المحرر موضوع: حضارة القيل والقال  (زيارة 658 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1028
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حضارة القيل والقال
« في: 15:15 26/12/2007 »
حضارة القيل والقال
عدي عاشا
لم نسمع أن قامت حضارة بهذا الإسم في التاريخ واقعياً، فمن المؤكد أنَّ هناك حضارات قديمة جدّاً وحضارات حديثة قامت عبر التاريخ البشري من مختلف شعوب العالم فيها الخير وفيها الشر، فيها الجيّد والسيّئ فيها الإيجابي والسلبي، فيها تناقضات وأخطاء شعوبها وبالإضافة إلى ذلك فيها التقاليد والأعراف والمفاهيم الثقافية والإجتماعية التي تختلف بإختلاف المحيط البيئي، وأهم من هذا إختلاف (اللغة) فالأخيرة هي المحرك لكل حضارة تقريباً، في التعامل مع الحضارات الأخرى لنقل أفكارها ومفاهيمها ورسالاتها، ولأنّها (اللغة) تساعد على فتح آفاق وعلاقات جديدة بين الحضارات وهذا ما نلمسه ولمسناه من (حوار الحضارات). واللغة هي (الماعون) الذي ينقل الكلام البشري بإختلافاته وإيجابياته وسلبياته، ومن هنا نستطيع القول: أن اللغة جامدة والكلام متحرّك حي، ولا يعني هذا أن اللغة غير مهمّة بحد ذاتها، لكنّها الواسطة مثل المصدر الذي ينقل الصوت من وإلى مكان معيّن لأنّنا كما نعلم أنَّ هناك لغات عديدة في العالم تختلف الواحدة عن الأخرى في المعاني والحركات والإشارات... وتحتاج هذه اللغات جمعاء إلى كلام عقلاني مبني على أرضية قوية وعلى الحب والمغفرة والتسامح. هناك لغات عالمية مشهورة منتشرة في جميع أنحاء العالم لكن لا كلام فيها، في إعتقادي هكذا لغة مصيرها الإنقراض وهناك لغة فقيرة عارية متألمة لكن مليئة بالكلام. (القيل والقال) مصطلح معروف عند جميع الناس، وهو شائع في مجتمعاتنا ويطبّق سياسياً، وإجتماعياً، وفي داخل الأسر الغنيّة والفقيرة على السواء، وله سلبيات عديدة ومعظمها قاتلة للعلاقات الإنسانية، إن كانت بين أسرة وأسرة، صديق وصديق، أخ مع أخيه، زوج مع زوجته، دولة مع دولة... إلخ. فالقيل والقال أعراض منها: الكذب، والغش، الحيل، الإزدواجية والتناقض في الكلام، الأوهام، التضخّم والمبالغة الكلامية وخلق قصص وهمية في تصوير الموضوع إلى حد الجنون والإفراط في الكذب. لقد قامت دراسات حول هكذا مواضيع مثلاً: أحد من المدرسين نطق بجملة لطلابه البالغ عددهم الأربعون طالباً، قال الجملة للأول والأوّل قالها للثاني وهكذا.. وأخيراً سأل المدرّس الطالب رقم (40) ما هي نظرتك للجملة أو للموضوع؟ فسمع المدرّس متعجّباً ممّا قاله الطالب، رأى أنَّ موضوع الجملة مختلف تماماً عمّا قاله المدرّس، معنى هذا أنَّ الجملة وصلت مضخّمة بالمعاني، الأوّل أضاف على الجملة من تصوّره شيئاً والثاني والثالث وهكذا دواليك...
 إذاً... هذا مثال بسيط لما يحصل في عالمنا اليوم، (القيل والقال) عمّا يقول شخص جملة أو كلمة ما أو لديه موضوع يشتكي منه ويؤلمه لأحد من عائلته أو لأقربائه مثلاً لا تتعجبوا إذا سمعتم ما لا تحمد عقباه من الأطراف الأخرى، ستتفاجأوا ممّا سيحكى لكم في اليوم الثاني أو الثالث أو بعد إسبوع أو إسبوعين، كلّه تأليف وقصص من عقول أصحابها، وإضافات لا مبرّر لها فقط لخلق المشاكل والأكاذيب الملفقة. هؤلاء الأشخاص مرضى جدّاً والمشكلة هي فينا، الفرد لا يدرك أنّ في العلاقات ليس فقط الكلام هو المهم، بل المعنى الذي يغطي الكلام، فما وراء الكلام معاني أخرى خفيّة، ونحن نعرف أنَّ الكلام نسبي.. ما يقال في مناسبة ما ممكن أن يقال في مناسبة أخرى، وما يحكى من موضوع ما في حالة معينة وفي ظرف معين أو جو مختلف يختلف إختلافاً كبيراً عندما يحكى في جو آخر، أي ليس من الضروري أن نتكلّم بموضوع لأحد إذا كانت حالته النفسية متعكّرة أو مزاجه متقلقل، فلننتظر فرصة أخرى أفضل لنا وله، المشكلة هو أنَّ الفرد يتكلّم متى شاء وكيفما شاء. والكلام المنقول يختلف عن ما سنسمعه من الطرف الآخر المنقل إليه. العالم اليوم في فوضى عارمة.. لا نعلم ما يخبئه لنا الآتي ولا وقت لدينا لإضاعة وقتنا في مثل هكذا مواضيع لا تخدم البلد بشيء أبداً سوى إلى الهلاك والدماء والخراب لعوائلنا ولمجتمعاتنا. (الكذب والغش والخداع والحيل والتصنّع) ناتجة كلّها عن القيل والقال وكلّها تبريرات تتطاير فوق رؤوسنا لتقطع صلة الرحم والقرابة. والطامة الكبرى هنا هي ولادة (الإشاعة) والأخيرة هي مرض العصر الآن، فهي تميت اللغة والكلام معاً وتنقل الحقائق ملبّسة بالمعاني المزوّرة وتشوّه الحقيقة ولا تقبل بها، وتخلق الإندهاش الكاذب والعلاقات العمياء. نفسية الشخص مريضة بحاجة إلى علاج.. والتربية تؤثر هنا أيضاً في خلق جو مضطرب. فالقيل والقال يمكن إعتباره مرضاً نفسياً له أعراض ومسبّبات عديدة لا يسمح المجال الآن للدخول في متاهاتها، كلّها تؤدي إلى التفنّن في الفتن والتفرقة وتحلية الكلام وإبعاد الصورة البريئة الجميلة للشخص. لنفتح أعيننا على واقعنا اليوم وندرس ما يحتاجه منّا بلدنا فهو يستغيث ويتنهّد، لنقوى على تغيير مسار حياتنا إلى الأفضل (وهذا ما نسميه الإهتداء) صدّقوني لن يدوّن أحد أبداً، فكلّنا من التراب وإلى التراب سنعود، وسوف لن نأخذ معنا شيئاً أبداً سوى السيرة الحسنة والذكرى الصالحة. لماذا نحرم أنفسنا من العيش مثل الآدميين؟، بصورة تليق بأن نكون فعلاً بشراً واعين، منفتحين على كل ما هو جديد مثل الطفل مندهشين بما خلقه الله فينا لصنع وإختراع المستحيل. يا ليتنا نفتح صدورنا الآن ونتأمّل في سراديب حياتنا بعين صافية ونسأل ذواتنا لماذا الكذب..؟! لماذا نمارس القيل والقال ونجلب العار والذل لأنفسنا؟.... إذا كان الجواب لراحة ضمائرنا ولفش الخلق على الآخرين فأنتم على خطأ بليغ، القيل والقال لا يجلب معه سوى المهانة والموت البطيء فهناك البكاء وصرير الأسنان.