المنتدى العام > مقالات قرأتها لك

مَن أنا؟ 000 هويتي المسيحية 000 الخورأسقف بيوس قاشا رئيس تحرير مجلة الزنبقة

(1/1)

fadiyousif:
        ما معنى أن "نكون مسيحيين" ؟… وما هي رسالتنا ودعوتنا داخل الكنيسة وفي العالم ؟… هذا هو سؤال اليوم… لا بل سؤال ملحّ: ماذا يعني أن تكون مسيحياً في الألف الثالث… بعد التطور الهائل الذي شهدته الساحة الثقافية والإعلامية والتقدم السريع في مجال الحاسوب والانترنيت والأميل ؟… فهل هذه الأمور تجعلنا أن نفرغ هويتنا المسيحية من باب الإيمان… لندخل في باب الضباب… بينما بولس الرسول يقول لنا اليوم أكثر من أي وقت آخر "اعتبروا أيها الأخوة دعوتكم" (1كو 26:1) أو بالمعنى الآخر: ما هي دعوتكم ؟ ما هي مسيحيتكم ؟ أو بالأكثر مَن أنتم ؟.
         إنه من الصعب علينا أنْ نتحدث عن هويتنا المسيحية إذا لم نكن نُدرك لماذا آمنّا ولماذا دفع آباؤنا الثمن غالياً من أجل إيمان أجدادهم على مرِّ التاريخ وهي لا تزال إلى اليوم تدفعه…    لماذا ؟ لكي تبقى وفيّة لهذه الهوية… لهذا الإيمان…
         فكل جيل من أجيالنا مدعوٌّ ليقدّم جواباً للناصري، وعلى كل مسيحي وفي كل حقبة من حقب التاريخ أن يجاوب المسيح… لا بل أكثر من كل ذلك على كل مسيحي في كل يوم أن يسأل: ما معنى هويتي المسيحية ؟… فمهمتنا يومياً هي أن نعيد اكتشاف هويتنا المسيحية لندرك عمقها ونرسم مسيرتها عبر الحياة بوجود المسيح بيننا كما هو شأن تلميذي عماوس حينما رافقهما يسوع وهما في الطريق إلى أورشليم… فهويتنا هي سيرنا في هذا الطريق ـ العالم ـ نحو هدف أكيد هو الملكوت… كما اكتشف تلميذا عماوس الهدف الأكيد حينما كسرا الخبز مع المسيح (الملكوت)…
        لذا يمكنني أن أقول إن هويتنا المسيحية ترتكز على الإيمان الذي ورثناه من آبائنا وأجدادنا وليس الإيمان الممزوج برواسب الماضي وانقسامات الإنسان الإيمانية التي أدت بنا إلى ما نحن عليه اليوم من كنائس مستوردة وعقائد مختلفة رغم أن مسيحنا واحد وليس له إلا كنيسة واحدة… فهويتنا المسيحية هي العلاقة الشخصية الحميمة مع يسوع المسيح وهذا يعني روح التضامن والمشاركة والحوار وليس الانطواء على الذات والانغلاق حيال الآخرين… وفي الأوضاع الراهنة ليس من السهل أن يكون الإنسان ذاته وأن يكون حقيقياً، وأن يكون مسيحاً منسجماً مع ذاته فذلك يتطلب شجاعة من نوع خاص لكي يسطع نورنا في الظلمة ولا نُفسد طعم الملح الذي فينا، غير متشبهين بهذه الدنيا كما يقول مار بولس "لا تتشبهوا بهذه الدنيا" (رو2:2).
        فما هي الهوية المسيحية ؟ إن من أجمل التعاريف لهذا الموضوع ما قاله البابا "يوحنا بولس الثاني" عندما كان رئيساً لأساقفة كراكوفيا إذ قال "إن الهوية تعني أنْ أُدرِك مَن أنا وأنْ أتحمّل مسؤولية ما أنا عليه". من هنا يأتي السؤال بطريقة أخرى: هل أعلم مَن أنا ؟ هل أُدرِك في قرارة نفسي إني مسيحي ؟ هل أشعر إنني مسؤول عن مسيحيتي ؟ أوَ ليست حياتي وخياراتي وأهدافي وأفكاري وتصرفاتي مناقضة لما أنا مؤمن به ؟ وفي هذا الصدد يقول المجمع الفاتيكاني الثاني "إن هذه القطيعة بين الإيمان الذي ينتحله الكثيرون ومسار حياتهم اليومية تُعَد من أخطر أضاليل هذا العصر" (الكنيسة 43:4)… والقديس أغناطيوس الأنطاكي يقول "اسألوا الله لي، القوة الداخلية والخارجية لئلا تكون لي الكلمة وحسب، بل الإرادة أيضاً ولئلا أُعرَف بالاسم وحسب بل بالفعل أيضاً لأني إذا كنتُ مسيحياً بالفعل فعندئذٍ أستطيع أن أُعرَف بالاسم وأن أكون بالفعل مؤمناً حقيقياً" (رسالة القديس أغناطيوس الأنطاكي إلى الرومانيين).
           من هنا نقول أن المجمع الفاتيكاني الثاني قد فتح آفاقاً جديدة ويبقى تحدياً كبيراً… فالتجديد الذي أضفاه على الكنيسة بات هو القاعدة اليومية في حياة المسيحي لا بل في حياة الجماعات المسيحية… رغم أن الكثير من هذه التعاليم غير مطبّقة في كل مكان من جميع المسيحيين… فالكثير من هؤلاء يرون في الكنيسة والرعية "محطات خدمات" إذ لا همّ لهم سوى أن تتوفر لهم الخدمة اللازمة (يحق لهم) والضرورية (لازمة لهم حسب أسئلتهم) والجيدة (تفضيلهم على الكثير). وهذا ما يجعلنا نفكر أيضاً في الكثير من الكهنة الذين يفضلون القيام بكل أمر لوحدهم دون الاستعانة برجال من الكنيسة أو بالمؤمنين… إذ لا يملكون الثقة الكاملة في أنفسهم أولاً كما في الآخرين… أو خوفاً من أمور في دواخلهم لا يعلم بها إلا القدير العظيم… فنرى المؤمنين لا يهمهم من أمور الرعية والكنيسة لا بل بالأحرى بمسيحيتهم سوى أمور سطحية لا تمت إلى العقيدة بشيء بل هي عادات… تقاليد… ممارسات… نشاطات سطحية…و…و…
           إننا اليوم دخلنا عتبة الألف الثالث ودخولنا هو دعوة إلى (غسل وتشحيم) هويتنا من الشوائب التي تُبعدنا عن عيش الإيمان وإدراك معنى دورنا في الكنيسة كما في المجتمع… وهذا ينبع من:-
   1- قبل كل شيء يجب أن يكون إيماننا مرتكزاً على شخص يسوع المسيح. فالمسيحية ليست عقيدة بقدر ما هي حدث تاريخي حسي… والمسيحي هو تلميذ يسوع المسيح، ابن الله، الذي أخذ جسداً وصار مثلنا (يو14:1) ليخلصنا… وهو الذي نادى آباءنا في الإيمان في العهد القديم ونادى الرسل في العهد الجديد، ناداهم بالاسم قائلاً "اتبعني".
     فهذه الدعوة وهذا الفداء غيّر حياتهم من حالة إلى أخرى… وهذا ما يجب أن يحصل في حياة كل مسيحي وهو خيار لا عودة عنه فيما يردّ المسيحي بكلمة "نعم" على هذا النداء… إنه خيار يلتزم به مدى حياته… مما يقتضي تحول القلب من حب إلى آخر وتغيير طريقة التفكير والعيش تغييراً من الأصل لا بل جذرياً وهذا ليس من السهل ولكن بالمسيح يسوع ونعمته إذ يقول مار بولس "أستطيع كل شيء بذاك الذي يقويني" (فيلبي 13:4).
          فإيماننا يتطلب منا نضجاً عقلياً وفكرياً وروحياً فهو يدعونا للسير في طريق ليست سهلة، وبما أننا نخوض في حياة الدنيا علينا أن نكون ناضجين في هذا الإيمان… فاتحادنا بالمسيح خلال الحياة هو اتحادنا بالآخرين برباط الروح… فشركة المسيحي مع     يسوع تجد مثالها ومصدرها وغايتها في شركة الابن من خلال اتحادهم بالمسيح برباط المحبة… إذ يقول اللاهوتي هانس اورس فون بالتازار " لا يكون المسيحي مسيحياً إلا من خلال عضويته في الكنيسة ولا سبيل لأحد أن يكون مسيحياً لحسابه الخاص (حسب ما يريد)… ومن هنا نقول:
   2- إن إيماننا يجب أن يرتكز على سر الكنيسة… فالكنيسة شركة عضوية يتعايش فيها التنوع وتكامل الدعوات والخدمات والمهام والمواهب والمسؤوليات إذ يقول المجمع الفاتيكاني الثاني (رسالة الكنيسة عدد 20) "بفضل هذا التنوع وهذا التكامل يصبح كل من المؤمنين على علاقة بالجسد كله ويسهم بنصيبه في خدمة هذا الجسد".
         من هنا ندرك جلياً أن لكل مسيحي دوره في الكنيسة (الكنيسة والشركة)، وكل واحد منا هو في الوقت نفسه الموضوع والفاعل المنفّذ لرسالة أوكلها إليه يسوع المسيح سواء أكنا أساقفة أم كهنة أم رهباناً أم راهبات أم علمانيين مؤمنين (العلمانيون اليوم). فعلى المؤمنين أن يشعروا بأنهم ليسوا أعضاء في الكنيسة فقط بل عليهم أن يعلموا أنهم "يشكلون الكنيسة" مع رعاتهم. هكذا يقول البابا "بيوس الثاني عشر" أما المرتكز الثالث لهويتنا المسيحية فيتمثل بوجودنا في العالم، إذ يقول المجمع الفاتيكاني الثاني انطلاقاً من سر الخلق والفداء…"يقيم المؤمنون علاقة مميزة مع العالم وذلك بسبب هذا الطابع الدنيوي"… إنهم في عالم خلقه الله وافتداه بيسوع  المسيح وهذا ما يدعونا إلى نظرة لاهوتية روحانية وليس اجتماعية وظيفية فقط.
       إن دعوة المؤمنين هي أن يطلبوا ملكوت الله من خلال الشؤون الزمنية، إنهم يعيشون وسط العالم ـ في حياة العائلة ـ في حياة المجتمع… ففي وضعهم هذا يدعوهم الله ليعملوا فعل الخمير من الداخل وعلى تقديس العالم بمزاولة مهامهم    الخاصة بهدي الإنجيل ويُعلنوا المسيح للآخرين يشهادة حياتهم. فالمؤمن هو نقطة التقاء بين الكنيسة والعالم وله رسالة خاصة يؤديها ولا سبيل لغيره أن يؤديها عنه فقد أكّد "جوزف كاردين" مؤسس حركة الشبيبة العاملة المسيحية أن المؤمنين يحتلون الخط الأول في نشر رسالة الإنجيل في العالم. ففي ذلك تكون الأمانة هي الأساس في مواصلة الرسالة حتى النهاية ولا يجوز الرجوع عنها أو النكوص فيها… وكما الروح تسكن الجسد وهي ليست من الجسد كذلك المسيحيون هم في العالم بينما هم ليسوا من العالم (يو16:17).
      فحياتنا تنطلق من عماذنا ولكن مفهوم عماذنا لا يزال مفهوماً سطحياً، ولا ندرك أهميته للغاية المطلوبة. إن المولود من رجل وامرأة يصبح ابناً لله بالتبني وهيكلاً للروح القدس من خلال جرن العماذ وعضواً في جسد المسيح السري الذي هو الكنيسة لنكون خليقة جديدة (2كو 17:5) وتلك هي الحياة المسيحية الحقيقية فكلنا مدعوون لكي نشهد في العالم لتجدد هذه الحياة من خلال كوننا أتباعاً للمسيح. فعندما نكون أولاد المعموذية فإننا نشهد للمسيح بوظيفته الكهنوتية والنبوية والملكية، فمن خلال المشاركة في الكهنوت نقدم لله عبادة روحية كما يقول مار بطرس "ذلك بأن جميع نشاطاتهم وصلواتهم ومشاريعهم الرسولية وحياتهم الزواجية والعائلية وأعمالهم اليومية وتسلياتهم العقلية والجسدية إذا هم عاشوها بروح الله بل حتى محن الحياة إذا تحمّلوها بطول أناة، كل هذا يستحيل قرابين روحية مرضية لله بيسوع المسيح" (1بطرس 5:2). إن ذلك كهنوت مشترك بين كل شعب الله وإن اختلف "في الجوهر لا في الدرجة فقط".
        أما من خلال المشاركة في النبوّة: فالمؤمنون مدعوون لإعلان بشارة الإنجيل بالكلمة وشهادة الحياة والتنديد بالشرور التي تفتك بالإنسان والمجتمع كالظلم…
       أما من خلال المشاركة في الملوكية فالمؤمنون مدعوون للمساهمة في بناء ملكوت الله، في العالم وفي داخلهم مما يعني ذلك جهاداً روحياً متواصلاً على قوى الشر والخطيئة…
        فهذه المشاركة تجعلنا أمام غنى روحي يُعطى لنا بالعماذ وما علينا إلا أن نكتشفه لنعيشه مليّاً مع سر التثبيت وتبلغ كمالها هذه المشاركة في سر الافخارستيا.
         ومن خلال هذه الأسرار تدعونا الحياة إلى القداسة التي هي هبة من الله ويجب قبل كل شيء أن تُعاش بوصفها هبة، إذ أننا في العالم أي مرتبطون بمختلف موجبات العالم وأعماله كلها ومن داخل هذا العالم يدعونا الله للعمل والقداسة. فلا تتحقق القداسة في العالم بهروبنا منه بل بتجسدنا معه من أجل إنقاذه. فقد خاطب البابا "يوحنا بولس الثاني" الشباب في يوم الشبيبة العالمي في سان جاك دي كومبوستيل عام 1989 قائلاً "لا تخافوا من أن تصبحوا قديسين" لأن القداسة هي الغاية الأسمى للدعوة المسيحية.
       بعدما ندرك دعوتنا ننطلق إلى العالم "اذهبوا في العالم كله وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين" (مر 15:16). وهذا ما عهد به المسيح إلى الكنيسة ومن خلالها إلينا جميعاً فالكل مدعو للعمل في كرم الرب (متى 3:20-4). ففي الكنيسة خدمات متنوعة ولكن الرسالة واحدة.
        فلا يمكن أن نتصور عمل الكنيسة في إعلان البشارة من دون مساهمة المؤمنين ـ بتعاونهم مع الرعاة ضمن كفاءاتهم الخاصة ومواهبهم في خدمة البشارة ليكونوا عناصر فاعلة في نشر الرسالة وفي مجال العمل فهناك مَن دعاهم الله ليعملوا فعل الخمير من الداخل على تقديس العالم وهذا يكون عبر شهادة الحياة والبشارة الصريحة بالكلمة، وبات على كل مسيحي أن يشعر بأنه معني بالبشارة "الويل لي إن لم أبشّر" (1كو 16:9) إن الحصاد الإنجيلي وفير ولكن الفعلة قليلون… فعالم اليوم بحاجة ماسة إلى رسل وإلى رسل يحملون الإنجيل بشجاعة "كيف يدعون مَن لم يؤمنوا به وكيف يؤمنون بمَن لم يسمعوه ؟ وكيف يسمعونه من غير مبشر ؟ وكيف يبشرون إنْ لم يُرسَلوا" (رومية 14:10).
        وفي بلدنا تكتسب الدعوة معنىً خاصاً، بلد الحصار، بلد المآسي، بلد قضى فترة طويلة في الحروب، بلد يختبر كل ما يتعلق بالاختبار المسيحي… إننا نشعر بعض الأحيان بالإحباط وهذا ليس معناه أن ننام ولا نبالي بالواقع، وإنما يجب أن نكون مستعدين له في ساعة لا نعلمها يأتي الملكوت ولا نخاف لكوننا قطيعاً صغيراً (لو 32:12) فالرب يكنّ لنا محبة خاصة والذي يدلنا على هذا الحب هي العائلة المقدسة بيسوع ومريم ويوسف… فمريم ويوسف سبقانا في الإيمان وكانا لنا مثال الحياة المسيحية والتلميذين الأولين ليسوع المسيح (القديس أوغسطينوس) وهذا يكون جوابنا لهويتنا المسيحية… دعوتنا هذه هي بالفعل هبة مجانية لا نستحقها منحنا إياها المسيح إذ قال بولس الرسول "على أن هذا الكنز نحمله في آنية من خزف" (2كو 7:4) وما علينا إلا أن نعمل على تنمية هذه الهبة في حياتنا "لبلوغ القامة التي توافق كمال المسيح" (أفسس 13:4).

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة