المحرر موضوع: جولة سريعة بين سطور رواية (خطأ مقصود) للناقد الدكتور محمد صابر عبيد.... كتابة :فهد عنتر الدوخي  (زيارة 150 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فهد عنتر الدوخي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 713
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
جولة سريعة بين سطور رواية(خطأ مقصود)للناقد الدكتور محمد صابر عبيد
كتابة:  فهد عنتر الدوخي.
على الأغلب, أن سعة الابداع لاتتأطر بتحكيمات مصطنعة,أو حدودا تعرقل حركتها, عدا الظروف الذاتية الحركية أوالدينامية الملموسة التي يظهر فعلها بشكل مباشر, وقد تحاط منظومة الأبداع بعوامل موضوعية ايضا حتى تأتي شاملة, وتؤرخ كظاهرة تحط من نمو مقومات البيئة التي تحتضنها,وما اردت الأشارة اليه,والأمر الذي دفعني وأنا أعيد قراءة رواية(خطأُ مقصود) للناقد الاستاذ الدكتور محمد صابر عبيد, والذي  فاجأ جمهوره بهذا السرد التوثيقي والذي يعد جديدا في سيرته الابداعية والتي إبتدأت من ثمانينيات القرن المرتحل والى هذا اليوم, بعد أن شهدت تصاعدا ادبيا واكاديميا, من خلال العشرات من الاصدارات التي تعتني بالنقد الحديث بأجناس الادب كافة ,وقد تناثرت شذرات ابداعه على مؤسسات بحثية رصينة ودور نشر عملاقة عربية وعالمية, علاوة على نشاطه المهني الوظيفي مع طلابه والذي امضى جل خدمته في جامعة الموصل  ومانقل عن طريقة أداءه ,استاذا تربويا متمرسا, وبخبرته ومواهبه الشخصية, إستطاع ان يبزغ كنجم لاهث في سماء صافية بين زملاءه وجمهوره وتلاميذه, كان يحدثني عنه احد طلبته الذي حصل على الدكتوراه في اللغة العربية فيما بعد(يوخنا مرزا الخامس) , المهاجر صوب المنافي البعيدة,اطروحته كانت المصطلح النقدي,كان شغوفا بالحديث عن  محمد صابر عبيد, ويعتبره مرجعه العلمي الكبير,وهومحق فيما ذهب اليه,
 غيرانه كباحث وناقد متمرس لم يكن غائبا عن اضواء الصحافة والدوريات والنشريات التي تعتني بالنقد الادبي الحديث ومناهجه التي تنمو بسرعة البرق خلال الثلاثة عقود الفارطة, ويلحظ المتابع لنشاطه الابداعي مواكبته الحثيثة لمدارس النقد الادبي العالمية, إذ إستطاع ان يؤسس بمفرده منظومة نقدية تمزج بين أشكال القصيدة القديمة, والقصيدة الحرة, وبصنعته التي يشار اليها بالفخروهو يفكك مفاهيم الشاعرية, في جنس القصة القصيرة ويضعها على عتبة التشريح والتأويل والترميز,وليس بوسعنا في هذه المقالة البسيطة ان نواكب نتاج ادبي علمي تخطى المحلية وحلق في فضاء العالمية بثقة عالية وعلمية مهنية مدروسة ومتقنة,نعود الى( خطأ مقصود) الرواية التي وثقت جانبا مهما من حياة الهجرة القسرية والنزوح الجماعي الذي شهدته مدينة الموصل المنكوبة ومدن العراق الاخرى التي لوثتها مناهج التطرف الديني( الظاهرة الداعشية) وهذا هو الخطأ المقصود الذي احال مدينة الموصل العريقة, التاريخية, الجميلة الى خرائب وأنقاض....
نقرأ في الصفحة(253)لم أر ولم أسمع ولم أقرأ عن خراب هائل كما اراه الان في الجانب الأيمن من مدينة الموصل( المدينة القديمة) وما حواها من أحياء, ماهذا ياربي؟ أتجول مأخوذا بل مسحورا,  لجمتني المشاهد الفجائعية, وهي تترامى طلالا مهدمة على بعض كأن قنابل نووية سقطت وأفنت المكان بحقد أسود صاعق...
نضمنت الرواية ستة فصول هي( الحكواتي,عبد الرزاق عيدعبد السلام الساعاتي,سمر, عماد,سلام, فوزية الأمين.)صدرت عن وزارة الثقافة, الهيئة العامة السورية للكتاب, دمشق 2021.
لايختلف إثنان على قدرة الكاتب الابداعية واللغوية وهو يوظف خبرته العالية في هذا النحو وهو يبحر واثقا مستقرا, يعرف كيف يجاري الأمواج الهائجة وهي تتلاطم حوله,إذ إستطاع ان يوثق مرحلة مهمة وخطيرة من مأساة إجتاحت مدننا, كما أسلفت, وبفريق عمل متكامل, وقد وزع الادوار عليهم وإستطاعوا أن يعكسوا وقائع الحياة اليومية بأثر رجعي من خلال منظومة السرد التي يعتمدها الكاتب المتمرس في قراءة( الفلاش باك) عندما يصف حال الساعاتي ودقة نظره والحركات التي تظهر على وجهه وهو يتفحص ميكانيكية الساعة, وكأن سيرة كل شخصية منهم قد عايشناها ومرت في ذاكرتنا في ضواحي ومدن واحياء فقيرة, وماتحصده المكتبة الادبية الروائية من ثمار أن محمد صابر عبيد , البار لمدينته (زمار)التي تقع شمال غرب الموصل والذي عكف يوما أن يزورها ويتجول بين احياءها واسواقها ومدارسها يوم جف ماء السد عنها وظهرت معالمها التي غمرتها مياه (سد الموصل) الذي شيد مطلع ثمانينيات القرن الفائت, حتى ترامت الذكريات والدموع وملاعب الصبا وهو يصوب نظره نحوسحابة عابرة مرت دون ضجيج,تسنى لي زيارة هذه المدينة في اواخر خدمتي الوظيفية, ووقفت قبالة مشروع الماء الذي يغذي المدينة بالماء الصالح للشرب والتي أنشئته (شركة نفط عينزالة) أنذاك ,وكنت مع زميل لي في العمل من اهالي المدينة, في حديث عن سيرته,مادمت في مدينة (زٌمار) فلابد ان تذكر الشخصية العالمية يونس بحري والدكتور محمد صابرعبيد, فهما من طين عراقي اصيل.
نعود الى الرواية التي أجابت عن الكثير من الأسئلة الصعبة المراس والتي كانت تصدع رأس المواطن الذي فقد, ممتلكاته, ومستقبله وحياته المستقرة, وكسبه اليومي, وأحالته الى متشرد, اومتسول يطرق ابواب المنظمات, ومنافذ المدن الجامدة الباردة الكئيبة, بعد أن كان منتجا فاعلا مهابا في مدينته,غير ان الكثير منهم من وهبه الله  السلامه ومواصلة الحياة, ان يعيد مجده الاجتماعي والحياتي في مرحلة النزوح هذه كشخصية (سلام) الذي انعش فراشه بدفء إمراة  فاتنة,إذ يقول لها في الصفحة(219)...
(أيتها الحمامة التي تحلق فوق رأسي مباشرة,
ارتفعي اكثر ارجوك,
علكِ ترين في الطبقات العليا ماهو أثمن من هذا الرأس,
وتقتنعين بأن اللعبة انتهت,
وصار بوسع السنابل أن تنضج خارج ارادتي,
وتمتلىء بحليب أسود لاتباركه صلواتي,
أيتها الحمامة الغريبة,
غادريني رجاءً,
اعتقيني....)
هنالك الكثير الذي يمكن ان  نقوله بان الرواية واقعية توثق تاريخ المدن البسيطة العفوية, وبوسع المتلقي , مهما كان حظه من التعليم والقراءة أن يعيش ويتجانس مع ادوارها. كذلك لغتها الباهرة التي وظفها واشتغل عليها المؤلف, وطريقة الوصف والسرد والحوار,وحتى أن منظومة الحدث الكبير التي جمعت كل الأحداث الصغيرة في فلكها قد أعطت ثمارا ناضجة جدا,وأوصلت المتلقي الى حافات أمان وهو يزاحم الاحداث وتحولاتها ويقرأ افكار اللاعبين الأساسين فيها,يحزن,ويفرح, ويشفق, ويتأمل, ويحب, ويحلم, ويطوف في خيال إمرأة, ويتفاعل مع كل لافتة في هذه الملحمة السردية الرائعة... خطأ مقصود.