الحوار والراي الحر > المنبر السياسي

نشأتي...طفولتي...وصباي

(1/1)

جاسم الحلوائي:
حدث هذا قبل نصف قرن ــ القسم الثالث
نشأتي...طفولتي...وصباي
( 1 ــ 3 )

جاسم الحلوائي
jasem8@maktoob.com

في القسم الثاني من هذه السلسلة أشرت الى إنني سأكتب حول نشأتي والعوامل الأخرى التي لعبت دورها في تكوين إتجاهي السياسي والأيديولوجي، إن سمح الوقت. ولأن الوقت قد سمح، فلابد أن أفي بوعدي، يحفزني على تحقيق ذلك أيضا تشجيع الأصدفاء على مواصلة كتابة هذه الذكريات بإعتبارها شهادة إضافية، تضاف الى الشهادات الأخرى، على بعض أحداث وظروف مرحلة تاريخية هامة من تاريخ العراق المعاصر. ولكن هل ترقى الذكريات الخاصة الى مصاف الذكريات العامة ؟ هناك أكثر من إجابة على هذاالسؤال. وفي رأيي، بأن الذكريات الخاصة تكمل صورة الذكريات العامة وتجملها وبالتالي يمكن أن تكون مفيدة وممتعة .

ولدت في الأول من تموزعام 1932   في مدينة كربلاء. و نشأت في عائلة كادحة، فقيرة تقريبا، كان والدي حرفياً، لديه محل صغير يصنع فيه الراشي (طحينية) وزيت السمسم في الشتاء ودبس الرمان في الصيف؛ ويبقى عاطلا عن العمل اشهراً عديدة من السنة. ولأنه يقامر في سباق الخيل (الريسس) ويبذر المال في الملاهي والمقاصف، فقد كان مفلساً في أحيان كثيرة. وكان ذلك مصدر فقر العائلة وعوزها؛ فكنا لا نجد الخبزالكافي في البيت أحيانا، في فترات التعطيل عن العمل. وعن هذه الفترة، هناك حادث "بسيط" ظلّ عالقا ًفي ذاكرتي، وهو أننا كنا نتعشى على السطح في إحدى الليالي, وكان الظلام شديدا، مددت يدي في الصينية فإرتطمت بأيدي اخوتي الفارغة والتي هي الأخرى كانت تفتش عن الخبز؛ فسحبت يدي بسرعة لكي لا أنافسهم يوما على آخر لقمة خبز وأنا أكبرهم سنا. ولولا والدتي، وإسمها زكية، والتي كانت خياطة ماهرة،  تخيط حتى ملابس العرائس، لكان وضع العائلة بائساً جداً.

كان والدي، وإسمه محمد، يشّغل معه عاملا أو عاملين، وعادة ما كان يلبس ملابس العمل في بداية الموسم، ليكسب ثقة هذا التاجر أوذاك ، ليبيع بالجملة ويحصل على مبلغ محترم من المال، كمقدمة، لتمشية العمل. ولان الشروع بالعمل ، بعد إنقطاع طويل نسبيا، يتطلب مساهمة ولمسات من رب العمل. ومن ثم كان والدي يترك العمل ليبقى مشرفاً فقط.

تعلمت الكتابة والقراءة في الملاّ ( الشيخ)، وقد ختمت القرآن أكثر من مرة، وكنت أصلي بزملائي صلاة الظهر والعصر؛ ويبدو بأن صوتي القوي وإدائي الحسن كانا السبب في إختياري لهذه المهمة. في عام 1939 منعت الحكومة التعليم في المشايخ، وشجعت أولياء أمور الطلبة على إدخال أبنائهم في المدارس. ووفرت أعمالا شريفة للشيوخ ، فالشيخ محمد مثلا ، وهو نفس الشيخ الذي كان يعلمنا، أصبح فراشا في مدرستنا ، مدرسة (العباسية)، التي تأسس الصف الاول فيها من عندنا، نحن الوافدون من المشايخ. ولما كانت المدرسة جديدة وصغيرة ، فأن تلاميذ المدارس الابتدائية الاخرى كانوا يستهزؤن بنا ويسمون مدرستنا ﺒ"مدرسة الدجاج!!" مستوحين التسمية من سوق لبيع الدجاج يقع بالقرب من مدرستنا.

 بعد الصف الرابع توقفت مدرسة (العباسية) عن فتح صفوف جديدة، فتوزع تلاميذها الناجحون من الصف الرابع على المدارس الابتدائية الاربع في المدينة . والناجحون الثلاثة الأوائل توزعوا على ثلاث مدارس حسب أماكن سكناهم ؛ و كان من نصيبي مدرسة ( الفيصلية )، وكنا قد أنتقلنا تواً من محلة ( باب الخان) الى محلة  (العباسية الشرقية )، حيث تقع المدرسة المذكورة ــ فقد جمعت أمي ما لديها وباعت كل ماتملك من هدايا عرسها لتشتري قطعة أرض في المنطقة الفقيرة من هذه المحلة والتي تقع في ضواحي كربلاء وتسمى(ﺍﻠﻤﮕﺎﻊ) لتبني عليها بيتا متواضعا أستغرق بناؤه حوالي السنتين بسبب فقر الحال ــ وأصبح هؤلاء الوافدون " من مدرسة الدجاج" الأوائل فى مدارسهم في الصفين الخامس والسادس ، وتحققت بذلك سمعة جيدة لمدرسة (العباسية)، وأزيلت عنها الى الابد تلك التسمية الساخرة. وكان هؤلاء الثلاثة كل من سعيد غدير, والذي التحق بكلية فيصل في بغداد ــ وكانت خاصة يالخريجين المتفوقين من الأبتدائية ــ وطاهر نسيم الذي واصل دراسنه في كربلاء ،أما أنا فقد أجبرت على ترك مقاعد الدراسة.

لم أترك الدراسة برغبتي وإنما برغبة عائلتي وبشكل خاص والدي، الذي كان يحتاجني لمساعدته في العمل. لقد سبق وان أجبرت على ترك الدراسة بعدما نجحت من الصف الخامس، ولكن ضغوطا قوية مورست على العائلة، من قبل هيئة التدريس في مدرسة (الفيصلية)، والتي كان يهمها تخريج بعض المتفوقين الآهلين للقبول في كلية فيصل، جعلت العائلة تتراجع، ولو الى حين، مشترطة بأن يكون الصف السادس هو الصف الاخير. و قد قبلت الشرط لكي أنهي المرحلة الابتدائية على الاقل. وهكذا كان؛ فما أن أنهيت إمتحان البكلوريا للصف السادس حتى التحقت بالعمل مع والدي في المحل أساعده في كل شيئ . وسرعان ما بلغت سن الرشد، فأخذت أعمل بديلا عن عامل ، اسّهي السمسم ،  ولكن ليس بأجر كامل. وبعد بضعة سنوات ترك والدي مسؤولية المحل على عاتقي؛ وكان المحل مديوناً بمبلغ طال تسديده اقساطا لأكثر من سنتين!
كنت أحب الغناء والموسيقى، وكنت  أحب سماع عبد الوهاب وراوية وكارم محمود وليلى مراد ومحمد الكبنجي وأم كلثوم. عندما كنت أسهي السمسم كنت أغني لهؤلاء. وكان صوتي يرتفع ويتحسن عندما تكون فخرية بالخان، الذي يقع محلنا فيه. وفخرية هذه فتاة حلوة لم يتجاوزعمرها السادسة عشر. كانت تأتي الى الخان لتساعد أبيها في بيع الحصران، أو لتلّعب إخوتها. وعندما تكون الأجواء ملائمة تقترب لتقف في باب محلنا، فنتجاذب أطراف الحديث. لقد كنت أهواها وتهواني.  ولأني لم أكن جاهزا للزواج، أسرع أهلها بتزويجها لوضع حد للهمس الذي أخذ يسمع في الخان. مرة قال لي أحد العمال الذين يعملون في الخان " إشلونك وياها ها... إيدك بالدهن؟ " علما بأني لم ألمس يدها!!

عندما كنا ننتج دبس الرمان ، كنا نستخدم حوالي 12 إمرأة لتفريط الرمان. وفي أحد الايام شاهدت، وانا عائد من البيت الى المحل حاملا معي وجبة غذاء الظهيرة،  في الشارع رجلا، يبدو من ملابسه إنه فلاح معدم، حاملا بيده، المرفوعة الى  أعلى، كف إنسان يقطر منه دماً.  وقف على المنصة الخاصة بشرطي المرور، والذي لم يكن واقفا في مكانه آنذاك بسبب حرارة الشمس، وهزج (هوّس)، بسرعة، إهزوجة تعبر عن " غسل العار"  وركض مسرعا باتجاه مركز الشرطة. عندما وصلت الى المحل، وجدت جثة امراة على حصيرة من القصب (بارية) ويسيل الدم منها، وعرفت بإنها إحدى العاملات عندنا، وقد قتلها الرجل المذكور طعناً بخنجره  "غسلا للعار! " وقد تذكرتها، كيف كانت تنظر الى الارض خجلا عندما تستلم أجورها، وجهها بائس وحزين وليس فيه مسحة من جمال. وقد فسّرلنا الحادث ، لماذا كانت  تأتي للعمل باكرا قبل بزوغ الفجر، و لماذا كانت تحاول أخفاء وجهها عندما تخرج من المحل. لم تمر الحادثة دون أن تثيرالكثير من الأسئلة لديّ، وخاصة عن السبب الأساسي لمثل هذه الحوادث .

صمت في شهر رمضان سنتين في صباي وصلّيت مدة أطول وقرأت عددا من الكتب الدينية بما في ذلك نهج البلاغة؛ وساهمت مرة واحدة في التطبير (ضرب القامة على الرأس) في اليوم العاشر من شهر محرم بمناسبة إستشهاد السيد الحسين... والغريب في الأمر هو إنني  كنت بعيدا عن التدّين وطقوسه عند قيامي بذلك ! كانت مجرد نزوة ينطبق عليها المثل العراقي القائل: (على حس الطبل خّفن يارجليّة) .

ولأني كبير أخوتي، الذي أصبح مجموعهم ستة، فأن والدي إهتم بتربيتي لكي أتولى أنا تربيتهم .  وكان إهتمامه منصبا على جانب واحد تقريبا، وهو أن لا ننخدع من الاولاد الاكبر سناّ منّا و ننحرف جنسيا .  وكانت إجراءاته قاسية جداً، على سبيل المثال لا الحصر، لم يسمح لي بالاشتراك في السفرات المدرسية . وفي إحدى المرات، وسط دهشة وذهول زملائي  في الصف السادس لرفض والدي مشاركتي في سفرة مدرسية، شاهدنا والدي ماراّ ــ وكنا واقفين امام باب المدرسة ــ فتطوع بعضهم للتحدث معه حول الموضوع، فذهب إثنان منهم، يعرف والدي آباءهم، فتحدثوا معه وأستّلوا منه الموافقة على مساهمتي بالسفرة بعد أن أفحموه، ومما قالوه له : " لماذا تخاف على جاسم وحده ؟ ولا تخاف علينا ؟ "  طبعاً لم يكن زملائي يعرفون ممّ كان يخاف والدي، فهو لم يبح لهم بالسبب الحقيقي .


يتبع

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة