المحرر موضوع: كُتَّاب وكاتِبات القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً / الجزْء الثَاني ( 38 ــ ج )  (زيارة 253 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شذى توما مرقوس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 562
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كُتَّاب وكاتِبات القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً / الجزْء الثَاني ( 38 ــ ج )            
        ( مُضَافاً إِلى ذَلِك فَنّ التَأْلِيف المَسْرَحِيّ وكُتَّابَهُ  ، وأَدَب الطِفْل )
     
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    
    إِعْداد وبَحث وتَقْديم : شذى توما مرقوس                        
الخميس 1 / 5 / 2014  ــ والعَمَل مُسْتَمِّر                 
                                     
طَابِع المَوْضوع :
بِطاقَة تَعْرِيفِيَّة بِكُتَّاب وكاتِباتِ القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً ، والفنُون المَسْرَحِيَّة ، وأَدب الطِفْل مِنْ الوَسَطِ المَسِيحيّ العِراقيّ .
   عزِيزاتي / أَعِزَّائي مِنْ القَارِئاتِ والقُرَّاء
أُعاوِدُ تَواصُلي معكُم في سِلْسِلَةِ  كُتَّاب وكاتِبات القِصَّة القَصِيرَة والقَصِيرَة جِدَّاً  ،
 ( مُضَافاً إِلى ذَلِك فَنّ التَأْلِيف المَسْرَحِيّ وكُتَّابَهُ ، وأَدَب الطِفْل ) ، فكُلَّ الشُكْر لِمُتَابعتِكُم واهِتِمامكُم .     

في الجُزْء الثَاني ( 38 ـ أ ) والَّذِي قُمْتُ بَنَشْرِهِ قَبْلَ فَتْرَة كانَ مُخصَّصاً للأَسْماء التاليَة : ــ       
 ( حنا حبش ، الخوري هرمز نرسو الكلداني ، اسكندر زغبي ، سليمان غزالة ، نعوم فتح الله سحار ، سليم حسون ، الخوري روفائيل حبابة ، المطران اسطيفان كجو ، المطران سليمان الصائغ  ) .
وفي الجُزْء الثَاني ( 38 ــ ب ) الَّذِي تَلاهُ  كانَ تَتِمَّة عَنْ روَّاد المَسْرَح العِراقِيّ : المطران يوليوس جرجس قندلا ، حنا رسام ، القس فرنسيس حداد ، القس حنا رحماني ، الخوري انطوان زبوني ، القس حنا حبي ، المطران بولص بهنام ، بهنام سليم حبابة .
، وكما ذَكرْتُ سابِقاً فإِنَّ بَعْضاً مِنْ الأَسْمَاء الأُخْرَى قَدْ أُكْمِلُ الكِتَابَة عَنْها في المُسْتَقْبَل ( وعلى قَدرِ تَوفُّرِ المَصَادِر لي بَعْدَ البَحْثِ المُضْنِيّ والسُؤال والجُهْد الطوِيلِ المَبْذول ) ،  أَوْ أَتْرُكُ لغِيري فُرْصة الكِتَابَةِ عَنْها .
في هذا الجُزْء [  الجُزْء الثَاني ( 38 ـ  ج ) ] سنُخَصِّصُ السُطور لِلكِتَابَةِ عَنْ الأُسْتَاذ نجيب قاقو ، باعْتِبَارِهِ قَدْ قَام بِتَرْجمَةِ العديدِ مِنْ المَسْرَحيات في حِينها ، مَع الأَسف لَمْ يَتَوَّفرْ لديّ نَصٌّ مِنْ النصُوص المَسْرَحِيَّة الَّتِي قَامَ بِتَرْجَمَتِها ، بِالمُقَابِل اسْتَطَعْتُ الحصُول على نُسْخَة مِنْ تَرْجمَتِهِ لإِحْدَى القِصَص القَصِيرَة مِنْ الأُسْتَاذ د. ابراهيم العلاف ، جزيل شُكري وتَقْديري لَهُ .       
الشُكْر لِكُلِّ المُتَابِعاتِ الكرِيمات والمُتَابِعين الكِرام .

روَّاد المَسْرَح العِراقِي
( مِنْ أَوائل الكُتّاب المَسْرَحيّين في العِراق )
مَوْضوع / نجيب قاقو ( 1916 م ــ 1994 م ) .
بَحث وإِعْداد وتَقْدِيم : شذى توما مرقوس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نجيب قاقو  ، كاتِب وبَاحِث ومُتَرْجِم ، مِنْ مَواليد المَوْصِل عام 1916 م .
دَخلَ مَعْهد مار يوحنا الحبيب الَّذِي كانَ يُدِيرَهُ آنذاك الأَب يوسف أومي ، إِلاَّ أَنَّهُ غادرَهُ قَبْلَ رسَامَتِهِ .
مِنْ خِلالِ دِراسَتِهِ في مَعْهدِ مار يوحنا الحبيب في المَوْصِل اتْقَنَ اللُغَة الفَرَنْسِيَّة ودرسَ الفلْسَفَة واللاهوت .
قَامَ بِتَرْجمَةِ بَعْضِ المَسْرَحيَّات عنِ الفَرَنْسِيَّة ، [  وبِتَأْليفِ القِسْمِ الآخَرِ مِنْها حسَب ما ورَدَ في المَصْدَر ]  . 
تَتَلْمذَ على يَدِ العدِيدِ مِنْ المُعلِّمين المَعْرُوفين بِعطائهِم الفِكْرِيّ الجزيل أَمْثَال الأَب جان موريس فييه الدومنيكي ، والأَب جان موريس فييه هو كاتِب ومُؤَرِّخ ومُؤَلِّف كِتَاب ( المَوْصِل المسِيحيَّة ) .
قَامَ نجيب قاقو بِتَرْجمَةِ كِتَاب ( المَوْصِل المسِيحيَّة ) ، والَّذِي أَبْصرَ النُور عام 2000 م تَحْتَ عُنْوان ( الآثَار المسِيحيَّة في المَوْصِل ) ، حيْثُ تَمَّ طبْعهُ في مطْبَعةِ الطيف في بَغْداد عام 2000 م .
عمِلَ في مَجلَّةِ الفِكْر المسِيحيّ مُنْذُ عام 1967 م ، حيْثُ نَشَرَ أَوَّلَ مَقَالٍ لَهُ بِعُنْوان ( بول كلوديل ) في الحلَقَةِ الرَابِعة الصادِرَة مِنْ المَجلَّة عام 1967 م ـ العدَد ( 38 ) ، وهذِهِ كانَتْ بِدايَاته في عالَمِ النَشْر ، وفي الحلَقَةِ الخامِسَةِ مِنْ سِلْسِلَةِ الفِكْر المسِيحيّ في عام 1968 م ـ العدَد ( 48 ) ، نُشِرَ لَهُ مَقَالاً بِعُنْوانِ ( فتَاة اليَّوم ) ، ثُمَّ مَقَالاً في الحلَقَةِ السَادِسَةِ مِنْ السِلْسِلَة في عام 1969 م بِعُنْوان ( العلاقَة بَيْنَ الفتَى والفتَاة ) ، وآخِر مَقَال لَهُ في مَجلَّةِ الفِكْرِ المسِيحيّ كانَ في عدَدِ تَمُوز ــ أَيْلول لِعامِ 1993 م بِعُنْوان ( سُميل بَيْنَ المَاضي والحاضِر  ) ، بَلَغَتْ عدَد مَقَالاتِهِ المَنْشُورَة وتَحْقِيقاتِهِ وأَبْحاثِهِ في مَجلَّةِ الفِكْرِ المسِيحيّ مُنْذُ عام 1967 م ولِغايَةِ عام 1994 م أثْنين وخَمْسِين مَوْضُوعاً في مَجالاتٍ مُخْتَلِفَة :  مَقَال ، تَحْقِيق ، بَحث ، دِرَاسَة ، اسْتِطْلاع ..... وإِلخ  .
تَرْجَمَ نجيب قاقو عدَداً مِنْ المَسْرَحيَّات مِنْها :
ــ البَخِيل  .
 ــ ترْجُمان بِالوكالَة  .
ــ جان دارك .
ــ جنفياف  .
ــ الحسن أبو نواس  .
ــ شانتبي  .
ــ الطيُورُ الصَغِيرَة  .
ــ مار كاسان   .


تُوفِّيَ نجيب قاقو عام 1994 م .

المَصْدَر :
https://ishtartv.com/viewarticle,57169.html

مَوْضُوع / نجيب قاقو جهودهُ وآثَارَهُ الكِتَابِيَّة في مَجلَّةِ الفِكْر المسِيحيّ 1967 م ــ 1994 م .
الكاتِب : د. بهنام عطا الله .
في 17 / 11 / 2014 م .

////////////
يقُولُ د. ضياء خضير في مُؤَلَّفِه : ثُنائيات مُقَارنَة ( أَبْحاثٌ ودِرَاسات في الأَدبِ المُقَارِن ) في الصَفْحة ِ ( 125 ) التالي :
[ مسرحية ( جان دارك ) قام نجيب قاقو بترجمتها عن الفرنسية ، ودارت حول الأفعال الخارقة والمعجزات التي رافقت حياة القديسة الفرنسية ( جان دارك ) التي أصبحت في فرنسا وأوربا كلها رمزاً للوطنية والصفاء الروحي والإيمان الكاثوليكي المتدفق غيرة وحماسة ، وعلى الرغم من أن المؤلف لا يذكر لنا هنا أيضاً مصدره الفرنسي ، فإننا نكاد أن نكون واثقين من أن الأمر في هذه الترجمة يتعلق بـ (  Jeanne darc  ) التي كتبها  ( Charles Peguy  ) عام 1897 م ، مع إجراء بعض التغييرات التي تحولت فيها فصول المسرحية الثلاثة إلى أربعة ، وربما كان من المهم الإشارة إلى أن موضوع هذه المسرحية يحمل شيئاً من الجدّة بالنسبة إلى المسرح العراقي ، ذلك إن القيم الدينية والأخلاقية التي أعتاد رجال الدين العراقيين مقاربتها في المآسي التي يترجمونها أو يعدونها تبدو في هذه المسرحية ممزوجة بقيم وطنية تتمثل بالدفاع عن الوطن ، وهو ما يمثل خطوة من الخطوات المهمة في تطور المسرح الديني العراقي الذي نحن بصدد دراسته ] .

المَصْدَر :
ثُنائيات مُقَارنَة
( أَبْحاثٌ ودِرَاسات في الأَدبِ المُقَارِن )
لِلمُؤَلِّف : د. ضياء خضير

الرَابِط :
https://books.google.de/books?id=VmJVVQNEcJMC&pg=PT126&lpg=PT126&dq=%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8+%D9%82%D8%A7%D9%82%D9%88&source=bl&ots=KD_4BRpZgQ&sig=ACfU3U1aarV_Hl0F7i19W8_cV6WYzh5QOw&hl=de&sa=X&ved=2ahUKEwjsrOmb9rjpAhWGyYUKHUZLAdwQ6AEwAHoECAoQAQ#v=onepage&q=%D9%86%D8%AC%D9%8A%D8%A8%20%D9%82%D8%A7%D9%82%D9%88&f=false

//////////

قَامَ الأُسْتَاذ نجيب قاقو بِتَرْجمَةِ قِصَّة ( عِنْدما أَزورُ ميري ) عنِ الفَرَنْسِيَّة إِلى العرَبِيَّة ، وتَمَّ  نَشْرُ هذِهِ القِصَّة في مَجلَّةِ المُحاسِب عام 1965 م .
مَعَ الأَسف لَمْ يَذْكُر نجيب قاقو إسم كاتِب قِصَّة ( عِنْدما أَزورُ ميري ) .
مَجلَّةُ المُحاسِب كانَ يُصْدِرها مَعْهدُ المُحاسَبَة بِالمَوْصِل سنَة 1965 م حيْثُ صدَرَ العدَدُ الأَوَّل مِنْها ، وكانَتْ تَحْفَلُ صَفَحاتها بِالكثِيرِ مِنْ الدِرَاسَاتِ والمَقَالاتِ ، تَكوَّنَتْ هيْئَةُ تَحْرِيرِها مِنْ الأُسْتَاذ ( أحمد سامي الجلبي ) رَئيساً ، وعُضْوِيَّة كُلٌّ مِنْ الأُسْتَاذينِ ( صلاح الدين الغلامي ) و ( معن عبد القادر آل زكريا ) .
صَدَرَ مِنْ مَجلَّةِ المُحاسِب بِضْعةَ أَعْدادٍ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ .
اعْتَمَدَتْ المَجلَّة في تَمْوِيلِها على الإِعْلانَات : إِعْلانَات عَنْ ( مَطْبَعةِ الجَمْهورِيَّة ) ، ( خيَاطة الهِلال ) ، ( الدَار القَوْمِيَّة لِلطِبَاعةِ والنَشْرِ في عِمَارَةِ الأَوْقَاف في المَوْصِل ) ، ( مَكْتَبَة الجزائر  والعسَلي ) ، ( اسْتوديو بَغْداد ) لِوجيه حامد و( فلمنكو ) حيْثُ تُقَدِّمُ أَلذَّ المُرَطبَّات ، ( شَرِكة طحْنِ حبُوبِ الشِمَال )  ، ( مَصْلَحة صُنْع السُكْر في المَوْصِل ) . 

مَصْدَر هذِهِ المَعْلُومَات :

مَوْضُوع : مِنْ صَحافَةِ جامِعةِ المَوْصِل ... مَجلَّة المُحاسِب 1965 م
الأُسْتَاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف
أُسْتَاذ التَارِيخ الحدِيث / جامِعةُ المَوْصِل
في 2 / 1 / 2011 م .
الرَابِط :
http://omferas.com/vb/t28821/




 

 

//////////


عندما أزور ميري .....   
( قصة ترجمها عن الفرنسية الأُستاذ نجيب قاقو )    

إن كانت أنفاسي تنقبض لذكر اسم ميري ولدن أو آرثر براونلي أو حتى اسم المدينة التي يقطنانها ( ميدلفورد ) فأشعر بتشنج شديد في حنجرتي وحرقة أليمة تتآكل لها أجفاني ، فليس هذا كلَّهُ لأن ميري رفضت طلبي يدها ... مؤثرة عليّ آرثر زوجاً لها ... فقد كانت في رفضها لي في غاية الرقة واللطف اللذين امتازت بهما في جميع تصرفاتها .....
لم أعتب عليها يوماً ذلك الرفض لأنه لم يكن بالأمر الذي يُزعجني أو ينغصُ عليّ الحياة ، وإنّما أمرٌ آخر حدث لي معها فيما بعد .
وجهت لي ميري دعوة وديّة لحضور حفلة عرسها إلاّ  أني رغبتُ عن الذهاب فاكتفيتُ بإرسال هديتي إليها وهي طقم شاي من الفضة ، إلا ّ أني علمتُ بعدئد أنّهُ قد قُدِمَ لها أثنا عشر طقماً كلّها من الفضة ، وإنّ طقمي كلن دون جميعها جمالاً .
سكن العروسان السعيدان مدينة ميدلفورد ، ومنها أرسلت إليّ ميري كلمة تفيضُ رقة وعواطف طيبة وتشكر لي فيها هديتي .....
أنقطعت عني أخبارها بعد هذهِ الرسالة وانقضت أيام وأشهروأنا أعتقدُ إن ميري تظنني حاقداً عليها حين لم أكنه ، وظلت هذهِ الفكرة تعاودني وتقوى في خاطري فتزيدني عذاباً ، لم أكنْ أطيقُ لها احتمالاً لأن ميري فتاة مرهفة الحسِّ والمشاعر .
قررتُ يوماً زيارتها فذهبتُ إلى مدينة ميدلفورد لقضاء بعض الأعمال ، ونظَّمتُ ساعات عملي هناك بحيث جعلتُ لي مُتسعاً من الوقت لزيارتها بعد الظهر ....
قصدتُ دارها ، ولدى وصولي إليها أدخلني الخادم بهواً واسعاً ، كانت الدار وسط حديقة جميلة غناء يحيطها سياج كثيف ، منظر القصر يدلُّ على حُسنِ ذوق مصمِّمه والمُشرف على بنائهِ .
كان البهو الذي دخلته مُزداناً بطريقة فنيّة أنيقة ، وكلُّ ما فيه من لوحات وخزانة كُتب وأرائك بديع الصُنع كان .
أتخذتُ لي من إحدى الأرائك الفخمة مجلساً حتى جاءت ميري فرحَّبت بي ترحيباً بليغاً يفيضُ بما عرفتهُ فيها من الحُب والمودة وشعرت بنشوة سرورٍ وارتياحٍ لزيارتي لها ، قالت لي ميري :
ـ لا بُدَّ إنّك باقٍ عندنا يا شارل ، وأعتقدُ إن آرثر سيكون هُنا عند العشاء ، وإلا فسأكونُ بحاجةٍ إلى من يبقى بصحبتي .
ظللنا في البهو زهاء ساعة لمَّا سمعتُ صوت سيارة عند مدخل القصر ... دخل براونلي الغرفة فحياني بكُلِّ لطف ، وكان كلبهُ الصيني يتبعهُ ، وما أن رأى الكلب ميري حتى قفز على ركبتيها يداعبها وهي  تسِرُ له ، أما أنا فلا أُحبُّ كلاب المجالس .
نهضت ميري وهي تقول لزوجها :
ــ عليّ أن أخذ شارل إلى غرفتهِ .
فقال لها :
ــ حسناً تفعلين خذيهِ بالحال .
كانت غرفة الضيوف التي أخذتني إليها ميري مفروشة بفاخر الرياش ، فيها السجوف الحريرية والطنافس  الفارسية والأرائك الفضيّة لوناً كلَّها تحيرُ الألباب ، ويُلاصقُ الغرفة مخدعٌ صغير للاستحمام ، فيه مُغتسل مرمري جميل .
جلستُ بتحفظٍ واحتراز في إحدى الكراسي الوثيرة ، فتحتُ حقيبتي لأخذ منها غليوني ومحفظة تبغي إلا أني بعد قليل تفكير أعدتهما إلى الحقيبة مُفضلاً ألاّ أدخن خوف أن يتساقطُ رماد غليوني على إحدى السجادات فيلوثها .
بعد العشاء شعرتُ بزوال الكُلفة عني وخاصة إن ميري وزوجها كانا في غاية اللطف والكياسة معي ، فانقضت الأُمسية في غاية البهجة بسرعة ، وعند منتصف الليل صعدتُ إلى غرفتي لأنام مغتبطاً لمجيئي ، خلعتُ ملابسي ، ولمَّا أردتُ إطفاء المصباح بجانب سريري سحبتُ بقوة السلسلة المعدنية المربوطة به فانقطعت ولم استطعْ إضاءتهِ ثانية ، ولتعتيم أضواء الغرفة اضطررتُ إلى الذهاب قرب الباب حيثُ وجدتُ في الجدار زراً ضغطتُ عليه فانظفأت الأضواء ورجعتُ إلى سريري أتلمسُ طريقي بكلتا يديّ وسط الظلام .
استيقظتُ في ساعة هي بين منتصف الليل والسحر ، رُبَّما كانت الثانية أو الثالثة ، وكنتُ أشعرُ بحرارة وعطش شديدين .
مددتُ يدي إلى المصباح بجانب السرير ولكني تذكرتُ إني قطعتُ سلسلته ، كانت الغرفة حالكة الظلام ، يجبُ إذاً أن أذهب إلى غرفة الاستحمام لأجد لي قدح ماء ، أظنني تذكرتُ في تلك اللحظة وجود قارورة ماء فوق المنضدة قرب سريري ، نهضتُ بكثيرِ تحفُّظ أبحثُ عن القارورة بين الأغراض المُبعثرة فوق المنضدة فاصطدمت أصابعي بشيء حسبتهُ كوباً ، أدخلتُ أناملي فيهِ فتبللت بسائلٍ يحتويه ، خامرني الشك أني سكبتُ منهُ بعض القطرات ، وشعرتُ بحزنٍ عميق في نفسي لأني علمتُ إن الماء قد انصب فوق السجادة ، هممتُ أن أذهب حالاً إلى غرفة الاستحمام لأخذ منه منشفة ، استولى عليّ الاضطراب والجزع وبدأتُ أبحثُ عن طريقي حتى اهتديتُ إلى احد الجدران فتلمستهُ بيدي وتتبعتهُ حتى وصلتُ باب الغرفة فكبستُ الزر الكهربائي فانتشر في الغرفة نورٌ لطيفٌ خافت ، جمدَ الدم في عروقي ، تسمرتُ في مكاني أنظرُ بشرودٍ إلى الأضرار التي سببتها في الغرفة ، وكدتُ أجنُ لِما استولى عليّ من الرعب في تلك اللحظة ، فما ظننتهُ ماء لم يكنْ سوى مداد سال قسم منهُ على السجاد ، وأما القسم الآخر فما زال يجري فوق المنضدة ، شاهدتُ بصمات أصابعي منطبعة على السجوف والخمائل الحريرية المُسدلة على النوافذ والجدران التي بين السرير والباب ، فارتسم منها خط مستقيم ، ذهبتُ إلى الحمام لأغسل يدي وأنا اترنحُ خجلاً كالسكران وليس بخمرة .
لم أكنْ أجهلُ إن الكرى فارق عيني ولم يعدْ يطبق لي جفن ، نهضتُ صباحاً من سريري وبعد أن أكملتُ هندامي نزلتُ إلى البهو حيث سبقني إليه آرثر ، فلمّا رآني أخذه العجب والانذهال لما لاحظهُ عليّ من ذُعرٍ واضطراب ، لم يطُل غياب ميري ، ولمّا دخلت قلتُ لها ولزوجها :
ــ اعترفُ إليكما بذنبٍ كبير اقترفتهُ وأسألكما عنهُ الصفح ...
قلتُ هذا وأنفاسي تكادُ تتقطع ، ثُمّ استطردتُ في القول :
ــ لقد اتلفتُ غرفة ضيوفكم الأنيقة ، ولا أقدرُ أن أنسى ذنبي هذا ما حييتُ .
قصصتُ عليهما بالتفصيل كل ما جرى لي فأخذ براونلي يضحك بملء شدقيهِ مُظهراً لي انبساطهِ لهذا الحادث إلاَّ أني لاحظتُ في ضحكتهِ كثيراً من التصنع ، ثُمَّ قال :
ــ إنَّهُ لعمل بديع يا شيخ ، فشكراً لك ، لم يكنْ لون الجدران بالذي يروق لي ولا هذهِ السجف بالتي أهواها ، وميري نفسها لم تحبها هي أيضاً ، أليس كذلك يا عزيزتي ؟ لا تعودي تفكرين بذلك .
علت وجه ميري صفرة حزنٍ غامقة إلاَّ أَنَّها جمعت بجهدٍ شتات شجاعتها وابتسمت مُمسكةٍ ذراعي وهي تقول :
ــ خلِ عنك هذا ولا تهتم له ، مسكين يا شارل ... كم إنَّك متأثر ومضطرب ....
أما أنا فقلتُ لها :
ــ على كل حال يجب أن تعيدي صبغ الغرفة بكاملها وتزينيها بفاخر الأثاث ، وترسلي قائمة بتكاليف ذلك ..
فلم ترضَ .
كانت الدموع تجول في عينيها الجميلتين فتحاول حبسها فيهما ، أمَّا شفتها السُفلى فكانت ترتجف لشدةِ تأثُرها ، وقلبها الطافح رقة وجودة حال دون أن ترميني في رأسي بأصيصٍ من أصصِ أزهارها .
أخذتني إلى غرفة الطعام لتناول الفطور ، ولا أتذكرُ بتاتاً أي حديث دار بيننا لشدةِ اضطرابي ، كما إني لا أذكرُ إن تناولتُ البيض الذي قُدِم لي أم لم أتناولهُ .
أدركت ميري وأدرك زوجها شِدَّة اغتمامي وعميق انفعالي فأخذا يُنفسان عني الهم ويزيلانِ الجزع بمزيدٍ من لطفهما حتى أني لم استطعْ تحمُّل شِدَّة عطفهما عليّ وتسامحهما معي فتملكني مللٌ لم أشعر بهِ قبل ، وأخيراً ادعيتُ أنّ بعض الأعمال المستعجلة تضطرني إلى العودة حالاً فودعتهما وهكذا تمكنتُ من مفارقتهما والتخلص من ورطتي .
تحاشيتُ الذهاب إلى ميدلفورد مدة سنتين ، ومِمَّا أقضَ مضجعي وسلبني راحتي هو أن ميري لا تزالُ تذكرُ الحادث الشنيع الذي وقع لي في غرفة ضيوفها، وإنَّها تعلمُ يقيناً أني أيضاً لا أزالُ ذاكِرهُ ومتألمة لهُ فهي تعرفُ طباعي حق المعرفة ، ولابُدَّ إنّ تفكيرها فيّ وفي مقدار ألمي لهذا الحادث كان يُسبِّبُ ضيقاً وألماً لأنّها تحملُ لي بين طيات فؤادها مودة بالغة وحُبّاً جُماً ، أخذتُ أشعرُ بشوقٍ بل بحاجةٍ مُلحة إلى رؤيتها ، فقرَّ رأيي على الذهاب إليها .
لم أُخبرها بزيارتي لها لأني لم أكنْ واثقاً من نفسي أني سأثبتُ على عزمي ، أو سألقى فيّ الشجاعة الكافية لأُبعد عني ذكرى غرفة ضيوفها ، بقيتُ في حيرة من أمري حتى وجدتني يوماً في الطريق الضيق المؤدي إلى دار براونلي ، ولم أكنْ أعرف كيف سلكتهُ .
كان ذلك في أحد أيام الصيف ، وكان الباب الخارجي للدار مفتوحاً ، إلاَّ أني دققتُ الجرس فلم أسمعْ أي جوابٍ أو صوت .
أخيراً سمعتُ صوت ميري تدعو كلبها :
ــ تشينكي ، تشينكي
دفعني دافع سوء ، وإنْ لم يكنْ ذلك من طبعي إلى ولوج الدار دون إعلام ميري بقدومي ، كان ذلك تحدياً لها ... إلاَّ أني دخلتُ الدار وسِرتُ في الطريق المؤدي إلى البهو حيث وجدتُ بيان ميري في الزيارة الأولى ولا يزالُ في موضعهِ كما كان قبل سنتين ، وعلى المنضدة مزهريتان جميلتان ، في إحدى زوايا البهو البعيدة ــ وكانت مُعتمة ــ لمحتُ الأريكة الكستنائية اللون التي جلستُ فيها في زيارتي الأولى .
سمعتُ ثانية صوت ميري العذب آتياً من ناحية الحديقة ، كانت الغرفة معتمة كما قلتُ لأن شبابيكها الخارجية كانت مُطبقة حتى لا تدخلها أشعة الشمس ووهجها .شعرتُ بتعبٍ شديدٍ لأني قطعتُ الطريق الذي بين المحطة ودار ميري مشياً على الأقدام ، أضفْ إلى ذلك الصراع العنيف الهائل الذي قام في عقلي الباطني طيلة السفر فانهكتني الجهود الجبارة التي بذلتها مُرغِماً نفسي لتتغلب على عواطفي حين مثولي بين يديّ تلك المخلوقة الحلوة اللطيفة التي أسرت بحبها فؤادي بيد أني جرحتُ رقيق عواطفها ومرهف حسّها بغباوتي وجهالتي .
ارتميتُ على الأريكة من شِدَّة تعبي فسمعتُ بغتةصوتاً مبحوحاً كأنّهُ صوت مخنوق قد خُنِقت أنفاسهُ ، نهضتُ للحال من مكاني مذعوراً ، وإذا بي أسمعُ عواء تتقطعهُ صراخات توجُّع متتابعة متلاحقة .
يا للمسكين ... كان تشينكي ــ الكلب الصيني الصغير ــ نائماً على الأريكة فجلستُ فوقه ، سقط أرضاً صارخاً يتألم ثُمَّ أخذ يسحبُ نفسهُ سحباً في اتجاه صوت صاحبتهُ ومولاتهُ ميري .
سبقتُ فقلتُ إني لا أحبُّ كلاب المجالس ، ولكني رغم ذلك شعرتُ بارتباكٍ عظيم لإيلامي هذا الحيوان الضعيف ، كانت ميري تُحبُّ كلبها ولا شك ، ففكرتُ في شِدَّة الحزن والغم اللذين سيستحوذان عليها إذا ما رأتهُ يعرجُ متألماً يجرُّ وراءهُ رجلاً نصف مكسورة .
رجةٌ عنيفة اخترقتني ـ كأنّها السهم ـ من قمة الرأس إلى أخمص القدم ، شعرتُ بضعفٍ وانحلالٍ تامين ، أما ميري فلا زالت تدعو كلبها بعذبِ صوتها ، خرجتُ خفية من الردهة فتسللتُ خارجاً حتى وصلتُ الحديقة ومنها إلى الشارع ثُمّ المحطة ، وبينما كنتُ أُغادرُ منزل ميري سمعتها للمرَّةِ الأخيرة تقول :
ــ تشينكي، عزيزي تشينكي ما بك ؟ أوه ! وأهاً عليك .
ــ انتهت ــ   

/////////////////////

مُلاحظة :
أَتَقدَّمُ بِخالِص الشُكْر والتَقْدِير لِلأُسْتَاذ د. ابراهيم العلاف على تَعاونِهِ وتَزْويدي بِنُسْخَة مِنْ تَرْجَمَة قِصَّة ( عِنْدَما أَزورُ ميري ) والمَنْشُورة في مَجلَّةِ المُحاسِب عام 1965 م .