المحرر موضوع: لؤي أبو التمّن وتراجيديا العزلة "الذهبية"  (زيارة 226 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الحسين شعبان

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1249
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لؤي أبو التمّن
وتراجيديا العزلة "الذهبية"

عبد الحسين شعبان


رسم توضيحي 1 : ابراهيم أحمد، وعبد الغني الخليلي، و شعبان، ولؤي أبو التمن، وصباح بوتاني
نشرت في جريدة الزمان (العراقية) على حلفتين الأولى يوم السبت 5 شباط / فبراير والثانية يوم الأحد 6 شباط / فبراير 2022 . 

   أخيراً ارتاح لؤي أبو التمّن في مرقده. رحل بهدوء تام. لم يقاوم ولم يتحدَّ ولم يعاند ولم يساجل ولم يجادل ولم يناقش كما اعتاد طيلة حياته، وهو الشخصية الاجتماعية المحبوبة والمهابة والقائد الطلابي الستّيني، فقد ارتضى التعايش مع ذلك الزائر الغريب طيلة سنوات، بل أنه استضافه إلى منزله ودخل معه في حوار صامت. كان أحدهما ينظر إلى الآخر بحذر شديد وحيرة في أحيان كثيرة. لم يحصل اشتباك بينهما، سوى تلميحاً أو إشارة، إلّا أن الكلمة السحرية الأثيرة الوحيدة التي كانت تطوف في المكان متى؟ ثم متى وأخيراً متى حتى جاء كانون الثاني / يناير 2022.
كان لؤي أبو التمّن (فرات) فرض على نفسه عزلة طويلة قبل اجتياح وباء كورونا، فاتجه إلى زاوية يتأمل فيها ما يجري وقرّر الابتعاد مُلملماً بعضه إلى بعضه من كثر ما شاهد من ترّهات وزيف وسمع الكثير من اللغو والاجترار، خصوصاً وقد أصبح ذلك "الغالب الشائع"، وهو الذي كان يبحث دائماً عن "النادر الضائع".
ترك أمره إلى ذلك الضيف الذي سيقرر تلك "المتى" ويقبض الروح ويعلن الخبر، لكنه وهو في هذه الحال ظلّ معلّقاً بأحلامه الكبيرة: الحريّة والعدالة، تلك الأحلام التي هي "الحقيقة الوحيدة" التي لا تنضب ولا تنتهي أو تتوقّف، حسب المخرج الإيطالي فريدريكو فيلليني، وكان صوته يأتيني بين الفينة والأخرى، فيزيد من أحزاني. وكنت أنقطع عنه أسابيعاً أو أشهراً كي لا أسمع نبرة التأسّي والضعف الانساني حتى وإنْ كان فائقاً، لكنني لا أستطيع إلّا أن أعاود الاتصال، وكأننا كنا نتحدث قبل يوم أو يومين، فأراه متابعاً ومنشغلاً وكأننا نتواصل في حوارنا الذي لم يتوقف.
خبر مثل صاعقة
   نزل عليّ خبر رحيل أبو التمّن نزول الصاعقة. وعلى الرغم من أنني كنتُ متابعاً لأوضاعه الصحية ولعزلته، فهو لم يغادر المنزل تقريباً منذ قرابة 4 سنوات إلّا أن وقع الخبر كان صادماً. وكنّا قد اتفقنا على اللقاء في ربيع العام 2020 ، لكن اجتياح وباء الكورونا حال دون ذلك، وهكذا تغيّرت البرامج وتعطّلت الحياة الطبيعية وتبدّل كل شيء تقريباً، واتفقنا أخيراً على الصيف القادم، لكن القدر الغاشم كان أسرع منّا، وها هو يغافلنا وكأنه يتلصص على أخبارنا وما اتفقنا عليه ليسبقنا إلى حيث قرب موعد "المتى"، ليخطف أعزّ الأصدقاء وكأنه يقف لنا بالمرصاد أو كما يقول الجواهري الكبير :
      جهمٌ يقيم على مدارجنا / وعلى صدى أنفاسنا حرسا

   نعم إنه "الذئب" الذي ظلّ يترصّدنا لسنوات غير قليلة، فقد أفلح أخيراً في اقتناص فريسته الثمينة، خصوصاً حين ترجّل الفارس ، بل أنه تقدّم من ذلك الزائر الغليظ الذي يأتي مواربة ليدعوه للتفاهم بكلّ كبرياء وليصافحه وليعلن أمامه أنه اتخذ قراره ولا رجعة فيه وليس هناك من داعٍ للمخاتلة أو المراوغة، فلم يعد يحتمل ما هو قائم لكثرة ما عرِف وخبِر من تجارب ومِحن، ناهيك عن اللّاجدوى من المواجهة.
   كلّما رحل صديق أشعر أن قطعة من قلبي تُقتطع وليس من ذاكرتي وحسب، فما بالك بصديق أثير مثل لؤي أبو التمّن. ولعلّ ذلك ما كتبته سريعاً للصديق جمال صفر الذي أخبرني بعد لحظات من وفاته عن وقوع الحدث الجلل، وأراد مشاطرتي الحزن والأسى، وكم تمنّينا لبعضنا البعض حياة خالية من المكاره والأحزان، لكن ذلك سنّة الحياة، وكما ورد في القرآن الكريم "فكل من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام"  (سورة الرحمن – أية 26 )، ويبقى الموت الحقيقة المطلقة التي لا مردّ لها.
صداقة العمر
   في أواخر العام 1964 تعرّفت على لؤي أبو التمّن وكنّا ما زلنا في بدايات حياتنا الجامعية، وكان الصديق الراحل صادق الحسني البغدادي (أبو وسام) رابطة التعارف بيننا، وأخبرني حينها أن لديه آراءً وانتقادات هي أقرب إلى ما كنّا نناقشه بعد عودة الحسني البغدادي من إيران التي اضطرّ الهروب إليها بعد انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 ، وقد اصطحبه إلى تلك الرحلة الأثيرة الشيخ وهاب شعبان المرشد في حضرة الإمام علي وذو التاريخ الشيوعي العريق، والذي أصبح لاحقاً أحد أصدقاء لؤي أبو التمّن أيضاً، مثلما ظلّ الصديق فلاح الصكر يسأل عنه منذ أن تعرّف عليه حين جاء معزّياً باغتيال الشهيد ستار خضير العام 1969 ، وذلك خلال اللقاء به في شارع الرشيد.
   ومنذ اللقاء الأول شعرت أنني أمام مشروع صديق باهر بكلّ ما لهذه الكلمة من معنى، وتعمّقت علاقتي به من خلال عدد من الأصدقاء الآخرين بينهم الصديق كاظم عوفي البديري الذي كان معه في كلية التجارة ورياض محمد وفيما بعد د. رياض البلداوي وآخرين ، وكانت النيّة في تلك الفترة تتجه لإعادة تأسيس اتحاد الطلبة العام بعد ما تعرّض له من هجوم شرس من جانب انقلابيّ 8 شباط / فبراير 1963  وجماعات الحرس القومي، خصوصاً وقد تم اعتقال العديد من منتسبيه واغتيل تحت التعذيب عدد من مسؤوليه بينهم محمد الوردي وفيصل الحجاج وصاحب المرزة وآخرين.
وكان قد نشط بهذا الملف مهدي الحافظ بعد عودته سرّاً إلى بغداد من براغ في مطلع العام 1965 ، حيث تهيأت الظروف لعقد اجتماع في أواخر العام 1965 ، خصوصاً بعد إعادة توزيع القوى إثر تغييرات حصلت داخل الحزب الشيوعي، باستبدال خط آب (1964 ) بسياسة جديدة أساسها اعتبار سلطة عارف استمراراً لسلطة البعث حتى وإنْ كانت أخف وطأة من خلال بعض الخطوات الإنفراجية، ولكن من حيث احتكارها للعمل السياسي والنقابي والمهني بما فيه الصحافة وحريّة التعبير ظلّت دون تغيير يُذكر، ناهيك عن استمرار تعقيدات القضية الكردية وعدم التوصّل إلى حلّ معقول بشأنها وتجدّد القتال بين حين وآخر، وتردّي الوضع الإقتصادي بسبب الإجراءات غير المدروسة التي اتخذتها الحكومة في 14 تموز/ يوليو 1964 تحت عنوان "القرارات الاشتراكية" وقادت إلى تأميم مشاريع ومرافق وطنية حيوية بما فيها القطاع المصرفي.
 يضاف إلى ذلك التجاذبات التي تردّدت بخصوص النفط والكبريت وامتيازاتهما الجديدة وما كان يثار من لغط  في المجالس الخاصة، وهو ما سبّب ردود فعل حتى وإن بدت أقرب إلى إرهاصات، لكنها اتخذت بُعداً أوسع فيما بعد، بحيث اضطرتّ قوى من داخل جبهة الحكم القومية (الاتحاد الاشتراكي العربي) للتململ والتمايز عن الاتجاه السائد فيها، وقاد لاحقاً إلى تفكّك الاتحاد الاشتراكي نفسه وخروج قوى من داخله أكثر راديكالية.
الانتخابات الطلابية
   قاد التحرّك السياسي والطلابي بما فيه من داخل قوى قريبة من السلطة إلى إعلان الرغبة في إجراء إنتخابات عامة، وكانت تلك النفحة الليبرالية التي أطلقها الدكتور عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء انعكست في إجراء "بروفات" لعدد من القطاعات منها قطاع الطلبة، فأجريت الإنتخابات في ربيع العام 1967 ، وفاز فيها اتحاد الطلبة (السرّي المحظور) بنسبة 76 % من المقاعد الإنتخابية في جامعة بغداد على الرغم من الضغوط التي تعرّض لها بعض مرشّحيه، فقد انسحب ممثلوه من كليتي الحقوق والتربية الرياضية (بغداد)، كما فاز الاتحاد ﺑ 100 % في جامعة البصرة و 60 % في جامعة الموصل، وقد عكست نسبة الأصوات الهوّة الساحقة بين فوز الاتحاد الطلابي المحسوب على الحزب الشيوعي وبين واقع القوى الأخرى، وهو ما جئت عليه في مداخلتي عن د. خير الدين حسيب الموسومة: "الرياضة النفسية والمثقف الكوني والكتلة التاريخية" المنشورة في مجلة المستقبل العربي، العدد 454 كانون الأول / ديسمبر 2016.
   وقد لفت هذا الفوز الساحق إلى أن ميزان القوى على الرغم من القرب من السلطة من جانب القوى القومية ليس لصالحها، وهو ما دفع بعض الاتجاهات المتشدّدة لإلغاء الانتخابات في اليوم التالي، بل إن بعض الصحف كتبت "أن القوى الشعوبية بدأت ترفع رأسها من جديد" في إشارة إلى فوز إتحاد الطلبة في الانتخابات. وهكذا تبخّرت فكرة الانتخابات العامة والانتقال إلى الحياة النيابية وإعداد دستور دائم، حتى حصل انقلاب 17 تموز/ يوليو 1968 .
   كان لؤي في صلب النشاط الطلابي خلال وبُعيد الانتخابات الطلابية، بما فيها اللقاء الاحتفالي الذي حصل في مطعم سولاف، وكان ذلك بمثابة لقاء عام حضره عشرات من الفائزين في الانتخابات بموعد مسبق.
انشطار الحزب الشيوعي
   تكثّفت لقاءاتي مع لؤي أبو التمّن (فرات) خلال فترة الانشطار التي حصلت في الحزب الشيوعي في 17 أيلول / سبتمبر 1967 ، حيث قاد الاتجاه المتياسر الجديد عزيز الحاج وبقي الاتجاه التقليدي بقيادة عزيز محمد ، ولا أُخفي القارئ سرّاً إذا قلت أن لؤي كان يترنّح بين الإتجاهين، وهو أمر شمل الكثير من الشيوعيين وأصدقائهم ومنهم كاتب السطور الذي ظلّ موزعاً بين الاثنين، وسبق لي أن أشرت إلى ذلك أكثر من مرّة.
لقد حملت الشعارات الراديكالية جاذبية كبيرة وسط الشباب والطلاب بشكل خاص، وجمهرة الحزبيين وأصدقائهم عموماً، لاسيّما وأنها جاءت بعد هزيمة 5 حزيران / يونيو 1967 ، حيث كان النقاش في صفوفنا قائماً: هل نرفع شعار "كلّ شيء إلى الجبهة" أم "كل شيء من أجل الجبهة" والشعار الأخير رفعته القيادة المركزية للحزب الشيوعي، مشدّدة على الإطاحة بحكم عبد الرحمن محمد عارف، شقيق عبد السلام محمد عارف زميل الزعيم عبد الكريم قاسم في قيادة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 والمشارك في انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 بقيادة حزب البعث، والذي أصبح رئيساً للجمهورية، ومن ثم قاد انقلاب 18 تشرين الثاني / نوفمبر 1963 ، وقد توفّي بعد حادث غامض بسقوط طائرته بين مدينتي القرنة والبصرة في 13 نيسان/ أبريل 1966 .
   وأتذكّر تظاهرة القيادة المركزية بمناسبة الذكرى الأولى لنكسة 5 حزيران / يونيو 1967، التي اخترقت شارع الرشيد من الميدان وحتى منطقة "المربعة" قرب مقهى البرازيلية، حيث واجهتها قوى الأمن لتفريقها واعتقلت عدداً من المتظاهرين. ورويت ذلك بشكل مفصّل في مطالعتي عن طارق الدليمي الموسومة "الصديق اللّدود" - كلّما اختلفت معه ازددت محبّة له. والمنشورة في جريدة الزمان (العراقية) على حلقتين، العددان 6588 و 6589 بتاريخ 18 و 19 شباط / فبراير 2020 ، حيث كانت الشعارات اليسارية في ذروتها والحناجر تصدح "باسم القيادة يسقط الحكم العسكري" و "يا فاشي شيل إيدك كل الشعب ما يريدك"، في حين كانت شعارات اللجنة المركزية تؤكد على الجبهة الوطنية الموحّدة (جبهة وطنية لا استعمار ولا رجعية) وإطلاق سراح المعتقلين وحلّ المسألة الكردية وانتهاج سياسة نفطية تعبّر عن مصالح الناس وطموحاتهم.
   وعلى الرغم من تململنا وقلقنا وتردّدنا بالاختيار بين القيادة واللجنة، إلّا أننا في نهاية المطاف وبعد أسابيع من الأخذ والردّ والشدّ والجذب حسمنا أمرنا بسبب ما تبيّن من اختيار القيادة المركزية أساليب عنفية وصبيانية  في التعامل مع الرفاق بعد اعتقالها الرفيقين زكي خيري (لنحو 20 يوماً) و بهاء الدين نوري  (الذي تمكن من الهرب بعد أن جرحت إحدى يديه)، إضافة إلى مبالغات وضجيج إعلامي، بحيث ارتفعت الدعوات للانطلاق من الاهوار للزحف على المدن في خطة أقل ما يقال عنها أنها غير واقعية ولم تأخذ بنظر الاعتبار الظروف والأوضاع السائدة وتوازن القوى، دون أن يعني ذلك التقليل من البسالة والجرأة التي اتسمت بها المجموعات التي كلّفت بذلك.


قيادات اتحاد الطلبة
   انحاز التنظيم الطلابي بأغلبيته الساحقة إلى جانب حزب القيادة المركزية، ولم يبق في صف اللجنة المركزية أو قريب منها أكثر من 10 من الكوادر الطلابية، في حين كان هناك نحو 80 كادراً مع القيادة، إضافة إلى مئات من الأعضاء والأصدقاء، ولكن بالتدرّج بدأ نفوذنا يتعزّز، فتوافد علينا العديد من الرفاق والأصدقاء، بينهم من كان في القيادة المركزية واتحاد الطلبة الموازي، وهكذا بدأ جسم اتحاد الطلبة بالتحسّن والتعافي، علماً بأننا حاولنا لؤي وكاتب السطور الابقاء على الاتحاد موحّداً وقبول كون جماعة القيادة المركزية تمثّل "الأغلبية"، لكن الأمور سارت باتجاه آخر، خصوصاً وبعض الرؤوس كانت حامية.
   عملنا لاحقاً وبعد أن أصبح الأمر الواقع "واقعاً" لؤي وأنا  في مكتب سكرتارية اتحاد الطلبة الذي ضمّ حسن أسد الشمري ( السكرتير العام وكان محكوماً لعشر سنوات غيابياً، وهو من خانقين ودرس في نفس مرحلتنا في كلية التربية الرياضية، وقد انتخب قبل الانشقاق وبعد الانتخابات الطلابية مباشرة، علماً بأن الشمري هو الآخر ظلّ متململاً لبضعة أسابيع، فعمل مع الرفيق ابراهيم علاوي / مجموعة الكادر ، ولكنه عاد إلى الحزب في حين توجّه ابراهيم علاوي مع تنظيماته إلى القيادة المركزية).
 ومن القيادات الطلابية التي برزت بعد انشطار الحزب آنذاك سعد الطائي  وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وحميد برتو  وسعدي السعيد وفايز عبد الرزاق الصكر وطه صفوك وكانت بساتينهم في الراشدية مأوى لنا ولاجتماعاتنا، خصوصاً الموسّعة،  وكان من النشطاء البارزين مهدي السعيد ورقيّة الخطيب (تزوجت من الكادر الحزبي عزيز حميد وبعد أشهر اعتُقل زوجها وقتل تحت التعذيب في قصر النهاية 1970 ) وشقيقها حمّاد الخطيب وبخشان زنكنة (أم بهار) وناظم الجواهري وزهير جعفر ويحيى علوان ومحمد الأسدي وعلي العاني ومحمود شكارة وكاظم عوفي ومحمد حسن السلامي وشاكر الدجيلي (الذي أصبح عضواً في اللجنة المركزية واختفى قسرياً العام 2004 ) وفلاح وصلاح الصكر (شقيقا الشهيد ستّار خضيّر الذي اغتيل في حزيران 1969 ) ومحمد الشبيبي ومالك حسن وجمال الشمّري ولفتة بنيّان وشيروان جميل بالطة (استشهد العام 1973 مع 12 كادراً شيوعياً واتهم عيسى سوار من الحزب الديمقراطي الكردستاني باغتيالهم بعد أن كانوا عائدين من الدراسة وعبروا الحدود السورية – العراقية من القامشلي ) وعلاء أبو العيس (الذي اعتقل مع سعدي السعيد في بساتين الراشدية) وعطية فاضل (فارسة) ونعمان شعبان ورابحة الناشئ ومن خارج بغداد تنظيمات البصرة وأبرزهم محمد فؤاد هادي (استشهد في بشتاشان 1983 ) ونزار جعفر وسميرة البياتي، ومن الفرات الأوسط كان المسؤول: محمد جواد فارس ( سامي - الحلة) وطالب عوّاد (كربلاء) و عدنان الأعسم (النجف) ومن كردستان نوروز شاويس (السليمانية) و منعم العطار (إربيل – دار المعلمين) وقد قُدّر لي الإشراف على إقامة  اتحاد الطلبة العام في كردستان أيار / 1970 ويعتبر امتداداً لاتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ، حيث حضره 37 مندوباً ، وقد انعقد ليومين بشكل سرّي في دارِ جديدة بمنطقة أزادي، وحضره مندوبين من جامعة الموصل وجامعة السليمانية وطلبة من إربيل وكركوك.
   وقد جرى انعطاف نحونا بعد انقلاب17 تموز / يوليو 1968 والحملة القمعية ضدّ القيادة المركزية، فكان من أبرز الكوادر التي التحقت بنا حميد الظاهر (لطفي) وفاضل العكام (خالد) الذي كان أنشط الطلبة  ولديه نحو 30 صديقاً، وقد اعتقل في قصر النهاية وبقي لنحو عام كامل (1970 – 1971 ) واعتقل مرّة أخرى في الثمينينيات ومكث في السجن نحو سنتين، ورواء الجصاني أصبح من قيادات الاتحاد لاحقاً، كما انضم إلينا مهنّد البرّاك (نوّار) (الكلية الطبية) في نهاية العام 1969  وعزيز حسون عذاب المثقف البارز (كلية الصيدلة) وأسعد تقي زيردهام (كلية الصيدلة) وآخرين لايتّسع المجال لذكرهم.
الوفد المفاوض
   كُلفنا لؤي وكاتب السطور من إدارة الحزب بقيادة الوفد المفاوض مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق الذي ضمّ كريم الملّا ومحمد دبدب وحسن المطيري ورويت في مطالعتي عن كريم الملّا والموسومة "سردية الاختلاف ونبض الائتلاف" والمنشورة في جريدة الزمان (العراقية) في تشرين الأول/ أكتوبر 2015 .
 اكتشفنا أمر المطير بصفته الوظيفية الأمنية باعتباره الساعد الأيمن لناظم كزار، وقد تم تقديمه لنا باسم الزميل "فيصل"، ثم عرفنا أسمه الحقيقي من الصديق طيب محمد طيب الذي كان يمثل مجموعة المكتب السياسي المنشطر عن الحزب الديمقراطي الكردستاني (وقد عمل لاحقاً في وزارة الخارجية ثم انتقل إلى المعارضة وعاد إلى وزارة الخارجية وأصبح سفيراً بعد الاحتلال) وفاضل رسول ملّا محمود (الذي اغتيل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا 1988 ، واتهمت الأجهزة الإيرانية باغتيالهما، علماً بأنه كان صديق الإيرانيين). وكان "حسن المطيري" يحمل رتبة ملازم أول، وهو من الجلادين  في قصر النهاية المعروف باسم سجن الموت والعذاب. وقد شارك المطير في تعذيب لؤي ، حيث كانت عيناه ويداه موثوقتان وهو مشدود إلى الحائط، ولكنه عرفه من نبرة صوته، فقد بقينا لنحو تسعة أشهر ونحن نخوض مفاوضات وحوارات وهو يجلس معنا ويرحّب بنا بحرارة حين نحضر.
   وأتذكّر مرّة وبعد أن عرفنا حقيقته وكنّا نشكّ أصلاً بوجوده لأنه طيلة الوقت لم يتحدّث ولم نكن نعرف سبباً لوجوده، كما لم يكن لنا أي معرفة به من قبل، مثل الملّا ودبدب وقبلهما حميد سعيد وحتى ناظم كزار الذي تولّى إدارة الاتحاد الوطني بعد 17 تموز / يوليو 1968 مباشرة، ورفضنا اللقاء به، في حين كان المطير غامضاً ومثيراً للشك.
وبعد بيان 11 آذار / مارس 1970 ، حلّ محلّ طيب محمد طيب وفاضل رسول ملّا محمود وصلاح الدين عقراوي، ممثلين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، باسم اتحاد طلبة كردستان، حيث مثله فرهاد عوني الذي كان متعاطفاً معنا إلى حدود كبيرة بعد أن تعرّضنا إلى ضربة موجعة بعد بيان 11 آذار/مارس 1970 ، وعادل مراد الذي أصبح نائباً لكريم الملّا رئيس الاتحاد.
لم يتم التوصّل إلى اتفاق بيننا وبين الاتحاد الوطني لطلبة العراق على الرغم من أننا تجاوزنا نحو 80% من نقاط الاختلاف بشأن البرنامج، لكن شروط الاتحاد لم نكن قادرين على هضمها، أولها – اعتماد إسم الاتحاد الوطني وإلغاء اسم اتحاد الطلبة، وثانيها – استبدال التمثيل الخارجي، وكان لديهم موقفاً سلبياً من مهدي الحافظ، وبخصوص النقطة الأولى قدّمنا أكثر من مقترح، الأول – دمج الاسمين، حرصاً منا على التعاون والعمل الموحد المهني بحيث يكون الاسم "اتحاد الطلبة الوطني في العراق" أو اعتماد الاسم الرسمي الذي جاء بالقانون رقم 97 لعام 1969 ، حيث حدّد الاسم "الاتحاد العام لطلبة العراق"، لكنهم رفضوا المقترحين بشدّة وأصرّوا أن ننضوي تحت لواء الاتحاد الوطني وهو بالنسبة لي وللؤي كان أمراً غير مقبول على الإطلاق، علماً بأن إدارة الحزب لم تكن بذات الحساسية التي نتحدّث عنها نحن العاملان في الوسط ،إضافة إلى العديد من أعضاء سكريتارية اتحاد الطلبة.
واقترحنا أن نختار إسماً جديداً بحيث يكون تأسيس الاتحاد وفقاً للقانون وعلى أساس نقابي ومهني كنقابة موحّدة ويعتمد ذلك على إجراء انتخابات حرّة، سواءً بالاتفاق أو من خلال قوائم مختلفة أو بتحالفات خاصة، ويحتفظ كلّ منّا بتاريخه القديم، علماً بأن اتحاد الطلبة تأسس
كان الملّا ودبدب قد اقترحا استمرار الحوار حتى بعد الانتخابات ونحن لم نرغب بانقطاعه، بل أكثر من ذلك، عرض علينا تمثيلاً في المكتب التنفيذي باسم الطلبة الشيوعيين، لكننا رفضنا تلك الصيغة واعتبرناها تسيساً للعمل المهني والنقابي، وكنّا قد رفضنا عرضاً أكثر "سخاءً" كأن يكون السكرتير العام منا، والرئيس منهم ونائبه كردي ويكون لنا 8 أعضاء من مجموع 27 عضواً (المجلس المركزي) ولهم 12 وللأكراد 5 وللقوميين العرب 2 ، لكن الاتفاق لم يحصل بسبب الإشتراطات التي ذكرناها، إضافة إلى أن رأينا كان "نأخذ ما تأخذون"، أي أن تكون حصّتنا موازية لحصّة الاتحاد الوطني.
 ونزلنا إلى الانتخابات بتحالف مع الحركة الاشتراكية العربية التي ساعدناها في تأسيس "جبهة الطلبة التقدميين" كتنظيم طلّابي، ولم تحصل قائمتنا "المهنية" على أية مقاعد تذكر وحقق الاتحاد الوطني "فوزاً ساحقاً ماحقاً" بسبب تداخلات الأجهزة الأمنية، فحصل على نتائج هي أقرب إلى نتائج الانتخابات في الأنظمة الديكتاتورية  بحوالي 99% من المقاعد الانتخابية، بعد أن كان قد حصل في انتخابات العام 1967 على أقل من 2%، ولذلك شكّكنا بنتائج الانتخابات واعتبرناها مزوّرة، ونشرنا تقريراً موسّعاً وبالأسماء والأرقام للحوادث التي حصلت حينها وقام بإعداده لؤي أبو التمّن وكاتب السطور وبإشراف من الرفيق ماجد عبد الرضا.
    وقد تمت دعوتنا لؤي وأنا لحضور افتتاح المؤتمر ما بعد الانتخابات، فقاطعنا ذلك، وكان اتحاد الطلاب العالمي قد أرسل وفداً لتقصي الحقائق إلى بغداد والتقيناه حميد برتو وكاتب السطور، وزوّدناه بالمعلومات الضرورية التي سبق أن نشرناها على نطاق واسع والتي توضح وجهة نظرنا بشأن تزوير الانتخابات والأساليب التي استخدمت والانتهاكات التي حصلت والتجاوزات التي لمسها الطلبة أمام أعينهم.
وكان قد حضر كجمن من ألمانيا الديمقراطية وفتحي الفضل من السودان (حالياً عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني) وكلاهما من قيادات اتحاد الطلاب العالمي الذي كان سكرتيره العام مهدي الحافظ بعد نوري عبد الرزاق، وقد اصطحبناهما إلى أحد الاجتماعات التي نظّمناها لسكرتارية اتحاد الطلبة في بغداد الجديدة في أحد البيوت، وفي أحد المرّات إلى شارع أبو نواس وفي مرّة ثالثة لمشاهدة فيلم في سينما أطلس. ويمكن مراجعة تفاصيل تلك الفترة في الكتاب الذي حاورني فيه توفيق التميمي (المختفي قسرياً منذ مطلع العام 2020 ) والموسوم "المثقّف في وعيه الشقي"، دار بيسان، بيروت، 2013 .
وكان الحزب قد نظّم كونفرنساً حزبياً أشرف عليه ماجد عبد الرضا حضره حوالي 25 رفيقاً ووفقاً لذاكرتي فإنه انعقد في بغداد الجديدة أيضاً، كما عقد كونفرنساً طلابياً يوم 10 تشرين الأول / أكتوبر 1969 حضره 44 مندوباً في "جزيرة أم الخنازير". ناقشنا فيهما مسألة المشاركة في الانتخابات واختيار قيادة طلابية جديدة بعد سلسلة تغيرات مؤقتة منذ انعقاد المؤتمر الرابع في 28 كانون الأول / ديسمبر 1968 ، وقد جئت على ذلك في كرّاس أصدرته في بشتاشان عن مطبعة طريق الشعب العام 1983 والموسوم "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق".
عضويات شرف
   وعلى الرغم من التباعد الذي حصل فقد منح الاتحاد الوطني لطلبة العراق عضويات شرف إلى 20 شخصية بعثية أو محسوبة عليها و 4 كرد و4 شيوعيين من قيادات اتحاد الطلبة هم نوري عبد الرزّاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمّن وعبد الحسين شعبان، ونقل الخبر عبر التلفزيون وفي الإذاعة وتناولته الصحف أيضاً، وظنّ الكثيرون أنّنا حضرنا المؤتمر ولكن لم يحصل شيء من هذا القبيل، لكن الحوارات استمرت، قبل أن تنقطع إثر حملة اعتقالات ضدّنا واغتيال محمد الخضري وقمع مشاركتنا في مسيرة الاحتفال باتفاقية 11 آذار يوم 21 آذار/ مارس 1970 بمناسبة يوم عيد نوروز.
   كان آخر لقاء حضرنا فيه مع الاتحاد الوطني لؤي أبو التمّن وأنا هو يوم 20 آذار / مارس 1970 ، حيث كان من المقرّر الخروج بمسيرة شعبية يشارك فيها الكرد لأول مرّة وتشترك فيها نقابات واتحادات، إضافة إلى حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني. وعلمنا من إدارة الحزب أن الحزب استحصل على موافقة بالمشاركة، على الرغم من بداية حملة ضدّنا، حيث اعتقل من الطلبة فلاح الصكر ومحمد حسن السلامي و11 طالباً آخر، كانوا يكتبون شعارات تؤيّد اتفاق 11 آذار بين الحكومة والحركة الكردية على الجدران فجر الثاني عشر أو الثالث عشر من آذار/ مارس 1970 .
   وحين أبلغنا قيادة الاتحاد الوطني رغبتنا بالمشاركة في المسيرة في إطار الاتفاق العام، رفضوا ذلك، وأبلغني كريم الملّا ونحن في حديقة الاتحاد بأن المعلومات التي لديه بأنه سيتم التصدّي لنا وتفريقنا في حال محاولتنا المشاركة دون موافقة الدولة كما قال، وقال هذا رأي القيادة، وكانت قيادة الحزب الشيوعي تنتظر نتيجة اجتماعنا، وقد تم تحديد موعدين لنا بعد الاجتماع لمعرفة نتائجه، الأول في الساعة التاسعة مساءً والثاني في التاسعة و45 دقيقة في موقف باص في ساحة الميدان، وفوجئنا بالرفيق باقر ابراهيم (أبو خولة) بانتظارنا، لكي يستمع إلى رأينا وموقف الاتحاد الوطني، علماً بأننا أبدينا مرونة بشأن الشعارات وتأكيد تأييدنا لبيان 11 آذار/مارس، لكن القرار بعدم مشاركتنا كان واضحاً، وقد فوجئ الرفيق "أبو خولة" بردّ الاتحاد الوطني، وأبلغنا قرار الحزب بالحضور في اليوم التالي، وقد ذهب لؤي أبو التمّن مساء ذلك اليوم مع كاظم عوفي لإيقاظ أحد تجار الأقمشة في الكرّادة لشراء قطعة قماش بيضاء قام كاظم العوفي بكتابة الشعارات المطلوبة عليها حسب توجيهات الحزب وجاءا بها صباح اليوم التالي إلى دار الطلبة في باب المعظّم، حيث كان موعد الانطلاق من الميدان.
اغتيال محمد الخضري
   في صبيحة اليوم التالي أي 22 آذار / مارس 1970  نشرت الصحف خبر اختفاء محمد الخضري، حيث تم العثور على جثّته قرب مدينة بلد (80 كلم عن بغداد) وقد طرّزت ﺑ 22 إطلاقة وعليها آثار تعذيب. وكان ممثّلاً عن القائمة المهنية للمعلمين، وأتذكّر تعليق لؤي أبو التمّن ونحن في التظاهرة، حيث كان العديد من إدارات الحزب الشيوعي يتوافدون للحضور. بينهم عامر عبدالله وزكي خيري وحسين سلطان وباقر ابراهيم وآخرين، على اختفاء الخضري قوله: من سيكون القادم؟ وكان صاحب الحكيم سألني حينها هل صادف أن لمحت محمد الخضري (أبو عادل)، قلت له طرق سمعي أنه تم العثور على جثته في مدينة بلد ففوجئ بذلك، ودار همس بين الرفاق خلال التظاهرة الحاشدة، وقبل أن نتحرّك من ساحة الميدان كان الهجوم عليها شديداً لتفريقها بعد عزل إدارة الحزب عن قاعدته، وكاد لؤي أن يعتقل بعد أن حاول أن يتصدّى لأحد المهاجمين، لكن عدداً من المتظاهرين سحبوه إلى طرفهم وهكذا تم التفرّق وحاولنا التجمع قرب ساحة حافظ القاضي، لكن محاولة التفريق كانت أشد هذه المرّة، فانسحبنا ولم نعاود الكرّة.
 جدير بالذكر أن وفداً ضمّ لؤي أبو التمن ومحمد النهر وأحمد الحكيم (الذي اعتقل بعد أيام)  وكاتب السطور طاف على جريدة الثورة وجريدة الجمهورية وجريدة بغداد أوبزيرفر والإذاعة والتلفزيون وهو يحمل مذكّرة بتأييد بيان 11 آذار / مارس 1970 باسم "جماهير بغداد"، وانطلقت المجموعة من مجلة الثقافة الجديدة (الباب الشرقي – قرب سينما الخيّام) وهو ما رويته بالتفصيل مع مفارقاته  في أكثر من مناسبة أشير إلى ذلك في كتابي عن أبو كاطع الموسوم "على ضفاف السخرية الحزينة" ط 1 ، دار الكتاب العربي، لندن، 1998 ، وط 2 ، دار الفارابي، بيروت، 2017 .
وبالمناسبة فقد تعلّم محمد الخضري السياقة بسيارة والد لؤي أبو التمّن، وهي سيارة فارهة من نوع "شيفروليه"، وقد استعارها في أحد الأيام وتوقّفت عند منتصف الطريق وانتظر لؤي لنحو ساعتين إلى حين وصوله، وقد وضعنا احتمال اعتقاله وتلك قصة أخرى.
   قال لي لؤي بعد انتهاء المسيرة، حيث توجّهنا صوب الباب الشرقي وجلسنا في مقهى المعقّدين نحتسي الشاي المعطّر، وكان متأثراً لاغتيال الخضري الذي عرفه عن قرب ودرّبه لأسابيع على سياقة السيارة: يبدو أن الدور وصل إلينا، قلت له: أتعتقد ذلك؟ قال: لاحظ، اختاروا من اللجنة العمالية عبد الأمير سعيد، الذي تم اختطافه ، ومن الخط العسكري ، اغتيل ستار خضير ومن المعلمين تم اغتيال محمد الخضري وعلّق: جاء دورنا وأشار بإصبعه: كنت أراقب حسن المطيري حين تتحدّث، وخصوصاً حين سلّمت ورقة بأسماء المعتقلين من الطلبة إلى كريم الملّا، بل حاولت أن تتلوا أسماءهم، كم كانت عضلات وجهه تتحرّك وكم كان متشنجاً ومُستفَزاً وأنت تتحدّث عن التعذيب؟
لؤي في قصر النهاية
   وبالفعل فقد اعتقل لؤي بعد شهرين تقريباً من هذا التاريخ (13 أيار/ مايو 1970 ) وكان يفترض أن يترك الدائرة التي يعمل فيها بعد أن تم ترشيحه إلى زمالة دراسية وكذلك ترشيحي، لكن القدر غلب الحذر كما يقال، وبالمناسبة ففي مثل هذا اليوم بالذات وصل لؤي من السويد إلى الشام 1985 وقد احتجز في المطار، وكان قد جاء لحضور لقاء مع صالح دكلة "التجمع الديمقراطي" وعلّقت و بعد التدخل لإطلاق سراحه، بأن "الجماعة" لا يريدونك أن تنسى هذا التاريخ يوم 13 أيار / مايو.
   مكث لؤي في قصر النهاية شهراً كاملاً، وكنا قد أصدرنا عدداً خاصاً من "كفاح الطلبة" جريدة الاتحاد وكانت المطالبة بإجلاء مصيره والتحذير من الخطر على حياته في المانشيت العريض. وقد أبلغني لؤي أن ناظم كزار أطلعه على العدد وهو في قصر النهاية وطلب تعليقاً منه: هل أنت في خطر فعلاً؟ وهل حياتك مهدّدة؟ وعلى الرغم من الانهاك النفسي والجسدي والتعرّض للتعذيب أجابه لؤي: أنني معتقل وليس لي صلة بالعالم الخارجي ولا تعليق لدي.
   التقيت لؤي بعد خروجه من قصر النهاية  في بيت أهل رجاء الزنبوري (والدها أحمد الزنبوري)  قرب منزل والده الطبيب صادق أبو التمّن وقرب منزل عبد الرزاق شعبان والد رياض ومنزل صالح شعبان وجليلة كاظم شعبان، وكان قد حمل معه  بعض الحكايا والقصص التي لا تخلوا من الطرافة وإن كان بعضها مأساوياً. وأتذكّر أحد تعليقاته التي قال فيها لي: تصوّر كنت أشعر بالشفقة أحياناً على الجلّادين، فهذا سالم الشكرة لا أدري متى ينام؟ لأنه موجود طيلة الوقت في المعتقل مع المعتقلين، في الليل يعذّب وفي النهار يتجوّل بين السجناء، لدرجة أنني شعرت بالعطف عليه، وضحكنا بألم ومرارة. كان الوحيد الذي يعرف بيتي والذي أعرف بيته، وقد عرفته ببيتي الجديد بعد أن كنّا انتقلنا إليه خلال تلك الفترة الصعبة ، وكنت بكامل الاطمئنان بأنه مهما حصل فإن الأمر سيكون على ما يرام فللصداقة استحقاقاتها، على الرغم أنني تركت المنزل لبضعة أشهر حتى خروجي من العراق. وكنت حين وصلت براغ طلبت من مهدي الحافظ تفعيل زمالة لؤي وهو ما حصل، حيث تمّ قبوله للدراسة في بولونيا للعام 1971 – 1972 . وحين صدر قبوله للدراسة في بولونيا أرسلت له برقية أبلغه بذلك وقلت له: حبّذا لو تتوجّه إلينا دون انتظار تذكرة السفر، وبالفعل جاء لزيارة براغ وبقي فيها لأكثر من شهر إلى حين موعد الدراسة وبعدها توجّه إلى وارشو وبقي فيها ثم انتقل إلى ستوكهولم (السويد) في العام 1980.     
في بولونيا
   شكل لؤي أبو التمن في وارشو ثقلاً كبيراً وكان قطباً مؤثراً، على الرغم من قراره ترك العمل الحزبي وكان معظم رفاق بولونيا ممن يعرفهم سابقاً حين كان مسؤولاً عنهم في اتحاد الطلبة أو في الحزب، وحصل أن حدث نقاش بشأن الموقف من الهجوم الحكومي على الشعب الكردي العام 1974 واندلاع القتال مجدّداً، وكان الموقف الرسمي للحزب هو الوقوف إلى جانب الحكومة بما فيه حمل السلاح ضدّ "الجيب العميل"، هذا من الناحية السياسية.
 أما من الناحية المهنية فقد ساهمنا في شق جمعية الطلبة الأكراد في أوروبا لصالح الحكومة، بل واخترعنا شخصيات من أصول كردية لم نعرفها من قبل لندخلها إلى جمعية الطلبة الأكراد لزيادة عددنا، وذلك باندفاعات غير محدودة من رفاق بعضهم أكراد، وكان تبرير ذلك هو الحفاظ على ما يسمى بالجبهة الوطنية التي كان التعويل عليها هو المعيار الأساسي للتقييم.
 وحين انعقد مؤتمر جمعية الطلبة العراقيين في بولونيا، وقف لؤي ضدّ تلك القرارات التي لم تحظَ بتأييد القاعدة الحزبية والطلابية، وقاد حملة داخله ليؤكد فيها الانحياز إلى صالح الكرد في كفاحهم من أجل حقوقهم العادلة والمشروعة والتنديد بعمليات القصف العشوائي التي طالت قرى كردية آمنة دون أن ينسى انتقاده لبعض ارتباطات الحركة الكردية، لكن ذلك شيء وقضية الشعب الكردي شيء آخر. وقد صوّت المؤتمر لصالح موقف لؤي، في حين فشل الموقف الحزبي الرسمي من التأثير، وهو ما عدّه أحد المسؤولين الحزبيين عملاً تخريبياً مريباً. وكنت قد التقيته في وارشو العام 1973 خلال حضوري للإشراف وإلقاء محاضرة في مدينة ووج على الطلبة العراقيين والعرب الجدد، وقدّمني للحديث شاكر الدجيلي الذي وصل للدراسة العام 1973 . وكنا قد اتفقنا على اللقاء في دمشق صيف ذلك العام وبالفعل قضينا وقتاً طيّباً فيها التقينا فيه بالصديق علي كريم الذي كان رئيساً للإتحاد الوطني لطلبة العراق (المؤيد لسوريا) والصديق محمد رشاد الشيخ راضي( كان مرشحاً للقيادة القومية لحزب البعث) وحامد سلطان ، وتعرفت حينها على ضرغام الدبّاغ (الذي كان معروفاً باسم ياسين)، حيث كان مرشحاً للقيادة القومية لحزب البعث أيضاً.
مواقف متميّزة
لم أنس موقف لؤي وحساسيته إزاء اغتيال الشهيد سامي مهدي الهاشمي في أواخر أيلول / سبتمبر 1968 وهو من القيادة المركزية، وهي جريمة بكل ما تعني الكلمة من معنى، وقد اتهمت القيادة "اللجنة المركزية" بارتكابها، وتقول حيثيات القضية التي تحدثت عنها أكثر من مرّة أن الحزب كان قرّر توزيع بيانات باسم اتحاد الطلبة في عدد من الكليات ومنها كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وحصل احتكاك مع جماعة القيادة المركزية وتم إطلاق النار فسقط سامي مهدي الهاشمي مضرّجاً بدمائه. كنا نلحّ على ضرورة كشف القاتل وإدانته وفصله من الحزب، وهو أقل إجراء يُتّخذ بحقّه، وخلال تلك الفترة شابَ نوع من التوتّر علاقة عدد من الرفاق مع الحزب، وكان لؤي من بينهم، وقد رويت الموقف كاملاً في مداخلتي الموسومة "شبح عامر عبد الله ومكر التاريخ" المنشورة في موقع الحوار المتمدّن بتاريخ 9 أيار / مايو 2014 .
 لم يكن لؤي أبو التمّن ضدّ الجبهة الوطنية، لكنه لم يكن يريد الانبطاح أمام تمدّد البعث لإملاء شروطه والتأثير على قراراتنا، حتى وإن سلّمنا كونه الحزب القائد للجبهة والسلطة والدولة، لكن الواقع شيء آخر، وكان ضدّ قرار "حلّ" المنظمات الديمقراطية (اتحاد الطلبة واتحاد الشبيبة ورابطة المرأة) الذي صدر بزعم "تجميدها" في العام 1975 .
 وكان لؤي ضدّ اتفاقية 6 آذار / مارس 1975 التي اعتبرها تنازلاً من جانب الحكومة العراقية لصالح إيران الشاه، وخصوصاً بشأن شط العرب، وكانت لي معه حوارات ودردشات ورسائل. وحين اجتمعنا في بودابست العام 1975 باسم لجنة التنسيق التي تمثل اتحاد الطلبة في الخارج كان هناك تناغماً بيننا في التوجهات والمواقف.


غير متصل عبد الحسين شعبان

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1249
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كان يأمل العودة إلى بغداد، لكن مسار الأحداث اتجه إلى المزيد من التضييق على الحركة الشيوعية واليسارية، بل إن السبل ضاقت حتى على العديد من قيادات وكوادر  الحزب الحاكم، الذي خسر ثلث قياداته والعديد من كوادره المعروفة، وذلك بعد أن استفرد صدام حسين بالسلطة، وإثر مجزرة "قاعة الخلد" في العام 1979 . وكان أحد مجسّاته هو الموقف من حركة خان النص العام 1977 التي تم قمعها بشدّة وزاد الأمر بتعميم الإرهاب، وأتذكّر بأنني استلمت منه أكثر من رسالة قبل مغادرتي إلى العراق ينتقد فيها موقفنا، وهو الموقف الخاطئ الذي تورّطنا به، وكان هناك في صفوفنا من هو متحمّس أكثر من الحكومة في قمع الحركة الدينية الاحتجاجية.
حين حصلت الحرب العراقية – الإيرانية، كان موقفه ضدّ اندلاع هذه الحرب ولم يعوّل على استمرارها للإطاحة بالنظام القائم كما وقف ضدّ أي محاولات لاختراق الأراضي العراقية. وأتذكّر رسالة وصلتني منه تعليقاً على كتابي "النزاع العراقي – الإيراني" (1981 ) مفادها: أن هذه الحرب لا مصلحة لنا فيها والمتحاربين من قيادات البلدين كلاهما ضدّنا ولكن الضحايا من الطرفين هم الذين يعنوننا. وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية، كان بصراحة ضدّ المشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبره يمثّل خطراً على المستقبل.
ومثلما كان ضدّ غزو الكويت العام 1990 فلم يكن موقفه مع غزو العراق من جانب الولايات المتحدة وقوات التحالف، وقد عبّر عن ذلك بأشكال مختلفة منها في الندوة التي تم تنظيمها لي في استوكهولم (أيلول/ سبتمبر 1990 ). وبقدر ما كان قريباً من التوجهات السياسية لحركة المنبر الشيوعي حينها، لكنه كان يعتبر أن العديد من قياداته لا تختلف عن القيادات التقليدية الأخرى، وإن كان بعضها متقدماً فكرياً واجتماعياً وثقافياً، لكنها بالمعنى السياسي من ذات القماشة ومن مصنع واحد، لذلك شكّك بنجاحها على الرغم من إعجابه بما كان يصدر عنها من مواقف حرّكت الساكن والمسكوت عنه وأثارت جدلاً واسعاً، كما كان حساساً إزاء الانتهاكات والتجاوزات . وكان يناقشني على العديد مما أكتبه من أعمدة كانت هي الأخرى ليست متفائلة بالمستقبل وتضع علامات استفهام كثيرة.
خلال زيارتي تلك للسويد دعاني وثلاثة أو أربعة أصدقاء كما أتذكر بينهم جورج فرانسيس ورياض البلداوي وصباح بوتاني إلى سفرة بالباخرة لثلاثة أيام من ستوكهولم إلى هلسنكي "فيلندا"، وخلال تلك السفرة الممتعة لم يترك قضية إلّا وناقشها معي بما فيها نقد بعض توجهاتنا ومواقفنا، وقد التقيت بتلك الرحلة صديق العائلة الحميم عبد الغني الخليلي الذي أصرّ عليّ أن يضيفني لثلاثة أيام في منزله، وقد استمعت إلى معاناته، حيث تم تهجيره وعائلته إلى إيران بحجّة التبعية الإيرانية ، وقد جئت على ذكر ذلك في كتابي الموسوم "من هو العراقي؟"، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 2002 ، حيث نشرت شهادته، كما شكا لي مرارته من بعض الأصدقاء بمن فيهم المقربين، وقد بكى أمامي أكثر من مرّة، فالخليلي عاطفي جداً وحساس جداً وصادق جداً، وأتذكر أنه جاء إلى براغ في النصف الأول من السبعينيات، لكنه ظلّ لثلاثة أيام يبكي ثم قطع سفرته وعاد إلى بغداد ولم تنجح مساعينا جعفر ياسين وأنا من ثنيه عن العودة ومحاولتنا تهيئة الظرف المناسب لإخراجه من الواقع الذي كان ضاغطاً عليه. والتقينا هو ولؤي وأنا أكثر من مرّة، وبصحبة آخرين أتذكّر منهم الروائي إبراهيم أحمد وصباح بوتاني الذي أبلغني أن أحد أركان السفارة العراقية الذي ترك العمل منذ نحو 4 سنوات يودّ اللقاء بي وهو صديق قديم وعرفت أنه الصديق عبد الأمير أبو طبيخ الذي التقيت به بالفعل بعد استشارة لؤي أبو التمّن، وكان شديد الحذر خشية من معرفة النظام مكان سكنه أو حركته، وبالمناسبة فأبو طبيخ أصبح سفيراً للعراق في تركيا بعد الإحتلال.
لؤي والفايسبوك
حين برع لؤي في الكتابة على الفايسبوك، كان يقول لي تصوّر بعد ساعة هناك من يردّ عليّ وكأن هناك من تخصّص بالترصّد، فقلت له لا تستجيب للردّ والردّ على الردّ لأنك ستكون الخاسر الأكبر، فسوف يغلبك عشرة أو خمسة عشر، حتى وإن كان رأيك سديداً، لكنّهم سيردّون عليك ﺑ 20 مرّة أخرى وهكذا حتى تتعب وتستسلم للأمر لأنه ليس ذا جدوى. قل ما تريد ودعهم يقولون ما يريدون دون أن تعطيهم الفرصة للاستمتاع بإيذائك وعامل المسألة بالإهمال وعدم الاكتراث. ولعلّ ذلك قبل أن تنشأ الجيوش الإلكترونية المدفوعة الأجر، وكان يقول لي أفعل ذلك، لكنني أريد أن أوضح أحياناً، فأستجيب ولكن بعدها أندم. ثم ردّد عليّ قولاً للإمام علي " ما جادلت عالماً إلّا وغلبته وما جادلت جاهلاً إلّا وغلبني".

احترام النفس
كلما يرد ذكر لؤي أبو التمّن على لسان من يعرفه حتى وإن كان لا يحبّه أو ضدّه، لكنه سيضطرّ لإبداء الإحترام له، لأنه شخص محترم، وفي تعزية للصديق محمد دبدب بوفاته قال أنه: إنسان محترم ونظيف وعقلاني، وهو ما كنت أسمعه عنه من عدد من البعثيين والقوميين، ناهيك عن الشيوعيين حتى وإن اختلفوا معه، وقد سمعت من كريم الملّا وآخرين الكثير من الإشادات به وكنت قد عاتبت كريم الملّا في براغ في أواسط السبعينيات كيف سمحوا لحسن المطيري وهم يعرفون أنه جلاداً أن يجلس معنا وكيف لم يتدخّلوا لإطلاق سراح لؤي أبو التمّن إذا كانوا يزعمون أنهم نقابة، حتى وإن اختلفنا سياسياً أو في المواقف، وكان جوابه أن المطير منسّب من القيادة ونحن حزبيون نلتزم بما تقرّره القيادة حتى وإن كان لنا رأي آخر، فإننا نحرص على عدم إظهاره، ونظنّ أن مدرستكم هي الأساس في ذلك، في محاولة الإشارة إلى كتاب لينين: ما العمل؟ وهو الذي يُعنى بالتنظيم وقد صدر في العام 1903. ويقصد بذلك الضبط الحزبي وخضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا والتنفيذ اللّاشرطي للتعليمات حتى وإن كان للرفيق رأي آخر.
 وهو الأمر الذي استعدته أكثر من مرّة بعد الاحتلال العام 2003 مع الصديق محمد دبدب، سواء في بغداد أو عمّان، وكان دبدب كلما جئنا على ذكر لؤي أبو التمّن أو حسين سلطان كان يشيد بهما وبمواقفهما ويأسف لما حصل من تصدّع في العلاقات، ولكن كما يقول المثل العربي الشهير: "سبق السيف العذل"  كما يقال، فالمحذور قد حصل، واستمرّت محنة العراق من الدكتاتورية إلى الاحتلال وتوابعه.

حزب أبو التمّن
بعد الاحتلال عاد لؤي إلى العراق والتقى العديد من الأصدقاء القدامى، وكانت موجة تأسيس للأحزاب الجديدة قد سادت بما فيها لأسماء أحزاب قديمة، وقد بادرت بعض الشخصيات إحياء ذلك على الرغم من اختلاف الظروف، فقد شكّل نصير الجادرجي حزباً باسم "الحزب الوطني الديمقراطي"، حيث كان والده كامل الجادرجي رئيساً للحزب منذ تأسيسه العام 1946 ، وشكّل مجيد الحاج حمود حزباً آخر بالاسم ذاته أسماه الحزب الوطني الديمقراطي،  وأضاف له الأول ، وشكّل السيد مقتدى الصدر تيّاراً استند فيه على إرث والده السيد محمد صادق الصدر، وأعلن عمّار الحكيم لاحقاً عن تيار باسم "الحكمة" بعد أن تولّى مسؤولية المجلس الأعلى خلفاً لوالده السيد عبد العزيز وعمّه السيد محمد باقر الحكيم ، كما أصبح دور محمد رضا السيستاني نجل المرجع الكبير السيد علي السيستاني كبيراً، بل أن له القول الفصل في العديد من القرارات الهامة التي تتعلّق بتشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة، وكذلك في بعض القرارات الأخرى.
ولم يخفِ الحزب الديمقراطي الكردستاني موقع العائلة البارزانية التي يقف على رأسها الزعيم الكبير مصطفى البارزاني في تأسيس وقيادة الحزب كجزء تاريخي من الحركة الوطنية الكردستانية، فاستمرّ مسعود رئيساً للحزب وأصبح رئيساً للإقليم ومن بعده نجيرفان البارزاني إبن أخيه إدريس كما أصبح مسرور نجل مسعود رئيساً للوزراء بعد أن كان رئيساً لجهاز المخابرات. ليس هذا فحسب، بل إن عائلة الطالباني التي كانت تنتقد الحزب الديمقراطي الكردستاني لعشائريّته اتجهت هي الأخرى إلى تكريس زعامة العائلة، فأصبح دور هيرو خانم بارزاً، إضافة إلى نجلي جلال الطالباني الرئيس السابق وكذلك بقية أفراد العائلة، خصوصاً وقد تعزّز دور العشيرة على مستوى الدولة وفي مواقفها في ظلّ نظام المحاصصة الطائفي – الإثني.
في هذه الأجواء هناك من جاء يفاتح لؤي أبو التمّن ليُنشئ حزباً باسم "حزب الوطني العراقي" الذي ترأسه جدّه محمد جعفر أبو التمّن العام 1922 بعد أن قاد جمعية حرس الإستقلال في العام 1919 وساهم في ثورة العشرين، وبعد فشلها هرب إلى إيران، ولكنه عاد إلى العراق بعد تأسيس الدولة العراقية وتولي الملك فيصل الأول العرش، كما تعاون جدّه مع ياسين الهاشمي وناجي السويدي في تأسيس حزب الإخاء الوطني العام 1930 .
كان كلّ من يأتيه يسمع منه ويحاول مناقشته ولم يستطع أحد إقناعه للإنخراط في العملية السياسية القائمة على المحاصصة، بل كان يردّد مع نفسه كما أخبرني عبر الهاتف مثلاً مشهوراً قائلاً "عرب وين طنبورة وين"، وخاطبني:  فهؤلاء يريدون بعد رحلة حافلة بالتجريب والشك والحداثة والنقد أن أعود القهقري لأقبل بكوني وريثاً لحزب جدّي الذي لم أره أصلاً، فقد توفّي وأنا في المهد. وتاريخه غير تاريخي و قناعاته غير قناعاتي، على الرغم من إعجابي بآرائه وبالدور الذي لعبه، لكن الظروف تغيّرت والامكانات اختلفت وطبيعة الصراع تعقّدت.
ولذلك رفض جميع الدعوات، تلك التي حاولت إقناعه بدخول العملية السياسية أو تشكيل حزب أو العودة للعمل السياسي أصلاً، فقد تخلّى عنه طواعية، حتى وإن بقي يتابع ويحلّل ويُبدي رأياً، لكنه خارج الرأي المسلكي السياسي الضيّق.
 عاد من رحلته إلى بغداد أكثر همّاً وشعوراً بالإحباط والقنوط، وظلّ على هذه الحال ولم يمتلك أي أوهام حول تقدم الوضع أو حدوث انعطافات في الحياة السياسية، خصوصاً تردّي الأوضاع في ظلّ دستور قائم على المكونات.
وأخبرني أن أكثر من دعوة وصلته للترشّح للانتخابات، لكنه رفض قائلاً كيف أقبل بالاحتلال الأمريكي وبدستور قائم على التوافق الطائفي – الإثني وبمعاهدة تفرض شروطاً على العراق بالهيمنة الأمريكية، وذلك منذ مناقشة موضوع الانسحاب الأمريكي من العراق. وقد وقف بشدّة ضدّ حملة التطهير الطائفي في العام 2006 إثر تفجير مرقدي الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي، وكانت الطائفية في كلّ حياته آخر همٍّ له، فقد ظلّ حالماً بالحريّة والعدالة الأساس في مواطنة عادلة ومتكافئة.
ثلاث مواصفات
ثلاث سمات يمكن أن أختتم بها هذه السردية الاستعادية على الرغم من وهن الذاكرة أحياناً:
 أولها – وطنيّته الأصيلة، فعلى الرغم من كلّ ما حصل له لم ينس دروسه الأولى في العمل السياسي، وهو حب الوطن والتضحية في سبيله، وما الانتماء السياسي سوى السبيل إلى ذلك، واستناداً إلى ما تقدم لم تدفعه عذاباته وما تعرّض له في قصر النهاية إلى التعاون مع قوى لا تضمر الخير لوطنه مهما كانت ادعاءاتها، وظلّ يقظاً وحذراً إزاء تلك المحاولات، سواء أيام الحرب العراقية – الإيرانية أو خلال فترة الحصار الدولي الجائر، أو عشية وبعيد احتلال العراق.
وثانيها – عروبته الطافحة، فقد تطوّع بعد نكسة حزيران / يونيو 1967 مع المقاومة الفلسطينية، وظلّ داعماً لها على الرغم من ملاحظاته حول نقاط ضعفها وتخفيض سقف نضالها . وعلى الرغم من ميله لحلول واقعية حسب توازن القوى، لكنه لم يكن مع اتفاق أوسلو الذي يعتبره لا يمثل الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية، بل هو تنازل بالمجان عن حتى معايير الحدّ الأدنى والذي هو قرار الأمم المتحدة لعام 1947 ، والذي تجاوزته "إسرائيل" بالكامل، خصوصاً بعدوان  العام 1967 ، ولاسيّما باحتلالها القدس. ولم يكن لؤي مع بعض الأعمال التفجيرية أو الانتحارية التي تستهدف المدنيين، وكنا قد تناقشنا أكثر من مرّة حول ضررها قياساً بما تحققه، ناهيك عن خسارة جزء من الرأي العام الدولي المشوّش أساساً والملتبس في مواقفه إزاء القضية الفلسطينية.
 وثالثها – مدنيّته وإنسانيته، فقد كان حضارياً يقرّ بحق الاختلاف ويأمل في قيام دولة تحترم حقوق الأفراد والجماعات. ينعم فيها الجميع بالحرية والعدل، وهما الأساس الذي كان يحلم به، يضاف إلى ذلك سلوكه الاجتماعي المتمدّن واحترامه للآخر، وخصوصاً للمرأة، وكان من أكثر الداعيين لحقوقها وتمكينها.
ويمكنني أن أقول أن لؤي كان معتدّاً برأيه ويحاول أن يعبّر عنه في كلّ الظروف والأحوال بشجاعة واجتهاد وقناعة . لم يكن ممالئاً أو مداهناً أو باطنياً، بل على العكس من ذلك كان صريحاً وواضحاً وجريئاً أخطأ أم أصاب، وفي العديد من المرات كان يراجع نفسه ويغيّر موقفه وكثيراً ما ضحكنا على بعض مواقفنا. وبقدر ما كان يحاول تشكيل رأي خاص به ومراجعته ونقده بين حين وآخر، فإنه في الوقت نفسه كان يحترم الآخر ويحاول أن يستمع إليه ويتفاعل معه. ودائماً ما كان يردّد لا يُفسد في الودّ قضية.
وقد تعزّزت تلك القيم الوطنية والعروبية والإنسانية لديه، سواء حين كان شيوعياً أو بعدما ترك العمل السياسي وانشغل بالعمل العام، وذلك ما يؤكد معدنه الأصيل ومروءته وشهامته التي تكاد تكون إجماعاً حتى لمن يختلف معه في التوجّه والموقف.