الحوار والراي الحر > المنبر الحر

المكرّس ... دعوة سماوية (الحلقة الثانية)

(1/1)

المونسـنيور بيوس قاشا:
المكرّس ... دعوة سماوية
(الحلقة الثانية) بقلم/ المونسنيور د. بيوس قاشا      
"المكرَّس... دعوة سماوية"، بحثٌ في رسالة المكرَّس بجميع تسمياته ودرجاته المختلفة، فهو دعوة سماوية، وخاصةً نعيش اليوم في مجتمع قد تغيّر في شرقنا كثيـراً جداً ربما بسبب الحروب والمآسي التي خاضتها دولُنـا في الشرق
- فمهما يكن من أمر "فليكن اسمُ الربِّ مبارَكاً" (مزمور2:113، أيوب21:1) - وما تمرّ به المنطقة من تغييرات هائلة عبر الحروب والتقشف والحصار والاختلاف في مسلك السياسة والمصالح العامة والفساد المستشري بين أبناء هذه الدنيا، وبيوغرافية داعش الإرهابي وقلّة الحريات التي تمارسها الدول كما يمارسها بعض الحكّام على شعوب مبتلاة وهي التي أُعطيت لشعوب ولم تُمنَح لأخرى.
فإذا سمحتم جميعاً أردتُ اليوم في بحثي هذا المتواضع عبر حلقاتٍ أن أكون شاهداً للحقيقة وسأبقى - وكما كنتُ وحسب قول البابا بندكتس السادس عشر – أن أروي حقيقة مسيرتنا في سلك المكرّسين وخدمة الكنيسة وبتسمياتهم المختلفة من الكبار والكهنة والرهبان والراهبات والمكرّسين والمكرّسات وكل الأصناف الإيمانية التي تعمل من أجل خدمة بيت الرب والشعب وعبر مسالك مختلفة.
     المكرَّس ... إنسان محترم
فالمكرَّس مدعوٌّ دعوةً خاصة كما دُعي آخرون لدعواتٍ أخرى متعددة، فهو إنسان محترم في المجتمع وفي كل مكان، فالرب هو الذي اختاره "ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتُكُم، وأقمتُكُم لتذهبوا وتأتوا بثمرٍ، ويدومَ ثمرُكُم" (يو16:15). إنه نداءٌ من أجل الإنسان، وصفاته تتطلب أنْ يكون الجواب لهذا النداء فيمتلئ من الخير والمحبة، من التضحية والعطاء، بنكران الذات وصدق النيّة وطهارة القلوب، مليئاً بالسلام والفرح والغفران أمام كل سيئة ربما تحصل، إضافة إلى إتمام الرسالة في خدمة الرعية والإنسان وفي كل مكان وبالأخص في شرقنا وبلدنا. وفي هذا الشأن يقول البابا فرنسيس "اذهب وفتش عن البعيدين والضائعين والمهمَّشين عند الشواطئ، كما عليكَ أن تعرف رائحة غنم رعيتك دون أن تنظر مَن هو".
فَمِن هنا نقول: في خدمتكَ أيها المكرَّس كن عاملاً وخادماً في حقل الرب لزرع البذور كي تحصد ثماراً يانعة، لأنّ "الحرَّاث الذي يتعب، يشترك هو أولاً في الأثمار" هكذا يقول مار بولس (2تيمو6:2). فالمحبة رسالتك، وخدمتك ليس فقط بالأقوال بل بالمَثَل الصالح عبر حقيقة الحياة والمسيرة، وهذا كله يتجسد في مواقفك وعطاءك من أجل الرعية ودون تمييز، فأنتَ مُلْكٌ للآخرين ولستَ مُلْكاً لنفسكَ، فالكل صغيراً كان أم كبيراً، رجلاً أو امرأةً، كما يقول مار بولس "أْن تصير للكلّ" (1كو22:9) وليس أنْ تكون كلاً لِمَا هو في قلبك وفكرك ولمصالحك.
    الكتاب المقدس 
لنبدأ سويةً مع ما يقوله مار بولس في رسالته الأولى إلى تلميذه تيمثاوس (1:3-12) وهذا نصّه:
"فاشتَهِ عَمَلاً صالحاً. فيجب أنْ يكون المكرس بلا لومٍ، بَعْلَ امرأةٍ واحدةٍ، صاحياً، عاقلاً، محتَشِماً، مُضيفاً للغرباءِ، صالحاً للتَّعليمِ، غير مدمِنِ الخمرِ، ولا ضرَّابٍ، ولا طامعٍ بالرِّبحِ القبيحِ، بل حليماً، غير مخاصمٍ، ولا مُحِبٍّ للمالِ، يدبِّرُ بيتَهُ حسناً، له أولادٌ في الخضوعِ بكلِّ وقارٍ. وإنَّما إنْ كان أحدٌ لا يعرفُ أنْ يدبِّرَ بيته، فكيف يعتني بكنيسةِ الله؟ غير حديث الإيمانِ لئلاَّ يتصلَّف فيسقُطَ في دينونةِ إبليسَ. ويجبُ أيضاً أنْ تكونَ له شهادةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الذينَ هم مِنْ خارجٍ، لئلاَّ يسقطَ في تعييرٍ وفخِّ إبليسَ. كذلكَ يجب أنْ يكون ذا وقارٍ، لا ذوِ لسانَيْنِ، غيرَ مُولَعِ بالخمرِ الكثيرِ، ولا طامعِ بالرِّبحِ القبيحِ، ولك سرُّ الإيمانِ بضميرٍ طاهرٍ. كذلكَ يجبُ أنْ تكونَ المكرَّساتُ ذواتِ وقارٍ، غيرَ ثالباتٍ، صاحياتٍ، أميناتٍ في كلِّ شيءٍ".
ويقول أيضاً في رسالته الثانية إلى تلميذه تيمثاوس (7:2، 8:1، 15:2، 12:3، 13:12) ما نصّه:
"إفهمْ ما أقولُ. فَلْيُعْطِكَ الرَّبُّ فَهْماً في كلِّ شيءٍ" و"لا تخجل بشهادة ربّنا، بل اشتركْ في احتمالِ المشقَّاتِ لأجِل الإنجيلِ بِحَسَبِ قوّةِ الله" و"اجتهدْ أنْ تُقيمَ نفسَكَ لله مزكّى، مفصِّلاً كلمة الحق بالاستقامة" و"جميعُ الذين يريدون أنْ يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يُضطَهَدون" و"إنْ كنّا نصبرُ فسنملك أيضاً معه. إنْ كنّا نُنْكِرُهُ فهو أيضاً سيُنكِرُنا" و"إنْ كنّا غيرَ أُمناء فهو يبقى أميناً".
     تجربة المال
لستُ هنا في سرد تجارب المكرَّس العديدة وكيفية الخلاص منها، ولكن أسردُ واقعاً ربما لبعضٍ منا مؤلماً، فالحقيقة مؤلمة، ولنتكلم أولاً عن تجربة المال. من المؤكَّد أننا ندرك جيداً أنّ الله قدوس وعظيم في عطائه فهو مَن  قال في سفر التكوين "هوذا الأرض كلها لكَ" (تك7:12). فالمال منحة وهبها الله ليكون في خدمة الإنسان وصنع الإحسان وعمل الخير، فلا يجوز أن يكون المال إلا عبداً مطيعاً للمكرس، كما لا يجوز أن تُقدَّم له العبادة، فالرب قال "لا تقدروا أنْ تعبدوا الله والمال" (متى24:16).
فإذا كانت عبادتنا للمال فهل ستبقى عبادتنا لله الحقيقي؟ أخاف من ذلك كثيراً. نعم، من حقّ المكرَّس أن يعيش كريماً وأنْ يحافظَ على مستقبله ويفكر فيه وفي زمن شيخوخته وفي مسيرة حياته وما يحتاج في مسلكه من أجل الصحة والحياة والسفر وأمور أخرى عديدة تخص المسيرة كما بقية البشر. وفي هذا الزمان ما نلاحظه طغيان المال وعبادته عند الكثيرين دون الإنتباه إلى عواقبه الوخيمة وطرق كسبه الملتوية وأساليب جَمْعِهِ المتعددة، وربما تكون مسيئة إلى سمعته وسمعة معبده ورسالته وإلى إخوانه في السلك نفسه، وإلى تباعد أبناء الرعية عن راعيهم وبطرق عديدة مختلفة، وهناك العديد من المكرّسين يتهافتون للتسابق والربح بطريقة أو بأخرى وربما بإكمال أحد نشاطات المعبد مقابل حفنة من المال مستخدمين بذلك كلّ شيء من أجل الربح القبيح كما يقول مار بولس (1تيم30:3) "ولا طامعٍ بالرِّبحِ القبيحِ"، وهذا ما يظهر مسلكاً غريباً كما هو ضد المسيرة والدعوة الإنسانية.
فالعمل من أجل المزيد من المال صنعة (مهنة) سيّئة لمن إختار الرب وخدمته، ثم يأتي حديث الناس والكلام البذيء ولَوْمُهم لِطُرُقِ مسلكنا وتشويه صفات هذا المسلك حيث الحقيقة هي أن نحيا بالتجرّد وروح الفقر والحاجة الإنجيلية وليس المالية. فما يملك المكرّس ما هو مُلْكه، وهو لا يمكن أن يعطي ويجمع ما ليس من مالِهِ ومن مصلحته، لذا تصرفه هنا وهناك يجب أنْ يكون بتأنٍ وفكرٍ نيّرٍ ومصلحة عامة وليس بالتبذير وبطرق مصلحية ملتوية، وهذا كله يُظهر قيمة تكوينه وتنشئته وكيف هُيّئَ لهذه الرسالة وهذا المسلك، ويُعتبر هنا بأنه يستغل رسالته في إفصاحٍ عن سبيل عيشه. وربما أقول حبّ المال والتعبّد هو أصل كل الشرور (1تيم10:6) فالمال حلال لمسيرة الإنسان المكرّس والحقيقية لعيش الحياة الطبيعية والمحترمة، ولكن دون عبادته أو وضعه مكان الإله الحقيقي... وإلى الحلقة الثالثة.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة