الحوار والراي الحر > المنبر الحر

قصة نفق سجن الحلة المركزي - الحلقة السادسة

(1/1)

Naeem Alzuheyri:
القيـــــــــــد  و أناشيــد  البطولـــــة                                     
قصة نفق سجن الحلة المركزي
نعيم الزهيري
 
الفصـل الثـا لــث
ا لغـر فـة رقـم ـ 6 ـ مـركـزا للـعـمـلـيـا ت
نحن في أوائل 1967، اواسط فصل الربيع حيث لم تستطع اسوار السجن العالية من حجب عطر طلع النخيل الزاهي والمتبختر بعثوقه الريانة الجديدة... كان التوت اول الغيث للفاكهة وسيتبعه المشمش ثم العنب والتين والرطب بالتتابع مع شدة الحر، ستزهو الطبيعة بثمارها وخضرها التي يتيه بها الكادح.. لايزال الجو بين الحزن من بقايا الغيوم والمطر، وبين الصحو وقرص اشعة الشمس للخدود فتحمر خجلا ونهرب الى الغرف او نحتمي بالظل... لقد ابدل السجانون ملابس الشتاء بأخرى صيفية أقل قتامة في اللون وارق نسيجا، وأبدلت ادارة السجن ملابسنا المصنوعة من نسيج الصوف والشعر باخرى تلائم فصل الصيف، مصنوعة من غزول القطن البيضاء المائل للصفرة، قميص غير مفتوح وسروال طويل، لكننا لم نكن نستعملها الا في اوقات مراجعة الادارة او الذهاب خارج السجن لاي غرض كان، اما ممثلو السجناء فقد الفناهم، فقط في هذه الملابس وصار لباسهم الاخر غريب غير مألوف لنا.

في الغرفة رقم ـ 6 ـ التي يسكنها الشيخ مع آخرين طرحت فكرة النفق على الرفاق الذين تم اختيارهم ،بعد أن تمت مفاتحتهم على انفراد اولا، وقد تقبلوا الفكرة وتعهدوا بتنفيذ المهمة دون تردد، نوقشت الفكرة في الاجتماع فتعهد سعيد بالقيام بتوفير ما يلزم توفيره من ادارة السجن على اعتباره مساعد الممثل ومسؤول لجنة استلام ارزاق السجناء من المتعهد. كان سعيـد يرابط في الدائرة من بدء الدوام الرسمي حتى انتهاءَه وله علاقات طيبة مع ادارة السجن والسجانين. لقد تمكن سـعيـد بسبب خبرته الطويلة في هذا المجال كيف يحاور المسؤولين وينتزع منهم المكاسب لزملائه، فهو يطبق توجيهات المنظمة بمرونة عالية وببصيرة وأنـاة .
سعيـد كان احـد القادة النقابيين الشباب العاملين في شركة الزيوت النباتية في بغداد وقد حاز على ثقة العمال في الانتخابات، اعتقل سعيد في عام 1961 بسبب نشاطه النقابي مـع زميله حميـد تومكَا واودعا معتقل باب المعظم في قلعتها الخامسة، هناك التقيتهما لاول مرة... وفي انقلاب شباط الاسود 1963 كان حبل المشنقة قريبا من رقبة سعيد ورفيقه حميد، لكن الحكم قد صدر عليهمـا بالسجن عشرين عامـا بالاشغال الشاقة وارسلا الى سجن نقرة السلمان الصحراوي، والتقيتهمـا هناك ايضا، ومن ثم نقلنا معا الى سجن الحلة فاختارته لجنة تنظيم السجناء الحزبية لهذه المهمة، وقد عرفتنا سجون اخرى " سعيد وانا " كذلك، مثل سجن ا لرمادي وسجن الموصل.....
طرح الشيخ وحافظ وبتوضيحات من سعيـد مخطط النفـق وتمت دراسة الامر بدقة كبيرة من الجوانب الفنية منها الطول اخذين بنظر الاعتبار التعرجات والزوايا تحاشيا لانهدام السطح والتي تزيد من طوله وكذلك العرض والارتفاع والعمق تحت الارض حيث يجب ان ينفذ من تحت جدار الغرفة وجدار السور الخارجي ثم ياخذ بالارتفاع التدريجي لينتهي بجانب السيارة المعطلة الراقدة قريبا من سور السجن... درست كيفية معالجة التراب، واحتمالات كشفة من قبل ادارة السجن، وغيرها من الامور قبل البدء بالحفر.
افرغت الغرفة الصغيرة من الادوية وسرير العلاج والمحتويات الاخرى ونقلت الى غرفة اخرى اوسع في القلعة القديمة بحجة ان المكان صغير وغير مناسب، واقفلت وهي فارغة تنتظر بصبر كبير مساهمتها في عرس التحرر من القيـــد... وذات ليلة استقبلت الغرفة الصغيرة ضيوفها بشئ من الترحاب والتردد، ففتحت قلبها الصغير على مصراعيه ليدخلوه آمنين! شكلوا نصف دائرة حول قطعة الحديد المربعة الصدئة ـ غطاء البالوعة. كنسوا حافاتها الملامسة للارض، وتناول الشيخ قضيب من الحديد وغرز حافته المسطحة تحت ظلع الغطاء قائلا:
ـ ماركس، انجلز، لينين...! وارتفعت حافة الحديدة وشكل سطحها زاوية حادة مع ارض الغرفة... الكل في ذهول وصمت وقلوب واجفة بانتظار ما سيحدث، لعله كنز مخفي سيتم العثور عليه، واي كنز اثمن من كنز الحرية؟ وانتشرت عفونة التراب القديم والهواء النتن الفاسد المحبوس منذ سنوات عديدة...
ـ هذا هو الطريق الى الحرية، الى الشعب، الى النضال.
ـ وهل طريق الحرية يمر عبر هذا النفق العفن...؟ يارفيق، ان له رائحة القبور..
ـ نعم لابد من ذلك، فليس لدينا خيار اخر، فأما الولوج واما الانتظار...
ـ دعوا المناقشة ولنبدأ العمل.
سيكون الحفر بهذا الاتجاه... النزول بشكل  مائل قليلا ومن ثم الحفر بشكل متعرج.
ـ والمقاييس...؟
ـ ستكون مناسبة بالطبع، السير بانحناء، وبهذا لايزيد الارتفاع عن متر واحد في اكثر الحالات. والعرض لاتزيد عن 75 سنتمتر، وحسب الظروف.
 
الارض هشة مطواعة تماما، حفنات التراب تنثال من الاعلى بسهولة ويسر، ومن الاسفل كأن التراب الرطب ممزوج بروث الحيوانات القديم جدا... العفونة لاتطاق انه البراز القديم والطين والاوساخ والصابون قد مزجا معا... ماهذه القاذورات ومتى سنتجاوزها، يالهي! هل سننجو من هذه المحنة أم سيصيبنا مرض لايعرف علاجه...؟
ـ قال فاضل يقال ان في الحرب العالمية الثانية استعملت الغازات السامة ولكن هذه الغازات والعفونة، ربما اكثر من تلك، على الارجح سنموت ونتفسخ هنا حتى العظم...؟
ـ اخفض صوتك يارفيق.
ـ لااقدر على المواصلة، لايعرف مثل هذه العفونة حتى عمال المجاري؟
ـ اذا اخرج وخذ نفسا من الهواء الطلق الى ان تهدأ رئتاك ثم عاود ثانية...
خرج فاضل وتناول حافظ السكين الكبيرة بدلا عنه وبدأ يحفر وصلاح يجمع التراب في علبة صفيح معّـدة لهذا الغرض. وينقل التراب الى صندوق كبير من الخشب وضع بملاصقة باب الغرفة رقم 7 . هكذا بدأ الرفاق الذين سيشقون الدرب الى الحزب في عمل شاق ملئ بالمخاطر والمفاجئات والمصاعب، العمل الذي تقـدّر نسبة نجاحه اقل بكثير من فشله ،  وفقا لظروف السجن ونوعية السجناء وادارة السجن والظروف السياسية وكذلك الرفاق الذين تعهدوا الحفر اذ لم تكن لديهم خبرة سابقة في ضبط النفس واللباقة وكيفية الضحك على ذقون الخصوم في اوقات الشدة، انها تجربتهم الاولى بل مغامرتهم الاولى.
 
فاضل ملازم اول في الجيش شاب وسيم يقترب من العقد الثالث من عمره متوسط القامة قوى البنية خمري اللون، بل أميّل للبياض منه للسمرة، كان هادئ الطبع قليل الاختلاط بالاخرين، يصرف كامل وقته في نحت الخشب والعزف على العود واجمل ماصنع فاضل في هذا المجال هي القيثارة السومرية الاثرية... حكمت عليه المحكمة العسكرية عشرين عاما في الاشغال الشاقة لمقاومته انقلاب شباط الاسود مع رفاقه الاخرين في معسكر سعد... لايبدو على فاضل اي اهتمام للعشرين سنة فتراه يبتسم دائما وقلما رأيته او سمعته يدخل في نقاش سياسي حاد مع الاخرين. ومن لباسه وفراشه والمواد التي تاتيه في الزيارات وعدد الزائرين له في موعد زيارا ت ذوي السجناء لابناءهم، يبدو انه من العوائل الميسورة من محافظة ديالة...
 
اما صلاح فهو صف ضابط في الجيش من اهالي الناصرية واخوه عقيل طالب في الثانوية وهما من بيئة فلاحيه، حكمت عليهما محكمة امن الدولة عشرين سنه لكل منهما.
لم تستمر الجولة الاولى من العمل سوى سويعات قليلة واقترب الفجر فارجعوا الغطاء ونفظوا التراب من ملابسهم، وتدلى من جديد القفل الصغير على الباب الازرق للغرفة المضيّفة كمدالية فضية على صدر لاعب حاز عليها في السباق... وفي صباح اليوم التالي توافد الحفارون على غرفة الشيخ وقد اختفى ذلك الانفعال والقلق وهدأت الضربات السريعة للقلوب واخلت مكانها للنكات والضحكات...
ـ قال مجيد؛ وهو اصغر الحفارين سنا: الرفيق ابو علي استهل الحفر بأسماء ماركس، انجلز، لينين وكأنه يضع حجر الاساس لبناء مصنع للالات الثقيلة... ضحك الجميع وعلق الشيخ.
ـ يارفيق جدو كان رفاقنا في سجن الكوت عندما بدأوا الاضراب عن الطعام والاعتصام وكانت ادارة السجن قد قطعت عنهم التيار الكربائي والماء قرروا حفر بئر داخل ساحة السجن فتناول احدهم " القزمة" وهتف ماركس، انجلز، لينين، ستالين! وضرب الارض بكامل قوته وبدأ الحفر الى اخر القصة، لكن اسم ستالين قد حذفنا الان من قائمة الهتاف الا ترى ياجدو...؟
ـ قال صلاح ؛ ان اهل الكاظمية مشهورين بأعطاء الالقاب أما كيف اختير هذا الاسم ( جدو) للرفيق مجيد علما انه لم يكن الا على مشارف العشرين سنه من عمره فهذا السر لااعرفه.
 
كان مجيد شابا نحيفا صغير الجسم لايبدو على وجهه شعر فشاربه من الهدب الناعم الخفيف البني ولايكاد يرى وكذلك ذقنه. شعر رأسه قصير لايتجاوز نصف العقده. اما وجهه ورقبته فكانتا ممتلئة بالتجاعيد الكثيرة وصار وجهه اشبه بوجه عجوز في السبعين من عمرها ولعل ذلك السبب في تسميته،جدو،. ولكن لمجيد قلب لايعرف الخوف لقد قاوم انقلاب شباط في مدينته (الكاظمية) البطله وقد تحمل الوانا شتى من التعذيب والارهاب لكنه واجهها بقلب صوّاني وببطولة نادرة. حكم عليه المجلس العرفي العسكري الاول بالسجن عشرين عاما بالاشغال الشاقة، وقد تلقى الحكم وهو يضحك قائلا لرئيس المحكمة: وهل ستبقون في الحكم عشرين عاما...؟
تداول المجتمعون تقييم عمل الليلة الماضية واكدوا من جديد على الصيانة والحذر الشديد ونقل اية معلومة او اشاعة او خبر مهما كان صغيرا او تافها، من اجل دراسته والتمعن فيه.

خيم الليل كئيبا مملا كالمعتاد وانتهت الزيارات بين سجين واخر واطفأت اضواء القاعات وخلد السجناء الى افرشتهم المتراصة على الارض بصفين متقابلين، هذا يحتضن مخدته وذاك يملأ الجو بالشخير وثالث أرّق جفنه واخذ يتقلب على جنبيه. والشيخ يذرع ساحة السجن لايسمع الا خطاه ولايكلم الا نفسه... الصمت يلف كل شئ وحتى خطوات السجان على سطح السجن تباعدة واختفت. الغرفة الصغيرة تتنتظر ضيوفها وهم ينتظرون اللحظة المناسبة لدخولها، فتحوا الباب وتسللوا الى جوفها فرادا وعاد الشيخ فقفل الباب، الصوت ممنوع الكلام همس واذا تطلب الامر فبالاشارات افضل، ان للحيطان اذان كما يقال فكيف اذا كانت غرفة النفق لايفصلها عن الغرفتين 7،13 سوى بابين من الخشب!؟ وسيمر النفق حتما بجانب الجدار الملاصق للغرفة رقم 13. لاشك ان ذلك يتطلب هدوءا كبيرا سيما وان الصوت ينتقل في الارض اسرع واقوى مما في الهواء. والسجناء ينامون على الارض وليس على اسرّه.

وابتدأ العمل ثانية لكن الارتباك لايزال يسيطر على البعض، القلوب واجفة تدق بعنف ولكنها تأخذ بالهدوء الحذر المترقب كلما مرت الدقائق والساعات وألف الحفارون عملهم... فوهة النفق صغيرة لايمكن تكبيرها في اية حال فالمهمة ان يدخل الحفار، ان يصير ( جرذ) يمطّي جسمه ويدخل بمرونة لابحريّة ومن ثم يتم توسيع الحفرة وفقا للمقاسات المرسومة التي تضمن حرية الحركة النسبية في الحفر ونقل التراب. وهكذا استمر العمل ليال واسابيع وبتلك الادوات البدائية جدا والشحيحة جدا فسكاكين المطبخ التي تختفي بعد الانتهاء من طبخ الطعام في النهار تصل خلسة الى النفق لتؤدي العمل ليلا وقد علق احد الحفارين قائلا ان السكاكين وملعقة الطبخ الكبيرة تعمل وجبتين في اليوم فلاشك في انها ستتقاضى اجورا مضاعفة.

اكتملت الدرجات الاولى لمدخل النفق وبدأ الانحدار الى اسفل. الارض مطواعة رخوة وكلما عملت السكاكين في نبش احشائها نفثت الروائح الكريهة المحبوسة قتزيد الاختناق اختناقا... جو الغرفة صار لايحتمل ولكن الاسوأ ان الجيفة ستكشف السر، فقرر الحفارون التوقف والتشاور في اليوم الثاني وانسحبوا، وعاد القفل يتدلى ثانية على صدر الغرفة النحيل.
لم يتمكن باب الغرفة الصغيرة من حجب العفونة التي اخذت تخترق شقوقه ولاشك انها قوية لتملأ الممر والغرف الاربع المجاورة، وصار أمر تلافيها والسيطرة عليها مهمة عاجلة... اقترح احد الحفارين وضع قطعة سميكة فوق باب النفق لكن ذلك لايردع العفن المحبوس منذ سنين، واقترح اخر استعمال العطور او البخور وهذا امر غير واقعي بالطبع.
كان كمال صامتا طوال الجلسة، شارد الذهن خارج الاسوار، سأل حافظ:
ـ  مابك ياكمال لاتشارك، اين انت...؟
ـ  لاشئ... عمن تتحدثون انتم...؟
ـ  عن العفونة تلك التي تخرج من الغرفة. وستنكشف في كل لحظة... الا تشمها...؟
ـ  نعم، ولم استطع النوم الليلة البارحة.
ـ  طيب، فكر معنا..
ـ  الحل عندي، وهو سهل، ساعالج الامر هذا اليوم، اليوم بالذات، بل في هذه الساعة.
ـ  اذا حاول.
غادر كمال في الحال الى غرفته وفتح علب الاصباغ ومزج بعضا منها بالبعض، فطغـت رائحة الاصباغ على رائحة العفن.
كمال كمالة شاب أشقر وفنان تشكيلي مبدع من مدينة دهوك ، وسيما طويل القامة قوي كحصان صحراوي ألف الركض منذ الولادة... لقد زادت دماثة اخلاقه وهـدوئه من حب السجناء واحترامهم له . واضافة الى ما كان يقدمه لهم من عمل ، فهو يعمل في الفرن لتهيأة الخبز للسجناء وهذا يتطلب منه السهر الى ساعة متأخرة من الليل، ثم يعود ويمارس الحفر مع رفاقه، وفي النهار ينشغل بلوحاته ومنحوتاته الفنية. حكم على كمال عشرون عاما وكان للتو قد انهى دراسته في المعهد الفني، رساما ونحاتا. ان السجن واعوامه العشرين لم تنسه المهنة التي احبها، فكانت غرفته عبارة عن معرض للوحاته الفنية ومنحوتاته حتى بدا على الساكنين معه في نفس الغرفة التذمر من رذاذ الجبصين ورائحة الاصباغ  فتركها البعض واستمتع  آخرون في البقاء معه رغم انه لا يعمل في الغرفة الا لماما.. كان كمال يتكلم لغته الام،الارامية، والعربية والتركية، لكن لايبدو عليه انه يحضى بهذه القابليات المنوعة. اذ كلنا يعرف انه يرسم وينحت  ويعمل في الفرن فقط! كان كمال عضو نشط في منظمة اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقيـة .....
طرقنـا ابواب شهر ايار وتقدم الحفر واستطال النفق كدودة الارض الخيطية وامتلاً الصندوق الكبير بالتراب وصار العمل مألوفا وطبيعيا نوعا ما واخذت تختفي تلك الرهبة من دخول الغرفة والولوج في النفق الرطب والعفن الذي يضاء بمصباح بائس اثناء العمل فكلما تصبب العرق وتقدم التوغل في باطن الارض، صار الشعور باللذة اكثر. وبين الحين والاخر يجتمع الحفارون كلهم او بعضا منهم في غرفة الشيخ وحافظ، يتلذذون باحتساء الشاي ويتبادلون النكات ويصغون للحديث عن تاريخ حزبهم وبطولات رفاقهم في العمل الشاق والمضني المتواصل، وتطرز تلك الاحاديث المفارقات والنكات والمقالب في العمل الحزبي والبيوت السرية والسجون. كما يناقشون الاحداث السياسية الملتهبة وبالرغم من ان الشيخ عامل نسيج في الاساس الا انه عمل طويلا بين صفوف الفلاحين.
قال:
ـ مرّة كنت منظما لهيئة حزبية فلاحية، وفي كل شهر اطالب اعضاء الهيئة بتسديد بدل الاشتراك وكان خمسون فلسا انذاك. كان الفلاحون يتضايقون كثيرا من اعطاء النقود لكنهم يخسرون اضعافا عند استظافتهم لنا، وكنا نؤكد عليهم بدلا من هذه المصروفات يمكن ان نكتفي بالقليل وناخذ ربع ماينفق على الضيافة فكانوا يرفضون. والطريف ان " شويكر" عضو الهيئة كان فلاح معد ما لكنه يقظ وجرئ وفي اول احد الاشهر قدم لي (750) فلسا وقال:
ـ يارفيق هذه 750 فلسا اجعلها اشتراكات للاشهر القادمة...
تعجب الجميع من هذه المبادرة، فسأله احد الاعضاء:
ـ ومن اين لك هذا المبلغ...؟
ـ قال شويكر: والله يارفيق، امس الاول سرقت نعجة وبعتها ب 750 فلسا وهذا كل المبلغ للحزب...
طبعا رفضت استلامها لان السرقة لاتتناسب مع فكرنا وما نصبو اليه ونناضل من أجل تحقيقه ...

بدأت طلائع السجناء تخرج للنوم ليلا في ساحة السجن لكنهم يطوون افرشتهم ويعودون مع اول زخة صغيرة من المطر او عاصفة ترابية تهب بشكل مفاجئ. ومثلما للسجناء احلامهم وكوابيسهم الليلية، فللحفارين تصوراتهم وهم ينبشون احشاء الارض الحارة الخانقة فالشمس العمودية الساطعة تنفذ حرارتها الى اعماق التربة... في ذلك الهواء الفاسد تماما والجيفة، كان فاضل يحفر بلا توقف. العرق الدبق ينّز من كفيه فينزلق مقبض السكين مرارا ويمسح وجهه وعينينه باكمام قميصه الذي صار نتنا نتونة التراب، وصارت الحركة ميكانيكية لاشعورية لليدين والجسم، بل كان الذهن يعج بصور متحركة تاتي وتروح بسرعة البرق وداخلها كانت الذكريات الطريّة تبدو مثل شظايا قنبلة متفجرة او شهب متهاوية...
فاضل كان صلبا، لن يتخاذل، لن يسقط، لن يفقد توازنه في زمن الغدر والانهيارات. فنظّم مع رفاقه مقاومة انقلاب شباط الاسود في معسكر سعد، لكن ميزان القوى لم يكن في صالح المقاومة المبعثرة انذاك. ومرّ شريط الاعتقال والتعذيب والموت الجماعي المجاني بشكل خاطف وتذكر رفاقه الذين صاروا طعما للدود فاختلطت دموعه بعرقه وانحبست انفاسه فكاد يختنق. سحبوه خارج النفق ليعبّ نفسا من الهواء الطلق وهذه هي العادة المتبّعة والعلاج لكل من يصل به الاعياء حد الاغماء من الحفارين، لكن تلك الصور لم تفارقه، لافي الحمام عندما اخذ دشا باردا انعش جسمه، ولافي فراشه فنام ليلته مع تلك الكوابيس المزعجة والذكريات المرّة.   
لِنار المعارك ولهيبها طعم وللهزيمة طعم اخر، فلقد تفتح فاضل المتقد مع اشراقة الرابع عشر من تموز 1958 يوم كان المد الجماهيري واعراس الثورة في كل مكان، في الشارع والمعمل والمدرسة وحتى في الثكنة العسكرية فاختار فاضل طريق الكادحين وربط مصيره معهم. كان يحلم ان يتطور هذا الحلم لبناء مجتمع خالي من الاستغلال والسجون، يحلم في ان يكون العراق بامكاناته المادية وثرواته وتراثه مصباحا يشع في المنطقة التي كابرت كثيرا من السيطرة والنهب الاستعماري لكن قيادة الرابع عشر من تموز ارتدت وتخاذلت بعد ستة شهور فقط وبذلك فسحت المجال رحبا  لان ترفع الافاعي رؤوسها من جديد، وعوت الذئاب المحيطة بالعراق وتنادت من كل جانب وصوب. فاستلم الانقلابيون مفاتيح الدار بعد ان هيأ لهم ( قاسم ) كل السبل للوصول اليها فكان انقلاب الثامن من شباط الاسود، وهنا ذاق فاضل ورفاقه الطعم المرّ، طعم الهزيمة، طعم القيد يحز معصميه، والاسوار العالية تفصله عن احب الناس لقلبه. كان يحلم ان يساهم في الدفاع عن الوطن ومعارك التحرير في الوطن العربي، كان يحلم ان يربي جنوده تربية اخرى واخلاقا اخرى، ان يعلمهم الطاعة الواعية والمنضبطة المملوءة حميّة ووجدانا ثوريا. فالجنود هم ابناء الفلاحين والعمال والكسبة  وكل القطاعات المتوسطة والفقيرة من الشعب  وهنا يجب ان يشعروا بمصالح واهداف اهلهم... يربيهم على كره الاستعمار والغزو والالحاق والسيطره والذل والهوان والخضوع... يربيهم على روح الالفة والتضحية العادلة في سبيل احترام السلام وحرية الشعوب. لكن تلك التصورات والاحلام تهدمت على ايدي الوحوش الضارية التي لاتعرف غير طعم الدم والقتل الجماعي.

اطل الصباح، وجاء الخفراء من السجن بالشوربة وبعض الصمون لكن المزاج عكر مثل ماء دجلة في شهر اذار... لم ينشر فاضل ادواته في ذلك الصباح، فبقيت القيثارة السومرية راقـدة في الكيس مثلما نامت ادواته باردة معها.
للسيجارة طعم مرّ مرارة ذكريات الليلة الفائـته، خطا فاضل بتردد ووجل، خطوات باتجاه غرفة الشيخ فاستقبله رفاقه بابتساماتهم الحلوة وتعليقاتهم الساخرة.
ـ هل قايست المسافة يارفيق؟ سأل فاضل بتردد.
ـ اجاب الشيخ؛ نعم مددنا الحبل وقايسنا، لم نصل ربع المسافة بعد.
ـ جدو مداعبا: فاضل على عجل كي يرى حبيبة القلب، تمهل يارفيق، فستأتي هي في الزيارة القادمة.
ـ لايارفيق، التفكير في امور اكبر من ذلك.!
 
عقّب الشيخ؛ لابد للاعمال الكبيرة من بذل جهود تناسبها ونحن في اوائل الصيف، ستواجهنا الحرارة في جوف الارض اكثر فاكثر. اضافة الى ان السجناء سينامون في الساحة وهذا يتطلب سريّة اكثر وحذرا اكثر في الدخول الى الغرفة والخروج منها سيما وان الوضع السياسي قد اخذ بالتوتر في المنطقة وأقصد بين العرب واسرائيل وانتم تعرفون طبيعة حكامنا. فبدلا من اعطاء حريات للشعوب والاعتماد عليها يجري التشديد والقمع واعلان الاحكام العسكرية، ولاندري ما يخبئه المستقبل...؟
طغى جو من الجديّة على الجلسة، وجاء زوار اخرون فانسحب البعض...
 مضى الحفارون في عملهم وكانت تلك الساعات القليلة جدا من عمر الليل القصير تصير دهرا باكمله مع شدة الحرارة والاختناق بالهواء الفاسد. وكلما تقدم الحفر خطوة اختنقت الغرفة الصغيرة بالتراب وضاقت من كثرة مااحتوت منه وصار التفكير به والحساب له امر في غاية الاهمية.
في اواخر ايار اعلن راديو بغداد عن وجود اصابات بمرض الكوليرا، وبدأنا نسمع ونرى الندوات في التلفاز المهلهل الذي سمحت لنا ادارة السجن بشرائه، وبدأت الممنوعات... وفي ظهيرة احد الايام الكاوية استغاث ملازم حمــد من مغص شديد في بطنه وصاحب ذلك اسهال حاد، فانسحب الجميع الى القاعات واشرأبت الاعناق وتزاحمت الاجسام على الابواب والشبابيك كي يروا منظر الشاب الملازم حمــد المصاب بمرض الكوليرا... تقدم المعاون الطبي جبار والمعاون الطبي محفوظ وعاينا الغائط والقئ... وانتزعا ملابس حمــد واحرقاها في برميل ونقل حمــد الى مستشفى الحلة المركزي...
اصاب السجناء الهلع اذ لامفر من هذا الداء الخبيث ونحن بين جدران اربعة، لكن حمــد لم يكن مصابا بالكوليرا، بل كانت حالة تسمم معوي. اجريت لقاحات لكل السجناء ضد مرض الكوليرا فارتفعت حرارة الاجسام واخذ البعض يهذي. ففي الليل تسمع الكوابيس المنوعة المتنافرة، مضحكة مبكية، هذا يغني حبيبته، وذاك يندب امه يستغيث بها للاعتناء به واعطاءه جرعة ماء. ومنعم، عامل السكك  يذيع بصوت عال بيانات " الثورة "  وهو تحت البطانية...؟
الجو السياسي مشحون بالمفاجآت، اخبار الحزب تؤكد ان يوم الخلاص قريب ( سنراكم قريبا ). النضالات في الساحة العراقية تتصاعد، مصر توجه انذارات لاسرائيل، وكانت الانذارات جديّة فطلبت سحب قوات الفصل التابعة للامم المتحدة بينها وبين اسرائيل وصارت المنطقة على شفا الحرب المؤكدة. كنا نراقب الاحداث باهتمام وانتباه كبيرين.
يتبع[/b][/size][/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة