المحرر موضوع: عندما تغيّر الأحزاب تسمياتها  (زيارة 314 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 380
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عندما تغيّر الأحزاب تسمياتها
لويس إقليمس
بغداد، 8 أيار 2022
بعد فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بولاية رئاسية ثانية، بنسبة تصويت تصل إلى %,558 من الأصوات الانتخابية في عموم البلاد، خرج المندوب العام لحركة "الجمهورية إلى الأمام" التي أسسها "ماكرون"، السياسي والاقتصادي الفرنسي في 6 نيسان 2016 في مدينة أميان الفرنسية، لإعلان التسمية الجديدة للحركة (الحزب) تحت مسمّى "النهضة".
وبالرغم من تغيير المسمّى لفظيًا ولغويًا، إلاّ أنه احتفظ بنغمته الإصلاحية التقدمية الوسطية في المبدأ العام. فقد تكون هذه النغمة المتناغمة مع صوت الشارع الفرنسي المتذبذب في التأييد والمعارضة معًا، هي الرهان الأوسع الذي سيجيزُ للرئيس الفائز بولايته الثانية كي يغمر عموم الشعب الفرنسي بنظرته الواقعية إلى الحياة السياسية في مشكلة معالجة التحديات والأزمات المتزايدة سواءً على واقع فرنسا كدولة تتموضع على قمة دول الاتحاد الأوربي بعد ألمانيا اقتصاديًا أو في موقعها العسكري والتسليحي المتقدم على باقي دول الاتحاد. ولا ريب في أنّ هذا الفوز الواضح للتيار التقدمي الوسطي الإصلاحي "الناهض" ستكون له نتائج إيجابية على صعيد القارة الأوربية من جهة تعزيز صمودها الاتحادي وضمان التعويل لخمس سنواتٍ قادمات على ذات السياسة التي انتهجها الرئيس "ماكرون" في تعزيز قدرات الاتحاد ورصّ صفوف بلدانه في مواجهة ما ينتظرُه من تهديدات ومفارقات ومنغصات واضطرابات. فقد ألقى خروج بريطانيا من البريكسيت، ظلالَه على واقع السياسة العامة لأوروبا مجتمعةً. كما أصبح قدرُ هذه الدول على المحكّ بعد نشوب الحرب الروسية –الأوكرانية وتداعياتها الهائلة على مستقبل القارّة ودول حلف الناتو مجتمعةً بسبب ضراوتها ووحشيتها، لاسيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار السبب الرئيسي في شنّ هذه الحرب ورغبة أوكرانيا بالانضمام إلى كتلة حلف الناتو، وما يمكن أن تضيفه أو تتسبَّبَ به في حال استمرارها واستفحالها واشتدادها من أدواتٍ واختناقات وإرهاصات ونتائج قد لا تسرّ عموم أوربا والعالم.
من هنا يرى مراقبون أنَّ في هذا المنحى بتغيير التسمية الحزبية، قراءاتٍ كثيرة تشير في بعضها إلى التناغم والتعاطي مع المستجدّات ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أفرزتها النتائج النهائية وحازت فيها المرشحة المعارضة "مارين لي بين" على نسبة تصويت عالية قاربت 41,5% بالرغم من توصيف حزبها اليميني (الجبهة الوطنية) تقليديًا في خانة التطرّف. ومنها تواردُ الرغبة في التقرّب أكثر من صوت الشعب الذي يقتضي الانفتاح العفوي أحيانًا أو الاستراتيجي في غيره ضمانًا لتنفيذ السياسات العامة للجهة الفائزة التي عليها تحمّلُ أعباء إضافية لمواجهة المعارضة المشتدّة في الطرف الآخر. كما أن هذا الفوز يضيف لرمز الحزب الفائز التزاماتٍ إضافية تحتّمُ عليه الإيفاء بالوعود المقطوعة بتعزيز الدور الأوربي ورصانة توجهات حركته ومبادئها فيما يتعلّق بموضوعة المخاطر المناخية التي تثير قلقًا متزايدًا على الصعيد الدولي أكثر فأكثر، ومنه الالتزام الجادّ باتفاقية باريس للمناح. 
في اعتقادي، مثل هذا التوجّه المتحرّك وغير الجامد لا بدّ منه لأية جهة حزبية أو حركة تريد التجديد وتنشد التغيير والنجاح والتقدّم وتحقيق نتائج إيجابية على الأرض ولصالح البشر والحجر معًا. فإظهار قدرٍ من المرونة في تشخيص الأخطاء، وترسيم الاستراتيجيات بالتشاور، وتعّلم الدروس من إخفاقات سابقة أصبح اليوم مطلوبًا في العمل السياسيّ مع كلّ من الأطراف الموالية من جهة وكذا مع الأفرقاء الآخرين، وبالذات مع شخوص المعارضة الذين يعكسون غالبًا حركة الشارع ورغبة الناخب إضافة إلى ما يحيط بالسياسة العامة من تحرّكات مناطقية ودولية تفرزها الأحداث اليومية. من هنا، تأتي أهمية التسمية الجديدة، لتؤكِد النبرة أو النزعة "الماكرونية" في أي تحالف قادم مع الشركاء في الوطن. وهذا ممّا يستدعي نشاطًا محمومًا للسعي لإحراز نجاح قادم في الانتخابات التشريعية القادمة المقررة في الجولتين الأولى والثانية في 12 و19 حزيران القادم 2022 في هذه البلاد، والتي سيكون لها تأثيرٌ كبير على قدرة الرئيس ماكرون وفريقه لتنفيذ ما وعد به الشعبَ الفرنسي مستقلاًّ من جهة وعموم دول الاتحاد الأوربي من جهة أخرى.
هوية أم ماركة سياسية
يبدو أن تغيير مسمّيات الأحزاب أمرٌ طبيعيّ، في سياق التسابق نحو ماركات جاذبة يتأثر بها الشارع والناخب معًا. وفرنسا ليست بعيدة عن شكل هذه الظاهرة بالرغم من احتفاظ بعض الأحزاب التقليدية بهويتها الإيديولوجية منذ عقود من دون تغيير ولا تحديث، كالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي والجبهة الوطنية بصورة خاصة. لكنّ المؤكّد أنّ اسم أي حزب أو حركة تعمل على الساحة السياسية من قريبٍ أو بعيدٍ، تعني ما تحمله هذه من دلالات ومعاني في التعبير عن الأهداف المبتغاة التي تسعى الأحزاب لتحقيقها في مسيرتها "الوطنية" والنضالية وصولاً لتحقيق الفوز والنصر والسلطة في نهاية المطاف. فالحركات والأحزاب التي تبذل جهدًا من الطبيعي جدًّا أن تصل إلى غايتها. ومنها دمغُ شكل هذا الفوز عادةً بالتسمية التي يحملها الحزب كماركة سياسية لا تقلّ في أهميتها عن اية ماركة تجارية يتمّ الترويجُ لها بكافة الوسائل والطرق والأدوات. فالماركات السياسية غالبًا ما تحتفظ بصداها وسط جمهورها الذي يتعاطف عادةً ويتناغم مع ما تحمله هذه الماركة أو تلك من تشويق جماهيري وسمعة تكشف عن أهداف عامة لأحزاب أو حركات سياسية. كما أنها قد تشكلُ فرصة ملائمة لقلب صفحة الماضي ونسيان ما تم حصادُه من إخفاقات وأشكال الفشل لأية اسبابٍ كانت. وهذا بحدّ ذاته ينمُّ عن شكلٍ واضحٍ من الكفاح المستميت لبلوغ نتائج أفضل عبر التغيير الإيجابي حصرًا وليس الشكليّ واللفظيّ فحسب. فالبعدُ الحزبيّ يأخذُ عادة مداه بعد تجارب ومرورًا بخبرات قد تكون قاسية في بعضها. وهذا يبدو صدقَ ما توصل إليه الرئيس "ماكرون" وفريقُه بعد تجربة الخمس سنوات المنصرمة من حكم "الجمهورية إلى الأمام" التي اتصفت بشيءٍ من الوهن والضعف في طريقة ممارسة السلطة وصياغة القوانين والتقرّب من الشارع وادواته التي زلزلت النظام في تظاهراتها واحتجاجاتها عبر سنوات الحكم الخمس الماضية ولاسيّما من جانب أصحاب "السترات الصفراء" الذين ضاقوا ذرعًا من سياسة الحكومة الاقتصادية بحسب تعبيرهم.
من هنا تكون تسمية النهضة التي ارتآها الرئيس "ماكرون" وفريقُه الحزبي بابًا من ابواب التغيير وطيًّا لصفحة الماضي مهما كانت النتائج الإيجابية الأخرى التي حققها طيلة فترة حكمه للخمس سنواتٍ الماضية. فمجرد طرح تسمية "النهضة" للحركة "الماكرونية" الفتية، فهذا دليلٌ على رؤية شاملة وسعي متجدّد نحو الأفضل وفرصة أخرى لاجتذاب غير المتعاطفين مع فريقه الحكومي السابق ممّن نزلوا إلى الشارع أو أعربوا عن معارضتهم لسياسته الاقتصادية والضريبية وكلّ ما يتعلّق بحقوق العاملين والمشمولين بالضمان الصحي. وقد وصفها البعض بوسيلة "التعبير عن الهوية التعددية" التي يسعى فريقُه لضمّهم في المحصّلة إلى صفوف الحركة الجديدة وعدم إهمال مطالبهم ومشاركتهم رؤاهم وتجليات احتجاجاتهم. وهذا خيرُ ما فعله حرصًا منه دون انتظار هزيمةٍ لاحقة متوقعة وتوخيًا لعدم خسارة شرائح واسعة اتخذوا ويتخذون من الشارع وسيلةً للتعبير والاحتجاج والرفض بأية وسيلة وأي وقت أو مناسبة. فتواصل الاحتجاجات وتواتر الاعتراضات من شأنها إسقاط حكومات وتسقيط ساسة وزعماء. وقد كان للعراق منها نموذجٌ للتشرينيّين في 2019، بالرغم من اختلاف الظروف والأدوات والأهداف!
فبالعمل والتطبيق ونوع الخدمات الجيدة المقدمة للشعب وبالنزاهة والشفافية والخشية من إغضاب الخالق وعباده تُعرفُ هويةُ الأحزاب ويُكشفُ معدنُها، وليس بالكلام المعسول والكذب والسير وراء وعّاظ السلاطين والباحثين زورًا وبهتانًا عن سطوة المال والجاه والسلطة والنفوذ! ولنتعلّم الدروس من تاريخ الشعوب الإيجابية التي عرفت معنى الديمقراطية الصحيحة وتطبيقاتها دون مواربة أو غشّ أو خداع أو استغلال لأدوات السلطة لتحقيق منافع طائفية ودينية ومذهبية وفئوية أو شخصية ضيقة!