الحوار والراي الحر > المنبر الحر

الماضي لا يعود مطلقا ولا ينسى

(1/1)

خالد عيسى:
الماضي لا يعود مطلقا ولا ينسى الدكتور خالد اندريا عيس
منقول وباضافات محدوده جدا
 
نخشى سرعة الايام والسنينو الزمن.. نخاف جريانه.. مجرد مروره حتى لو لم يصبنا او نعاني من مكروه يحدث تغييرات كثيرة فى وجوهنا وأجسادنا وحياتنا النفسية وأحوالنا بشكل عام..
لا شىء يبقى على حاله..
تمضى سنوات العمر سريعا ـــ هكذا يخيل إلينا ـــ نغادر أيام الطفولة والشباب لنصل إلى مرحلة منتصف العمر ثم الشيخوخة ونصبح عرضة للمخاوف والقلق والأمراض نتيجة تقدمنا فى العمر..
نتساءل فى جزع: متى حدث ذلك؟ كيف كبرنا هكذا فجأة؟
ورغم أن هذه سنة الحياة إلا أننا مع ذلك نتشبث بالماضى ونظل نحتفظ بذكر اعمارنا الصغيرة وليست الحقيفيه الكبيرة التى تذكرنا بتلك السنوات العذبة..
على الحوائط نضع صورنا ونحن فى زمن الطفولة والشباب حتى تصافحها عيوننا كل يوم وكأننا نستعيد تلك الأيام الجميلة التى مضت دون رجعة..
الزمن لا يمكن مطلقا أن يعود أبدا إلى الوراء..
حقيقة ندركها جميعا ورغم ذلك تظل فكرة استعادة الزمن حلما يراود عقولنا..
كم من خطأ ارتكبناه وكم من تصرف نندم عليه..
نهمس لأنفسنا: آه لو يعود الزمن إلى الوراء لكنت تداركت الأمر وتصرفت بشكل مختلف تماما.. لكن الزمن لا يعود بالطبع إلى الوراء..
وهذه حكمة نتعلم منها التفكير والتروى ومحاولة تملك بصيرة صحيحة.
وإذا كانت الحياة الواقعية لا تسمح لنا باستعادة الماضى ولا استشراف المستقبل..
فإن الأدب بكل ما يملك من خيال وإبداع تمكن من أن يفعل ذلك..
روايات عديدة تناولت الزمن من منظور خيالى لا يعتمد على قياس الزمن بالدقائق والثوانى.
ماذا لو عشنا الأحداث كلها معا؟
أو ماذا لو استعدنا الماضى فى حياتنا ليصبح اللحظة الراهنة التى نعيشها الآن؟
أو ماذا لو سافرنا عبر الزمن وتوقفنا عند أزمنة معينة تروق لنا..
هكذا يتناول الأدب موضوع الزمن متحديا الواقع.
فى رواية البحث عن الزمن المفقود للأديب الفرنسى مارسيل بروست (1871 ــ 1922) والتى كتبها فى سبعة أجزاء كاملة يقدم لنا تناولا جديدا للزمن..
كان الكاتب نائما فى فراشه واستيقظ فجأة على رائحة كعكة المادلين التى كانت تخبزها له أمه.. هذه الرائحة أطلقت العنان للذاكرة ليعود إلى زمن الطفولة ويعيش فى رحابه بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة على السواء..
هاهى الأحداث ماثلة أمام عينيه..
لم تعد ماضيا بل صارت حاضرا يعيشه مرة أخرى..
اختلطت الأزمنة معا..
فلا حدود هنا بين الماضى واللحظة الراهنة التى يعيشها الذهن..
لم تعد هناك فصول أو حواجز صارمة تفصل بينهم.. هكذا استطاع بروست ببراعة أن ينتقل عبر الزمن فى سلاسة ونعومة ليصف للقارئ كيفية معايشته للعالم عبر الحواس والذهن.
وتجسد رواية صورة دوريان جراى للروائى الأيرلندى أوسكار وايلد (1854- 1900) هاجس الخوف من جريان الزمن..
يتمتع الشاب الوسيم دوريان جراى بجمال فائق ومكانة اجتماعية مرموقة لكنه أيضا مغرور وأنانى..
 ذات يوم رسمه صديقه الفنان بازيل هولارد..
كانت لوحة فنية فريدة قلبت موازين حياته..
تأمل جراى اللوحة الرائعة..
نظر مليا إلى ملامحه فى الصورة..
 ياللجمال والبهاء والروعه..
وعلى الفور انتابه هاجس مرعب ومخيف.. قال لنفسه فى خوف: هذه اللوحة تجسد جمالى وشبابى..
ستظل تحتفظ بهذا الجمال بينما سيتقدم بى العمر وأهرم واكيد ساموت..
أريد أن أبقى بنفس رونق وجمال هذه اللوحة..
ماذا لو أمكننى أن أظل شابا وتكبر الصورة فى عمرها!
وتحدث المعجزة وتتحقق أمنية الشاب الوسيم جراى لكن حياته تتحول إلى جحيم لا يطاق..
ومن خلال هذا الطرح يسخر الكاتب من قلق الإنسان الشديد إزاء الزمن وتاثيراته القاتله، وتطلعه الدائم للاحتفاظ بشبابه ووسامته وهو أمر مستحيل لكنه مع ذلك يظل هاجساً ملحاً للبشرية..
أما الكاتب الكبير توفيق الحكيم (1898- 1987) فيجسد لنا فكرة عبثية العودة إلى زمن مضى عبر مسرحيته الرائعة «أهل الكهف».. تحدثنا المسرحية عن ثلاثة قديسين مسيحيين يهربون بدينهم من بطش الملك دقيانوس ويلجأون إلى كهف ينامون فيه..
ثم يستيقظون معتقدين أنهم لم يناموا سوى ثلاثة أيام..
فكانت المفاجأة الكبرى.. لقد ناموا لمدة ثلاثة قرون كاملة..
هاهم يجدون أنفسهم فى زمن آخر لا يعلمون عنه شيئا..
حياتهم السابقة تغيرت وتبدلت ملامحها تماما..
لقد انتهت وانتهى معها كل ما كانوا يعرفونه ويألفونه..
ورغم أن ما كانوا يحلمون به قد تحقق إلا أنهم لم يستطيعوا التوافق مع هذه الحياة الجديدة..
تملكتهم مشاعر الوحدة والغربة..
وعندها يقررون العودة مرة أخرى إلى الكهف ابتعادا عن الحياة.
فكرة الانتقال والسفر عبر الزمن والتطلع إلى المستقبل والكشف عن أسراره شغلت الكثيرين..
فهى حلم عزيز يصل فى بعض الأحيان إلى حد الهوس..
يتساءل المرء فى لهفة، ترى ماذا يمكن أن يحدث فى المستقبل؟
كيف ستكون حياتنا؟
 الكاتب الإنجليزى هربت جورج هيلز (1866-1946) نسج روايته الشهيرة «آلة الزمن» من هذا المنطلق..
تبدأ أحداث الرواية بموعد على العشاء يتحدث فيها البطل مع أصدقائه عن البعد الرابع للمكان وهو الزمن..
وعلى أساس هذه النظرية اخترع آلته التى ستسافر به ومعه للمستقبل..
تعبر آلة الزمن إلى المستقبل البعيد ويستشرف الأحداث التى سوف تلقاها البشرية..
يحدثنا عن علاقات الأثرياء والفقراء والصراع الدائر بينهما..
الهوة تتسع والصراع لا يكاد يتوقف..
فأى مستقبل مظلم هذا الذى ينتظر البشرية؟
وحينما يعود البطل أو المسافر كما أطلق عليه الكاتب إلى الزمن الراهن يحكى تجربته لأصدقائه..
 ثم يعاود السفر من جديد إلى عصر قديم هذه المرة..
 إلى العصور الحجرية، ربما من اليأس الذى تملكه لما وجد عليه المستقبل.
تناول الأدباء الزمن من زوايا مختلفة..
 وتظل هذه قيمة الأدب..
 فهو يستطيع النفاذ إلى علاقتنا العميقة والثرية بالأشياء وهو ما لايستطيعه العلم ولا الفلسفة

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة