الحوار والراي الحر > المنبر الحر

ماذا علمتني الحياة

(1/1)

شمعون كوسا:
ماذا علمتني الحياةشمعون كوسا

من الضرورة ان يجلس المرء بين الحين والاخر ليختلي مع نفسه ، ويستعرض شريط ّحياته في كافة مراحلها ، أو على الاقل جزء مهم منها ، الايجابية منها والسلبية ، ايام حزن  وساعات فرح . فرص نجاح ،  تجارب فاشلة ،  حالات يأس شديد ، وأيضا اوقات نهوض مفاجئ بتأثير ومضة داخلية ،  ومراحل اخرى يمكن أن نُدخِلَها تحت خيمة الظروف الصعبة . يكون الاختلاء بمثابة فحص ضمير عميق ، يرمي الخروج ببعض القناعات والعبر ، لان كلّ حدث او تجربة ، بالرغم من تماثلها احيانا ، تكون لها ردود فعل مغايرة ،  وعندما تتضح الصورة لدى بطل الفلم ، يسطـّر خلاصة مشاهداته ، بغية الانتفاع منها في ما تبقّى من مسيرة حياته .
لقد بلغتُ مرحلة متقدمة من العمر ، مرحلةً حملتْ  في ثناياها السميكة ما يكفي لسرد ما اقتنعت به وما لم اقتنع .لقد مررت بالكثير من الظروف والحالات  النفسية  ، وجلّها كان صعبا ، إذا لم تكن ترهقني  جسديا ، كانت تنهكني نفسيا ، بحيث في الوقت الذي كان الجسم يقوم بواجباته الحياتية اليومية بصورة عفوية طبيعية ، كان البال يبقى دائم الانشغال ، في طحن أفكار سوداء ، فيضرب الاخماس بالأسداس في حلقة تدور عبثا ، لأنها لا تهتدي الى مخرج.
ففي شريط حياتي الذي استعرضتُ فيه تقلبات حياتي ، توصلت الى ما يلي :
 أبدأ بسرد حكمة شمولية أومن بها وهي : باطل الاباطيل وكل شيء باطل . انها حقيقة غير قابلة للتفاوض . انها حقيقة نلمسها يوميا ، فالثروة الباهظة تبخرت وزالت مع صاحبها. اختفت  الامجاد ، زال الجمال ، كما انتهت السعادة . ومصير الزوال هذا يطال الفقر أيضا ، وحتى الاحزان والالام  تدخل عالم النسيان   وهذا أيضا مصير الشقاء والندم . مخلص الكلام،  ان حياة الانسان بكل ما تحويه زائلة ، وهكذا كان الامر منذ الازل.
من جهة اخرى ، أنا اعتبر هذا عزاءً لكل من لم يحالفه الحظ  ، لأنه يتساوى مع من حالفه الحظ .  وهذه الحكمة هي درس لمن لم تغدر بهم الاقدار وعاشوا في بحبوحة ، هو ألاّ يُعوّلوا كثيرا على ما هم عليه ، بكل بساطة  لأنه زائل . كان الزوالُ مصيرَ الملوك والسلاطين وممتلكاتهم . فالمال موضوع لاستخدامه طبعا  دون التعلق به ، لان ما يملكه الانسان ليس مُلكَه لأنه زائل .
بعد هذه المقدمة المُملة والتي تبدو متشائمة بعض الشىء ، أقول: في مراحل حياتي، رأيت بان أعقدَ المصاعب التي مررت بها ،وجدتْ لنفسها حلاّ ومخرجا . لقد عشتُ شخصيا اوقاتا عصيبة وحالات اعتبرتها يائسة ، ولكن مع مرور الزمن كانت العقدة قد انحلت وزالت وعادت الامور الى مسارها الطبيعي . يُقال بانه من المهم ، ألاّ نسبق وتيرة الموسيقى ، وألاّ نعبر الجسر قبل ان تصله .
وجدتُ بانّ احدى الوسائل الناجعة  للتخلص من فكرة مزعجة ، هو الانتقال الى فكرة اخرى مغايرة ، حتى اذا كانت الفكرة الثانية  بدورها مزعجة ، فإنها تساهم في إراحة الفكر ولو لحين . 
انا مع المبدأ القائل : الحياة هي حركة دائمة، أو كما يقال في الحركة بركة . واعني هنا بان الحياة لا يجب ان تتوقف عند عقبة او مشكلة او فشل معين . يجب النهوض والاستمرار ، والتطلع الى امام ، لان الحياة مستمرة ولا تتوقف. فاذا توقفتُ أنا ، سأكون أنا المتخلّف، لان الحياة سائرة في دربها وتقدمها . إرادة الاستمرار يمكن ان نستمدها  من خلال رفع انظارنا الى الأعالي نحو  هدف بعيد جميل ، يبعث فينا الامل ويساعدنا  على  المواصلة .   
رأيتُ بان الخوف يتغلغل في أغلب دقائق حياتنا ، ولهذا نقول دوما : اخاف من الشيء الفلاني ، اخشى ألاّ يتحقق الهدف ، اخشى مِن ألاّ يفهموني ، اخشى من كلام الناس ، أخشى ألاّ انجح ، اخشى استهزاءَهم  بي ، واخشى ، واخشى . غدا هذا الفعل وكأنه عبارة لا بدّ منها لتكوين كافة جُمَلنا.  هناك حالات يتفاقم الخوف ويشلّ فكرنا بحيث نرى نفسنا أمام حائط عالٍ . في هذه الحالات علينا  اللجوء  فكريا ، الى مبدأ القبول بأسوء الاحتمالات في ما نخشاه ، وهذا من شأنه ان يُزيل قلقنا ، ويُعيدنا الى صوابنا .
علمتني الحياة بانه من الصعب جدا العثور على صديق حقيقي . لان  الصديق الصدوق يجب ان يكون أولا شخصا  فاضلا ، أعني ان قد زرعت فيه الطبيعة الحبّ الحقيقي ، والاخلاص ، والتفاني ، ونكران الذات ، والتجرد . فالصديق شخص يراعي صديقه، ويحترمه. لا يكذب عليه، ولا يحسده ولا يتشفّى به. والصفة الثانية للصديق هو أنه يجب ان يكون رقيقَ المشاعر ، مرهفَ الاحساس ، وراقيا في أخلاقه. ولأجله يُقال بان الصديق الحقيقي معدن تصهره المِحَن .
مع تقدّم الايام علمتني الحياة بأنّ أسوء قرار هو الذي يُتّخذ في ساعة الغضب لأنه لا يمكنه أن يأتي صائبا أبداً ، بل كارثيا أحيانا . وفي موضوع آخر، تيقّنت بان الصبر من شأنه معالجة أعقد الامور . لَم يقلِ القدماءُ هباءً بأنّ الصبرَ مفتاحُ الفرج. هذه كلمات لم نُعر لها اهتماما في حينها ، ولكنها أثبتت فعلا بانها الحقيقة بالذات.
الثقافة والعلوم واللغات تُدخل الانسان الى عالم جديد، وتوسع آفاق تفكيره. لقد وجدت هذا في الفرنسية ، من خلال لغتها ، وحضارتها وكُتّابها ومفكريها.
إذا جابه الانسان  مشكلة أتعبته كثيرا ، تنطبع  في ذهنه صورة قاتمة مشوهة ، تقفز امامه في كل مناسبة مماثلة . يجب القول هنا بأنّ المشاكل وإن تشابهت ، فهي مختلفة ، لذا يجب محو الصورة الاولى المشوهة ، ونسيانها تماما لان لكل حالة ظروفها الجديدة.
وفي النهاية، لا أقوى المغادرة دون ذكر موضوع يهمني كثيراً، وهو سماع الموسيقى.  الالحان  والاصوات الجميلة تطربني ،  لحدّ إني تمنيت كثيرا ومن اعماقي ، بعينين مغمضتين ، بان تكون الازلية الموعودة ،عالما تسوده الألحان الرائعة  والأصوات الفائقة في جمالها وعذوبتها ، ترقى وتتجدد وتتواصل ، لأنها أزلية مبدئيا. فالموسيقى فعلا ترفع النفس وتبعدها عن الهموم.
هناك الكثير ممّا يجب أن يُقال ، ولكن في خلوتي لهذا اليوم ،أكتفي بهذا الحصاد . لستُ هنا  بصدد اعطاء دروس لغيري ،لأني أنا بحاجة للدروس .  ومن جهة أخرى أقول، إن ما كتبته لا يأتي بجديد، لأنه قد قيل قبلي ، بغزارة وبصيغ بديعة ، هنا سطرت بكلام فقير عاديّ جدا ما عشته أنا ،أعني ما تأثرت به وأقنعني .
 

شوكت توســـا:
الصديق العزيز الاستاذ شمعون كوسا المحترم
تحيه طيبه
لوحه معرفيه أخرى من تجاربك الحياتيه,سأصفها بالرائعه ليس لحبكة لغتها وسلاسة اسلوبها فحسب,إنما لإنسيابية ذات الصراحه التي تحدثت عن نفسها في حلقات سردكم لجانب من مذاكراتكم  ايام معهد الكهنوت.
رابي العزيز,بشهادة كبار فلاسفة الكون,ليس من مدرسة أثرى من حياة الانسان في كافة تفاصيل مراحلها,على سبيل المثال كنا في صبانا ومراحل الدراسه المبكره نتأفأف من حرص الأهل وحثنا لتحقيق التفوق في الدراسه,وبخط موازي لهذا الضجركانت أنظارناموجهه للتحليق في مجال مغاير من أجل إتمام شرط يجعلنا نشعرباننا ضمن فصيل متميزفي مجال غير الدراسه, لم يكن هذا المجال محببا كالتدخين واللعب بسبحة التسليه وفتح دكم الصدروما شابه,هذا الخط الموازي كان سريان مفعوله محددا تلاشى مع كبرِنا وتغيير طرق تفكيرنا,بينما ظل مفعول الخط الاول ساريا نتناقله كمربين ومسؤولين  .
لي صديق عزيزأطال الله في عمره,كان يعلمنا الرياضه في مرحلة المتوسطه مطلع ستينات القرن الماضي,فتعلمت منه الكثير وأصبح بمرورالسنين صديقا مقرباً لي أعتزبصداقته,كلماأزور العراق أخصص ساعات للقائه,وقدوصفه احد الاصدقاء بشفيعي الروحي,وهوامراعتز به,اليوم تذكرتّه اثناء قراءتي للفقره التي قلتم فيها:
"وجدت بأن أحدى الوسائل الناجعه للتخلص من فكره مُزعجه,هو الانتقال الى فكره اخرى مغايره, حتى إن كانت الفكره الثانيه بدورها مزعجه,فإنها تساهم في اراحة الفكر ولو لحين".
  ذكّرتني فقركتم,بسؤال وجهته في احدى لقاءاتي بمعلمي وصديقي الاستاذ بطرس قاشا مستفسرا عن احواله,فأجابني بأنه ما زال منشغلا في مشكله سبق وتحدثنا حولها تلفونيا قبل قرابة شهرين دون ان نمتلك سلطانا في حلها,طلبت منه ان يحاول نسيانها لان هناك جديد اتعس,ابتسم واجاب بأنه قد تعود على اشغال تفكيره باي مشكله مهمه تصادفه الى ان يتشبع  منها دماغه حتى لو أخذ ذلك وقتا,شخصيالم اجد تفسيرا جازما لهذه الحاله التي تنطبق على الكثيرين  وأنا منهم .هل سألقى منك تفسيرا لها.. مع الشكر مقدماً .
تقبل خالص تحياتي

شمعون كوسـا:
اخي العزيز شوكت

لقد عودتني على أن تكون سباقا في قراءة ما اكتبه ، وبعد الامعان في الحديث تحرص على ابراز جوانبه الايجابية ، هذا خلقك الكريم وانا مقدر فيك شعورك الذي أتأثر به تماما .اخي شوكت ، لا اعرف لملذا اميل الى الاعتراف دوما بما مررت به ، بكيفية تصرفي حتىى اذا كان سلبيا،  ولكن هذه طبيعتي . ما كتبته هنا ليس ابداعا ولكنه خزين يعتلج في صدري منذ عقود . قد يجد البعض ما كتبته امرا تافها طبيعيا جدا ، ولكن الامور تقاس بشعور من كتبها ومدي تأثيرها عليه ومعاناته منها. ما يجده البعض امرا اعتياديا كان يتراكم في داخلي ويشكل تلال تتحول الى جبال كان تسلقها يتطلب مني شهورا واحيانا سنوات ، وبالرغم من هذه المدة الطويلة لم اعتد على تحملها . لقد زالت اغلبية  هذه الهموم ، هل انا الذي افلحت بالتغلب عليها او محوها ام ان الزمن سرقها دون ان احس كي ينثرها في الفضاغ الواسع ؟ للاسف الشديد لم يكن لي قوة الاستاذ بطرس قاشا كي اتشبع بها لانها كانت تؤلمني . رأيت في معلمك شخصا صلب المراس وذا صدر واسع ، هنيئا له .
شكرا لك يا شوكت على كل كلمة كتبتها ، يا ابن شقلاوا الاصيل .

وليد حنا بيداويد:
السيد الشماس شمعون كوسا المحترم
بعد التحية
يعجني ان استمتع بمقالات هادئة فيها نسمة من الماضي الجميل تصاحبها الموسيقى الهادئة، هذه هي مقالاتك الجميلة مثلما تتسم مقالات البعض من الرواد والكتاب الاخرين في هذه الصفحة فيها طعم خاص، هناك من يهتم بالم شعبنا والشان القومي واصبح كاتبا قوميا وهذا رائع جدا ان لا نترك شعبنا تبتلعه التماسيح ولكننا نحتاج ايضا الى البعض من الهدوء مثلما في مقالاتك التي تاخذنا الى هناك
ننتظر الجديد الممتع وتحية

وليد حنا بيداويد
 

شمعون كوسـا:
أخي وليد

استبشر باطلالتك النيرة لاني ارى فيك شخصا هادئا مسالما . نعم يا اخي ، نحتاج احيانا الى فحص ضمير والعودة الى ماض طوى خيامه لنرى التقلبات وظروفها ونفصل الصح عن الخطأ ونضع من يميننا  ما كان مفيدا ومن يسارنا ما لم يكن كذلك ، لنخرج بتقرير نحتفظ به لنفسنا او لربما للاخرين يساعدنا في العودة اليه والاهتداء به في بعض الحالات المماثلة .
أدام الله سعادتك.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة