المحرر موضوع: اين المفر للحشد الشعبي؟  (زيارة 327 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بولص ديمكار

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 104
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اين المفر للحشد الشعبي؟
« في: 06:36 10/10/2021 »
 
د. بولص ديمكار
انا لم اكن في يوم من الايام مروجاً لدور الدين و رجاله و انغماسهم في العمل السياسي و السلطة عموماً.   انا مؤمن بأن الدين و الايمان بين الفرد و ربه و على رجل الدين ان يمارس دوره الروحي في صومعته متزهداً متنذراً بعيداً عن السياسة و مآربها. لكن و الف لكن ما حل بالعراق و الانتكاسات التي مر و يمر بها منذ الايام الاخيرة للنظام البائد و بالذات حملته الايمانية و انتهاءاً لما يجري اليوم لا يفسر سوى بإقحام الدين بشكله السياسي في معترك العمل السياسي و استثماره و استغلاله للتأثير على المؤمنين و تجييرهم لتنفيذ اجندات خاصة ليس للدين فيها لا ناقة و لا جمل.
نعم هذا الوضع يجعلك لا بل يفرض عليك التمعن ومحاولة تحليل الواقع الجديد املاً في التمكن من الوصول الى جذور هذه المعضلة و الخروج بإستنتاجات علّها تساهم في انقاذ العراق و وضعه على السكة السليمة في تحقيق العدالة و سيادة القانون و النظام و الاستقرار و توفير الامن و الامان و العيش الرغيد لابناءه.
 المجتمعات الشرقية غارسةُ لأُذنيها في الدين و شؤونه فلا مخرج لها من مآزقها سوى من خلاله. نعم استغل الدين في ابشع وجه للوصول الى السلطة و المال و افسد الدولة و مؤسساتها الى درجة أفقدها سيادتها. لكن في تقديري العامل الديني هو المرشح  لانتشال العراق و شعبه من بؤسه و مآسيه و إعادة كرامته.
لا يخفي على احد دور مرجعية السيد السيستاني على الاوضاع الاجتماعية و السياسية في العراق فهو (راعي) العملية السياسية  منذ ٢٠٠٣ و لايزال  سواء كان مباشراً او غير مباشر. و دليلنا في ذلك خطب ايام الجمع و التوجيهات و الارشادات   و الرسائل ويمكننا الاشارة بهذا الصدد الى امور عديدة لكننا نتوقف عند مثالين اولهما دعوته للجهاد الكفائي و تمخضها عن تشكيل الحشد الشعبي  وثانيهما رفضه استقبال اية شخصية ساهمت في السلطة منذ ٢٠٠٣ كتعبير عن سخطه و عدم رضاه عن سياساتهم و طريقة ادارتهم للدولة.
كان للحشد الشعبي دوراً فاعلاً و ايجابياً في تقزيم داعش و تحرير الاراضي التي احتلها. و كان من المفترض ان ينحل عقده و ينصهر ضمن تشكيلات الجيش العراقي لكن الذي حصل هو استمراره و صلب عوده بدعم و تدخل مباشر من ايران و قامت الاخيرة بتسخيره لتحقيق مصالحها في العراق و خارجه. و غدا يدها الضاربة لكل من يقف بوجه أطماعها التوسعية و في المقدمة السيطرة على مقدرات العراق و موارده و هذا الذي حصل حيث تم استخدامه بشكل فعال  لقمع الانتفاضة الشبابية التشرينية.
هذا يقودنا الى الاختلاف الفلسفي بين مرجعية قم الايرانية و مرجعية النجف.  السبب الاساسي في دعوة مرجعية النجف لتشكيل الحشد كان عاملاً داخلياً للوقوف بوجه توسع داعش عراقياً. في المقابل استثمرته مرجعية القم لتحقيق مآرب خارج حدودها.  هذا اختلاف اساسي بين المدرستين. ففي الوقت الذي لاتؤمن مرجعية النجف باستخدام الدين لاغراض سياسية عابرة للوطن و للتدخل في شؤون الدولة فإن مرجعية قم بالعكس تماماً ومنه ينطلق أيضاً مبدا تصدير الثورة، حيث مرجعية القم ترى من اولى مهامها تصدير الثورة الاسلامية من منطلق ولاية الفقيه الذي يبيح لها التدخل في شؤون الآخرين عكس مرجعية النجف التي لاتؤمن بولاية الفقيه اصلاً. 
هذا الاختلاف قاد الى حصول اشبه بما هو انشطار داخل فصائل الحشد الشعبي بعد اداء المهمة الموكلة له. بين من هو موالي لمرجعية القم و مرشدها الخامنئي و بين مرجعية النجف الاشرف  بشخصية مرجعها السيد على السيستاني و تمييزا لذاتها هذه الاخيرة اطلقت على نفسها حشد المرجعية و قوامها اربعة فصائل و اعلنت ارتباطها المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة و اعتبرت  نفسها جزء من الجيش العراقي و اعلنت ولاءها للوطن و ليس لطرف آخر سواء كان داخلياً ام عبر الحدود. في حين استمرت فصائل الحشد الاخرى و في مقدمتها عصائب اهل الحق في تحديها للدولة و نظامها و تعلن بدون وجل و خجل التزامها و تقيدها بتوجيهات المرشد الايراني. 
لابد هنا من الاشارة الى امر آخر يعكس وطنية فصائل حشد المرجعية والتزامها بالدستور و مخالفة بقية الفصائل له المتمثل الالتزام بالنص الدستوري الذي يمنع منتسبي الفصائل المسلحة الترشيح في الانتخابات حيث نرى عدد غير قليل من منتسبي الفصائل الموالية لايران قد رشحت نفسها كدليل صارخ لعدم احترامها للقانون  و في صورة معاكسة لم يرشح احدا من حشد المرجعية للانتخابات.
اعترافاً من الدولة بالدور الايجابي الذي يلعبه حشد المرجعية فقد كلف بمهام صيانة و حفظ النظام و السلام للمشاركين في الزيارة الاربعينية  الاخيرة  و كان عند حسن الظن و اثبت جدارته حيث بدأت المسيرات و انتهت من دون حادث يذكر.

و اخيراً قررت فصائل حشد المرجعية الانفصال نهائياً والخروج من تحت عباءة الحشد الشعبي باعلان تسمية خاصة بها  وهي حشد العتبات المقدسة قبل ايام.

هذا الفرز يعكس تطوراً ايجابياً و تحدياً في الوقت ذاته لفصائل قوى الحشد المنضوية و الموالية للمرشد الايراني  و يعبر في الوقت ذاته ان مرجعية النجف قررت ان تعلن و لو بشكل غير مباشر الوقوف بوجه اجترار العملية السياسية لذاتها الذي من المتوقع حصوله بعد الانتخابات في حالة عودة الوجوه القديمة الى سدة الحكم.

معظم الاستفتاءات و الاحصاءات تشير و تتوقع ضعف و تدني نسبة مساهمة العراقيين و اقبالهم على صناديق الاقتراع. لتدارك هذا الامر وقطع الدابر امام المستفيدين من هكذا حال  دعت مرجعية النجف اتباعها الى المساهمة الفعالة بالانتخابات اضافة  الى اعتمادها على حشد العتبات المقدسة في صيانة و حفظ العملية الانتخابية و التغيير الإيجابي المحتمل للعملية السياسية. 

احدى اهم اداة و وسيلة لايران و مرشدها للتحكم بالعراق و شؤونه  هي اعتمادهم على موالات فصائل الحشد المسلحة و اذا ما تبلورت سياسة مرجعية النجف الحالية و تمكنت من تفكيك هذه الفصائل فانها بذلك تكون قد وجهت صفعة قوية لايران و للعراقيين السائرين في ركبها و تكون قد ارست أساساً سليماً للتخلص من نفوذها لأن نجاحه سيساهم في سحب البساط من تحت اقدام القوى و الشخصيات الموالية لايران و تعيد للعراق كرامته و سيادته.
المرشد الايراني استخدم و بشكل فعال العامل الديني في فرض سلطته و سطوته على العراقيين. عليه يجب ان يكون العامل الديني ذاته  المدخل لحل معضلات العراق و لبتر التأثير الايراني المزعزع لاستقراره العراق و تطوره و تقدمه. .   
 
قد يعتقد البعض ان هذه صورة وردية و يصعب لا بل من المستحيل تحققها وهو أعتقاد وارد لكن يجب ان لا ننسى انه فقط  قيادات هذه الفصائل موالية  لايران.  اما غالبية قواعد هذه الفصائل فسرعان ما تتركها حال اكتشافها للحقيقة لان ولائها لمرجعية النجف  و للعراق اصلاً.

ملاحظة اخيرة و في حالة الاخفاق فإن الشارع الشيعي العراقي سيكون مقبلاً على حرب داخلية دموية قد يروح ضحيتها العشرات ان لم تكن بالمئات لان الشباب متأهب للوقوف بوجه الطغمة الفاسدة اذا ما عادت لسدة الحكم بطرق اخرى غير التي استخدمت سابقاً.     

انه الامل بأن يتم استعادة العراق سيادته و ليغدو الشعب سيد نفسه و ان كان بفعل و تأثير مرجعية النجف،   وان لم يتحقق ذلك خلال الانتخابات الحالية. الامل انها تهئ الارضية لتحقيقها خلال دورات انتخابية قادمة اكثر شفافية و نزاهة و تمثيلاً للشعب العراقي بكل فسيفساءه الجميل.

و إن غدٍ لناظره قريب.