المنتدى الثقافي > دراسات، نقد وإصدارات

ديوان (قاحل في عقلنا) للشاعرة السورية سارة خيربگ، الإحاطة الواعية بجنس القصيدة العمودية، كتابة فهد عنتر الدوخي

(1/1)

فهد عنتر الدوخي:
دراسات في ادب الشاعرة السورية العروبية الأستاذة سارة خيربگ، للكاتب الأستاذ حيدر نعيسة ومجموعة من كتاب الوطن العربي،..
ديوان (قاحل في عقلنا) للشاعرة أسينة فخري  خير بك (سارة)الإحاطة الواعية بجنس القصيدة العمودية.
كتابة: فهد عنتر الدوخي
من أولويات الأديب ان يبحث دائما عن مسالك أمينة ومعبدة لمواصلة رحلة الكتابة والبحث وفي أجناس الأدب كافة،  حتى يطرق  ابوابا عالية ليكتشف عوالما جديدة  تجعله كلما ارتقى صرحا  شامخا في الإبداع يجدد ردائه وهذا الأمر يعد من بديهيات التواصل مع منجزه الابداعي وضرورة الحفاظ على موروثه الشخصي الذي يشكل علامة تميزه عن غيره, ولا يخفى على القارئ أننا عرفنا وأدركنا قيمة الشعر ومجد القصيدة من خلال تشكليها الذي ورثناه في دراستنا الأولية, وماجاءت به مناهج الدراسة, لذلك تظل القصيدة العمودية المنهل الصافي الذي نتزود منه لتشكيل جنس أدبي آخر يشاكلها ويحاول غالبا ان يجعلها من مخلفات الموروث الجامد بذرائع قانون الحداثة والتطور العالمي,مع اليقين الراسخ أن القصيدة الحرة,أو ما دأب عليه بعض المجتهدين بإسم (نثيرة) وذلك لفك الإشتباك بينها وبين العمودية,وهذا هو الأسلم والأصح,حتى تستقل بوعاء خاص بها, وربما تأخذ جنسا جديدا يميزها عن أخواتها,ومازال الجدل قائما بين هذا وذاك.
 وفي ذاكرة الأدب الجاهلي  شعراء المعلقات وهم؛ امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، وعمرو بن كلثوم، وعبيد بن الأبرص، وعنترة بن شداد، والأعشى، ولبيد بن أبي ربيعة، والحارث اليَشْكريّ، والنابغة الذبياني, هؤلاء الذين أسسوا صرح القصيدة العربية وأضاءوا عتمة الجاهلية بهذا الفن العجيب الذي ظل حتى يومنا هذا عنوانا لرقي اللغة ونموها المتصاعد,
ولم تتداعي أوتضمحل الإشراقة في القصيدة العمودية رغم كل التحديات التي اعترضت حضورها, في العصور اللاحقة  لتألقها, فقد عبرت في العصر الأموي, والعباسي, ومراحل تذبذب الحكم المدني عن لسان حال المجتمع وعكس صورة واضحة عن التطورات السياسية والدينية والاجتماعية, وقد توشحت القائمة بكبار الشعراء الذين خلدوا من خلال قصائدهم في فنون القصيدة, كالغزل, والهجاء, والرثاء, والمدح. الخ..
 تواصل الشاعرة  السورية الأستاذة سارة فخري خيري بك  العناية بهذا التشكيل بديوان لم يكن الأول في مسيرة ابداعها هو( قاحل في عقلنا) الصادر عن مركز حمدان للدعاية والنشر للعام 2021 مدينة اللاذقية.الجمهورية العربية السورية, إذ إحتوى على  ستين قصيدة عمودية تقريبا, وصلتني النسخة الإلكترونية وها أنا أتجول بين سطورها بعقل المكتشف الباحث عن الثراء واللغة وكل المحاسن التي عهدناها في هذا البوح المدهش.وقد عكفت الى اراء لي كنت قد  دونتها في آماد سابقة لنتاجات شاعرتنا,وشواعر أخريات, وجدت من المفيد أن أجدد ردائها,لكونها تتوافق مع هذا السيل الهادر, القص الجميل الممتع, الجملة الشعرية المحبوكة, حتى أن هذه الموهبة العجيبة التي زينت بدراسة أكاديمية التي تسكن وجود شاعرة سواحل اللاذقية الأستاذة الأنيقة حرفا وسيرة(سارة فخري خيري بك),علاوة على حضورها اللافت بالقوة والثقة العالية بنفسها ومكانتها بين النخب الأدبية, وماقدمته في هذا الميدان...
(ألواح على باب الشمس) الصفحة21, لدمشق, الشام مهد الحضارة والتاريخ المجيد,

تبقيــن ســـــــــنبلة تـديــر بكفــّــها
وجه العطـاء ودون أي حسـاب
سيعود مجدك يا دمشق وتنتهي
ألـواح حـزن في سـطور كتــاب
وتعيش هذي الأرض زهو سلامها
ولها ســأرسل بالقصيــد جـوابي ).

 كل  ما  اكرمنا به قلمك، شاعرتنا, فضاء"  نستظل به، لترتقي بنا احاسيس  جامحة، تشعرنا أننا  خلقنا لتسمو نوازع  الخير  والجمال  في  مداركنا، تحفز  فينا  كل فضائل الأمل أننا  مازلنا  بشرا نتعطر  من  أفواه  القصيدة فيضا  من  الجنون  وأمواجا صافية من لغة  مدهشة  وقلب يسبح  في  بحور هادئة، نجد  فيها  كل  ما فقدناه  في مراحل العمر ،كنا  نعتقد  أنها قد  تلاشت  أو  إصمحلت  حتى  حفزت  فينا  ثرثرة  الإشتهاء  لنقرأ صحائف  الماضي بروح  الطفولة  وإندفاع  الشباب، هكذا  هي  المفردة  الشعرية، وهذا  هو  الأديب  الذي  يحرر  العقل  من  الخرافة  ويطهر  النفس  من  لوثة  العبودية  والترف العاطن..نحن نقرأ حضورنا  ووجودنا  بين كل حرف، تتعطر  نفوسنا  بقدسية  البوح  وجلال  المعنى..
(وطني الكليم) الصفحة(28)
ياجنّــــــة الخلُــــــلدِ يا لحنــــــاً بأغنيــتــي
يا صوت قلبي  ونبض الروح يا وطني
يهامس الـجـرح آيـــــــــاتي ويقـــرِؤني
نبضـــــاً توقّــــــــــد في الآلام والشّـــجن .

هنا,ترتقي الشاعرة الى الموضوع الأشمل والأعم وهو الوعاء الوثير الذي حفظ ذكرياتنا ووجودنا وكرامتنا وكل المثل العليا التي ترمز الى مجدنا,وهو الوطن.

من قصيدة( لما إلتقيتك) الصفحة61
والحب أنزل في قلبي ملائكة,
تسبح الله إجلالا وعرفانا,
لما التقيتك أضحى العمر رابية
والورد غازل في الأحلام نيسانا.

(ســـحر الغــرام) الصفحة70)  ) 
سـحر الغـرام كنفحـة تســري بــنا
تجلـــو الســقام وتنثــر الأطيـــابا
لا غيـث كالحــب المقيم بعمــرنا
يزجي الهطول على الرياض سحابا 
ويسيربالعمـر البهيــج الى الصـفا
يهــب الضيــاء ويفتـــح الأبـــوابـا
ليُريــك وجهـــاً أبرقـــت ألــوانـــه
فتكشّـفت حجـب السـماء عجــابا
فالــحب انت وانت سـرّ حكـايتي
مالـذّ في هـذي الحياة و طــابــا
في  ســرّه نــور يضــــــيء دروبنـــا
أضحى لأقداس الهـوى محــرابا
وقطــوفه تدنــو على اغصــاننـا
فجنى الفـؤاد من الرضـا أعنــابا.

ما أجمل الكلمات عندما تتوحد في وعاء جميل شفاف، تزهر به النفوس وتتعاظم فيه المنى، يسعد الإنسان عندما تنثر في فضائه هذه الجمل المزدانة بالحكمة والإبداع والقيم، هكذا يكون الشعر، وهكذا تكون القصيدة، مرصوصة، تؤطرها الخبرة والدراية والفهم الموضوعي للحدث، القصيدة بحد ذاتها تجمع عناصر القص الجميل الممتع، فهي ليست عنوانا عابرا، أو تشكيلا خاطفا، بل ان السمات التي نثرتها شاعرتنا الأنيقة الأستاذة سارة خيربگ في اديمها لهي مداد موهبة متأصلة ازلية توقظ سبات الذات وترتقي بالجملة إلى بلاغة عالية وبذات الوقت تشحن الذاكرة البعيدة بهذا النظم الأخاذ، عندما تجد إمرأة تمتهن الحرف وتصنع معجزة الإبداع والأدب الراقي بهذا المستوى الذي تزينه الرفعة والسمو، فانك أمام نهضة فكرية وصورة تلاحم عروبي محبوك مع ما وثق من أبجديات الشعر وما علق على أعتاب التاريخ من مخطوطات ظلت تساور عقولنا وافئدتنا منذ فجر تعليمنا الأول ، هذه القصيدة التي تناسقت بهذه الكيفية العجيبة وجزالة الأسلوب، ورقي المعاني وبديع اللغة وتزاحم المفردات، و الإحاطة الواعية بحدودها الموضوعية، يجعل المتلقي يحلق عاليا بذكرياته، ومراحل تواصله مع هذا النقش الجميل المدهش، ابارك لك أستاذة هذا المنحى وارفع قبعة الفخر ومداد الإعجاب، دمت كوكبا يواصل الاشراق...
القصيدة العمودية تستوي بقانون رياضي، لأن أجزاءها تشكل مصفوفة منتظمة وايقاع منضبط، لذلك مهما وصلت الحداثة من حضور تفاعل تبقى قصيدة الصدر والعجز اللاعب الرئيس في جنس الأدب، مع كل التحديات التي ولدت لتحل  محلها، إذ ليست قصيدة النثر أو (القصيدة الحرة) نتاج تراجع أو إضمحلال هذا النظم الجميل الذي عهدته البشرية قبل قرون من الزمن، لكن الموهبة الذاتية مع المتغيرات الشخصية المكتسبة تشكل لوحة شعرية تواصل مسار القص الجميل المزين بألق وإبداع لغوي باهر، هذا مانجده بين تضاريس هذه الواقعة والتي جندت فيها، الشاعرة كل وظائف اللغة وجمالها لترتقي إلى ذاكرة المتلقي بهذا النداء المحبب للنفس والذي ينعش ذاكرة الألم والحب وانفعالات النفس في مراحل تداخل الذات بالموضوع، المجموعة الشعرية(قاحل في عقلنا) زينت بهذه الثقة العالية والمداد الزاخر بالكلمات، هنيئا لمن يحتفي بهذا الحرف، هنيئا لشاعرتنا التي نسجت من روحها هذا الألق وهذا الجمال...

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة