المنتدى الثقافي > إعلام الفكر والفلسفة

الحياة الرسولية للكاهن وصعوباتها.

(1/1)

يوحنا بيداويد:

الحياة الرسولية للكاهن وصعوباتها.
بقلم يوحنا بيداويد
نشر الموضوع في مجلة نسمة الروح القدس  العدد 35 التي تصدرها ارسالية الروح القدس في ملبورن

بمناسبة رسامة الاب الفاضل فاضل القس اسحق خور اسقف لخدماته الروحية لابناء كنيسة الروح القدس للاخوة السريان الكاثوليك في ملبورن سنلقي بعض الضوء على الحياة الرسولية للكاهن وصعوباتها في هذا العصر.

اننا اليوم نعيش في بداية الالفية الثالثة، وان ملامح هذه الالفية تبدو مختلفة تماما عن قبلها. حيث اننا شاهدنا في نهاية الالفية الثانية تغيرات جذرية طرأت على العالم وبالاخص على النظام الاجتماعي العام . حيث وقعت كل الامم والشعوب تحت تأثيرات الثورة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي والتغيرات الاقتصادية والحروب العالمية الاولى والثانية والحروب الاقليمية التي تركت اثرها على الانسان وحياته الروحية.

العقل الجماعي (العلماء بكافة اختصاصاتهم) منقسم على ذاته اليوم، قسم يسال هل يجب ان نسير خلف الحضارة ومنتوجاتها الجديدة بدون خوف او الشك او التدقيق والفحص والتاكد من مسارنا؟ وقسم الاخر يسال هل يجب علينا التوقف وفحص هذه المنتوجات والمباديء والقوانيين الغريبة التي انتجتها الحضارة الحالية، نحلل نتائجها على ضوء المباديء والقوانين ومسلمات الحضارة الانسانية الجامعة سواء كانت روحية ام فكرية؟.
 فسبب هذا الانقسام هو ظهور شعور يرافقه الخوف عند معظم الناس على مستقبل الحياة بكافة صيغها، فالخوف على الكوكب الاخضر اليوم موجود عند معظم المهتمين بغض النظر عن درجة ثقافتهم او شاهاداتهم، والكل يعترف ان هذه الخطر جاء بسبب نشاط الانسان العشوائي عبر القرون الاخيرة حينما تصرف في بيئته بدون مسؤولية، بكلمة اخرى لم يعد محبة القريب عند الانسان المؤمن كافية بل تعددت  ليشعر بمسؤوليته اتجاه الطبيعة والكائنات الحية الاخرى.

حينما تجعل شخصا يشعر بمسؤوليته بهذا الحجم اليوم،  بلا شك ستكتشف هناك صعوبات وثقل اضافي على كاهل اي معلم روحي او تربوي بالاخص الكاهن. فالكاهن يحمل رسالة معلمه وحارس لها، مهمته الرئيسة اعطاء الاسرار المقدسة التي تؤدي الى نيل النعم الروحية. ان الكاهن كما يفهم العامة هو رئيس الكنيسة من الناحية الروحية والادارية( )، لهذا من واجبه العيش بموجب هذه التعاليم والمباديء وتطبيقها في الحياة الاجتماعية اليومية،  احيانا شخصية الكاهن ترتفع عند العامة الى درجة القداسة لانه يمثل السيد المسيح،  لهذا حياته ومواقفه يجب تحاكي سيرة المسيح نفسه بين الجماعة المؤمنة، وهذه ليست بسهلة، فمن مهامه اعطاء النصائح و شرح التعاليم وتفسير مبادئها، فهو طبيب روحاني، يساعد المؤمن المسيحي الى العيش بالتقوى والفضائل ونيل النعم الروحية.

من هنا يجب ان نعلم ان مهمة او مسؤولية الكاهن ليست بيسرة كما يظن البعض، لا سيما في الوقت الحاضر، الكاهن عادة يسال نفسه كيف يستطيع ان ينقل التعليم المسيحي في عصر كادت حواس الانسان تعطب من التحسس الروحي؟،  فالنفوس لم تعد تشتاق الى  الفضائل  الروحية و لا ترغب ان تنال نعمة الخلاص!،  لان سيمة العصر او الحضارة الحالية كلها مبنية على النظرية المادية المعاكسة للايمان، بل العصر كله ارتدى ثوب الفلسفة المادية. فما الذي يجب يعمله كي يجعل الاخرون يبقون مستقرين على ايمانهم وممارسة تقواهم؟

اذا تاملنا في تاريخ الكنيسة الطويل (سجل العمل الرسولي)، سنجد انه تاريخ حافل  بالانجازات الانسانية والعلمية والفلسفية العظيمة، فسيرة القديسين والابطال المؤمنين تشهد على ذلك،  بل هي الان بوصلة لطريق للخلاص عند الاخرين، بلا شك هناك الاف القديسين الذين عاشوا كالشموع التي اشتعلت كي تنير درب المؤمنين في مسيرتهم الروحية، هؤلاء الابطال كان لهم دور كبير في تحويل الانسانية من العيش بموجب قانون الوحشية والبربرية في الغابة، الى تبني قانون المحبة والايمان كمبدا في الحياة، فتركوا مبدا القوة للدفاع عن الذات وحماية حقوقهم وافراد عائلتهم، واستبدل بمبدا المحبة والتسامح والايمان بالعدالة والمساواة بين البشر بغض النظر عن اي اختلاف، هذه النتائج لم تكن سهلة امام اعرق مؤسسة روحية هي الكنيسة، لهذا مسؤولية المؤمن ايضا ازدادت مع هذه التحديات، لان الكنيسة هي الكاهن مع الجماعة المؤمنة.

وبمناسبة رسامة الاب فاضل القس اسحاق خور اسقف بعد خدمته الروحية الطويلة، لاسيما هنا في ملبورن نهنئه شخصيا ونهنيء ابناء كنيسة الروح القدس في ملبورن جميعا بهذه المناسبة العزيزة، ونتمنى له كل التوفيق في مسيرته الروحية. ليضع كل واحد منا نفسه في مكان الكاهن (اي كاهن) حينما ننتقده حينها نجد كم هي الصعوبات امامه.  فالعصر هو "عصر الانا"، حب الذات -الفلسفة الفردانية او الانانية المقيتة.

لنتذكر قول يسوع المسيح في هذه المناسبة التي تجسد بالحقيقة سيرة اي كاهن او مؤمن مكرس حينما قال لتلاميذه: " الحق الحق اقول لكم، ان الحبة ان لم تقع وتمت تبقى وحدها، وان ماتت اخرجت حبا كثيرة  يوح 12/24". كما نود نذكر القراء وكل مؤمن بقول اخر للرب يسوع المسيح :" ما من احد يضع يده على المحراث ثم يلتفت الى الوراء، يصلح لملكوت الله. لو 9/62". لان كرم الرب بحاجة الى العمال والعملة فيه قليلون في هذا العصر، الله يبارك حياة ابونا فاضل مع جميع الكهنة المسيحيين.



تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة