المحرر موضوع: على هامش الرسالة الراعوية الاساقفية  (زيارة 624 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوركيس مردو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 563
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
على هامش الرسالة الراعوية الاساقفية

بتاريخ الحادي عشر مِن شهر كانون الأول 2007 ومِن خلال صفحات موقع عنكاوا الألكتروني ، قرأتُ بإمعان الرسالة الراعوية التي أصدرها رُعاة الأبرشيات الكلدانية الشمالية الأربع ، إنها رسالة جميلة بعباراتِها ، عميقة بمغزاها ، شاملة بتوجيهِها ، مُصيبة في توقيتها ، باعثة للرجاء الذي إستوحته مِن رسالة السماء يوم مولد الطفل يسوع ! إنها إلتفاتة مشكورة ، تذكَّرَ عِبرَها الرعاة رعاياهم مِن أبناء كنيستهم الكلدانية الكاثوليكية الوريثة الشرعية الوحيدة للكنيسة الأساس ( كنيسة المشرق العملاقة ) التي ضاهت كنيسة الغرب العظمى الجامعة بقوتها ونشاطها ، إذ بالرغم مِن كُلِّ الأزمات والمِحَن التي تعرَّضت لها خلال تاريخها الطويل لم تتوانَ عن تغذية أبنائها بالإيمان الحق وتعميق ثقتهم بالله واعتدادهم بانفسهم وقدراتهم الفذة ،  كما لم تتقاعس عن مُحاولات لَمِّ شمل أبنائها العاقين المُتمسكين بتسميتين مذهبيتين هما :  ( المونوفيزية والنسطورية ) اللتان لا تختلفان عن المذهب الكاثوليكي الحق إلا مِن حيث المُصطلح اللفظي وليس الإيماني ،  ولكن تشبُّثَهم بهما هو لتكريس انفصالهم عن الكنيسة الجامعة والسعي الى الأمجاد الدنيوية بحرية اوحادية .

أجل ، أيها الآباء الأجلاء ، إن للزمن الرديء الذي يمر به وطن كنيستنا دورٌ رئيسٌ في تململها روحياً ومؤسساتياً ، وكما قلتم فإن رسالتها اليوم هي أعظم مِن أيِّ وقتٍ مضى ومسؤوليتها أجسم في قيادة سفينة أبنائها وسط  بحر الأزمات الثائر ، ولكن كيف يتسنّى لها التسلح بسلاح الثقة والحزم إذا كانت عناصر قوتها " الأخوة والتواضع والتفاني " شبه معدومة بين قادتها ، كيف تُريدونها كنيسة قوية ، موحدة ، متجددة وجريئة في تفعيل رسالتِها الشاملة وأنتم في موقع المراقبة مِنها لا المُساهمة ؟ لماذا لا تُكشفوا علانية أمامها عن ضعاف النفوس الذين وصفتموهم بـ  ( المتملقين والمتقلبين والإنتهازيين ) الذين يحولون دون تقدم الكنيسة ؟ ليست كتابة الإقتراحات وتقديمها الى غبطة البطريرك بكافية بل المُجاهرة بها عن كثب هي المطلوبة والفعالة ، لأن لغبطة البطريرك عدداً من الآباء المستشارين لا يستطيع إغفالَ دورهم .

ولنأتي الى اقتراحاتكم المُلخصة بالنقاط الست التالية :
1 - دراسة وضع المسيحيين الحالي في العراق مع بقية الطوائف واتخاذ موقفٍ واضح وجريء من خلال توحيد الخطاب والعمل . القيام بدراسة شاملة لوقف نزيف هجرة المسيحيين ووضع خطة راعوية للإهتمام بالنازحين في الداخل والخارج ، ورعايتهم رعاية روحية ومادية وعدم تركهم فرائس سائغة أمام التيارات الفكرية والدينية التي تعصف بهم .

أعتقد ان ما صدر عن اجتماع رؤساء الكنائس المسيحية في بغداد هو جواب واف للنقطة أعلاه وإليكم نصه :


عقد رؤساء كنائس المسيحية في بغداد اجتماعا خاصا، الساعة التاسعة والنصف من اليوم الثلاثاء 18-12-2007، بدعوة من الأمانة العامة لمجلس رؤساء الكنائس المسيحية بغداد، وذلك للبحث في جدول الأعمال المعد من قبل هذه الأمانة وفق اقتراحات رؤساء الكنائس المسيحية في العراق.

كان عدد الحاضرين أربعة عشرة اجتمعوا برئاسة غبطة أبينا البطريرك، الكاردينال، مار عمانوئيل الثالث دلّي، كلّي الطوبى، وقد بوشر اللقاء بالصلاة الربيّة، ثم بدأ المجتمعون بعرض القضايا المقدمة في جدول أعمال الاجتماع، وفي مقدمتها وضع المسيحيين في العراق والأخطار المحدقة بهم مع إخوتهم من باقي أطياف المجتمع العراقي الواحد.

كما ناقش الآباء المجتمعون قضية الهجرة ومشاكلها وطرحوا سبل الاهتمام بالمهجّرين، مع التأكيد على أن موقف الكنيسة الرسمي يتمثل في البحث عن الطرق والوسائل الكفيلة بمساعدة المؤمنين لئلا يتركوا بلدهم الساكنين فيه منذ آلاف السنوات، لأن لهم رسالة تسلّموها من الرب يسوع بأن يكونوا مثالا صالحا للآخرين وأن يكونوا نورا وملحا في العالم أينما كانوا.

درس الآباء المجتمعون، أيضا، قضية الحفاظ على ممتلكات الكنائس والمؤمنين، والمهجّرين منهم بوجه خاص. كما ناقشوا قضية "سهل نينوى" من أوجهه المتعددة، واتفق الجميع على أن هذا الأمر ليس من صالح مسيحيي العراق، لأنه من الطبيعي أن يسكن المسيحيون العراقيون في أيه منطقة من بلدهم العراق يرونها مناسبة لهم إلى جانب إخوتهم من باقي أطياف العائلة العراقية الواحدة.

وفيما يخص قضية الدستور العراقي، أكد المجتمعون على حقوق القاصرين والحرية الدينية، فقد تدارسها الآباء، وسيتدارسونها بصورة مستفيضة ويرفعونها إلى المسؤولين في الوقت المناسب. وقد ناقش المجتمعون قضية أخرى، وهي قضية التعليم المسيحي في المدارس الحكومية، لأن أطفالنا ما يزالون مغبونين في مدارس كثيرة لم توفر لهم تعليم مسيحي فيها.

قضية أخرى تدارسها المجتمعون، وهي قضية الجمعيات الوافدة والتي تتخذ لها اسم كنائس ستارا لها لتقتنص شبابنا وأطفالنا وعوائلنا بطرق غير نزيهة ينتج عنها مردود سلبي في أوساط إخوتنا المسلمين أيضا. فهذه الجمعيات تدّعي بأنها تبشّر بالإيمان الصحيح، متناسية بأن المسيحية بدأت في هذه البلاد التي سقي ترابها بدماء شهدائها وتعلمت الإيمان القويم من الرسل الأوائل. لا بل أن هذه الجمعيات بدأت تعمّذ من استطاعت أن تغشّه من مؤمنينا، مما يدل على عدم اعترافهم بإيمان الكنائس الرسولية وصحة سر العماذ الذي تمنحه. وقد قدّم الآباء المجتمعون مقترحات عدّة بهذا الخصوص سيدرسونها في اجتماعاتهم المقبلة.

وفيما يخص رص الصف المسيحي، اتفق المجتمعون على ضرورة التقارب والتعاون بين الأحزاب المسيحية، وتمنى الجميع التأسيس العاجل لمجلس يشمل كافة رؤساء الكنائس المسيحية في العراق أجمع، لأن في الوحدة تكمن القوة.

وفي ختام الاجتماع، تبادل رؤساء الكنائس التهاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة، متمنين لبعضهم البعض، ولكل العراقيين، ولإخوتنا المسلمين على وجه الخصوص بمناسبة عيد الأضحى المبارك، أعيادا مفرحة ملؤها السلام والأمن والاستقرار.

النقاط الخمس الاخري لا يُمكن حلُّها إلا عن طريق عقد مجمع ( سينودس كلداني عام ) ويأمل أبناء الكنيسة الكلدانية المقدسة أن يُتفق على عقد مثل هذا السينودس بإجماع كافة آباء الكنيسة  .

أما عن تمنيكم عودة الحوار مع مَن دعوتموها بالاسم الذي لا يليق بها إطلاقاً ( كنيسة المشرق ) إنها كنيسة نسطورية بكُلِّ ما تعني الكلمة . كنيسة المشرق كانت جزءاً مُكملاً للكنيسة الجامعة حتى القرن الخامس ، حيث انقسمت الى شطرين متنكرين لمذهبهما الأصلي ( مذهب الكنيسة الجامعة ) . وتبنّى الشطر الأكبر المذهب النسطوري ودُعيت كنيستُه  بـ ( الكنيسة الكلدانية النسطورية ) حتى الصحوة القومية والمذهبية التي ظهرت في منتصف القرن السادس عشر ،  عندما إهتدى الأماجدُ مِن أبناء الكنيسة النسطورية الى مذهب آبائهم وأجدادهم الأصلي ( مذهب الكنيسة الجامعة / الكاثوليكي ) ولقبوا كنيستهم باسمهم القومي الكلداني ،  وبقيت الأقلية المُتزمتة منهم متشبثة بالمذهب النسطوري الى اليوم رغم محاولاتهم في الزمن المتأخر الى تغيير اسم كنيستهم الى ( الكنيسة الآثورية القديمة ) و( الكنيسة ألاثورية النسطورية) وأخيراً إبتزوا اسم المشرق وأضافوه لكنيستهم التي إنشطرت الى قسمين في الستينات مِن القرن العشرين،احدهما يتبنى التقويم القديم الخاطيء والثاني تحوَّل الى التقويم الحديث الصحيح . وفي عام 2007 ظهرت داخل الكنيسة النسطورية / التقويم الحديث حركة تصحيحية بقيادة الاسقف مار باواي سورو العالم واللاهوتي القدير ، حيث أراد انتشال كنيسته مِن الضلال والتأخر المتقوقعة في بودقتهما ، فثار عليه بطريركُها وأساقفته الذين بمجموعهم لا يمتلكون ربع ما يمتلكه مار باواي مِن عِلم وتقوى ، وقبل ما يقارب الإسبوعين أصدر أحد هؤلاء الأساقفة المتزمتين يُدعى ميليس يُقيم في اوستراليا فتوى أولية مِن خلال عِظته يحظر فيها على جميع أتباع كنيسته النسطورية برئاسة البطريرك مار دنخا الرابع ويدعوهم الى مقاطعة مار باواي وأنصاره وعدم التعامل معهم ، الإمتناع عن مُشاركتهم في مناسباتهم ، مقاطعة أطبائهم ، نبذ الشراء مِن محلاتهم ، وتهديد المُغنين في حفلاتهم بالتعرُّض للمقاطعة . تُرى ، هل هنالك حِقد  أكثر عمىً مِن هذا الحقد الذي أفصح عنه اسقفٌ ضِدَّ نظيره وأتباعه ؟ والأنكى مِن ذلك أنَّ الاسقف ميليس يعترف مُسبقاً بأنَّه سيتعرَّض لإنتقاد الكثيرين ، إلا أنَّه شدَّدَ وبصريح العبارة على عدم مبالاته بذلك وباللغة الإنكليزية ( I dont care ) وللتأكُّد مِن ذلك يُرجى قراءة مقال السيد مؤيد هيلو بعنوان ( المطران ميليس زيا . . . . أم الشيخ القرضاوي ) المنشور في موقع عنكاوا في المنبر الحر مع الرابط للإستماع الى كلام الاسقف المذكور . إذا كان تعاملُ قادة الكنيسة النسطورية مع أفضل نظير وأخ لهم ( عِلماً وفكراً وفلسفة ولاهوتاً ) بهذه القسوة والفظاظة ، وقد لا يكتفون بهذا القدر إذ ليس مِن المُستبعد إطلاقاً أن يقوموا بإطلاق فتوى ثانية يهدرون فيها دَمَه  ، كيف سيكون تعاملهم مع الآخرين ؟

بعد أن جاهدت الكنيسة الكلدانية في سبيل الوحدة بنيةٍ صافية وعزيمةٍ راسخة ولا سيما في التسعينات مِن القرن العشرين ، تفاجأت بطروحات الطرف الآخر التعجيزية والغير منطقية ، وأسوأ تلك المطالب فسخ الإتحاد الإيماني المعقود بين الكنيسة الكلدانية والكنيسة الجامعة ( كنيسة روما ) والعودة الى النسطرة .  تُرى ما الذي تغيَّر أو إستجدَّ لدى هذا الطرف الموغل في التزمُّت والإنغلاق حتى يُطالب أساقفتنا الكرام بفتح الحوار معه وهم ربما يعلمون قبل غيرهم بفشل الحوار قبل بدايته !  ثمَّ يا سادتي الأفاضل أليس تناقض بين مطالبتكم بالحوار مِن أجل الوحدة وبين قولكم " نحن كنائس ولنا خصوصياتنا وهويتنا ، هذا واقع يجب الإعتراف به وقبوله واحترامه " إذا لماذا السعي الى شيءٍ مُستحيل تحقيقه ؟ لماذا لا نسعى الى ترسيخ دعائم بيتنا قبل أن نُقدم الى ترميم بيوت الآخرين ويا ليت في ذلك جدوى ! كيف تستطيع كنيسة رئاستها مغلولة اليدين مِن قبل أتباعها العلمانيين بل( أسيادها ) أن تتحاور بحرية مع الآخرين ؟إنها مُقيَّدة لا تسطيع إتخاذ قراراتٍ حاسمة حتى الدينية مِنها والطقسية إلا وفق هوى عِلمانييها  فكيف تريدون الحوارَ مع كنيسة بهذا الوضع . إنها مؤسسة مُجهرية مُسيَّرة لا مُخيَّرة ، لقد ألهم الله أحد الرُّعاة فيها ، وجده مليئاً بملح روحي نقي ، ودعاه ليقوم بتطييب طعام إخوتِه الرعاة الآخرين الفاهي ، إلا أنهم رفضوا وقالوا بأن الطعام الفاهي أصلح لهم ! ولم يقتصر جوابُهم على الرفض فحسب بل صبّوا جام غضبهم عليه وأجمعوا على إبعاده عن مجلسهم ، مُتهمينه بشتى التُهم المُلفقة .

تقولون في رسالتكم  "بأن الكنيسة الكلدانية هي المتقدمة عدداً وإمكانيات ، وعليها أن تعمل مِن أجل المسيحيين ضمن حوار موضوعي نزيه وفعل جاد وصادق"  وهذا هو الواقع بعينه وقد قامت بواجبها  تُجاهه وإن أنكره عليها الآخرون ولا زالوا . أليس هذا إنكار صريح مِنكم للجهود التي بذلتها هذه الكنيسة التي أنتم جزء مُهم مِنها ، بالإضافة الى إتهامكم إياها بعدم النزاهة والجدية في الحوار الموضوعي ؟
بعد أن فشلت كُلُّ المُحاولات التي أبدتها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بكل لين وشفافية مِن أجل الوحدة الحقيقية الصادقة اعتماداً الى الواقع الموضوعي الراهن ، وإذ لم ترَ مِن المقابل إلا الصدود والإصرار على رأيه الخاطيء وغير البنّاء ، دَعت الى العمل المُوحَّد في إطار المحبة المُتبادلة مع الإحتفاظ  كُلُّ واحدٍ بخصوصياته ، حيث رأت فيه الحل الأمثل للمُحافظة على وجودنا ومُستقبلنا المسيحي في العراق . أرجو أن لا يظنَّ أحدٌ بأني ضِدَّ قيام الوحدة ، بل إنني مِن أشد التائقين الى الوحدة الحقيقية وفق ما يفرضه واقعُنا الموضوعي  وليس كما يُريده فريق ضئيل مِن أبناء شعبنا الموغل في عنصريتِه الرامية الى احتواء الآخرين وهو خال من أدنى ما يؤَهله لذلك .

أرجو للآباء الأفاضل كُلَّ التوفيق في عملهم الرعوي ، وتمتين عُرى كنيستهم الكلدانية الكاثوليكية المقدسة ، متقدماً مِنهم بالتهنئة بعيد الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة ، وأن يعذروني إذا رأوا في ردي هذا الذي تعمَّدت التأخر في كتابته  ما لا يتفق ورأيهم ، فالإختلاف في الرأي لا يُفقد المودة !

الشماس كوركيس مردو
26 / 12 / 2007