المنتدى الثقافي > دراسات، نقد وإصدارات

صفحات من كتاب (زوايا الضباب) جزء من سيرة الأستاذ عدنان أبو أندلس

(1/1)

فهد عنتر الدوخي:
صفحات من كتاب " زوايا الضباب ".

           إحياء ذكرى  لشاعر منسي  مات بحسرتهِ  الأفيونية  .
                   ذات وقتٍ مُبهج  من عصاري يوم  27-4-2018  ،  قادتنا خطانا التائهة من تعب المسير  ، "  أنا  والأديب  " فاروق مصطفى"  والروائي " فهد عنتر الدوخي " والقاص " موشي بولص " للتجوال في مسارات " كيرخو " التي أخذتنا غصباً بإغراءات  زمن  بهي كان قد مضى بحسرة  ، بهذا الابتهاج  قادتنا  الخُطى الى سلم كازينو " النصر " كي نشم ما عُلق بذاكرة المكان ، كي نستذكر طيف الأدباء الذين سبقونا اليهِ . وحالما صعدنا وقف " فاروق " لحظة متأملاً من علو ,قد بث حسرة مؤلمة تكاد تخنقه لولا زفيره الحاد بإخراجها ،  مؤشراً على زاوية ما ؛ بأن " سركون بولص "  كان يركن دراجته الهوائية  تحت السُلم  في هذا المكان  . وحال صعودنا تقدم صاحبنا ، وجلس  في ركن قصي يطلُ على شارع " الجمهورية  "  تبعناهُ وجلسنا قبالتهِ ،  فأطلقنا لأبصارنا تشخيص  بلهفة على سيل الزخم في ذلك الوقت . أخذنا يطوف  بنا في مروياته عن صُحبه الذين عاصرهم من جماعة كركوك ، انحى قليلا وأخذ يفرك يديهِ ضارباً بها على فخذه  كي يُبرد حسرتهِ التي راحت تحشرج كلامهِ المُتقطع  بحرقة  ، رفع رأسه قائلاً : هنا جلستُ معهم ؛  وخاصة " جان دمو وصلاح فائق "  وفي ذلك الركن  المقابل قعدتُ مع " جليل ومؤيد " وذاك المكان المنزوي كان يجلس " أنور والحيدري " وهذا الذي هو ملَ جلوسنا كان " سركون " يتخذهُ في اكثر الحالات ،   وأخذ يستذكر الصُحب وعيناهُ  تدور على الأمكنة التي شغلوها في شبابه  ، وعند ذكرهِ  الشاعر " خاجيك " الذي كنتُ أسمع باسمه هُنا وهناك دون أن أقرأ له ، وحين سألتهُ عنهُ ، أخذ يسرد لي عن حياته  مما شوقني اكثر حين ذكر ديوانهِ " الحسرة الأفيونية " مما زاد فضولي بهذه التسمية التي شرحها لي والمصادفات التي اعترتها  في مشهدهِ السيروي ، وقد قال :  إذن تعال معي كي ادلك على شقتهِ التي تقابل واجهة سينما  " الحمراء " في زقاق لا يفضي ، وانطلقنا نحن الأربعة  و سرنا  ومازال يحدثنا عنهُ في الطريق  عن سيرتة  المربكة  التي قضاها  وعن اخفاقهِ في تكوين عائلة تأويهِ ، وحين وصولنا المثابة رفع رأسه قليلاً ثم أشار اليها ، ها هي شقتهِ ، تمعنتها وكأني بدأتُ استنطقها.   وبعدها رجوعنا  الى عرفة  كنا نتحدث طيلة  الطريق عن حياة ذلك الشاعر المنسي   ، وحال انعطافنا  حول   دوارة  ساحة " السيوف "  أتفقنا أنا و" موشي " بأن نبحث  عنها في المكتبات القديمة علنا نعثر على نسخة من كتابه المذكور ، لذا زرنا في صباح يوم الغد " المكتبة العامة "  وبحثنا في خزانة الأرشيف مع مساعدة الموظفين هُناك ، لكننا لم نعثر على أي  اثر يُذكر ، كما قد تطوع الروائي " فهد عنتر الدوخي " بالتقصي في مدينة " الشرقاط " وما حولها من صحبه هُناك ،  لكنهُ عاد  لنا بعد أيامِ خالي الوفاض ، اضافة الى " فاروق " الذي يُسمعنا يومياً من الاهداءات التي كتبها الشاعر لأصدقائه عسى أن تجدوه عندهم  ، وفي اليوم التالي نمضي نتقصى لكن دونما فائدة ،  حيث  تيقناُ جازماً تُ بأنها غارت في بطن الكتب وابتلعتها  المخازن .وحين قطعتُ الأمل  البتة ، مما حدا بي الأمر أن أتصل بالدكتور " عبدالله ابراهيم " الذي يعمل في  احدى جامعات " قطر "   وبصفة مستشار ثقافي لأميرها   عسى أن أجدها عندهُ ، وقد أعلمني بأن له مكتبة في الأردن ، وأخرى في قريتهِ  بأطراف كركوك ،  سيعود بعد أيام الى " كركوك  " ويبحث عنها ربما يجدها هناك وسيعلمني بذلك ،كذلك سألتُ د. " عواد علي "  هو الآخر الذي يعمل استاذا في جامعة "  اليرموك "  في الأردن ،  ولم أحصل على نتيجة تذكر ،  وانتظرتُ ولم يبلغاني النتيجة حتى تحسستُ  من المفارقات من أني كنتُ أقدم  من بحصي هذا مسرحية "  6 " كراسي .  سمعت عن هذا " البوهيمي "  كثيراً وبحثت عنه سنين َ,حتى قادتني اللهفة طواعية للتعرف على جانب من سيرته الذاتية, ولو بنص واحد عما يخالج هوسي عن هذا الكائن الحالم ببلوغ مسافة البعاد مرتحلاً ,غير أني لم اهتدِ إلى ذلك إطلاقاً رغم البحث المتواصل لسنوات عدة. وما أن قطعتُ الأمل حتى جاءتني  فكرة البحث عنها في دار الكتب والوثائق في بغداد  لأنها صادرة عن  دار الأزهر – بغداد -1976  ،  وقد  كلفنا أحد مراسلي الصحف في بغداد لذا عثر عليها واستنسخها وأرسلها لي ، وحين تفحصتها رأيتُ بأن
الأحلام من أكثر المفردات التي وردت في ديوانه(الحسرة الإفيونية) والذي يقع في- صفحة92- وضم بين دفتيه -78- قصيدة لم ارَ حسرة واحدة فيها ,أو تأوهاً مضغوطاً ينم عن حيرة لبلوغ الهدف سوى " آهِ " وحيدة كان قد نفثها بين رواهُ  , وقد شعرتُ بغرابة تسمية المجموعة ، لذا تأكدت يقيناً بالتقصي  بأن الالتباس وقع في فن الطباعة ليس إلا وجدتها   صراحةً رؤى بسيطة لا ترتقي الى الشعر بدرجة تذكر في  كل المجالات  عتبات واسلوب ورؤى وحتى التصميم ، ولكونه الشاعر الأرمني الوحيد في تأريخ الشعر العراقي ، لذا وجدت ذكرهُ مادة دسمة لم يتطرق لها أي ناقد، وقد كتبتُ عنها دراسة مفصلة تلائمها .  كتبتُ دراسة نقدية عنها تحت عنوان " آلية التحكم في بوصلة أرض الأحلام "   :
                                   لذا عزمت بعد تَردًد وتأنٍ ، وها أني قد تراني بدأتُ و انتهيت  من مشروعي الذي تمنيتهُ أن يكتمل  وهو " ديوان في قصيدة " ،  وكان مطلعها :
" حسّرةُ خاجيك "
هو الغائب الذي ضيع بوصلته ، ولم يصل الى ارض الأحلام .
يؤلمني أن تطوي الشُّرفةُ
نظرتَها بوجهي
وتختفي أنتَ
حين تُغلقُ نفسَها
هي المُطِلةُ بالحسرةِ
على بوابةِ سينما " الحمراء " 
وتلك المركونةُ أبداً
أحلامُك الناريةُ
فأنتَ الوحيدُ في المسافةِ
و" أرمينيا " ليستْ بعيدةً
وهل الوصولُ إلى (يرفان) بمعجزةٍ ؟
*****
يا خاجيك ............
إن كنتَ نتوء بثُقلِك
فما عليكَ إلا أن تهرولَ نحوها
جنة الأرض
حيث تروم أن تمضي حياتك
كي ترتقيَ سُلمَ الشُهرةِ
بقصيدة ٍعصماءَ لم تُكتب
فخيارُكَ أن تنشرَها
وتطوفَ بدراجتِك حدودَ اللهفةِ
أو تُغني بأقصى الصمتِ
للخلودِ الناقِصِ
للحبِّ ,للحياةِ ,للموتِ
فحذارِ أن تعودَ خائباً
بحسرةٍ أفيونيةٍ مزدوجةٍ
*******
ودَدَتُ أن أراكَ ماثلاً
كي أُجاريك حيناً
أُذكرّكَ بلحظةٍ ورديةٍ
ها هو ( كاري غرانت) الآن على الشّاشةِ
يروِّض (انغريد بيرغمان)َ
بلسعة أطول قُبلةٍ
لا تُطلً ثانيةً على الشُرفةِ
فما عاد صفيرُ الأعورِ
يثيرنا بانتشاء الرؤيةِ
أمست المقصورةُ للأشباحِ
ومأوى لشخيرِ عجلات
وإعلاناتٍ وأشياءٍ أُخر..
لكني وضعتُ  احتمالا  لهُ في الحسبان، ربما اواجه  هذا السؤال التقليدي من قبل البعض ؛ لِمَ كل هذا الجهد والاستفسار  الذي تبذلهُ على مدار سنتين وأكثر عن شاعر غير معروف ، ومهمش ، ومغمور، ومنسي ؟!...،   سأردُ قائلاً  : القول  صحيح ؛ ومع الأسف  " نعم" ويؤخذ به  بشكل مُطلق . لكن أودُ أن أسأل ؛ واُجيب  أيضاً ؟.. هل يأتي زمان ويتكرر " خاجيك " ثانيةً  في المشهد الأدبي  الكركوكي ؟.. ، أعتقد الجواب  " لا "؛ إذاً  دعوا الإجابة لي  : يُلاحظ بأن شعراء الأقليات  من "الآشوريين والكلدان " وخاصةً " الأرمن "  في  تناقص رهيب ،  لقد غادرونا على مضض ؛ وتراهم قد استقروا في المنافي والشتات  البعيد؛ وها قدْ ترانا نفتقدهم في المهرجانات والندوات وغيرها ، وسأقول :  ليس بالضرورة التركيز على شاعر لهُ باعٌ طويل في الشعرية ويُشارُ لهُ " بالشاهد " ، لكن  حين يفوز بجائزة " المُحاباة " تراهُ يشمخ بنرجسيتهِ ويتعالى على متلقيهِ وقد يغيب عن حضور الجلسات بحجة عذر وهمي  ، ولم يترك أثراً طيباً لديهم ، حيث يُنسى بمرور الزمن حتى لا تشفع  مهما أوتي من مقبولية وسمية ستتلاشى بعد حين ،  بل أقول : ربما  الشخصية المرحة التي تركها الشاعر المهمش ، والاحتكاك والتفاعل والتواصل الذي واكبهُ طيلة الفترة المنصرمة مع فئة جمعت خيرة الصَحب في حِقبة زمنية مشهودة من جيل أواسط السبعينات استمرت لمدة أربع سنين حتى العام 1978، وبعدها تفرقوا كلٌ إلى مقصدهِ  ،  فهذا  الجيل قدً يُلزمك استذكاره من باب الأرشفة والإشادة لتلك الحُقبة الذهبية من ذاك الزمن الجميل  ، فالشاعر المنوه عنهُ ،  ليس هو بالشاعر الضارب في عمق المشهد الشعري ،  بل هو شاعر  خامل  – نعم -  مغمور " نعمين " وغير معروف من أحدِ  في الوقت الحاضر ؛ سوى رفاقهِ ومعاصريهِ ،  لقد  كتبوا  عنهُ ؛ قليلاً ، وأشادوا بهِ كثيراً من مجايلة  والذين بقوا على قيد الشعر والاستذكار حتى حفظتُ عن  سيرته  ما يكدر الخاطر  حُزناً ، وما صاحبها من مفارقات باذخة في الغرابة ، فقد تأثرت في مشوار سيرتهِ الأدبية والتي صاحبتها لامبالاة واريحية كما يُنقل عنهُ ، ألا وهو  الشاعر الأرمني وباسمه الكامل  " خاجيك كرابيت آيدنجيان " المولود في كركوك عام 1938 ، من جماعة كركوك الأدبية الثانية ،  كان حينها موظفاً في مؤسسة  نفط الشمال، ويضربُ على آلة الطابعة  بصفة " كاتب " في قسم الجيولوجيا . يُحكى عنهُ بأنهُ كان يطوف شوارع المدينة بدراجتهِ النارية وهو في كامل أناقتهِ ، لكن شاءت الظروف أن تعاكسهُ حتى أجبرتهُ أن يحمل حقيبته ويغادر البلد في الربع الأخير من سبعينات القرن الماضي . ولم يصل إلى مبتغاهُ  الذي قصدهُ كي يُباري شُعراء بلدهِ الأصلي " أرمينيا " لكن وافتهُ المنية في   " برلين " ولم تتكحل عيناهُ بأرض الأجداد " أرمينيا " وشوارع " يرفان " الفسيحة ..هو صاحب الديوان المُثير للأقاويل ، والتندرات ، والجدَل  ، والمعنون بـ " الحسرة الأفيونية " و لكونهُ الشاعر الأرمني الوحيد في العراق ، حيثُ لم يتطرق لهُ  أحدٌ من ذي قبل ، لهذا ودَدتُ جاداً أن أُخلدهُ  بهذا المؤلَف  الغريب والمتواضع تأليفاً " ديوان في قصيدة ، وقصيدة في تراجم " ، وقد كلفتني ترجمة القصيدة  جهداً من الوقت بالبحث والتقصي والاستدلال ، وبمساعدة الأقلام المتفاعلة في المشهد الأدبي  لصفحة التواصل الاجتماعي ،والأصدقاء الخيرين  ، حتى استدليت على المترجمين الذين تفانوا صدقاً في ترجماتهم عن طيب خاطر. وفق اللغات ، لهذا  قد حصلتُ  على ترجمتها إلى " 23 " لغة عالمية ومحلية منها لغة الأُم  للشاعر" الأرمنية " إضافة إلى لغات أخرى ، مثل - الإنكليزية - الفرنسية - الألمانية - الروسية - الإسبانية - البرتغالية - الإيطالية - اليونانية -- العبرية - التركية - الهولندية - الفارسية - الدنماركية - السويدية _ الآشورية - السريانية - الكردية - التركمانية – الأمازيغية " – وها قد جمعتها  في  هذا الديوان  الذي يحمل الاسم ذاته بـ  " حسرة خاجيك " . وحين سمع صديقي الأديب " فاروق مصطفى" بمشروعي لنص القصيدة ، ولكونه أحد أصدقائهِ من المعاصرين لهُ ، ردَ ضاحكاً بتنهيدة حسرة طويلة ، قائلاً : : " يا أبا اندلس !.. لو يدري خاجيك بأنك قد خلدتهُ بعد مرور كل هذهِ المدة الطويلة من حسرتهِ الأولى التي مازالت تتأوه برنتها في آذاننا ، لرفس القبر ونهض ليتخطى منتشياً كعادتهِ في شارع الجمهورية " ، لقد كان هذا المسكين شاعِراً منسياً وهامشياَ ومغمورا ، ولأجل أن ننصفه على اقل تقدير كان الدافع من وراء هذا القصد .
صورة الشاعر الثالث وقوفاً في الوسط .

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة