المحرر موضوع: البعد الفكري في روايــــــــــــة التصريف الثـــــــــــــــالث للدكتور جليل إبراهيم الزهيــــــــــــــــــري  (زيارة 154 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حميـد الحريزي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 303
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

                    البعد الفكري في روايــــــــــــة 
                 التصريف  الثـــــــــــــــالث 
                               للدكتور
          جليل إبراهيم الزهيــــــــــــــــــري


 

                   ((بين الحرية والأمر عداء مستحكم ))
                       ثيمة مستحدثة  وسرد شيـــــــــــق
بقلم : الأديب : حميد الحريزي
 
رواية  التصريف الثالث ليست رواية تسلسلية في المكان والزمان، ولا هي رواية بطلها شخصية محددة، وشخصيات ثانوية معلومة، ولكن الشخصية الرئيسة هي ظاهرة اجتماعية متوارثة، لها عمق  تاريخ في الثقافة الاجتماعية، بنية فوقية تستند على بنية تحتية ريعية استهلاكية لا تنتج سوى التقليد والاتباع والتمايز على مستوى الطبقة والجنس والعرق، وقد  قدم  الروائي للطبعة الثانية من روايته للتعريف بروايته قائلا:-
((هذه الرواية التي تتخذ شكلا سرديا مختلفا عن الاسلوب المعتاد في الروايات المتداولة، هي التصريف الثالث على كل الاصعدة اللغوية والذكورية والانثوية والبايلوجية والصوفية، حيث تبدأ أولا ببنائها الفوقي (اللغة) التي تكرس الفكر كقواعد وتنحدر الى قاع الجنس والعلاقة الاجتماعية المهلهلة المرتبطة به، وتنحدر اكثر الى قاع البايلوجيا الانسانية، قبل ان تضع لمسات على البناء الفوقي الاكثر خطورة وهو الدين الذي يضفي هالة القدسية على هذا التصريف.. قدسية تمتد الى اللغة والى القواعد التي وضعها للجنس والحياة الاجتماعية.)).
فعلا هذه الرواية ليست تقليدية لا من حيث الثيمة ولا من حيث أسلوب السرد، فهي حجر صلب يلقى في  بركة ركود التفكر، وصوت جريء يستفز واقع التقليد والسلوك المتوارث في  مختلف المجالات ومنها اللغة، والمكتب والبيت والجامعة وصوامع التصوف... إنه الكارت الاحمر يرفعه المثقف الواعي بوجه فعل الامر، هذا الفعل الدال على الاجبار وليس الاختيار، هذا الفعل الذي لا مكان له في اللغة بعد فعل الماضي والمضارع الذي يفيد الحال والاستقبال، ولكنه الحصن  الحصين  والصولوجان والعصا السحرية التي تتمسك بها القوة صاحبة القوة والهيمنة والتسلط سواء على مستوى الحكومات وطبقاتها المهيمنة على كرسي الحكم  التي لا يمكن أن يكون لها  وجود من دون الأوامر والفرمانات الصادرة فهي الآمر والناهي وأن سر بقائها وديمومتها يعتمد على دوام فعل الامر  واستجابة الناس بمختلف مواقعهم وطبقاتهم  لهذه الاوامر، وحفاظا على  فعل الامر تم ايداع الاستاذ السجن لأنه يريد أن يقتلع فعل الامر من اللغة، لأنه فعل الطبقات المسيطرة لفرض هيمنتها على الطبقات الخاضعة والمستسلمة لهذا الحكم بحكم التقليد والعادات المتوارثة، فالأستاذ ((فكر طويلا في العدالة المختلة في توزيع الزمن على التصاريف الثلاثة وقرر الغاء التصريف الثالث فهو لا يستحق العيش، فهو تصريف قلق الحضور يقع خارج الزمن ولأن الافعال تعني التحرك في الزمن لذا كأنه يخرج من أطاره الفعلي، وفي الإمكان الاستغناء عنه لتصريف الثاني المتسائل...)).
وباعتبار المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها تابعة لسلطة الدولة وبما فيهم الاساتذة وأصحاب الرأي في الجامعات والمؤسسات الاكاديمية، لذك فإن الاساتذة يستنكرون فعله  بإلغاء التصريف الثالث، حتى أنهم حاولوا الاعتداء عليه ومحاولة ضربه لأنه انتهك السائد ودنس المقدس، رفض اقامة سمنارا لمشروع معجمه حيث يواجه بالرفض، والتطاول على  لغة القرآن كما يدعون، فعزف  عن اقامة السمنار لأنه (خشى أن يهدر دمه أو أن يقتله متشدد أصم أبكم)،  ففعل الامر  يحمل  معنى الاكراه والتسلط، وقد افحمهم عندما حاججوه حين قال لهم رداً على صراخهم واحتجاججهم العنيف ((اصمتوا وأسمعوني، لكنهم لم يصمتوا ولم يسمعوه))، ما يعني لا قيمة لفعل الامر هذا، إنها  ثورة ضد الكتب الصفراء التي عفا عنها الزمن وتجاوزها الواقع المعاش، ولم تعد تنسجم مع حلم الأنسان في التقدم والتطور والحرية...
 وكذا هو الحال فقد أنزعج المسؤول البلدي من محاولة الغاء فعل الأمر، فلا مدير ولا مسؤول بدون  فعل أمر، فبدون  فعل الامر أين يصبح  الرؤساء والامراء والوزراء وحواشيهم وأين يصبح وعاظ السلاطين وأهل  الامر والنهي، وخطباء المنابر...
 كذلك فإن الصحفي يبتعد عن الكتابة وفق التصريف الثالث فعل الامر ((إذا اراد أن يقول شيئا للمستقبل كان يورده في صيغة تمني مضارع حاضر، لماضي مغاير، إذ سرعان ما يصبح ماضي فيفقد أسباب الاختلاف ((نحن أناس نحب الاستقرار ونكره التصريف الثالث)).
الاستاذ  يسخر من الشرطة الذين جاؤوا لإلقاء القبض عليه  حيث قال للشرطي وبكل برود ((أقبض))، ويرد على أمر القاضي بالوقوف بأنّه واقف  فعلا  مما  يعتبره القضاء استهانة بسلطته فيقرر سجنه لستة أشهر... وهو حجة في ضرورة الغاء فعل الأمر، فالراوي يدافع عن وجهة نظره عبر اجاباته الذكية والرادعة لأوامر السلطات بمختلف توصيفاتها.
يثير استغراب السجناء في الزنزانة حينما يعلمهم بأن تهمته  هي إلغاء  التصريف الثالث (رأيت التصريف الثالث في اللغة فائضا لا حاجة له، واقترحت أن يلغى بالكامل فأني اراه لا ينسجم مع إنسانيتنا))  (فبإمكاني أن أقول لك اعطني قدح ماء، أن أقول (هل يمكنك أن تعطيني قدح ماء)..
وحينما يقتحمون السجن ويقومون بالتفتيش يعثرون لديه على قصاصات ورقية مكتوب فيها ((لا للتصريف الثالث.. لا للإكراه))، فيودعونه السجن الانفرادي حتى لا يحدث انقلاباً  في السجن...
يستمر الاستاذ على لسان الراوي بعرض اكراهات التصريف الثالث وفعل الامر، في  مكاتب المدراء والاساتذة، الذي لا يصمد طبعا أمام إغراءات الجنس اللطيف الذي يتمكن من كسر إرغامات وتعسف فعل الامر من قبل المسؤول بفعل تأثير فتنة الإغراء والجمال والغنج الانثوي الساحر الذي يحول الامر إلى مأمور  حينما يتزوجها، مما يدل على تهافت هذا الفعل (يلبي كل طلباتها التي لم ترتق الى درجة الأمر ولكنها غير قابلة للرفض).
توصيف لهيمنة الذكر على الانثى في العائلة الواحدة، فالأب  له السطوة على الزوجة وأمره مطاع، وأمر الذكر هو المطاع وواجب التنفيذ على الانثى، يحق  للذكر فعل ما لا يحق للأنثى، حتى أن الاب يشعر بالتململ حينما يبشر بولادة أنثى   ويستبشر ويقدم القرابين حينما يأتيه ولد.
إن الروائي يكشف زيف وتعسف هذه الامتيازات الممنوحة للذكر بدلا من الانثى بغض النظر عن العمر وعن الدرجة العلمية.
 تلاحظ هذا التصريف الثالث للفعل ((عندما ذهبت الى المدرسة وحضرت درس اللغة العربية، شعرت بالغربة ووجدت أن التصريف الثالث في الفعل لا يعنيها البتة، وأنها تجلس في آخر السلم العائلي)).
تهافت وهمجية فعل الامر الذي يحول دون تمتع التلميذ بالفيء بالقرب من المدفأة على الرغم من أن زميله يتخلى له عن مكانه  كونه  لا يرتدي معطفا يقيه من البرد، وبأسلوب  كيس لا يحمل علامات الاذلال يشتري له زميله معطفا ليقيه من البرد القارس دون أن يمس كرامته، ملاحظا مدى اعتزازه بكرامته وعزة نفسه حينما رفض رفع اصبعه ليعلن عن فقره  مقابل الحصول على الكتب مجانا، ويكتفي بكتب متهرئة قديمة.
يستعرض الروائي العديد من المشاهد ومظاهر كسر التسلط الذكوري من قبل الجنس الانثوي اللطيف في العمل على أن تكون لها ((خبرة سابقة ولاحقة)) وهو غمز إلى أن الانثى لتكون لها وجود وكسر فعل الامر الذكوري أن توظف  جسدها وجمالها وإغراءاتها في تحقيق ذلك ((قررت أن تكون لها خبرة سابقة ولاحقة وتأخذ الجمل بما حمل))، فلا بديل لها غير هذا  السلوك للحصول على عمل بعد تخرجها من الجامعة، وهي  إشارة الى عدم تكافؤ الفرص وتسليع المرأة دون الاخذ في الاعتبار تحصيلها العلمي وكفاءتها في العمل.
كما ينتقل إلى نزعة التصوف ومحاولة الانسان التحرر من عبودية الجسد والخلاص من استعباد  الطغاة والسادة، لينتقل الى عبودية الروح واستبدال الله بدلاً من المستبد، حيث يرى المتصوفة أن هذه العبودية إنما هي تحرر للروح لتسبح في فضاء الحرية الالهية، فليس هناك من طريق ثالث وعلى وجه الخصوص بالنسبة للمرأة كما فعلت (رابعة العدوية)، حيث  انتقلت من العهر والمجون إلى الزهد والعبادة والتهجد والاستغفار، تاركة كل مظاهر البذخ والثراء وليالي الأنس في مجالس السلاطين وأصحاب الثروة والجاه، فالروائي  يرى أن  جوهر الاستعباد والاذلال والاستغلال للإنسان من خلال  التصريف الثالث وفعل الامر، ويدعو أن يكون فعل الانسان اختياراً ونابعاً من قناعة ووفق أسلوب الترجي والطلب وليس بأسلوب الزجر والقهر والاجبار، ويرى أن هذا الفعل له فعل مضاعف على المرأة على الرغم من انه يمارس وبوحشية على الذكور أيضا في المجتمعات الطبقية والديكتاتورية بمختلف مسمياتها، مما يستوجب العمل على احداث تغير جذري في البنية الفوقية للمجتمع، وذلك  يستدعي تغييراً جذرياً في البنية التحتية، بمعنى خلاص الانسان من حكم الضرورة للانتقال  الى حيز الحرية وهذا التغيير لا يمكن أن يحصل في المجتمع الرأسمالي مجتمع الاستغلال والقهر الطبقي، وبمعنى آخر أن لا خلاص إلا بتطبيق شكل من أشكال النظم الاشتراكية  والانتقال إلى المجتمع الشيوعي وذوبان الطبقات فلم تعرف  البشرية غير هذا الخيار للخلاص من العبودية الجسدية والروحية والعيش في  فضاء الحرية. 
 في الختام أقول ليس سهلا الاحاطة بكل الأبعاد الفكرية والفلسفية والتنويرية لهذه الرواية المميزة، وقد اخترت  توجيه مصباح الكشف الفكري للرواية، بعد أن اطلعت على الدراسات الرصينة والمهمة التي تناولت الرواية تأويلاً أكاديمياً متخصصاً من حيث  الحبكة والسرد وسيمياء الرواية والابداع  أفني والحنكة السردية للروائي الجليل  جليل الزهيري، والدالة على الوعي العالي والعمق المعرفي للكاتب، وثروته اللغوية والثقافية وموهبته الشعرية، إلى ابداع رواية تعتبر إضافة نوعية للسرد الروائي العراقي وللمكتبة الروائية العربية...