المحرر موضوع: الغنوصية / الجزء الثاني  (زيارة 500 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز جدا
  • ***
  • مشاركة: 2422
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الغنوصية / الجزء الثاني
« في: 11:28 11/06/2022 »
الغنوصية / الجزء الثاني

بقلم يوحنا بيداويد
نشر المقال في مجلة بابلون العدد 26  التي تصدرها نخبة من المفكرين والباحثيين والكتاب الكلدان   في مدينة ملبورن وحول العالم.



تتكلمنا عن جذور الفلسفة/ الديانة الغنوصية في الجزء الاول وعلاقتها بالاديان والمذاهب القديمة المنتشرة في عالم القديم(اسيا واوربا وشمال افريقيا) التي انقرضت مثل الهرمسية والزرداشتية والمانوية ومن بعدها اليهودية.  سوف نتطرق في هذا الجزء الى علاقاتها بالفلسافت الاغريقية المتاخرة  وكذلك  نتطرق بعجالة الى تاثرها وتاثيرها بالديانة المسيحية والاسلامية، والهرطقات والبدع التي خرجت من كلاهما.

 مرة اخرة نعيد تعريف الغنوصية للتذكير : هي  الديانة  التي تبحث عن المعرفة او العرفان بامور الالهية عن طريق الحدس والحالة الصوفية، سواء كانت عن طريقة التاويل الرمزي او الفكر العقلاني. فهي ديانة توفقية جمعت افكار الفلسفات الاغريقية المتاخرة (الافلاطونية الحديثة، والابيقورية، والرواقية والفيتاغورسية الحديثة) والديانات الوثينية القديمة. لقد اثرت وتأثرت بالديانات الالوهية-الابراهيمية "اليهودية المسيحية والاسلامية".  بصورة عامة الغنوصيون ينقسمون الى ثلاثة فرق، هم الروحانيون (يؤمنون بوجود اله ينقذهم)، الماديون( يؤمنون بان الانسان مركب من المادة والروح)، الثالثة الحيوانيون (تشبه الفكرة الحالية لسقوط والهلاك بالغريزة والصعود والنجاة بالنعمة والفضيلة))

علاقة الغنوصية بالفلسفات الاغريقية المتاخرة:
اولا- الافلاطونية الحديثة:

 جذور هذه الفلسفة ترجع الى الفيلسوف الاغريقي الكبير افلاطون ومن ثم تجددت بتيار صوفي على يد الفيلسوف (افلوطين). تداخلت مفاهيم التي اتت في فلسفة فيلون الاسكندري "التأويلية" مع "الافلاطونية الحديثة" على يد الفيلسوف الفرعوني الكبير افلوطين في القرن الرابع ، فالاقانيم الثلاثة في المسيحية  قابلتها  في الافلاطونية الحديثة  ثلاثة مفاهيم جديدة هي "الواحد المتسامي"  يقابل  (الاب الخالق)، و"العقل او اللوغوس" يقابل كلمة "الاب المتجسدة او الابن"،  و"النفس الكلية" هي  تمثل "الروح القدس".

ثانيا- الابيقورية و الرواقية:
 كلا الفلسفتين كانت مهتمة بمصير الانسان النهائي لهذا كانت الفضيلة الاخلاقية هي اهم وسيلة لبلوغ تلك الغاية، كذلك نجد في المسيحية الفضائل المسيحية هي طريق القداسة والصعود الروحي لفهم الحقائق الروحية السامية.
في الابيقورية نجد الممارسة الصحيحة في الحياة اليومية تقود الانسان الى الغاية المثلى اي السعادة، السعادة تتحق حينما يتم القضاء على الالم وتحقيق اللذة التي تعتمد على بعض الحاجات الضرورية وبعض الاخر غير ضرورية ، تلك غير الضرورية يجب تجنبها عن طريق الحكمة المعتمدة على ممارسة لفضائل كي نبلغ الطمانينة والسعادة.

 في الرواقية كانت الحكمة هدف رئيسي في تعليمهم. والحكمة في حينها هي معرفة بالامور الالهية والطبائع البشرية، والعيش بالانسجام مع الطبيعة هي الفضيلة التي تقود الانسان الى الخير الاسمى او السعادة يجب عدم معارضة القوى الالهية والعيش بتناغم والانسجام  مع المخلوقات الاخرى. فالله  او اللوغوس هو العقل الذي يدير هذا الكون  الذي هو جسم حي كبير عند الرواقيين، المتكون من جميع الموجودات الحية والجامدة (فكرة حلولية). كانت هناك مصطلحات مشتركة بين المسيحية والرواقية مثل (الروح الشمولية، والبنوة الالهية، والاخوة الانسانية والمساواة بين البشر.

اهم فروع الغنوصية النابعة من المسيحية
يرى معظم الدارسين ان مصدر الغنوصية في المسيحية هي الاناجيل المنحولة( ) ، انجيل يوحنا ولاهوت القديس بوليس الرسول حول اهمية "معرفة الله الروحية"، كذلك الاناجيل المنحولة او المحذوفة من قبل مجامع الكنيسة الاولى. لهذا ارتدت الفلسفة الغنوصية ثوب المسيحية بتاثير بعض المعلمين الكبار مثل "اوريجينوس الاسكندري ولنطين وبطليمس" الذين انغمسوا في التأويل الفيلون اليهودي (فليون الاسكندري)( ) ، وذهب عدد كبير منهم ابعد ما كان واجب ان يكون من التفسير اللاهوتي المعتمدة الرسمي المعتمد من قبل مجامع الكنيسة. هناك عدة بدع وفرق للغنوصية مثل (القينيون، البربيليون، الاوفيون، ولنطين) لكن بصورة عامة هناك ثلاثة فرق غنوصية مسيحية، حرمت افكارها جميعا من قبل مجامع الكنيسة الاولى هي:

اولا - فرقة الباسيليدس
نشات هذه الفرفة في الاسكندرية التي كانت تعد مركز الفكر الفلسفي الغنوصي والافلاطونية الحديثة. نشر باسيليدس بدعته في النصف الاول من القرن الثاني من المسيحية. حاول الربط بين افكار الديانية الهندوسية- البوذية و اليهودية- المسيحية. كان يعظم الشيطان ويجعل منه مبدا اساسيا في الوجود على غرار فكرة النبي الفارسي زرداشت. وان اله العبرانيين هو رئيس الملائكة الاشرار. حيث ان الاله الاعلى يخلق او يصدر عنه ثمان هيئات مجردة(مفاهيم كلية ذات الطابع الشمولي) مثل الحكمة والعدالة والسلام. ايضا كان يؤمن بوجود 365 سمائا بعدد ايام السنة، ويحرم الزواج، واكد على الصعود الروحي لكن نكر انبعاث الاجساد مرة اخرى.

الثانية- فرقة فالنتينيون
هي فرقة مصرية الاصل، ولد مؤسس هذه الفرقة- فالنتينون في مصر ثم توجه الى روما التي ذاع صيته هناك بعد ثلاثين سنة انشق عن الكنيسة. من اشهر تعاليمه ان فكرة الاله هي ولادة مزدوجدات ثنائية وان الملائكة يلدون ويتوالدون بالتزاوج الايوني. وان الوجود المادي هو خطا، ان المسيح جاء ليعالج مشاكل البشرية وليس لخلاصهم الروحي. كان امن بوجود مستويات مختلفة من النفوس بعضها زائيلة (الغرائزية) وبعض الاخر خالدة (الروحانية).
 
الثالثة- فرقة المرقيون
جاء الى روما ايضا في منتصف القرن الثاني من المسيحية، كان ينوي القضاء على النفوذ اليهودي على المسيحية  (على غرار محاولة مار بولص). حينما نشر افكاره شعر اباء الكنيسة بخطورته فحرم من الكنيسة، تبتعته جماعة كبيرة وانشاء كنيسة جديدة انتشرت بسرعة في الوسط المسيحي الى القرن الرابع.
اهم افكار هذه الفرقة هي الايمان بالاله المتعالي، الاله الصانع (الديمورج الذي نسب اليه افلاطون صنع العالم)، الخلود او الايمان بوجود المادة الخالدة. رفض الطبيعة البشرية للمسيح، رفض تعليم الدينة العبرانية لوجود تناقض في تصرف ومواقف اله عهد القديم.

اشهراعلام الغنوصية المسيحية
1-ولنطين:
 ولد في مصر ودرس في اسكندرية، عاصر باسيليد وابنه ايزيدور، لكن فاقهما من حيث الشهرة - والاهمية. يعد من اوائل الغنوصيين. اسس مدرسة  في روما نالت شهرة واسعة واصبح له اتباع كثيرون، تعليمه كان يركز على ان القلب حيث هو مركز الرغبات وفندق الارواح الشريرة، متى ما زاره الاب الصالح (الوحيد) سوف يطرد كل ارواح الشريرة ويتقدس ذلك القلب ويمتلء بالنور. من اشهر تلاميده بطليمس، من اشهر كتبه "اصل الشر".

2-بطليمس :
 كان بطليمس عالما غنوصيا (ممثل مدرسة ولنطين الايطالية) ورفيق هرقليون (ممثل الغنوصية الغربية)  عاش في النصف الاول من القرن الثاني. من اشهر كتبه "الرسالة الى فلورا" الذي شرح فيه لاهوته الغنوصي من ثلاث مراحل "الهي، وموسوي واخيرا شيوخ الشعب اليهود" وكتب ايضا عن الفصل الاول لانجيل يوحنا الذي يشرح فيه العلاقة بين الابن والابن والروح القدس.

3-اوريجنوس:
 فيلسوف ولاهوتي كبير في تاريخ الكنيسة ولد في عام 185م في اسكندرية، من اشهر اللاهوتين في القرن الثالث الميلادي، كان متاثرا بتعليم الافلاطونية الحديثة ويقال درس على يد امونيكا ساكاس. كان يؤمن بتناسخ الارواح وتنقيتها والخلاص الشمولي لجميع الارواح (يمكن مراجعة  سيرته ولاهوتية في العدد 17).


اشهر المفكرين  المسيحيين الذين ردوا على الغنوصية

1-ايرينه اسقف ليون
ولد في ازمير  ما بين سنة 140-160م، حسب اوسابيوس القيصري(مؤلف التاريخ الكنسي)، يعد من اوائل الكتاب المسيحيين الذي استلموا تعليمهم من اسقف بوليكرب(  (، ثم هاجر الى روما بعد ان مر بروما وتثقف هناك. من اشهر "كتبه الرد على الهراطقة" و"تبيان الكرازة الرسولية".ومن اهم ماء في رده للوثنين كان الفكر الغنوصي الذي انتشر بقوة في حينها بين المسيحيين.اعتمد ايرينه في رده على الكرازة والتفاسبر المنقولة له من تلاميذ الذين تتلمذوا على يد الرسل مثل بوليكرب حيث يقول : "نلنا العماذ لغفران الخطايا، باسم الاب وباسم يسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد ومات وقام وفي الروم القدس. بالايمان نعرف ان هذه المعموذية هي ختم الحياة الابدية والولادة الجديدة في الله بحيث لا نكون فقطة ابناء بشر مائتين، بل ايضا ابناء هذه الاله الازلي والخالد". كذلك اعتمد على نبوءات التي اتتت في العهد القديم( ) وهناك ردود وشروحات طويلة لادعات والتفاسيرات والهرطقات التي اتى بها الغنوصيين المسيحيين الذي حاولوا خلط اللاهوت المسيحي بمفاهيم وتعاليم لاديان القديمة كما نوهنا وكذلك مع الافكار الفلسفية الافلاطونية الحديثة والتيارات االقريبة منها.

2-ترتليان:
عاش في النصف الثاني من القرن الثاني، كاتب غزير الانتاج لكنه كان ذو ميول تعصبية مسيحية، له مؤلفات عديدة، بينها "جسد المسيح" الذي رد على افكار الغنوصيين  (المرقيون) ثم انحرف عن اللاهوت الصحيح الموجود في قانون الايمان.
3-تيطس كليمنت الاسكندراني: 
ولد في 150 م من ابوين وثنين في اثينا، رد في كتابه" الموشيات" الذي درس العلاقة بين الديانة المسيحية والعلوم الدنيوية والفلسفة اليونانية.

الغنوصية الاسلامية
كما قلنا في الجزء الاول دخلت الغنوصية بلاد الرافدين من خلال المانوية والزرداشتية والمسيحية(النسطورية) قبل الاسلام وانتشرت افكارها نتيجة الصراع المسيحي – المسيحي وكذلك محاربة الحكم الفارسي للمانوية.  ركز الغنوصيين كالعادة على التاويل والمجازية في تفسيرهم للايات القرانية ولكن تمت محاربتهم من قبل الاسلام الرسمي. لكن الاجتهاد الفكري الذي يرافق الفكر الانساني دائما كالعادة سبب نشوء مذاهب  وفرق في الاسلام متنوعة  ايضا. من اشهر الفرق الغنوصية الاسلامية  هم الكيسانية، والمعتزلة والقرامطة (الاسماعيليين) والنصيرية ، ومن اشهر اعلامهم عبد الله بن سبأ  وتلميذه ابن حرب( ).

الخلاصة
كل الفرق الغنوصية تم تحريمها من قبل مجامع الكنيسة الخمسة الاولى واعتبرت هرطقات. بدا فلول الغنوصية في المسيحية يغيب في القرن الرابع والخامس وانتهت علاقتها بالمسيحية بحدود نهاية الالف الاول للمسيحية. اما في الاسلام فوقف الاسلام الرسمي ضد افكار البدع المتاثرة بالغنوصية عبر التاريخ ولم يبقى منها  الا الاسماعيلية المنتشرة في سوريا وتركيا.