المحرر موضوع: لمناسبة مئوية الدولة العراقية: الحكم الرشيد في بلد الرشيد  (زيارة 236 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لمناسبة مئوية الدولة العراقية:
الحكم الرشيد في بلد الرشيد
لويس إقليمس
بغداد، في 19 كانون أول 2021
عمر الدولة العراقية التي شاع وصفها ببلاد ما بين النهرين أو ببلاد الرافدين، لا يمكن قياسُه بمئوية سنوات تأسيسها الافتراضي حديثًا وحاضرًا. فالجميع يشهد لحضارتها الموغلة في عمق التاريخ وما واجهته البلاد إبان تلك السنين ولغاية الساعة من منعطفات تاريخية وتقلبات شكلية وجغرافية وطوبوغرافية، منها الإيجابية على قلّتها ومنها السلبية وما أكثرها وأشدها فظاعة وقساوة وظلمًا لأصحاب الأرض على مرّ السنين والعهود والقرون المنصرمة. لكنّ الصفة الملتصقة بأرض السواد "بلد شنعار" أكثر من غيرها، تكاد تكون صفة عدم الاستقرار طيلة تلك المراحل الطويلة والمضنية من التاريخ البشري بسبب تكالب الطامعين عليها من دول الجوار والعالم على السواء. ومَن يقرأ ما أوردته بطونُ التاريخ، بماضيه وحاضره، يدرك تمامًا صدق وصحة هذه السمة التي لم ولن تغيب عنه البتة، مهما قيل ويُقال، ومهما جرى فعلُه في الحاضر والمستقبل. فقد كُتب لهذا الوطن، تيههُ وضياعُه وانجرافُه نحو الهاوية لفترات مظلمة بأيادي مريبة دخيلة غير وطنية أو لا أبالية بمصلحته العليا ومصلحة أهله، إلاّ في فترات قصيرة عرفَ بها قيمتَه وفرضَ هيبتَه وأبدَعَ في سيادته وثقافته وحضارته، كما حصل في عهد الرشيد. وكلّ هذا وذاك حصل ويحصل بالأحرى من داخل عقر الدار المتأرجح أولاً بين الولاء للغير وللأجنبي من منطلق "ثروات الوطن للغريب وليست لأهله"، و"الغريب دومًا أفضل من أهل الدار وأكثر قبولاً"، وبين المصالح الخاصة، فئوية كانت أم عرقية أو حزبية أم طائفية. وهذه الأخيرة من السمات التي أثبتتها الأيام وسنوات الحكم غير الرشيد، خاصةً على مرّ سنوات المئوية التأسيسية التي يحتفل بها العراق هذه الأيام. ولستُ أدري عن أية مقاييس أو بأية معايير تجري الاحتفالات، فيما مصالح البلاد فيما عبادُها مرهونة بأيدي الدخلاء والأغراب عنها منذ سقوط النظام السابق. ناهيك عن سمة الشغف الأعمى بحياة الخارج ومتعِه ووردية الحياة فيه والتي تُرسَمُ لأهل الداخل من دون تمحيص وإعمال حكمة وتفعيل عقلٍ. 
نحن جميعًا، لا ننكر وجود منغصات ومعوّقات وصعوبات تقف حجر عثرة بوجه أصحاب الأرض الأصلاء من أبناء العراق الغيارى تتيحُ لهم التمتع بحياة حرة وكريمة ومرفهة حالُهم حال البشر في بلدان المنطقة المتقدمة أو في العالم. ونظرًا لكون مثل هذه الأدوات دينية أو بشرية صرفة، وكونها غير معصومة ولا يمكن أن تنطبق عليها صفة القدسية، فهي جميعًا إذن، مثار جدل وشكوك بأهليتها وقدرتها على خلق أجواء إنسانية وبشرية طبيعية مناسبة للحياة. من هنا تقتضي الضرورةُ التفكيرَ والترويج والعمل على ضرورة انفراط عقد هذه الأدوات الدخيلة ودفعها بكافة الوسائل المتاحة سلميًا لإخراجها من باحة الحكم ومغانمه، ومحاسبتها على ما جنت به على البلاد والعباد، وليس مجاملتها ومحاباتها ومسح أكتاف شخوصها. وإن حصل عكس هذا الفعل المطلوب، فذلك خروجٌ واضح عن جادة الصواب وإمعانٌ في التأسيس لإدامة الباطل على حساب الحق وبقاء الظالم في ساحة الظلم والجور وإطالة زمن الظلام والقهر وإمعانٌ في الفساد الذي صار لا يُطاق ولا يُحتمل. وكلّ هذا على حساب الوطن والمواطن المغلوب على أمره. وفي حالة الفشل في اتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة المطروحة سلميًا كما حصل في نتائج الانتخابات التشرينية الأخيرة، يكون الانتقال للمرحلة التالية والتي يترقبها الجميع، مجبَرين غير مخيّرين، بفارغ الصبر باللجوء لعناصر أكثر جرأة وشجاعة وحماسة في وضع النقاط على الحروف لمواجهة التمادي في المشكلة الأساسية المتمثلة بنظام الحكم ومنظومته السياسية الفاشلة. أمّا العودة إلى ذات الوسيلة في الحكم بتقاسم السلطة توافقيًا، ومشاركة الفائز والخاسر معًا في حكم البلاد والعباد، فتلك نكسة مضافة لا يمكن القبول بها. فهل يمكن أن يستوي الفائز مع الخاسر في جني ثمار الجهود بحجة وأد نيران الفتنة وترضية الخائبين تحاشيًا لأية صدامات أو انعكاسات هوجاء بفعل تمكّن السلاح المنفلت وسطوة الميليشيات بتحريضٍ طائفي ومذهبي واضح؟
انطلاقة صحيحة مرتقبة
لمناسبة مئوية الدولة العراقية، كرّر رئيس الجمهورية دعوته الملحة للأطراف السياسية كي تتوجه نحو "عقد سياسي واجتماعي جديد يُرسخ الحكم الرشيد". وهذا عين العقل، بل من المطالب الملحة لشرائح واسعة من المجتمع العراقي الباحث عن تغيير حقيقي في منظومة الحكم تعيد للبلاد وأهلها ما فقدته من أمن وطمأنينة وسلام وفرك عقدٍ مجتمعيّ وإعمار وبناءٍ وتنمية وثقافة وتعليم وخدمات. هذا إضافة إلى إعادة بناء شخصية الإنسان العراقي الذي فقد هويته الوطنية وشيئًا كثيرًا من وعيه ورصانته وطينته الأخلاقية والإنسانية والدينية الصحيحة بسبب انغماسه بترّهات المظاهر الفارغة بتحريضٍ من زعامات الطائفية والمذهبية والعشائرية والدينية المهزوزة أحيانًا. فمن المؤسف أن يسود شكل هذه الثقافة الناقصة في المجتمع العراقي الذي أضحى البسطاءُ رهينةً تحت أكناف أشكال مثل هذه الخلطات الغريبة والدخيلة ولاسيّما ذات الطابع الدينيّ والمذهبي منها بفعل بسط الفكر الطائفي المتشدّد الذي استخدمته ومازالت تستخدمه أحزاب السلطة وزعاماتُها وأدواتُها، ولاسيّما الإسلامية منها في فرض أجنداتها الضيقة لكسب ودّ الشارع الذي لفظَها وكره سلوكها وسئمَ من وسائل إيغالها المكشوف في الفساد والخروج عن القانون وفرض أجنداتها بفعل سطوة السلاح.
إن من جملة ما يعنيه هذا النداء الصادر عن أعلى سلطة في الوطن، بالرغم من الشكوك في النوايا والإرادات لكون الجهة الداعية تشكلُ جزءً من توافق السلطات على تقاسم المغانم والمكاسب والمناصب منذ التغيير الدراماتيكي في 2003، تكمنُ بإشارته إلى حالةٍ متهالكة من خيبة الأمل بعد بلوغ العملية السياسية شبهَ حالة من الانسداد السياسي بعد الانتخابات الأخيرة وما شابها من تشكيك وتنابز وتهديد بلغتْ حدّ التدخل بسطوة السلاح واستخدام العدّة والعتاد المتيسر بأيادي الخاسر الخائب لرفض النتائج. فيما الطرف المنافس الفائز بأريحية الأصوات، مازال متمسكًا بمشروعه الوطني بتحقيق "الأغلبية الوطنية السياسية"، وهو ذات المشروع المقدَّم من نفس الأطراف الفائزة في دورات سابقة، فيما هي ذاتُها لا تقبل به اليوم. ومثل هذا التناقض الواضح والفاضح في الرأي والتعبير وتغيير المواقف غير مقبول البتة في زمن الديمقراطية التي قبلت بها واتفقت عليها الأطراف المشاركة في العملية السياسية من دون تردّد أمام الملأ.
إن الأمور لا تُقاس بمثل هذه التقلبات في السياسة. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني التوافق العرفي على تقسيم المناصب طائفيًا ومذهبيًا، وتوزيع الثروات بطرق غير شرعية بين أحزاب السلطة عبر نظام التحاصص الفاسد الذي يدرّ على سالكيه وطالبيه عسلاً ولبنًا ويحرم منه شرائح واسعة من الشعب. إنما الديمقراطية الصحيحة تتمثل بما تأتي به صناديق الاقتراع وتقبل به جميع الأطراف، بالرغم من علمنا وإدراكنا عدم إمكانية تطابق الديمقراطية في الأنظمة الطائفية والدينية والعشائرية والقبلية. إذ ليس من المعقول، حين تفوز كتلة او حزب أو تحالف يجري التصفيق له وإقامة الاحتفالات والمهرجانات والشماتة بالخاسر، وبعكسه حين الخسارة تتفاقم الأزمات وتوجّه الاتهامات بالتزوير وتشتد الدعوات بالثبور والتهديد وقلب الطاولة على الفائز. وهنا لا بدّ من الإشارة الواضحة لعدم رضا شرائح واسعة من الشعب العراقي عن أداء ساسة البلاد وشكوكهم المتزايدة بنجاعة العملية السياسية بسبب بلوغها أدنى دركات الفشل والخيبة والتهافت الجنوني في صراعٍ على السلطة ومكاسبها ومناصبها بحثًا عن أبواب ونوافذ درّت عليهم ثرواتٍ طائلة طيلة السنوات السابقة عندما رفعت أحوالَ غالبيتهم من أسافل الحضيض إلى اكتناز الثروات وفتح حسابات وشراء عقارات والتغوّل على عقارات بطرقٍ غير مشروعة. وما خفي يبقى الأعظم! ومن ثمّ، فلا مجالَ بعدُ لاستعادة ثقة الشعب في المنظومة السياسية ككلّ. بل نحنُ أمام تحديات جديدة وحسابات محسوبة النتائج وطنيًا تلوح في الأفق بمعايير صحيحة قادمة تنتظرُ التطبيق والتنفيذ بالرغم من اعتراض الأطراف الفاشلة في السلطة وشبه اللاّدولة.

طاولة للحوار والتفاهم وليس لتقاسم المغانم
كلّ ما يتوق إليه الشعب المغلوب على أمره، قبول جميع الأطراف بما آلت إليه الانتخابات التشرينية الأخيرة من نتائج والجلوس على طاولة وطنية للاتفاق على انطلاقة جديدة بين جميع الأطراف، ليس لتقاسم المناصب والمكاسب ثانية، بل لإتاحة الفرصة للأطراف الفائزة بتنفيذ مشروعها الوطني ذي "الأغلبية السياسية"، فيما الطرف الآخر يفرض رقابته الصارمة من وجهة نظر وطنية وليس طائفية أو حزبية أو مذهبية من أجل الخروج من الأزمة الشائكة وبلوغ مرحلة العقد السياسي الجديد الذي نسعى إليه جميعًا. وهذه فرصة جديدة لعودة الحكم الرشيد بأيادي عراقية وعقول وطنية تأخذ في بنود مشروعها إعادة بناء الدولة العراقية المنهارة من جديد وفق مقوّمات وطنية صحيحة بوضع الرجل المناسب في المناسب وإعادة اللحمة المجتمعية المثلومة والتفكير الجدّي بوضع حدود لهجرة العقول والكفاءات ووضع كل المقدرات في خدمة الوطن والمواطن على أساس العدل والمساواة والجدارة. وكل هذا لا يمكن رؤيته على أرض الواقع من دون إعادةة هيبة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وكبح جماح تجار المخدرات ترويجًا وتوريدًا وتعاطيًا وتغطية، وتقويم العملية التربوية والعلمية التي تهاوت إلى الحضيض، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من أعلى الهرم وليس عبر صغار الموظفين بجعلهم أكباش فداء.
لذا، ومن منطلق البدء بالتأسيس لمرحلة قادمة وصحيحة من الحكم الرشيد، لا بدّ من تغيير المسارات ووضع النقاط على الحروف والبدء بتصفية بيدر الوطن من الأشواك والزؤان والأدغال الدخيلة كي يعود الحكم للشعب صاحب الإرادة والقرار والمصلحة في كلّ شيء وأيّ شيء. وحتى لو حصلت البداية ببضع ممثلين وطنيين من أصحاب الغيرة والنخوة والإرادة الوطنية، فهي ستكون بادرة خير وبشارة طيبة للمستقبل القريب. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. وهذه الخطوة ستنفذها هذه القلّة القليلة من النواب المستقلين ومن أصحاب الفكر الوطني المستقلّ الناضج بدعمٍ من ديمومة ثوار الانتفاضة الباحثين دومًا عن "وطن مفقود"، والذين لم يفقدوا جذوتهم ولا خفتت نارُ مطالبتهم بالتغيير المطلوب باتجاه تفعيل الوازع الوطني وعودة الحكم الرشيد إلى بلد الرشيد أيام كان للخلافة العباسة شأنٌ ورفعة وتطورٌ وسمعة حينما كانت بغداد منارة زاهية بزهو قدراتها في كلّ شيء، وسطرًا لمجد العروبة، وصخرة للمُلك الوطيد. فهل ستعود إليها بسمتُها الزهراء الناصعة قريبًا وتبشرنا الأيام القادمة بإشراقة أمل وبهجة وفرح في الأفق؟
هذا هو الأمل القادم الجديد الذي نتوق إليه ونريد حصوله في الدورة المرتقبة للبرلمان، كي نشهد بصدق سمفونية الوطن تخرج من أوتار عودٍ تغنّي له وتعيد أمجاده وثرواته وقراره وإرادته وإدارته إلى أهله الأصلاء من العراقيين الصالحين الوطنيين. دمتِ بغدادُ دارًا للنهى والفن والمحبة والأصالة. فأنتِ دومًا ستظلين بيتَ القصيد، كما أنشدَك قبلنا محبوكِ وأحبابُكِ وعاشقُوكِ! ونحن على وقع خطواتهم نغني لك كي تعودي عاشقةً للحكم الرشيد!