في كل صباح ، على أمل أن تخرج يوما ما من وسط البساتين وتقول : هاأنذا.

مرت السنين ، وتطور ذلك الخيال ، فأصبحت أجلس في الليل ، على ضوء المصباح الزيتي لأكتب أولى قصصي القصيرة . أدركت مبكرا أن إلتزام المرء ببيئته وتقاليدها لايعني أبدا أن أكون عبدا لتلك التقاليد . كنت أنتقد تحميل المرأة فوق طاقتها ، واجبارها على الزواج من ابن عمها وهي لاترى فيه غير وجه أخيها.  حاولت أن أكون مرآة لبيئتي وان أكون مصلحا ماأستطعت . كنت محظوظا حيث كان أستاذ اللغة العربية رجلا مثقفا حاصلا على شهادة الماجستير في الآداب. كنت أقرأ عليه قصصي التي أكتبها.  كان يقول لي : لو اتخذت الأدب مجالا في حياتك وإلتحقت بكلية الآداب فستكون من كبار الأدباء في العراق والوطن العربي . لكنّ حلمي كان الألتحاق بكلية الطب لأصبح طبيبا فهو هدفي منذ الأبتدائية .

إنقضت مرحلة الدراسة الثانوية ،  ولم يعد طريق البساتين الموحل طريقي . شعرت بالحزن الشديد فقد هجرت طريقا احبني وأحببته،  غنيت له بصوتي الجميل ، وغنت لي أشجاره أغنية الحب العذري. لم يعد لدي حبيبة تتوارى خلف أشجار البساتين لتستمع إلي وانا اغني لها في الصباح من غير أن أراها.  لم أحضّ برؤية حبيبتي لكنني رسمت صورتها في مخيلتي : كانت فتاة بريئة أجمل من الجمال ليس لي أن أعطي وصفا لها يخدش حيائها وحيائي.
الغريب أني مازلت أسير في ذلك الطريق،  في كل ليلة في منامي ، فأغني له ، وتغني لي أشجاره أغنية العشق العذري .