المحرر موضوع: تنين العزلة  (زيارة 1655 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صميم

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 226
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تنين العزلة
« في: 10:14 01/11/2007 »
                                            تنين العزلة الباكية
                                   ( تساؤلات في زمن الاغتراب)
                                                                                لكاتبها: الراهب صميم باليوس للفادي الاقدس

بألم سأودع الحياة، وباجنحة الموت البيضاء سأطير، محلقا في سماء الحرية اللامدركَة ، وبدمعة ساحفر ذكرى وجودي في تاريخ الموت الصامت. وددت أن أسخر من بقائي؛ فأنا فريسة  تجمعت حولها نسور كوّرها الجوع، وباتت تشبه الانسان حين يطرق ابواب الذات النائمة. نسور تمزق اشلائي بمناقير  قدستها أزمنة التضور، تدعوني  للنهوض كي اختبر بصمت عذاب الجسد وهو يُمزَق.
    هلموا لنجدتي، يا معشر حكماء العصر. انها ليست نسور بل اشعة شمس التنين الهائل، انه يلاحقني في وحدتي، يذيب وجودي كذوبان الحديد في سعير النار، يمتص رحيق نشوى الحياة من قلبي كامتصاص الارض القاحلة لرذاذ المطر. لا أقوى على المخاتلة. أنه يقترب ويبتعد في لحظة تُسرمِد التاريخ كلعبة في ايدي الكلاب؛ يقدس وحدتي ويمرغني بترابها. يوهمني بسعادة منخورة الاساس. لم يكن بوسعي الا أن اجرب خطط المناورات، وأطرق أبواب مُنظرّي الاوهام، ولكن بلا جدوى !!

      التمست معونة سادة العصر والزمان، وليس من مفر، فهو قابع في ركن الحياة، يتربص انهيار صرح صيرورتي بعيون شاخت من النظر، كعيون التمساح. لم أتق يوماً الا للحظة فرح، وكأنها لحظة سبرت اغوار اللاوجود، وأمست حلماً لا تطاله سوى الافكار، يفوح بعبير أموات الاساطير، وابطال الشعوب المقهورة... شرعت أصلي صلاة الخطر،  تلك التي علقت في ذهني كما يعلق الطفل في احشاء المقر. طلبت الانقاذ واحسست بصغري أمام ذاك الذي يسمع. شرعت انادي:" يا من أخاف عليه من نجاستي، يا من أدعوه ليصلب من جديد، لا تجبني، فانا لا استحق!
 
    اطرق ابوابك في الخطر، وانت تطرق بابي كل لحظة تمر. ولكن ما العمل، فالتنين يقطن  تلافيف مسمعي ليهمس في اذني أغنية العبودية، يستوطن ملكَة بصري مُلاشيا ملامحك ويرسم بدلا عنها بالوان زاهية ملامح الوهته، ما فتأت تخدش قلب البصر. انك أسد يزأر، صوته يهز كيانات اثخنتها جراح الاغتراب، لكن نار التنين تحرق وتُلاشي. يا ملك السموات، أنا جيش كامل، قسمه التنين الى ارتال. وبات كل رتل يحارب في جبهة الاستقلال. فكيف يمكن أن تزاوج الارواح المترامية في كيان واحد. بل كيف تبلج النهار في قلب الليل الحالك، وتعلن اتحادا بلا انفصال. أنا ضعيف، وسابقى حتى بزوغ شمس الاصيل، شمسك الخافتة الضوء ، الصامتة الحضور، العظيمة الحرارة، لا تدفأ الجسد بل الذات، وتخزن دفأها في ذاكرة صامتة ... ولكن اين صوتك يا ملك السموات، لماذا انا الوحيد الذي يتكلم .أسمعني صوتك يا رب .. يا رب .. أين أنت !!".

أيتها الوحدة فارقيني، فانك منصة يتمسرح عليها سيد الاقدار، هروبي مواجهة، بقائي فرار ، فهل من قرار ؟ مللت اللحن الحزين، حين تتناغم حشرجة الفراغ مع صوت الكرب، صوت الحروب مع صوت السلام الممسوخ، والفى نباح التاريخ اهزوجة تعظم انجراحاته، وتمجد محاسن مزيفيه.. أين أنت ايها الفرح، أرني وجهك، لم تحملك سوى كلمات ينطق بها حكماء جِهال، كلمات تسبح في الاوحال، بلا واقع، بل على رمال.. كلها لحظات منفردة تصدر نغماً متوحدا، كانغام الكمان حين يبكي في عزلة باكية:" أين أنت يا رب ، أين أنت" !!

     قد قيل : " حين تحب لا تقل:"  ان الله في قلبي"، بل قل :" أنا في قلب الله". ولكن يا معشر الحكماء، انكم تنطقون بما تجهلون، هل يسمح التنين أن تعبدوا الها آخر سواه، هل يسمح بشريك يعتلي عرشه، ويسرق مقتنياته بمرأى منه. انكم صنّاع كلام، تتراوحون من رحم الى رحم، تبحثون عمن يغذيكم، ويكسيكم.  انكم تلعنون يوم ولادتكم وتتشبثون بالحياة في الوقت نفسه، لا تعرفون معنى الشبع قط. تبغون عبادة الله، وانتم تسجدون للتنين في غلسة الليل، تقدمون له قرابينا باهضة الثمن  . سمعتم أنه قد قيل:" اذا اردت أن تصلي، ادخل غرفتك واغلق الباب وابوك السماوي هو الذي يراك". نعم، نغلق الباب، ولكننا نبحث عن اله  في الفراغ يحتضن اللحظة، يستر العيوب، يُلبس الوجوه البراقة، يُنشي الذات بخمر المحاسن. أهكذا نحن البشر  : ؟

•   نمجد البطولة ونوهم البطل انه فرادة العصر والزمان، وانه سيد الاكوان، حتى يختنق بكبرياءه ويموت بنرجسيته، وفي النهاية نكتب على قبره ( هنا يرقد انسان عظيم، قدّس أفكار  مجتمع اعظم).    
•   نبني في سنين ونهدم في لحظات.
•   نبرر عيوب من نهوى، وندين محاسن من لا نهوى.
•   نبجل من لا يكترث لنا، ونتجاهل من يحرق نفسه لينير دربنا.
•   نقدس الحلول الجاهزة والكليشهات، ونُسكِت كل محاولة للخروج من المألوف.
•   نتظاهر بالتواضع، وفي الداخل نقصي الايام  التي لم تُجلِ اسماءنا كعظماء قد غيروا عجلة الزمن.
•   نعشق المفاهيم ونحترفها لنُسكت أفواه الواقع المتساْءلة.



        يا ترى من هو هذا التنين ؟ انه الأنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا.

     
       أخوتي القراء، تأملوا موقف هذا المسكين الذي  لم يفهم صمت الله الى الحد الذي بلغ فيه الصراع أشده بين اله الذات واله الحب المصلوب. 
          ماذا ستجيبون لو سألكم هذا الشخص  : لماذا يصمت الله ولا يجيبني ؟ 



غير متصل افيان

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 4061
  • الجنس: أنثى
  • ما احبى مساكنك يارب
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: تنين العزلة
« رد #1 في: 18:51 02/11/2007 »
موضوع حلو ومعبر  باركك الله

غير متصل fadi.konda

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1288
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: تنين العزلة
« رد #2 في: 19:37 02/11/2007 »
عزيزي الراهب الكريم سعدت جداً قراءة كلماتك التساؤلية
التي تراود كل أنسان وهو في عزلته مع نفسه .....

   أهديك هذه الكلمات ...
نعيبُ على الزمان
والعيب  مغروس فينا
نضحكُ على من يفعل الخير
والشر يسبق  خطاوينا
أينما  نذهب ونرتحل
الشر مزروع  بيننا
لانفهم  حتى انفسنا
ولاحتى في المحبة من يجارينا
نعشقُ كل ماهو سئ
ونحبُ كل من ينسى معاصينا
نفرحُ بآهات  غيرنا
ونُبكي  من يزرع  الفرح لنا
تعيسةً أصبحت  أيامنا
وطويلةً كلها  ليالينا
ما نزرعهُ اليوم
غداً تحصدهُ أيدينا

  مع الشكر لموضوعك  الراقي
    تحياتي  الاخوية
   ضياء يوسف

غير متصل مهند البشي

  • عضو مميز متقدم
  • *******
  • مشاركة: 5832
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: تنين العزلة
« رد #3 في: 20:13 02/11/2007 »
•   نبني في سنين ونهدم في لحظات.
•   نبرر عيوب من نهوى، وندين محاسن من لا نهوى.
•   نبجل من لا يكترث لنا، ونتجاهل من يحرق نفسه لينير دربنا.
•   نقدس الحلول الجاهزة والكليشهات، ونُسكِت كل محاولة للخروج من المألوف.
•   نتظاهر بالتواضع، وفي الداخل نقصي الايام  التي لم تُجلِ اسماءنا كعظماء قد غيروا عجلة الزمن.
•   نعشق المفاهيم ونحترفها لنُسكت أفواه الواقع المتساْءلة
-----------------------------------------------------------

موضوع رائع جدا ---- اخرجت مافي جوف الانسان من تناقض في السلوكية الحياتية ---- وهذه هي الحقيقة ودائما نلتمس التغير ونجده صعبا ولكن حين نصر عليه نجده بأيماننا .

الرب معك

غير متصل صميم

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 226
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: تنين العزلة
« رد #4 في: 09:13 03/11/2007 »
الاخت العزيزة افيان

    أشكرك على مرورك الجميل طالبا من الله ان يجعل منك اداة لاظهار حضوره الخفي.

                               
                                        أخوك بالرب
                         الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس

غير متصل صميم

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 226
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: تنين العزلة
« رد #5 في: 09:19 03/11/2007 »
الاخ العزيز ضياء

    تغمرنا الحياة بواقع صاخب، وتمدنا خلاله بكل الافكار  الجياشة الشبابية التي تدفعنا الى تحسس دينامية الحياة. ولكن في ذات الوقت  هناك لحظات صامتة لا تهوى الكلمات أن تشغل حيزها لانها مقدسة بصمت الكون. لربما نجد هناك عزاءً أو دماراً، أما الجوهري أن نحاور الذات حتى لو كان الحوار خارج اسوار انسانيتنا.

     شكراً ضياء على ردك البليغ، واللاليء التي نثرتها، متأملا ان نعمل سوية في سبيل قداسة خفية ..

 
                                                             أخوك بالرب
                                            الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس

غير متصل صميم

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 226
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: تنين العزلة
« رد #6 في: 09:30 03/11/2007 »
الاخ العزيز مهند

    أشكر تعليقك الخلاق، فالروح يصرخ في الداخل ويسطِّر كل ما تحققه الذات من نجاح في سبر الاغوار. والسلوكية الانسانية ليست سوى تأمل الذات في نفسها والاخر.  إذ يجعل الانسان من موجودات عمقه وسطحه مرآة تعكس صورة مبهمة عن صيرورته. فهو مجهول حتى على ذاته. ولهذا يتراوح بين سقوط وقيام، الم وهناء، حزن وفرح، سواد وبياض. وفي النهاية يمسي هذا الشد بين متناقضاته الوجودية سحراً يضفي على شخصيته ألقاً ومجهولية ...


      باركك الرب واغدق عليك نعمه الروحية كي تكشف كنوز المعنى  ...


                                                              أخوك بالرب
                                                 الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس

غير متصل غاده البندك

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2206
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: تنين العزلة
« رد #7 في: 10:21 03/11/2007 »
اخي العزيز الراهب الموقر صميم

اعتقد انك لست صميم فحسب بل ايضا..تصميم!

هذي قراءتي الرابعة لكلماتك و ردي الثاني بعد ردي الاول في زاوية الخواطر قبل مدة من الزمن، و لكني اود ان اخبرك سرا جميلا..كلماتك تقوي عزيمتي!

هناك الكثير الكثير من الكلام حول روح نصك الصادقة و جبروت حرفك الممعن في النور لكني لا استطيع ان افرغه مرة واحدة لذااا فاني استاذنك ان تسمح لي بالرد كلما تنامت فكرة جديدة من زرعك الطيب هنا..

شكرا لك على التواجد هنا ..

لتكن معك قوة الله دائما..

غاده

غير متصل صميم

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 226
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: تنين العزلة
« رد #8 في: 22:35 04/11/2007 »
الى الاخت العزيزة غادة،


      ردك يترجم صفاء روحك في تواضع عن غنى، وتقديس للمعنى، واغناء لفحوى الكلمات. لقد دعاني الرب كي أعمل في كرمه، مجاهدا بكل ما أوتيت من قوة كي أكشف جمال حضوره وشفافيته، فأنا مندهش حد الصمت والجنون  أمام اللامتناهي. انه ينبض في قلبي حباً، فكيف لا افرح بهذا الحضور ! جعلني أبصر النور في قلب الظلمة بل أبصر الظلمة الصوفية في نور عالم اليوم. أمسكت بالمحراث ولن انظر الى الخلف لانه يمشي قدامي. 


      أشكرك غادة على كلماتك الخلاقة واحساسك الجميل وصدقك الرائع، متمنياً أن تتحفينا دائما بأفكارك واهتماماتك... وملاحظاتك.

 
                                                                 أخوك بالرب
                                                 الراهب صميم باليوس للفادي الأقدس