المنتدى الثقافي > دراسات، نقد وإصدارات

مطولة (حي السماوات السبع) التحليق والتحديق في ابراجها ومطباتها... كتابة :الأستاذ فاروق مصطفى.

(1/1)

فهد عنتر الدوخي:
مطولة (حي السماوات السبع) التحليق والتحديق في أبراجها ومطباتها

فاروق مصطفى

في كتاب (حي السماوات السبع) للصديق الشاعر حسام السراي نقع على مطولة شعرية أقامها على تداعيات رحلة قام بها من العراق إلى الولايات المتحدة وبالتحديد إلى كبرى مدنها (نيويورك) هذه المدينة المحمومة التي تدب في شوارعها ملايين البشر ومن مختلف اجناس المعمورة. وبعد رحلة جوية استغرقت ثلاث عشرة ساعة يقطع الشاعر بحر الظلمات واعني المحيط الأطلسي تحط به الطائرة في مطارها الأشهر (جون ف كندي) وتستلم أوراقه شرطية سمراء من أصول افريقية. ومن الطبيعي أن يقارن الشاعر بين العالمين، العالم الذي قدم منه بغداد ودوائر احزانها والعالم الجديد الذي تعكسه (نيويورك) وتمثال الحرية الضخم الذي يحرس بوابتها وهو مأخوذ بكل هذه الصور الجديدة التي تتحرك امام باصرتيه من غير أن يستطيع نزع نفسه من العالم الذي جاء منه فغيوم الدهشة تعصره متملياً الصور الجديدة التي يشاهدها يقول في صفحة 6:
"أأنت مأخوذ بصورة أمامك
يبتلعها فمها
في وقتٍ مستقطع ومساحة
قالت لك الدهشة: إنك تُخلَقُ بينهما الآن"
وقبل أن يسوق الشاعر (السراي) مطولته عن نيويورك سبقه في ذلك ادونيس وسعدي يوسف وسركون بولص وسبق هؤلاء الشاعر الاسباني المقتول فديريكو غارسيا لوركا الذي قَدِمَ إلى هذه المدينة الساخنة وخاطب أحد احيائها:
"اواه يا هارلم، اواه يا هارلم، اواه يا هارلم
ليس هناك من اسى يعادل عينيك المسحوقتين
يعادل دماءَك ترجف غاضبة داخل الخسوف المظلم
يعادل عنفك القاني الأصم الأبكم تحت ظلال الأضواء"
كانَ مجيء (لوركا) إلى أمريكا من اجل تعلم اللغة الإنكليزية فهبطها أواخر العشرينات من القرن المرتحل وزار أماكن أخرى منها ثم ذهب إلى جزيرة (كوبا) واهدى انشودة إلى الشاعر (والت ويتمان) وخاطبه فيها:
"ولا لحظة واحدة ياوالت ويتمان
أيها الجميل الهرم غابت عن عيني لحيتك المليئة بالفراشات"
ولكن رحلة (حسام السراي) إلى المدينة الامريكية في العقد الثاني من قرننا الراهن وبمدة اقصر ويعلم أن رحلته وراءها عودة إلى العراق، يقيم هناك في عمارة شاهقة تطول إلى ثمانية وثلاثين طابقاً وهناك ينغمر موشور ذاكرتهِ بصور تأتي من تضاريس عدة ويتأكد انه الان في بلاد يطلق عليها (أمريكا) وتنثال صوره الشعرية:
"ومن نافذة الفندق الشاهق
في ثانية واحدة
هي زلزال يضرب ذاكرة هاربة من مصحة نفسية
تدقق في كمائن العالم وظرائفه
فتدرك الآن أنك تقيم
في حي السماوات السبع"
وبالرغم من بعد الشاعر عن وطنه فإنّ شاشة ذاكرتهِ تعكس صوراً تتهادى مِمّا خزنتها من قراءاتهِ او كنزتها من المرويات التي اصغى إليها يقول:
"لأنّ الامَّ مشغولةٌ بوحشةِ الأبيض والأسود في التلفاز
وبالمذيع يلهج بقافية الفناء: جاءَنا البيان التالي"
وبما لا يخفى على المتلقي الفطن إنه إشارة إلى الحرب العراقية الإيرانية التي التظت بنيرانها البلاد ويُشير إلى صدم برجي التجارة العالميين بطائرتين مخطوفتين عام 2001
"في نيويورك 11 أيلول 2001
طائرتان متقدتان بين السحب
أعلى فأعلى تصاعد تحليقهما"
ينظر المتلقي في هذا النص المطول الذي حمل عنوان (حيّ السماوات السبع) يفحص دالاتها ويعاين مدلولاتها ويحتفن منها ملاحظات وهوامش كالتالي:
1- يجد أن السفر يعري الروح كما يقول (البير كامو) فشفت روحه واراد أن يخفف عنها اثقالها وشوائبها مما عَلِقَ بها من الخرائب والهزائم التي تلاحقت عليها بعد الاحتلال الأمريكي فإنّ أية صورة يقابلها في أمريكا تعود به وتذكره مما تشبهها من حالات وأوضاع وأشكال.
2- تزينت القصيدة بعشرة تخطيطات للرسام المغترب (كريم رسن) وهي اعدت خصيصاً للكتاب مع رسمةِ الغلاف الامامي والتخطيطات جاء كلها بعوالمها السوداوية وشخصياتها المفلطحة ملائمة لطقوس النص ومناخه.
3- في نهاية كل مقطع استدراك وعددها خمسة استدراكات وهي تذكرنا بتعليقات الجوقة في المسرح الاغريقي وكأنها شاهدة على ما مَرَّ وما يمرّ وتعليق على ما ترى تحصل من خرائب ودمار تصيب حياتنا.
4- والقصيدة مكتنزة وغنية بمجازاتها التي تثير حلية الاستطراف وزينة الاندهاش اللغوي وهي مهارة الشاعر في استحداث انزياحات جديدة والتي تضفي على اللغة جدتها وحداثتها وبرهاننا على ذلك قوله: صَياد كراهة، حكمتك المهمشة، تكدس النشيج على الأبدان، ذاكرة هاربة من مصحة نفسية، وغيرها كثير يتوزع على تضاريس النص.
5- زين الشاعر نصه بحواشٍ ارتأى انها تفيد المتلقي في اضاءَته وترك اموراً أخرى إلى فطنة القارئ وذكائهِ لمعرفتهِ وكشفهِ ووردت عناوين وأسماء بالإنكليزية مَرّ عليها الشاعر في رحلته الامريكية.

ولابدَّ من الإشارة إلى فضيلة من فضائل الشاعر انه حقق حلم الشاعر الفرنسي (لوتريامون) في أن يرى الشعر يمشي بين الناس في الشوارع فقد اطلق مشروعاً مثيراً عندما كان يدير بيت الشعر العراقي ألا وهو (مقاطع للمارة) بإخراج الشعر من داخل الصالات المغلقة إلى الهواء الطلق وتقديمه في الفضاءات المكشوفة وبهذا ضخَّ إلى جسد الشعر دماءً جديدة والشعر هو الوحيد الذي بقي لنا نتعزى بكتابته وقراءته والاصغاء إليه في هذا العالم الذي شحَّ فيه الزاد وانحسر الجمال وقلتِ الاقوات.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة