المحرر موضوع: قلْ كلمة واحدة فقط، فيُشفى العراق!  (زيارة 248 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 375
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قلْ كلمة واحدة فقط، فيُشفى العراق!
لويس إقليمس
بغداد، في 28/4/ 2022
من أروع العبارات التي نطق بها قائد مئة روماني على عهد المسيح بن مريم في أورشليم-القدس، وهو يتوسلُه كي يشفي واحدًا من عبيده المرضى المضروبين بمرض قاسٍ لا شفاء منه لدى حكماء عصره، "يَا سَيِّد، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي." (متى 8: 8)
هذه العبارة كشفت آنذاك عن واقع إيمانيّ متميّز وتواضع ملحوظ من لدن القائد الأممي صاحب الطلب الذي ناشد في حينها نبيّا بدرجة المسيح بن مريم بالرغم من اختلاف عقيدتي الشخصين. ولكنّ كلّ ما سعى إليه هذا القائد الذي كان يتحكم بكتيبة قوامها مائة جندي وضابط روماني يحتلون "فلسطين"، أنه قدّم واجب الاحترام المطلوب لشخصٍ بحجم المسيح الذي تبعتْه آنذاك أفواجٌ من الشعب اليهودي المؤمنة بقدراته العجائبية ورسالته الخلاصية وأحاديثه النبوية، لاسيّما حين اطّلاعهم ومعرفتهم ومشاهدتهم باجتراح السيد المسيح للعجائب وقدرته على شفاء المرضى والممسوسين، وإعانة المتعبين وثقيلي الأحمال، وتعزية المحتاجين منهم لراحة الفكر وتنقية الضمير والنفس.
ربّاط الكلام، عراقُنا اليوم بأمسّ الحاجة لمثل هذه الالتفاتة المتواضعة من لدن الزعامات الحزبية والسياسية التي تتحكم عبثيًا بمصير شعبهم المغلوب كي تصحو من عقدة العفن المُلازم لحكمهم وما آلت إليه الأحداث ممّا يوصف بالانسداد في العملية السياسية العرجاء القائمة. فكلُّ أشكال المرونة والتواضع والتنازلات المتبادلة لمصلحة الوطن والشعب عبر الحوار الهادئ والتنازل عن أبراج عاجية مصطنعة، هي مطلوبة لمنح فسحة من الأمل بانفراج قريب ممكن، تيمنًا بسلوك ذات النهج الذي انتهجه قائد المئة الذي شكّل واجهة للحكم الروماني الطاغي على المنطقة وعلى الشعب اليهودي في فلسطين آنذاك. فكلّ الأفكار التي تقرّب ولا تُبعِّد الفرقاء أصحاب المصالح الضيّقة مطلوبة وبإصرار لبلوغ برّ الأمان والسماح بالسفينة المتهالكة للمرور إلى ميناء السلام والرفاهية والاستقرار بعد تشذيب البحر المائج من أشكال الألغام، كبيرها وصغيرها، من داخل البلاد وخارجها من خلال منح فرصة للجهة المتقدمة بنتائج الانتخابات بأخذ فرصتها وتحمّل مسؤولية نجاحها وفشلها عبر مشروع "الأغلبية السياسية" التي تسعى إليها وليس المذهبية والطائفية والأكثرية المكوّناتية التي تصرّ جهاتٌ خاسرة منافسة العودة بها إلى العفن السياسي العرفيّ ذاته، بالرغم من تيقّنها بجدب سلوك هذه الطريق وانتفاء أدواتها المدمّرة للبلاد والعباد.
حينها سيكون لكلّ حادثٍ حديث، كما يُقال. وما على حكماء الأمة، إنْ مازالوا بعدُ موجودين على الساحة الوطنية، إلاّ أن ينطقوا مجتمعين معًا بكلمة الحق وبقول الكلمة الوطنية الواحدة: "نعم لمصلحة العراق العليا، نعم لرفاهية الشعب، نعم لمشاركة الجميع وفق الأهلية والجدارة والمساواة" و "لا للعملية السياسية الجدباء، ولا لتقاسم المغانم وتوزيع المكاسب". حينها فقط، تُشفى البلاد!
الخروج من الاحتقان السياسيّ
يتفق الجميع، على أنّ أيةُ محاولات لأية جهة كانت رابحة أم خاسرة في الانتخابات الأخيرة، تسعى لتعطيل العملية السياسية ومصالح الشعب والوطن، تبقى محاولات يائسة وبائسة بسبب العفن السياسي الذي طال أمدُه منذ تاريخ احتلال الوطن والأرض والشعب في 2003.
فالكلّ متيقّن من فوح رائحة جيفة العملية السياسية وتغوّل ساسة البلاد وما يتبعها من ميليشيات وفصائل وأتباع خانعين في استغلال كلّ شيء وأية فرصة للإثراء وفرض الأجندات ولاسيّما الولائية منها، من أجل بقاء الواقع المتهرّئ على حاله طمعًا بالمزيد من قسمة الكعكة ونهشًا متواصلاً بجسم الفريسة الطريّ، طالما بقيت الموارد الريعية في أعلى سلّم التراخي والتراجع في القيم الوطنية والأخلاقية والإنسانية التي آلت إلى الزوال بفعل أحزاب السلطة وأجندات زعاماتها التي نزعت عنها الحياء والخشية ومخافة الله وفقدت عذريتها الوطنية.
كلّ هذا وكثيرٌ غيره، مقابل زيادة في نتانة جراحات الشعب الذي فقد هو الآخر الشيء الكثير من غيرته الوطنية المعروفة بوثباتها الثائرة في السنين العجاف الخوالي حينما كان باستطاعته قول كلمة الفصل في إثارة الشارع وتحقيق المطالب الوطنية بالوسائل التي كان يراها الزعماء الوطنيون مناسِبة والتي يبدو أنها غابت عن المشهد السياسي في زمن الرقمنة والتحوّل التكنلوجي الذي غزا الشارع والبيت والدائرة والشركة وكلّ ركنٍ من أركان البلاد المتراجعة في كلّ شيء، ولاسيّما في العلوم والتربية والثقافة والغيرة الوطنية التي تعدّها الدول المتقدمة أخطر بكثير من اية ميادين سياسية أو اقتصادية أو صناعية أو زراعية. فالجهل حينما يستبدّ في شعب كان له باعٌ في أصالة العلم والمعرفة والقيادة من موقع متقدم عالميًا في فترة حاسمة من تاريخه، فهو الدليل الواضح على وشك اندثاره وتراجعه إلى الدرجات السفلى في قائمة دول العالم. وهذا هو واقع العراق وشعب الرافدين للأسباب التي لا تخفى على أحد بسبب السلوك الشاذ ناقص الجدارة والكفاءة للمنظومة السياسية في إدارة البلاد ونتيجة طبيعية لعبث الدخلاء الراهن في فرض مصالح فئوية وطائفية ومكوّناتية بالية ضيقة الأفق وأخرى شخصية "تكسبية" لا تمتّ بصلة لسمات الوقار والشرف والقيم العليا التي ينبغي أن تكون عليها الطبقة السياسية التي تسعى لحكم أيّ بلد أو شعب. في حين كان الأجدر والأولى أن تتقدّمَ قيمُ الشراكة الوطنية الصحيحة ومبادئ الإيثار والتضحية والاستعداد لخدمة الشعب وصيانة المثل العليا للوطن ومصالحه على مجمل المكاسب والمصالح الطائفية والفئوية والشخصية والحزبية والمكوّناتية.
والأكثر من هذا وذاك، كان الأجدر أن تسمو زعامات أحزاب السلطة ومَن يتحكمون بالبلاد والعباد من ساسة الصدفة من غير المؤهلين والجديرين، وأن تكون على قدرٍ وافٍ من المسؤولية الأخلاقية والوطنية في صيانة الأمانة والحفاظ على الوديعة التي ضُربتْ عرضَ الحائط بالرغم من تعكّز أغلب الطبقة السياسية بكل طوائفها وكتلها البرلمانية والرئاسات الأربع بما فيها القضاء المسيَّس، على حِكَمِ وأقوال الأئمة قولاً وليس فعلاً في ظاهرة خادعة وخائنة للدّين والمذهب والعقيدة وما في هذه من أخلاقيات رصينة وأصيلة لا شائبة عليها.
معجزة من نوعٍ خاص
من الواضح ايضًا، بلوغ حالة البلاد مع تلاحق الأزمات وتكاثرها وتفريخها "عُقدًا انسدادية" لا مناصَّ من الالتجاء لطلب ما يُشبه أعجوبة الشفاء التي ارتآها قائد المئة من السيد المسيح. فهي وحدها اليوم، كفيلة بشفاء البلاد وانتشال العباد من كارثية ساسة المنظومة السياسية الفاشلة بجدارة. فالعراق لم يعدْ قادرًا للنهوض من كبواته وأزماته المتلاحقة، وما أكثرها، إلاّ بأعجوبة ربانية أشبه بما فعله السيد المسيح لغلام قائد المئة حين ترحّمَ عليه بسبب إيمانه وهو الأمميُّ الوثنيُّ. فكم بساستنا الذين يدّعون الإيمان وتقليد الأئمّة، كان الأجدرُ بهم أن يتعاونوا مع ربّ العباد في انتشال الوطن من براثن الجوع والعطش والتخلّف والجهل ونقص الخدمات الآدمية وكذا من التصحّر الماديّ والمعنويّ والروحيّ والأخلاقي في كلّ شيء. وإلاّ فلا مناص من الواقع المتهرّئ إلاّ بتغيير جذريّ في العقلية السياسية مرفقة بتغيير الوجوه الصلفة الفاشلة التي فقدت كلّ حياء بشري وكلَّ خشية برب العباد الذي ركنته وأنبياءَه وأولياءَه وحكماءَه ومثقفيه جانبًا كي تخلو لها ساحةُ الفساد بالضحك على عقول البسطاء من أبناء الشعب الذين ينزلقون بكلّ سهولة لأقوال مدّعي الدين والتديّن والمنادين بالطائفية وسيادة المذهب والأغلبية زورًا وبهتانًا. فهذا هو واقع حالٍ لم نخرج منه منذ 2003، حيث لم تنضج جميعُ الكتل والأحزاب التي حكمت البلاد والعباد في أدائها إزاء الشعب، ولا ارعوت من دعاء الثكالى، ولا خشيتْ من خوف الله، ولا دعتِ الشعبَ المسكين الغارق في متاهات الحيرة والجهل والتخلّف والتراجع يعي دورَه الحقيقي في إحداث التغيير الشامل والصاعق بوسائله الثورية ضدّ أركان الفساد بقطع رقاب الفاسدين بسببٍ من تحكّم هؤلاء بوسائلهم الطائفية بمصائر أتباعهم المغلوبين وعبر أدوات رخيصة وبالية وسهلة باستغلال الدّين والمذهب وقدسية الأشخاص وأركان الولاءات الخارجية للغريب الطامع على حساب المصالح الوطنية العليا للوطن والشعب دون غيرهما.
اليوم، وقد اقتربت مهلة الصيام السياسي التي فرضها زعيم التيار الصدري من نهايتها من جانبٍ واحد ولم تعترف بها الجهة الولائية المنافسة، لا يبدو حصولُ تقريبٍ بوجهات النظر، فيما تعرضه وسائل الإعلام والتصريحات من الطرفين، أو ما يُثار في وسائل التواصل الاجتماعي بالرغم من بروز مبادرات متنوعة ومتعددة تدّعي قدرتها على إخراج الموقف المتأزم من حالة الانسداد القائم بسبب تمسّك كلّ طرف بموقفه وآرائه. وهذه سمة سلبية لكلّ مَن يدّعي الحرص على وحدة الوطن ورصّ الصفوف في مواجهة ما يعتري العالم من أزمات وصعوبات، والعراق ليس استثناءً منها. لكنّ الكلّ متفق على أن أي انفراج في المواقف على أساس وطني وحلولٍ من الداخل العراقي لن يكون صالحًا ومقبولاً إلاّ بتغييرٍ حقيقيّ وجذريّ، سواءً توافقَ هذا مع مصالح أحزاب السلطة أم خاصمَها. ففي النهاية، لا بدّ من فائزٍ وخاسرٍ. لكنّ الرابح الأكبر في حالة ترجيح العقل والحكمة والقانون يبقى الوطن والشعب. فهذه حال السلطة وطلاّب الجاه والمال والنفوذ: يومٌ لك ويومٌ عليكَ، يومٌ تتمتع فيه بكلّ أهداب الحكم وأدواته ونتائجه وجبروته ونفوذه، وآخر تفقد فيه البهرجة والعزّ والجاه والمصلحة والبريق الدنيوي والمادّي الزائف! وهذا كلُّهُ يعتمد على شكل السلوك والنظرة إلى السلطة وما فيها من هذه الأدوات جميعًا حين الحُكم على أداء الشخص حيال موقفه الصحيح من الوطن والشعب.
ننتظر بفارغ الصبر خروج البلاد من عنق الزجاجة بفعل معجزة من أيّ نوعٍ كانت كي يعرف كلّ مواطن حقه في العيش الكريم وفق مبدأ المواطنة الصحيحة والجدارة والكفاءة في الأداء الذي ينبغي أن يشمل الجميع بالمساواة والعدل وليس بالتمييز العنصري (المكوّناتي) اعتمادًا على حيثيات الدين والمذهب والطائفة والمحسوبية والمنسوبية والأغلبية التي تقتل عنصرَ الوطنية والمواطنة في عقرها. من هنا، فإنّ أية تحالفات لا تخدم واقع المواطن ومصلحة الوطن العليا قبل اية مصالح أو مغانم تقليدية اعتادت عليها الكتل السياسية وأحزاب السلطة ومَن يواليها من الطارئين والولائيين خارج الحدود، لن تحقّق الدرجة الدنيا من أمنيات وتمنيات المواطن الحائر في أمر بلاده المحتلّة ولن تكون قابلة التحقيق في أدنى درجاتها. ولكن، تبقى الشراكة الوطنية هي القاعدة الرصينة في إعادة بناء الوطن وعودة سيادته وهيبته ودوره الدولي والإقليمي الرائد عنوانًا أساسيًا لنجاح أية منظومة سياسية غير هذه التي حكمت البلاد مصادفة ومن دون اية جدارة وبعيدًا عن اية مبادئ وطنية وأخلاقية وإنسانية. وبالتالي، لا يمكن التعويل بعدُ على أحزاب فاشلة وفصائل موالية لخارج الحدود وسياسيين جلُّ همّهم اكتناز المزيد من الأموال ونهب ما ييسرُه لهم مبدأ تقاسم المغانم من ثروات البلاد عبر إقطاعيات ووزارات ومناصب ودرجات خاصة هي كلّ ما سعت وتسعى إليه المنظومة الحاكمة منذ ما يربو على تسعة عشر عامًا خلت.
وتبقى كلّ الخيارات مفتوحة لحصول المعجزة والتغيير وإنهاء الانسداد بانتظار قول الكلمة الفصل مساهمةً في شفاء العراق. فمَن سيقولُها؟