الحوار والراي الحر > المنبر الحر

الأخضر دائما

(1/1)

يوسف أبو الفوز:
الأخضر دائما
يوسف أبو الفوز

...، (أسير مع الجميع وخطوتي وحدي) ... ثم، ... رحل سعدي يوسف وصرنا نكتب أمام أسمه (1934ـ 2021). رحل مع سفينة سالم المرزوق. رحل الشاعر والمعلم الأخضر بن يوسف تاركا لنا مشاغله، وما أعمقها!
خلال محنته الصحية في الفترة الاخيرة، لم أتمكن من التواصل معه، لأسباب مختلفة، رغم أني كتبت لزوجته الفنانة إقبال محمد علي، التي ـ للأسف! ـ لم تكلف نفسها حتى الإجابة على تساؤلاتي، وهي التي أيام نفيها وعملها في مدينتي السماوة كان بيت أهلي مفتوحا لها دائما وكانت أمي الراحلة ترعاها مثل أبنتها.
رحل سعدي يوسف الشاعر وخلال محنته الصحية كانت قلوب كثير من العراقيين معه، خاصة من المثقفين، وكما كتب الفنان هادي ياسين: "مهما اختلفنا معه فنحن مدينون له بصورة شعرية ولو واحدة"، فما ان بدأنا نهوى مطالعة الشعر، حتى وجدت قصائد سعدي يوسف طريقها الى قلوب الشباب مثلي بدون استئذان:
(ها نحن، قد جئنا
ودرنا
وانتظرنا ان نرى
أو أن يرانا الناس...)
 يذكر زملائي واصدقائي، أيام الدراسية الجامعية في البصرة، في منتصف سبعينات القرن الماضي، كيف كان يتورط أحدهم ويقرأ بيت شعر لسعدي، حتى يبادر اخرين لإكمال القصيدة، بل وأحيانا نعطيه اسم الديوان ورقم الصفحة. كان جيلنا يبدو متطرفا ومغاليا جدا في الامر، إذ ازعم كان فينا شيء من لوثة الجنون بالشعر والاسماء.
(نحن أبناء هذا الجنون
فلنكن من نكون)
في أيام الاختفاء، وضباع البعث الفاشي وجلاوزته تطاردنا من شارع لشارع، في نهاية سبعينات القرن الماضي، أفلح سعدي يوسف في مغادرة الوطن ــ المسلخ في قصة رواها مرارا في لقاءاته الصحفية وندواته. ايامها كنا مجموعة شباب، ليست قليلة، رافضين لسياسة التبعيث القسري، نسعى للحفاظ على مواقفنا وكرامتنا، نتمسك بأمل قدوم مواسم أخرى أفضل، فاجتهدنا لشد ازر بعضنا البعض ونحن نعيش متخفين في مدن العراق، (بلاد ما بين سيفين):
(زمن هو الشرطي، في يده
أرض العراق شبيهة الزمن.)
وها هو الصديق الراحل مخلص العطار يحصل على عدد من مجلة الهدف التي تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفيها كان ثمة لقاء مع الشاعر سعدي يوسف، يتحدث فيه عما يتعرض له المثقفين العراقيين من عسف وإرهاب وكيف اضطر المئات منهم لمغادرة العراق وهو منهم، وبكل تواضع كشف أنه لن يحتمل طرق التعذيب في اقبية اجهزة الامن التي سمع واطلع على شهادات من تعرضوا لها، ولا يريد ان يعرض نفسه له (ان جسدي لا يحتمل السياط وقلع الاظافر). ايامها استنسخنا اللقاء بواسطة ورق الكاربون على ورق شفاف ووزعناه كمنشور، راح ينتقل من يد الى يد، بحيث عاد لي بعد فترة مستنسخا بأيد شباب اخرين.
 (يكفي ان تمتد اصابعنا، كي نمسك بالحق
ويكفي ان نتنفس، كي نتفرس في الأفق المفتوح)
اخبرت سعدي يوسف بذلك حين التقيته لأول مرة، في مكاتب مؤسسة المدى ، في دمشق، صيف عام 1998، فشد على يدي محييا بحرارة بشيء من امتنان، واخبرته أيضا باختياري نصا له، أحفظه غيبا، وطالما اردده، وجعلته مقدمة لمجموعتي القصصية "طائر الدهشة"، التي صدرت عن المدى عام 1999:
(من بلد ستدور الى آخر
ومن امرأة ستفر الى امرأة
من صحراء الى آخرى
لكن الخيط الممدود مع الطائرة الورقية
يظل الخيط المشدود الى النخلة
حيث ارتفعت طيارتك الأولى!)
وعرضت عليه المخطوط الذي قدمته يومها لمؤسسة المدى ورقيا ومنضدا على ديسك، فصحح لي أبو حيدر النص، ونبه الاخوة في المدى الى ذلك، إذ وجد أني كتبت (ومن امرأة ستفر الى أخرى).
وفي نفس اللقاء همست له:
ـ كتبت الشعر بسببك وأزوغ من كتابته بسببك أيضا!
لم أقدم نفسي يوما كشاعر، رغم أني اكتب شيئا منه، ونشرت كذا مساهمات في الدوريات الأدبية، والفصل الخامس من كتابي" تضاريس الأيام في دفاتر نصير" (دمشق المدى 2002)، اقترح بعض الأصدقاء المقربين، نشره منفصلا ككتيب شعري، ولكني إذ لاحظت كوني أدور في فلك عالم سعدي يوسف الشعري، وان قصائده تترك ظلالها أحيانا بشكل واضح جدا على ما اكتب، فوليت اهتمامي للقصة ولاحقا الرواية، فما دام الأصل موجود، ما الحاجة لظلاله!
(سيدي الأخضر المر
 يا سيدي بن يوسف
من لي سواك أذا أغلقت حانة بالرباط؟
ومن لي سواك إذا اغلقت بالعراق النوافذ؟)
لقد تعودت حين اقرأ نصا، قصيدة أو مقالا، يكتبه سعدي يوسف، الحرص على قراءة النص مرتين ـ حتى مقالاته المثقلة بالشتائم ـ، اقرأ لأول مرة، لأفهم وأستمتع بالنص، وفي الثانية أقرا بتروي وأحيانا مع ورقة وقلم لأتعلم حفر وصناعة الكلمة من معلم ماهر.
في عام 2001، في هولندا في دنهاخ (الصورة المرفقة) التقيته في الموسع الإعلامي لمنظمات الحزب الشيوعي العراقي، واجتماع هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة، حيث كان عضو مجلس تحريرها، وكان لنا على انفراد حديث طويل، عن الحاجة لإطر ثقافية لمثقفي المنفى، ونبهني الى ضرورة الحذر من مساع مثقفين محسوبين على قوى اليسار، يرسلهم النظام الديكتاتوري للطواف في أوروبا، حاملين دعوات مبطنة لزيارة الوطن.
(ـ غادرالشعراء.
• أين؟
ـ الى الوليمة؟
• كلهم؟
ـ كل الذين عرفتهم.)
أرسلت لأبي حيدر، استاذنا جميعا، مخطوط شعري (حيث لا ينبت النخيل)، لأخي وصديقي الشاعر عبد الكريم هداد، ليبدي رأيه وملاحظاته، فأعاده لي وقد كتب له مقدمة قصيرة مبديا اعجابه بالنصوص، وصدر الديوان الشعري لاحقا عن المدى في دمشق عام 2005:
(ـ العناصر الأساس في نص عبد الكريم هداد، محددة، محدودة، لكننا نلحظ بإعجاب، نجاح الشاعر في استنطاقها وتحريكها، لا بفعل خارجي عمدي، وانما بالعناصر ذاتها ...)
خططت مع الصديق الشاعر الكردي عبد الله به شيو لاستضافة ابي حيدر في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وقد فرح بذلك جدا، وأعاد على الهاتف مزاحنا، يوم سألني مرة عن مكان أقامتي، فأخبرته:
ـ أقيم في فنلندا!
فهتف باسما:
ـ فنلندا ... فنلنديا!
و(فنلنديا)، هو علامة شهيرة لفودكا فنلندية الصنع، لكن الزيارة تأجلت لأكثر من مرة لاسباب عديدة، حتى الغيت فيما بعد.
(سنجلس ـ ان شئت ـ حينا
نفكر في أمرنا مرة
نفكر في أمرنا مرتين
وننسى ثلاثا)
في الفترة الأخيرة، وإذ أصبحت كتاباته في الشأن السياسي محل عدم ارتياح كثير من المقربين اليه، بسبب لغة الشتائم التي تحملها للكثيرين، وفيهم من أصحابه ورفاقه ومحبيه، وعندي اعتقاد أن ذلك ـ أو على الأقل بعض منه ـ مكتوب بتحريض من اخرين مقربين منه، واخبرته مباشرة، بأني سأبقى أقراه كشاعر دوما، فسمعت منه ضحكة خافتة على الطرف الاخر من الهاتف، بعدها بفترة استلمت منه عبر البريد الاليكتروني، نسخ PDF من اعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار الجمل.
(وهل قلت: بلادي لم تعد لي؟
أم تراني قلت: ان الموت في الغربة داري؟
حسنا
لا تضحكوا مني
أما قلت بأني لست نيرودا
لكي أعلن أني قادر ان اكتب الليلة هذي
أكثر الاشعار حزنا؟)
ويوما، تحت إعلان لأمسية لي في فنلندا في اذار 2017، نشر في الفيس بوك مع صورة أقف فيها عاقدا ذراعي على صدري، محدقا بالبعيد، كتب معلقا بظرافة (صورة يا يوسف ولا حتى هتلر!)..
(وها نحن:
أثوابنا في الزوايا
وغاباتنا في العيون)
أشار نعي المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي المنشور، حيث أمضى سعدي (ردحا من الزمن الصعب مناضلا في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، ومنحازا الى الشعب والوطن وقضاياهما العادلة، وتعرض جراء ذلك الى الاعتقال والسجن والتعذيب والغربة عن الوطن) الى ان برحيله (خسر العراق والثقافة العراقية شاعرا كبيرا معروفا على الصعد الوطنية والعربية والعالمية)..
ان قامة شعرية مثل سعدي يوسف، راسخة في قلوب محبيه كالنخل العراقي الشامخ، تمتد جذورها عميقا، وتعطي ثمرها الجني دائما، مثله لا يرحلون، فهو الأخضر دائما ...
(أيها الصمت السديمي الذي يقتاتني:
من اين يأتي الصوت؟
بعد هنيهة ساعود اخطو عبر قاعات المرايا)


 

هلسنكي ـ كتابة أولى فجر    14حزيران   2021 
 
* حوى النص استشهادات من قصائد وكتابات سعدي يوسف وردت بين قوسين.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة