الحوار والراي الحر > المنبر الحر

هالة الحشد الشعبي المقدسة ومستقبله المجهول

(1/1)

نذار عناي:
عندما تأكدت ماري مونتسوري من نجاح تطبيق نظريتها التربوية التي تعمل على قدح شرارة الإبداع الداخلي وتقوية الاستمكان الذاتي لدى الطفل انتابها شعور جميل ممزوجا بالفخر لأن ذلك من شأنه أن يساعد على خلق أجيال مبدعة خلاقة تكون منتجة للبشرية أكثر من أن تكون مستهلكة. ولكن اصابها الاحباط حين استدعاها (موسوليني) وطلب منها تطبيق نظريتها تلك على الجيش إذ عرفت أن ذلك سوف يخلق منظومة بشرية مبدعة في القتل يصعب إيقافها. حينها لم يكن لها بد سوى الهرب إلى أكثر شعبا مسالما لتقضي بقية حياتها وتدفن في الهند.
ان تاريخ البشرية لم يخلو من عملية خلق مجاميع او منظومات بشرية (مبرمجة) لتأدية وتنفيذ غايات غير نبيلة كالقتل والقمع معتمدة على دوافع ونوازع منها (المحافظة على المصلحة العامة) - يتحدث نائب وزير خارجية تشيكوسلوفاكيا عن احداث (خريف براغ) قائلا (عندما كنت أجيب على الأسئلة التحقيقية التي كان يوجهها إلي المحقق السوفيتي كنت اشعر ان كلماتي تصطدم بكائن حجري لا يسمع إلا ما يريد هو سماعه فقط) كذلك طور السوفيت جهازهم الامني بطريقة كي تنفذ الأوامر الصادرة إليها, مهما كان شكل تلك الأوامر, دون مناقشة الظروف المتعلقة بها - وليس أبلغ من اعتماد خاصية (التخاطر - Telepath) في التواصل لضمان تنفيذ الأوامر دون ارباك.
لقد كان صدام حسين وحزبه واهمين عندما ظنوا أنهم تمكنوا من خلق منظومات بشرية مثل الأمن والمخابرات والاستخبارات واشبال وفدائيين دافعها (الحس الوطني والمصلحة العامة) وأنها سوف تكون محصنة لتنفيذ ما يطلب منها دون أية مؤثرات خارجية - كانوا واهمين لأن عامل الحس الوطني قلما يعمل مع الشخصية المشرقية, وان عمل, فهناك عوامل اخرى تقوى عليها لان العامل الأقوى في معادلة الانتماء في دول المشرق هي الدين.
قد تكون مقولة (الدين أفيون الشعوب) فقدت بريقها لدى الغرب مثلا ولكنها مازالت وقادة لدى الشعوب العربية والشرق اوسطية والعراق احداها. وبذلك فقد عرف السياسيين الجدد - أو تم نصحهم - لاعتماد الدين أو الانتماء الديني أساسا لتشكيل فصائل مسلحة تتطور بعدها على شكل منظومة عسكرية وهي (الحشد الشعبي المقدس).

إن أساس تشكيل الحشد الشعبي وفصائله لم تكن من أجل غايات وطنية وإنما بدأ على شكل فصائل مسلحة الغرض منها تثبيت أقدام الأحزاب السياسية الدينية في العملية السياسية أثر الفراغ السياسي الذي تولد نتيجة إسقاط النظام الاستبدادي السابق, وكذلك من أجل الحصول على المكاسب السياسية والاقتصادية اللازمة. بيد، لولا العامل الديني الطائفي الذي قرب من توجهات تلك الفصائل لوقعت اسيرة نزاعات عسكرية فيما بينها كانت سوف تتسبب في إراقة المزيد من الدماء وأحبطت طموحات السياسيين الداعمين لها.
من الناحية الأخرى, بقيت صراعات الطوائف والمذاهب من أجل السلطة, والمحافظة على المكاسب السياسية الطائفية, والخوف من فقدانها, تقرع ناقوس الخطر لدى سياسي الطائفة والمذهب. وقد كان ظهور داعش المحسوب على طائفة السنة سببا لترضخ المرجعية الدينية في النجف الاشرف لإرادة السياسيين وتقوم بإصدار فتوى الجهاد الكفائي لمحاربة داعش التي وسعت وطورت هذه الفصائل والتشكيلات العسكرية تحت مسمى الحشد الشعبي والذي تم إدخاله لاحقا ضمن التشكيلات الحكومية لضمان استمرار تمويل بقاءه والتوغل ضمن كيان الدولة ومقدراتها.
 ولابد من القول، إن اتخاذ خطوات استثنائية مثل الجهاد الكفائي وتشكيل الحشد الشعبي لمحاربة الأخطار الخارجية هي مستلزمات مرحلية وهذه أمور طبيعية الحدوث ، ولكن مسألة إضفاء صفة (القدسية) الى تشكيلات الحشد الشعبي الذي هو منظومة عسكرية وذلك بتسميته ب(الحشد الشعبي المقدس) سيؤدي إلى خلق منظومة بشرية عسكرية (تحلل ما تفعله وتحرم ما يفعله المختلفين معها) ولن يتمكن احد من المساس بها أو حتى التفكير في انتقاد نشاطاتها كما هي الحال مع الرموز الدينية التي تحمل هذه الصفة (القدسية) والتي يعتبرها (المنتفعين من هذه الصفة) ك(خط احمر).
 ولكي نكون منصفين, ان كان لدينا ما يضمن ان هذا الحشد سوف يسخر إمكاناته في خدمة البلاد ومصلحة الشعب كما تحددها الأعراف والمفاهيم الوطنية والاجتماعية والقيم العليا والشرائع الدولية فسوف نكون ملزمين لمساندة هذا الحشد وتشجيعه. أما إذا لم يكن لدينا أسباب الوثوق بأن نشاطاته تتماشى مع المصلحة العليا للشعب أو لدينا شك بأن هذه المنظومة العسكرية عندما تتمكن سوف تقرر بنفسها كيف سيكون شكل المصلحة العليا للشعب وبحسب إيديولوجياتها واستراتيجياتها الخاصة أو توجهات قياداتها فنكون حينها في وضع خطير على مستقبل الشعب والمجتمع والبلاد. حينها سوف يكون بمقدورها فرض سلطتها وتشكيل حكومة حسب إرادتها بما في ذلك الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية كما فعلت داعش في المناطق التي سيطرت عليها عسكريا.

واقع الحشد ومؤشراته المستقبلية:
رغم كونه مازال في مرحلة النضوج الا أن الحشد لديه قدرات وامكانات كبيرة بحسب زاوية النظر من اربعة محاور:
1-  التسليح: أصبح بإمكانية هذه المنظومة العسكرية أن توازي قوة الجيش العراقي النظامي بدلالة الاستعراضات التي تقوم بها فصائل صغيرة منه في مناسبات عدة, رغم إحاطة امكاناته بالسرية بشكل عام والذي قد يظهر بعض المفاجآت التي لا تعرفها حتى الحكومة.
2-  الانضباط: مازال غير مكتمل بالشكل المؤسساتي الأمثل لذا عادة ما تظهر تصرفات من بعض الفصائل بصورة غير مهنية ولكنها مع الوقت بدأت تبدو وكأنها أصبحت موجهة أكثر رغم تنصل اعلانات قيادات الحشد عن الأحداث المنسوبة إليه مما يدل على أن الانضباط بدأ يستقر ويزداد صرامة.
3- النفوذ: رغم سيطرة الحشد على بعض مفاصل الحياة داخل جسم الدولة والمرافق الاقتصادية والاجتماعية إلا أنه مازال يحاول التوسع جغرافيا وخاصة في مناطق قريبة من مركز صنع القرار في العاصمة بغداد, وما قضية ناحية جرف الصخر جنوب بغداد الا بداية محاولات عزل مناطق خاصة به ليست فقط محرمة دوليا وإنما حتى على الحكومة وأن التوجهات هي نحو التوسع واستثمار مناطق أخرى مثل الطارمية شمال بغداد
4-  الناحية الاستراتيجية: مازالت توجهات بعض الفصائل غير محددة ومتقلبة من ناحية ولاءها وتوجهاتها بسبب اختلاف وجهات النظر نحو المكاسب للأحزاب الساندة لها. ولكن هناك تقريب لوجهات النظر وخلق مصالح مشتركة لكي تتماسك رغم ما يظهر للعلن من تباين وجهات النظر فيما بينهم إلا أن الحقيقة المخفية هي أن مصالحهم ورؤاهم متقاربة ومشتركة ويكفي شعار (الدفاع عن المذهب) لجمعهم تحت خيمة واحدة وأن يضعهم جميعا في سلة الدفاع عن بعضهم البعض وعدم التفريط بأي فصيل - إلا إذا خرق قوانين اللعبة.

على العموم, أن المؤشرات والوقائع تدل على أن هذا الحشد يتطور ويكبر ويتقوى اكثر واكثر من خلال التسليح والانضباط والبعد الاستراتيجي والنفوذ الجغرافي والمعنوي. بل ويتوغل اكثر واكثر ضمن مفاصل الدولة العراقية وخاصة تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع ماديا ولوجستيا.
اضف الى ذلك انه لا توجد مؤشرات على أن آية من فصائل هذا الحشد تحاول الاندماج الحقيقي ضمن القوات النظامية وإن كانت هنالك بعض النزعات فهي ليس للاندماج وإنما التوغل من أجل السيطرة على عمل هذه الأجهزة. كما أنها ما زالت متمسكة بمصادر تمويلها الاقتصادية والمادية والعسكرية والحصول على مصادر إضافية جديدة.
من جانب اخر, فإن الحشد الشعبي رغم كونه رسميا تابعا لشخص القائد العام للقوات المسلحة ويدعي (الائتمار بأمره) إلا أنه يتمتع باستقلالية القرار وان استقلالية القرار هذه يعتبرها قادة الحشد استحقاق عن مشاركة الحشد في القتال ضد داعش وتقديمه تضحيات بشرية  وسوف لن تتنازل عنه. ولكن تحت الضغط الشعبي والمفاهيم والأعراف الاجتماعية الحالية لا تستطيع قيادة هذا الحشد سوى مسايرة (المصلحة العامة للشعب) برفع شعار (الائتمار بأمره الحكومة) إنما عند اكتمال بناء هذا الحشد من ناحية التسليح والانضباط والأفكار والنفوذ فسوف يكون بمقدوره أن يضع مفاهيمه الخاصة فيما يخص (مصلحة البلاد) والتي ليس بالضرورة يومها ان تتماشى مع ماتراه الحكومة او الشعب. ولن يكون بمقدور سلطة القضاء العام والسلطات المدنية والحكومية حين يكون محاطا بهالة القدسية اختراق حاجبه القدسي
جدير بالذكر إن أيديولوجية هذا الكيان بحسب المعطيات والمؤشرات التي أظهرتها تصرفات فصائله سابقا تدل على الغالب انها إيديولوجيات يصعب التكهن في توجهاتها ولكنه يبدو واضحا أنها غير ولائية للوطن والمواطن ولا تتقرب من هموم وغايات الشعب وتتقاطع مع تطلعات الشارع العراقي وتحديدا تظاهرات تشرين عام 2019 وما تبعها من أحداث عنف, وتتقاطع مع إرادة الحكومة الوطنية حيث نرى عندما تكون الحكومة مضطرة أمام الضغط الشعبي أن تمس أحد أفراد هذه الفصائل تظهر واضح للعيان ملامح الرفض والاستهجان وحتى الاستهزاء وإبراز عضلاتها العسكرية. فإن كانت هذه الفصائل وهي في طور النمو تكشر عن أسنانها وأظافرها لتهديد ما لا يتماشى مع رغباتها, فما بال وان اصبحت كيان متين متماسك ومتمكن.

الخلاصة:
1   أن اضفاء الهالة القدسية على اشخاص او مؤسسات تسخر إمكاناتها قولا وفعلا لخدمة البشرية والتعايش السلمي هو استحقاق عادل انما منحها الى اشخاص او مؤسسات عسكرية لا يعرف ولا يمكن الوثوق بمخرجاتها فهو عمل خطير يكون من الصعب التحكم بنتائجه.
2   إن عملية حل هذا الحشد بقرار من الحكومة أو المرجعية العليا في النجف او قيادات الأحزاب السياسية الداعمة لها امر مستحيل وذلك لأن لدى الحشد من مصادر البقاء والاستمرار والاستقواء ما لا تستطيع انتزاعه منه أي من هذه الجهات الثلاثة. لذلك أمام الشعب العراقي من الشرفاء والعقلاء والمتنفذين في صنع القرار في يومنا هذا  مسؤولية مفصلية بخصوص هذا الحشد (المقدس) الذي أصبح كسلاح منتج حديثا (نعرف أنه يقتل ولكن لانعرف مدى الضرر الذي يمكن أن يسببه)  مسؤولية لنزع صفة القدسية عنه ومراقبة استقوائه وتطوره ومحاولة السيطرة على منابع تمويله.

شوكت توســـا:
الاستاذ نذار عناي المحترم
تحيه طيبه
 اعجبني مقالكم, عدا كونه موضوع مهم فهو عويص  ومعقّد, شخصيا اشك بقدرة اية حكومه عراقيه على ازاحة هذا التشكيل(العسكري والمذهبي المسيس)  ما لم تتوفر  اولا لدى  اميركا اسبابا توجب توجيه ضربه للحشد الشعبي , وهو امر ليس من السهل تحقيقه ما لم تتوفر ايضا لدى ايران اسبابا   تضطرها للتخلي عن دعم الحشد الشعبي.
اخي نذار  في العام 2015 , التقيت عن طريق الصدفه بشخصين تبين لاحقا بانهما كانا من قيادات الحشد , دار  بيننا حديثا مطولا ,لفت انتباهي  تاكيدهما  على ان تشكيل الحشد الشعبي هو مجرد دعم لكرامة الشعب بكل اطيافه وهذا ما حفزني في وقتها على كتابة مقال مطول لتوضيح مقارنات تجارب سابقه بتجربة تشكيل الحشد الشعبي , لا اريد ان اسلب وقتكم ووقت القراء, لكني اعتقد ربما في العوده الى المقال قليل من الفائده.كما اني اعتذر  عن عدم استطاعتي تهيئة الرابط,,  لذا اتبعت وسيلة استنساخ النص ونشره هنا.

الحشــــد الشعبي بين المـُـراد منه شيعيا ً وبين ما يستدعي لانجاحه  عراقيا ً /شوكت توسا
  سأعتمد فيما سأعتمده  لبلورة فكرتي , على معاصرتي لأنظمة حكمت العراق  استخدمت شتى الوسائل من اجل  تثبيت وفرض سلطاتها إضافة الى جيشها النظامي  من قبيل تشكيلات مـُنحت صفة الشعبيه والقوميه او الوطنيه لأسباب و أغراض إختلط المعلن عنها مع ما كان مخفي ومبطن لكن الحقيقه استبانت في النتائج الملموسه على الأرض.
 في أواخرعام 1958  بعد نجاح ثورة 14 تموز التي كان للحزب الشيوعي العراقي دورا رياديا في إنجاحها ودعمها  في بداية مسيرتها , ظهرت في الأفق محاولات  داخليه مدعومه من أنظمة دول الجوار لإجهاض الثورة ,فما كان امام الحزب الشيوعي وبالتنسيق  مع الحكومه إلا تبني فكرة تشكيل ميليشيا بأسم المقاومه الشعبيه , إنضم اليها الآلاف من منتسبي  الحزب و مؤازريه شباب وشابات دفاعا عن ثورتهم المجيده ومنجزاتها التي شرع القوميون العروبيون والاسلاميون بمعاونة انظمة سوريا ومصر الى أجهاضها واسقاط نظامها , فنال  التشكيل في بداية تأسيسه تأييد الحكومه وزعيمها وجماهير الحزب المدافعه عن الثوره , إلا أن ظاهره تسلل المنتفعين وإنضمامهم الى المقاومه الشعبيه كانت القشه التي قصمت ظهر التشكيل فحرفته عن هدفه النبيل  خاصة  أثناء وما بعد القضاء على مؤامرة الشواف في 1959 , فقد برزت ممارسات  مشينه  من قبل عناصر المقاومه الشعبيه  كالانتقام والابتزاز مشوهة بذلك سمعة التشكيل  ومسببة ً الكراهية والاحقاد بين مكونات العراقيين , وبالرغم  من تأكيدات شهادات العديد من الشيوعيين والمستقلين على ان تلك التصرفات كانت شخصيه لا علاقة للحزب الشيوعي في التوجيه بها او التحريض على ارتكابها, الا ان الملامة ألقيت و مازالت  تلقى على الحزب و سوء ادارته للتشكيل الذي  أحرج موقف الزعيم عبدالكريم قاسم  أزاء إلحاح الضباط القوميين والبعثيين  مما إضطره الى إصدار اوامر حل المقاومه الشعبيه  وتجريد عناصرها من السلاح وزج البعض من قادته في السجون, إذن شئنا ام أبينا  فان التجربه فشلت بعد ان كان المؤمل منها ان تستمر في مساندة الثوره  ومقاومة  التيارات القوميه والبعثيه والاسلامويه  والسبب كما اشرنا هو عدم ضبط  وترتيب عملية تشكيلها والمهام الملقاة بواجباتها على عاتقها  لمواجهة مستهدفي الثوره من الداخل والخارج.
بعد إنقلاب شباط 1963 المشؤوم, ومن أجل أن يستمكن الإنقلابيون(القوميون والبعثيون والاسلاموييون)  من مسك السلطة بيد من حديد وفرض نفوذهم على أجهزة الجيش العسكريه و الشارع العراقي الملتهب , لجؤوا الى تبني النمط الذي فشل في إتباعه الحزب الشيوعي لكن باسلوب أعنف وأخلاقيه أوطأ مما يتصوره العقل,  حيث تم تشكيل  كتائب الحرس القومي التي راحت تمارس الجرائم وبروح انتقاميه بحق كل من ثبت اصطفافه او تعاطفه مع ثورة الرابع عشر من تموز الوطنيه , فأمتلات السجون والمعتقلات  بعد ان كثرت المداهمات للمدن والقرى لملاحقة الشيوعيين ومؤازريهم  بهدف تصفيتهم, اي ان هذا التشكيل في حقيقته لم  يثبت لنفسه اي موقف مشرف بل جّسد  أخلاقية الإنقلابيين ومدى كراهيتهم للشعب وحبهم للانتقام منه. بعد اشهر قليله ومع تصاعد وتيرة الصراعات بين قيادات الحرس القومي واطراف بعثيه من اجل الاستحواذ على الحكومه والسلطه, تعاون البعثيون مع الرئيس عبد السلام عارف في شن حملة للقضاء على تشكيلات الحرس القومي , وقد تم لهم ذلك في تشرين من عام 1963 بعد القضاء على ميليشيات الحرس القومي لتنطوي صفحه اجراميه وحشيه قادها الحرس القومي الذي ضم عناصر بعثيه  وقوميه واسلاميه متطرفه .
في تموز من عام 1968 انقلب البعثيون( احمد حسن البكر وصدام حسين ومجموعة اخرى من الضباط) على نظام الرئيس عبد الرحمن عارف شقيق الراحل عبد السلام , ومن اجل بسط النفوذ الحزبي البعثي على مفاصل سلطة البلاد خاصةفي مجالها العسكري,كان لابد من السير على خطى من سبقوهم لكن باسلوب مغاير نوعا ما  حيث كانت فكرة  تشكيل عسكري شعبي اضافة الى تشكيلات أفواج ما كانت تسمى بالفرسان  او افواج الدفاع الكرديه الخفيفه (الجحوش) التي كانت تضم أكراد العشائر المواليه  للحكومه لمحاربة مسلحي الحركه الكرديه في شمال العراق انذاك , فقد تم في عام 1970 تشكيل  الجيش الشعبي الذي قيل عنه انه ظهير للحكومة والحزب القائد وتولية قيادته لصدام حسين الى عام 1974  ثم تم  تسليم قيادته فيما بعد  للنائب الضابط البعثي طه ياسين رمضان , لم يكن تسليح هذه الميليشيات ولا تدريباتها يرتقي الى مستوى التقنيه والمهاره التي تستحق الذكر في تأدية الدور المتميز مع ان تعداد متطوعيه ومنتسبيه  تجاوز النصف مليون مقاتل خاصة  اثناء الحرب العراقيه الايرانيه , فقد كان معظم منتسبي الجيش الشعبي من الموظفين والعاطلين من الذين لم تدعى مواليدهم الى الجيش يساقون  الى التطوع  بقوة التهديد , و بعد تلقيهم  تدريبات عسكريه بدائيه خفيفه  يوزعون  الى مواقع عسكريه داخليه وحدوديه خلفيه ضمن قواطع جبهات  مقاتلة الايرانيين والمسلحين الأكراد شمال العراق .
بعد هذا العرض المختصر لبعض التشكيلات الغير النظاميه(الشعبيه الفاشله) التي كان يـُنظر اليها بمثابة ظهير وسند للسلطه ولقوتها العسكريه,  تلاشت طلها  حالما سقطت الأنظمه  دون ان يكون لها اي دور في الدفاع عن السلطة ونظامها .
اليوم وحديث مقالنا  يتعلق بتشكيل الحشد الشعبي  الذي جاء إعلان تأسيسه بفتوة من المرجع الشيعي الأعلى ,يقينا ً لم  تظهر الحاجة الى هذا التشكيل من فراغ, أنمامن أمرين متداخلين  ببعضهما  أولهما خطورة التهديد الذي تعرض له الوجود الشيعي في العراق من قبل تنظيم داعش وهو في نظر المرجعيه وكما طرحته يشكل تهديد لكل العراق ومكوناته ,وثانيا عجز الجيش العراقي وضعف أدائه في الدفاع عن حياض الوطن  وتكرار هزائمه سواء بسبب قلة خبرته وضعف تدريباته او نتيجة خيانات بعض ضباطه , هنا لابد من التذكير بانه بين  قلة خبرة الجيش وخيانات بعض الضباط, هناك جهد سياسي اخطبوطي  فرض دوره  لم ينفك من حياكة مؤامراته ضد العراق, إشتركت في هذا المخطط الاجرامي أطراف داخليه وخارجيه  ترى  في امتلاك العراق جيشا عراقيا مقتدرا عائقا لمخططاتها , وقد تجسدت بداية هذا الجهد التآمري  في القرار المبكر الذي اتخذه الحاكم الامريكي بول بريمر في حل الجيش العراقي وتفكيكه مباشرة حال سقوط نظام صدام حسين, مما أدى الى شرذمة مؤسسه عسكريه متمرسه  جسـّد هيبتها الجيش العراقي, تم تفكيك هذه الهيبه وتشتيت ثقلها بشكل مدروس  يُذكي الى صنع صراع واستدامة فوضى داخليه خطط لها المتآمرون على العراق , فتوزعت مراكز القوى بين ميليشيات حزبيه  طائفيه مذهبيه شيعيه من جهه  وبين قوات كرديه ممثلة بالبيشمركه  يهمها انجاز مشروعها القومي المرسوم لها ,توسط هاتين القوتين  مجاميع سنيه في غالبيتها ( البعثيين الذين خسروا السلطه) اتخذت لنفسها عنوان مقاومة الاحتلال كغطاء رث  لاستعادة ما فقده البعثيون والمذهب السني من سلطه ,في ظرف كانت حدود العراق وبشكل متقصد قد استبيحت لا حارس  ولا رقيب يحميها مما مهد الطريق لمجاميع القاعده الارهابيين  للتسلل والاحتماء في حواضن  هيأتها لهم ظاهرة الإحتراب السني الشيعي. في خضم  هذه الصراعات الفوضويه  التي  أفضت الى غياب سلطة حكوميه ذكيه , لم يتسنى للعراق فرصة تشكيل جيش قوي وجهاز امني يتحمل مسؤولية حماية البلاد, فكثرت عمليات التفخيخ و القتل والتهجير والنزوح أمام تعاظم دور الجهد الاسلامي السني المتطرف  المدعوم بعثيا واقليميا (تركيا والسعوديه وقطر والاردن) وبتوجيه وسيطره امريكيه محكمه , فحينما إنكشف أمر القاعده بصحوة السنه المتأخره والخجوله في المنطقه الغربيه,انكمش نجم القاعده بتأثير الضربات التي تلقتها من سكان المنطقه الغربيه, ولكن تخبط الجانب السياسي الشيعي وحكومته المحاصصاتيه  وعدم استيعابه لاهمية تعامله السياسي  المعتدل مع  واقع هوية الصراع  , منح للامريكان  والمتعاونين  خصوبة اكثر للعمل على تهيئة وزج  جهد تنظيمي آخر تحت مسمى جديد  بدعم  سياسي وعسكري ولوجستي اقوى مما كانت تتمتع به للقاعده , حيث ان الملاحظ  لقدرات داعش يصاب بالرعب والدهشه لما تمتلكه من اسلحه وعجلات واموال وصلت الى امكانية سيطرتهم على منابع  ومصافي نفطيه تكفي لتمويلهم سنوات عديده.... 
 هكذا استطاعت داعش وفي وقت قياسي  ان تلحق الهزيمه بالجيش العراقي  و تحتل اكثر من مدينه (نينوى, تكريت, الانبار, ديالى) ثم راحت تهدد بالزحف تجاه  بغداد وكربلاء بعد ان غنمت مئات الالوف من قطع ومعدات اسلحة الجيش العراقي, أمام هذا الانهيار كان من الطبيعي ان تعجز العقليه الحكوميه المفككه عن اتخاذ اي قرار او اجراء عسكري نظامي لردع الدواعش وايقاف تمددهم نحو الوسط والجنوب الشيعي , فبادرت المرجعيه الدينيه الشيعيه  الى استنهاض  الوتر المذهبي لدى المواطن الشيعي  في فتوتها الجهاديه المشهوره ,  وعندما  انكشفت  جرائم الدواعش واستهدافها الوحشي لكل شرائح المجتمع العراقي , إكتسبت دعوة المرجعيه  وحشدها الشعبي مواقف تأييد ومسانده من قبل  العراقيين  من غير الشيعه وغير المسلمين, بدليل وبحسب احصائيات تعلن هنا وهناك, فان قوات الحشد الشعبي الجاهزه والمشاركه في عمليات تحرير المدن قد وصل تعدادها قرابة الـــ 120 الف مسلح , فيهم ما يزيد على 25 الف سني وقرابة ثلاثة الاف مسيحي او ما يزيد  بين جاهز يشارك في عمليات التحرير وبين من يتلقى التدريب للمشاركه مستقبلا في تحرير بلدات نينوى  وهكذا من الشبك والتركمان والايزيديين,,,,.
 في الختام نقول , لو كنا بصدد تقييم  محايد , بإمكاننا  ان نصل الى ذلك بمقارنه صريحه  بين تشكيل هذا الحشد الشعبي (الشيعي في بدايته ولتكن قاعدته الاساسيه هي الميليشيات) في ظروف قاهره  اقتضت تشكيله,وبين  تشكيلات المقاومه الشعبيه والحرس القومي وهكذا الجيش الشعبي , سنجد ان لدور الحشد الشعبي حتى لو تمناه البعض حشدا طائفيا او  إتهموه بالطائفيه, فهو في مقارعته ومطاردته لجرذان داعش يؤدي دورا  يتمناه  غالبية العراقيين  خاصة وقد تجاوز الحشد في جهوده   حدود الدفاع عن الطائفه ضد طائفة اخرى,  أمام صورة كهذه فيها من الأمل بما يشجعنا على  ان نطالب رئاسة الحكومه ومسؤولي المرجعيه بتعميق مهمة هذا الحشد وطنيا وتوجيه قادته وافراده نحو التعامل السلس والانساني مع ابناء العراق في مدنهم وقراهم بعد تحريرها , اذ من مصلحة القائمين على جهد الحشد لو أرادوا له  نصرا وطنيا, ان يهيئوا من ابناء المناطق المحرره تشكيلات شعبيه او نظاميه مدعومه حكوميا  تتكفل مهمة مسك الأرض بعيدا عن روح الانتقام او فرض الوصايات المذهبيه  او الدينية  او القوميه, بخلاف ذلك لا قدر الله سنكون قد أفشلنا  مهمة الحشد الشعبي  واستهترنا بدماء شبابه لا سامح الله  , اي اننا  بعد ان نخلص من براثن داعش انشاءلله لا نريد للعراقيين ان يدخلو في دهاليز اعادة توزيع  الادوار من اجل تقسيم العراق بين  ماسش  او كاردش او تاركش او شابكش اخرى , وهذا ما لا يتمناه اي عراقي شريف واصيل لابناء وطنه.

شكرا لكم اخي نذار
تقبلوا خالص تحياتي

نذار عناي:
حضرة الاستاذ شوكت توسا المحترم, تحية واحترام
تقول (ربما العودة على - مقالك السابق - فيه القليل من الفائدة)!! حقيقة فيه الكثير من الفائدة وذلك لأن التجارب السابقة التي ذكرتها حضرتك في المقال هي التي حملت الهواجس التي انتابتني من منح صفة القدسية على الحشد الشعبي. أن اكتمال بناء الحشد الشعبي من النواحي الاربعة التي ذكرتها (التسليح والتنظيم والنفوذ والبعد الاستراتيجي والايديولوجي) يمنحه القوة اللازمة لتغيير شكل الحكم والحكومة بالشكل الذي يخدم مصالحه. بل سيكون بإمكانه تغيير بوصلة (المصلحة العامة) كما يريد أو كما يرتئيه قادته (المقدسين)
الريبة كانت مصاحبة لتشكيل الفصائل المسلحة منذ البداية ولم تفارق تشكيل الحشد ونشاطاته لحد اليوم ولكن هنالك تخوف لدى الجميع سواء من الحكومة او الشعب لتقييمه أو تحجيمه او حتى ابداء الرأي فيه لأن اصابع الحشد لها امكانية الوصول الى كل ما تريد وهذا ايضا نداء استشعار لما تخفيه نوايا قياداته.
كما ذكرت في المقال, أن مؤشرات نمو الحشد تدل على أنه سوف يصبح منظومة بشرية عسكرية محاط بهالة قدسية تستطيع اعتقال أية شخصية مهما كانت صفتها في الدولة وتستطيع ان تفرض ارادتها على اية مؤسسة مدنية او عسكرية او اجتماعية او اقتصادية بالشكل الذي يخدم مصالحها ورغبات قادتها وستجعل البلد يعيش تحت دكتاتورية دينية يصعب التخلص منها.
تحياتي الحارة استاذنا العزيز شوكت توسا, اخوكم, نذار

بهذه المناسبة اود ان اقدم شكري للاستاذ عبدالاحد سليمان للفت انتباهي الى كلمة الجستابو في النص الأصلي والتي قمت بتصحيحها (حقيقة هذا ما كان قد علق في ذاكرتي من كتاب قرأته قبل اكثر من اربعين عاما على ما اذكر عنوانه -ربيع براغ, خريف براغ- مؤلفه هو نائب وزير خارجية تشيكوسلوفاكيا) ومن الصعب ان نكون قد تمكنا من الاحتفاظ بجميع الكتب التي قرأناها في حياتنا خاصة عندما كانت الإمكانيات المادية شحيحة.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة