الحوار والراي الحر > المنبر الحر

الانسان .. بين الغضب والإسترخاء

(1/1)

Fatin Noor:
الانسان .. بين الغضب والإسترخاء (1)فاتن نور

لماذا يغضب الأنسان؟

لماذا تختلف طرق التنفيس عن الغضب من انسان لآخر وما هي أسباب الإختلاف؟

هل يقودنا الغضب من شيء الى اغلاق باب التعرف على ذات الشيء ككل والإكتفاء بمعرفة الجزء الذي اغضبنا منه وإلصاق تلك المعرفة بالكل كدلالة عامة عليه ؟

هل من فرق واضح بين الغضب والشعور بالغضب!؟

هل تغضب الطبيعة؟ إن صح القول..كيف استثمر الانسان غضبها؟

انا أغضب.. أنت تغضب.. الصغير يغضب والكبير يغضب،الغني يغضب والفقير يغضب،العالِم يغضب والجاهل يغضب،الفرد يغضب والمجموعة تغضب... العبد يغضب والله يغضب..
 يبدو الغضب وكأنه غريزة نشطة تتوقد فينا وتنطفأ وعلى امتداد البعد الزمني.. وطبعا لا يكمن أن ننسب الغضب بصفته الغريزية الى الله  حين التحدث عن غضبه ، حيث أن إلصاق الغرائز بالخالق سيكسبه صفة المخلوق..(ولو أن الله قد عبر عن غضبه المتكرر وعبر الأزمنة بطرق وأساليب لا تبتعد عما يتبعه الأنسان.... او هكذا تبدو بالنسبة للبعض!..)..

الغضب والإسترخاء.. حلقتان لا تلتقيان في الأنسان في وقت واحد لكنهما تتعاقبان بشكل غير منتظم وغير متساو كما ونوعا،هما النقيضان اللذان ندور في فلكيهما ومنذ  بداية الخليقة..

لا يمكن أن نحصر كل ما يغضبنا ،ولايمكن أن نعرف كل ما يغضبنا مسبقا ،فقد نغضب اليوم من شيء قد لا يغضبنا غدا، فما يستفزنا في لحظة ما وظرف ما ويؤجج فينا بعض غضب قد لا يستفزنا في لحظة أخرى وبظرف آخر..
كما أننا لا نستطيع الإسترخاء متى ما شئنا حيث أننا وإن امتلكنا انفسنا لكننا لايمكن امتلاك وتطويع كل ما يحيط بنا من مؤثرات خارجية  تفعل فعلها في نفوسنا، وعموما  فأن الغضب حالة صحية ووسيلة دفاع طبيعية وعفوية ينفس بها الانسان عن الضغوطات الواقعة عليه من جراء التعايش مع الأخرين والتفاعل مع واقعه الموضوعي ووسط مناخات قد لا تكون له اليد في صناعتها او التأثير عليها ولكن لابد من الإنخراط  في آفاقها بشكل أو بآخر، من لا يغضب فهو لا ينفس وبذلك فهو معرض للأصابة بأمراض نفسية وجسدية واحتقانات ذهنية تؤدي الى الكآبة والأنعزال كما قد تؤدي الى شعورالأنسان بالاحباط نتيجة الكبت المتواصل لنعرات الغضب والتي غالبا ما تعبر تلك النعرات عن الرفض لشيء ما، وبكبتها في داخله كأنه يكبت كل ما يرفضه، كل ما لا يتقبله من الآخر اوالمجتمع، ومن هنا قد تنشأ الحاجة اللآشعورية  للأبتعاد عن كل ما هو مرفوض او غير مستساغ  ليرى الانسان نفسه بين براثن العزلة السقيمة..
كما أن الهيجان المستمر والغضب المتواصل له انعكاساته السلبية صحيا ونفسيا ما لم يتعاقب مع نقيضة الإسترخاء وبكم يتناسب مع طبيعة سيكولوجيا ذات الأنسان ..علما أن الموزانة بين الغضب والتنفيس من جهة وبين الإسترخاء من جهة اخرى ليست بالأمر المستطاع  دائما..

 كل منا يغضب.. كل منا ينفس..
 ولكن هل كل منا يجيد التنفيس؟هل كل منا يمارس رياضة الإسترخاء؟

الجواب يبدو كلا.. فلكل منا دائرته الخاصة التي يغضب وينفس ضمن محيطها ويحاول الإسترخاء بعيدا عن مركزها..فهناك من ينفس عن غضبه بالتهور والإعتداء وقد يلحق الضرر والأذى بنفسه وبالأخرين ، فقد يوظف الغضب من واقع ما،حالة اجتماعية، سياسية، وضع اقتصادي أوعاطفي..الخ ..
قد يوظف للتنفيس العشوائي والذي قد يظهر بأعمال عنف أو مشاكسات او حماقات لفظية او تشكيلات ارهابية ، بينما قد يوظف من جهة أخرى للتأمل المدروس للمسببات فيكون التنفيس بتقديم بحث او دراسة او معالجة موضوعية لواقع ما إستثار الغضب فتم احتوائه بالبحث والتقصي والتنقيب..
الفجوة بين التنفيس الأيجابي والتنفيس السلبي كبيرة جدا فهي قد تمتد من قمة السمو بما يغضب والذي قد يتمخض عنه فكرا معينا او برنامجا اصلاحيا او نهجا مميزا ..الخ.. الى حضيض التعامل الوحشي البربري والذي قد يُجهز على ما قد تقع عليه تبعات ذلك النمط من التعامل..

 الحيوان يغضب أيضا كما الانسان، ولكن أيهما أكثر إدّخارا وإفرازا للغضب والسخط  ولماذا؟

 وهل هناك علاقة من نوع ما بين درجة وعي وتطور الكائنات وبين حلقات الغضب وتداخلاتها وما نوع تلك العلاقة؟

للأسف انها علاقة طردية وبأمتياز..
 وأقول للأسف من باب أن تطور الوعي والأدراك لدى الكائن الحي لابد ظاهريا أن تكون نتائجة ايجابية وتقويمية بكل القياسات او قل أغلبها، ولكن الحقيقة لا تبدو كذلك فدرجة الوعي والتطور التي يتمتع بها الأنسان ويتفوق بها على غيره من المخلوقات قد أنتجت تعقيدات وممارسات لا يعرفها الحيوان من بعيد أو قريب ..
فالحيوان لا ينفاق ولم يتعرف بعد على أساليب تشويه الحقائق، تسييسها وتمريرها، الحيوان لا يكذب ولا يبالغ ولا يعتدي على البيئة والطبيعة إلا بشكل مقنن، لا يخون ولا يحيك الدسائس والمؤمرات، الغضب لدى الحيوان فطري الطابع وينحصر بما له علاقة حميمة بمقومات بقاءه الطبيعية وينفس عنه بأدوات وطاقات جسده الفيزيائية وأفرازات عقله المرتبطة  بالغرائز والفطرة.
أما الأنسان فبتلك الصفات المذكورة وغيرها من نتاجات عقله المتطور قد خلق ساحات رحبة لضغوطات مختلفة وإجهادات متنوعة تثير التوتر والغضب والسخط وبكيفية تبتعد عن آفاق غريزة الغضب الفطرية، كما تبتعد سبل التنفيس عن محيط دائرة التوازن والتكامل في الطبيعة وذلك بإقحام طاقات تفوق طاقة صيرورته الفيزيائية حيث أدخلت التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع العسكري والتأويلات العقائدية وتياراتها والأيديولوجيات الفكرية المعبأة بالعنف والبطش...ووو..والخ، لتلعب دورا بارزا في التعبيرعن الغضب والتنفيس عنه وفي نطاق أوسع ..

لا مجال لحصر كل ما يغضبنا...
 فقد يغضبنا طنين ذبابة/مرض/فشل/عوز/نجاح الآخر/موروث/عادات/انتهاك دين او مقدسات او شرف/ صراع عرقي او حضاري او اقتصادي...
ووووو.. قائمة طويلة وبآفاق رحبة! ...وقد يصح القول بأن لكل إنسان قائمته الخاصة في حقل الغضب مع إبقاء قواسم مشتركة عامة تمثل الخطوط الرئيسية لقوائم الغضب مع اختلاف الفروع وطرق التفاعل طبعا.. أنا هنا اتحدث عن الغضب بمفهوم عام يبدأ كمثال من الغضب بسبب طنين ذبابة وقحة على مائدة الطعام الى غضب اشمل وبأبعاد اوسع قد لا يصنفها البعض على انها غضب او مجرد غضب، وهذا التصنيف صحيح ايضا ولكن للغضب اكثر من دور فيها وإن كان غير محسوسا او يبدو بشكل يبتعد عن محاور الغضب المُسطّح او معايير الغضب العامة.............

المشكلة لا تكمن في الغضب بل بسبل التنفيس عنه والتي لا يمكن ربطها وبشكل تام بثقافة الأنسان او درجته العلمية او حتى نشأته وما اعتمد فيها من تربية..فقد نرى من هو أميّ وبلا محصلة ثقافية ومن نتاج تربوي شحيح ينفس بطريقة اكثر توازنا ممن يمتلك ما يفتقر اليه الآخر...والعكس ايضا صحيح اما ترجيح كفة على كفة قد لا يبدو عدلا ولو ان الغالبية قد ترجح التوازن في التنفيس لمن يمتلك تلك الخصال... بينما شواهد الواقع تعكس غير ذلك وفي الكثير من مجريات الحياة....

" الحقيقة والحقيقة المطلقة".... بنظري هي مكيال لمدى التوزان في سبل وطبيعة التنفيس..فمن يعتقد بأنه قد امسك بالحقيقة الموضوعية المطلقة بيديه وتشبع بها وهضمها يكون اكثر عرضة للإخفاق في التنفيس الصحيح المتزن .. فهو يرى الآخر وممن لا يدعي أمتلاكه للحقيقة وممن يضع نفسه في مقام الباحث عنها ابدا يراه مصدرا غزيرا للإزعاج والغضب فتتراكم شحنات الغضب بداخله وفي اعماق ذاته وكما تتراكم الموجات الصوتية امام الطائرة وهي تقترب من سرعة الصوت وان تجاوزتها سينبعث ذاك الصوت المقرقع والذي نسميه- كسر حاجر الصوت- وهكذا  قد يكون التنفيس عن الغضب غير سويا ومقرقعا في هذه الحالة وهو نتاج طبيعي لا غبار عليه كـ (نتيجة) وبغض النظر عن سلبيتها او ايجابيتها ،لأن الغبار في حقيقة الأمر يحيط بالسبب الذي خلق هذه النتيجة وهو امتلاك الحقيقة والتعامل مع الآخر على هذا الأساس فتراه (مالك الحقيقة) لا ينصت ولا يستمع ولا يحاور... ولماذا يفعل وهو من يمتلك الحقيقة والتي يظن بأن الآخر قد اخفق في بلوغها...؟
وإن فعل فبتوتر وبرفض مسبق ومتأصل ومن أجل  الهجوم التنفيسي المضاد.. وهو بهذا يسقط نسبية الرؤى والآفاق والإعتقاد ونسبية طرق التفاعل مع المحيط والواقع ونسبية الإيحاءات الأجتماعية والسياسية والعقائدية وموروثاتها ونسبية تأثيراتها وانعكاستها على الفرد، ونسبية الحقيقة ذاتها !..
وقد يلجأ الى غلق نوافذ الفكر حيث لا فائدة منها بعد تعرفه على ذروة المعرفة في مجال ٍ ما بإكتسابه الحقيقة ، وسيكون من الآجدى بالنسبة له فتح نوافذ تلك التي يظنها " الحقيقة" متصدرا لها لينثرعطرها بوسائله والتي قد يظنها ايضا  "مطلقة الصواب"  فيظن بنفسه خيرا ويدرجها في سجل الفاعلين للخير والمعممين  له... وبإنماط من التنفيس الصاخب.. وذات دويّ محموم....لا يفهمه الآخر بأيجابية.....

بعض الأسئلة المطروحة في المقدمة لم اجب عنها ولغايته، لذا فأنا غاضبة حيث لم يسعفني الوقت.. ولكني متأكدة بأن غضبي سيزول لو تسنى لي بعض وقت في الأيام القليلة القادمة  للأجابة.....وإلا سأبقى غاضبة حتما..... وقد يغضب القارئ........
*******الانسان..بين الغضب والإسترخاء (2)
قالها درا ً ..
 والقاع  مدرارا..
"لا ارى حدودا فالعالم كله وطني"..
غضبت وقد أوجعت عقلي تعقلا..
فرمّمت ذاتي..
بوشم ٍ لروح (جيفارا)
وغضبت..
 فالشمس لم تلفح ساحات وجهي
ولم يمتص زندي..
 سمرة الأرض ولا خصبها
 فحلمت بـ (الرصافي) مُسترخيا بمقلتي
 وقد أزاح عن رأسي..
 وشائج الأرث والعقم نصفها
فإسترخى فضائي..
 وتوجست شمساً وريحاً وإبحارا
بطهرالتراب تطهرّت وطريّا اودعته..
في جيد مَن ظننته حرا ً لا يخون
 نسيت أحزاني بموطني فهو لها!
فحزنت..
 من حنق السماء بعد موتي قد يكون!
 غضبت بأحزانٍ نسيتها وآخرى قد تفتقت..
فدخلت الجحيم بأرطال ثورتي وقد لامست..
في عنق (الزهاوي) فيالقَ جيش ٍ وثوارا
أتدفأ بالغضب واسترخي به!
 فالحقيقة من صغير الحق وقنوطه
بين الجموع تفكيكها  سفرا مضاءاً..
وتجميعها وعاءا ًً وأمصالا ً وأسفارا
لا تحسبوا الخير مطلقا والشر كمثله
فقد ينضح الأثنان ما لم نعي
وقد يشهد رحم التوأم..
 أشرارا ً وأخيارا
..........

اهملوا النص اعلاه إن اغضبكم ولنبقى مع  لب الموضوع  والأسئلة العالقة في الجزء الأول وكما وردت فيه وهي:

هل من فرق واضح بين الغضب والشعور بالغضب!؟

هل يقودنا الغضب من شيء الى اغلاق باب التعرف على ذات الشيء ككل والإكتفاء بمعرفة الجزء الذي اغضبنا منه وإلصاق تلك المعرفة بالكل كدلالة عامة عليه ؟

هل تغضب الطبيعة؟ إن صح القول..كيف استثمر الانسان غضبها؟

سأبدأ بهذه المداخلة الغريبة .. هتلر! شاعل فتيل الحرب العالمية الثانية .. ذلك الزعيم النازي المتطرف المتعصب المتوحش المتغطرس بمعتقد تفوق العرق الآري و..و...و والهولوكوست و...و ..... تلك هي الصورة!......
وكما اكتسبناها من التاريخ الحديث المكتوب غالبا بحبر المنتصر، يغضبنا هتلر بسيرته الدموية فأنزلنا الستارعلى ماعرفناه من صور تشبعنا بها فاكتفينا.. لا نود الإطلاع على الجانب الآخر من حياة هذا المخلوق وإن اطلعنا قد لا نصدق وإن صدقنا سوف لا نضيف صورا جديدة لحقائق درسناها وشاهدناها كأفلام مطولة ومقالات وبحوث ودراسات ووثائق تناولت شخصيته بذلك الشكل المرعب.. هل هو مرعب حقا وبالقدرالمشاع عنه؟ سأقول نعم لربما ولكن!...... سأترك الباب مفتوحا ما حييت......

شدما يغضبنا التاريخ وصناعته.....

ترى ماذا سيعكس التاريخ المكتوب عن شخصية صدام بعد  قرن من الآن افتراضا؟ هل سيقرأ الإنسان العربي بعد قرن بأن صدام البطل كان مناضلا ومات شهيدا بحكم إعدام من زمرة مرتزقة  ومتآمرة مع العدو الغاشم المحتل وبمحاكمة غير شرعية!؟
هل سيسدل الستارعلى تلك القراءة كحقيقة، وهل ستغضبه قراءة مغايرة لحقيقة شخصية هذا الرجل تلك القراءة التي ستبرزه كدكتاتور نال جزاءه وليس كبطل نال شرف الشهادة؟ هل سَيغلِق منافذ نسخ الحقيقة الأولى المترسخة في ذهنه بزيفها وتضليلها؟..
بأي حبر سيكتب تاريخ صدام ولأي حبر ستكون الغِلبة؟ لم يتفق الأنسان العربي حاليا بشأن شخصية صدام فهل سيتفق بكتابة حقيقة تاريخية موحدة عنه للأجيال؟ من سيبحث عن حقيقة صدام وحكمه عندما يمسي زماننا من الأزمنة الغابرة والموغلة في القدم؟ مَن سيغضب حينها فيطوع نفسه للبحث عن الحقيقة في معاجم المتناقضات والولاءات والمداخلات والرؤى وجذور تشكيلها؟
 
 إن اغضبكم موضوع أدولف هتلر- صدام  فأتركوه ....سأحاول الأجابة الآن عن أسئلة المقدمة ضمن سرد قد يبدو  للبعض عَسِر الفهم.. آملي أن لا تغضبوا

قد يصح شطر الغضب الى شطرين... الشطر الأول يرتبط  بواقع ملموس يفعل فعله في الانسان فيُنتِج  "الغضب"، اما الثاني فهو بلا رصيد واقعي ويقع ضمن قوقعة افرازت العقل وشطحاته الوهمية ويتسبب بإفراز "الشعور بالغضب" .. او ممكن القول  بأن استفزاز الواقع للانسان قد يُولّد الغضب اما استفزاز الأوهام الذاتية له فتولد الشعور بالغضب...
والشعور بالغضب كثرما يرتبط بمفردات مثل الغيرة، الشك، الخوف من المجهول والإحساس المُعوّم...الخ ،فمثلا غيرة احد طرفي الشراكة الزوجية على الآخر قد تكون له شواهد واقعية او وقائع ملموسة تستدعي حضور مثل تلك الغيرة،والغيرة تستثير الإنسان بدورها وقد تُولّد غضبا..
اما اذا كانت الغيرة غير مبررة وتفتقر الى مشاهدات واقعية  لذا فالغضب الذي قد ينجم عنها سوف لا يرتبط  بدوره بشواهد او وقائع فهو مجرد شعور من نسيج الذات وإيحاءات الفكر والخيال والتعثر بين الأوهام والعاطفة المفرطة او غير المتزنة او العاطفة المراهقة وبغض النظر عن السن ...

بين الغضب والشعور بالغضب قيد شعرة ولا يمكن التمييز بينهما دائما بسهولة لا سيما أن الشعور بالغضب (وليس الغضب) قد يكون اكثر تعيقدا من المثال السابق وقد يتصرف الأنسان على ضوءه بشكل مجلجل وكأن هناك ما يغضبه فعلا على ارض الواقع ولكن في حقيقة الأمر لاشي هناك في الخارج وإنما هناك ثلة اشياء في داخله وذاته ونمط  تفكيره وما يفرزه من أوهام  ودلالات لا تنتمي بصلة ما الى أرضية ملموسة او قد تنتمي الى فهم ٍ قاصر او مغلوط  لو نضج او تصحح ستتغير وقتها طبيعة الغضب وكمه ووجهته وطريقة التنفيس عنه لربما......

كثرما يغلق الأنسان نوافذ الفكر ويسدل ستائر التحليل والتمعن لواقع ما وبالقدر الذي يريحه ويبرر غضبه من ذلك الواقع مطبلا لذاته وعنفوانها ورافضا لرفع الستائر بمستوى اعلى خوفا من رؤى اخرى قد تنبري على مسرح ذلك الواقع تلحق بذاته الضرر من جراء التوغل في التمعن والتحليل او تهدم حقيقة ما اكتسبها وأمتثل لها ولا يريد لها الهدم فلا يبقى امامه ما يمتثل له!....

الغضب من المحيط المُستفز.. من التمزق الجغرافي والحضاري، من التدهور وضياع الأرث الثقافي، صهيونية،عولمة، صراع الأرث والأخلاق والمفاهيم.......كل تلك الأمور قد نفسرها ونأطرها بصيغة مُستنفَرة من الغضب، الغضب من القادم بمعاوله ومخالبه للإنقضاض على كل شيء ونكتفي بهذا القدر لنهرول صارخين ناقمين متوعدين باستباحة الأخر والهجوم عليه بضوضاء وهلوسة وردود فعل عشوائية تنقصها القيمة والوضوح المُنصِف....

لنقترب من الفكرة بالتساؤلات التالية...

ما هي هوية الإنسان؟

 هل هي أرثه أم  أن هويته هي "هو كأنسان بأرثه المحمول "؟

 الانسان هو من يصنع الأرث وهو من يحافظ عليه ويحمله ليمرره عبر الزمن، ولا قيمة لأي ارث بلا وجود حامله الفاعل والمتفاعل به" الانسان"، بمعنى أن الانسان يتقدم بذاته كهوية على الأرث ..وخوار الأرث الرصين سببه عدم رصانة الحامل وتشرذم او تفكك حرصه او فهمه لذلك الأرث وسبل تنضجيه والتعامل معه مالم تتدخل الطبيعة بقواها الخارقة بطمس أرث ما  بأنقضاضها على حاميله ...

تلك التساؤلات وطبيعة فهمها والأجابة عليها وتأصلها في الذات كقناعة  قد تُولّد نمطين من ردود الفعل الغاضبة فيما لو تعرض الأرث كقيمة الى ضرر او مؤآخذة او تهميش او نقد او ضياع..

فمن يضع الأرث كمفهوم مطلق لهويته سيرى نفسه بطلا بريئا للمأساة وضحية لمحاولات وتحالفات الآخر لطمس هويته (ارثه) وكأنه مُنصهر بلا قيمة فاعلة بالأرث.. فالأرث هو، وهو الأرث... وسيقوم بأنزال الستارة على هذا المستوى من الفهم والإدراك وربما الإكتفاء بمشاعر الغضب كضحية مُتربص بها، وسيريحه عدم التوغل في معرفة المزيد الذي قد يعكس صورة آخرى تبتعد عن دوره كضحية مستجيرة ومُهاجِمة وتقترب من دوره كمساهمٍ فاعل في تلك النتيجة السلبية وهذا ما لا يطيقه الكثير منا.....

 بينما من يقدم نفسه كـ "أنسان حامل للأرث" كهوية، سيرى نفسه جزءا فاعلا في إحداث المأساة او مُخرجا لأحداثها وكاتبا لنصوصها او لبعض منها على اقل تقدير وليس بطلا مُستعرِضا ومغررا به لأداء الدور ،كما سيرى نفسه ضحية لذاته التي لم توفق بحمل الأرث وحمايته وكما ينبغي، وستكون نوافذه الفكرية اكثر اتساعا وتمريرا للشمس لمحاسبة مكامن الرطوبة والتصدع ومصادرها وبحيادية مقبولة ..

 ولهذا سيكون غضب الأول مجرد شعور مشحون بالوهم والإتكالية بمحاسبة الاخر قبل محاسبة الذات، فالذات عنده لا قيمة لها فهي ارث،  والأرث لا يحاسب نفسه بنفسه كثقافة مجردة خارجة عن وعي الحامل لها، اما غضب الثاني فهو يلمس الواقع كما هو فلا يُغيّب ذاته عن مسرح ضياع او تدهور الأرث "الملحق به والمحمول كجزء من هويتة" وسيتسم غضبه بالعقلانية في الفهم والتحليل والحاجة لأصلاح  الداخل "الذات وصيرورة الأرث المنتهك وتدعيمهما كهوية"، اما غضب الأول سيتسم  بلعب دور البطولة البريئة في مسلسل المأساة والضحية والحاجة الى اصلاح" الخارج او الآخر المُتربِص"  مع محاولة  تنزيه الأرث من الخوار والتداعي وبذلك فهو ينزه ذاته الموهومة بأنها "ضحية" وانها مُنصهِرة بطاهرة هويتها "الأرث"  وليست صاهرة لها ولا يمكن ان تكون!!

لا تستطيع حضارة ما ان تفكك حضارة آخرى من الخارج اذا كانت الأخيرة رصينة ومتماسكة وتمتلك ادوات صيانتها وتعضيدها وتطويرها وتطويعها مع متغيرات الحقب الزمنية.. كما لا تستطيع تفكيكها من الداخل اذا كانت(الحضارة الأخرى)  تمتلك الدعمات الراسخة والركائز المتينة والجسور الصلبة كهيكيلة لها. وكي يتسنى للحضارة الأولى تفكيك الثانية لابد من زعزعة تلك الدعمات وتحريك تلك الجسور وزلزلة الركائز ولا يكون هذا إلا بامتلاك الأولى لكل الأدوات العلمية والتقنيات الأخرى والسبل الثقافية المتنوعة هذا اضافة الى  ضرورة عدم امتلاك الحضارة الأخرى لنظائر تلك الأدوات والتقنيات او ما يقابلها في مستوى الأداء والفاعلية وهذا جانب مهم جدا، ومن هنا نرى ان الغضب المصوب بأتجاه الحضارة الأولى سيكون اما اخفاقا غير مقصود في معرفة" الكل من الواقع " او تواريا مقصودا خلف "الجزء" وإلصاقه كصورة عامة لواقع "الكل"..خصوصا اذا كانت الحضارة الثانية تمتلك  الثروات والطاقات البشرية والقدرات التي تؤهلها لأن تمتلك ما تمتلكه الآخرى ولكنها أخفقت! فأين يكمن الخلل؟ وعلى من يجب أن يُسلط الغضب؟ .....عدم التواري وراء انصاف الحقائق وذيولها قد يتركنا بغضب مزدوج ومصوّب بأتجاهين احداهما يتصل بنا ويلتحم..وهذا ما قد نتجنب بلوغه كمعرفة او كواقع لأنه قد يقودنا الى إحداث تغيير وتوجيه مقود الغضب الى الداخل وهذا ايضا ما نخشاه او ما لا نقوى عليه فنحن جزء من هذا "الداخل" ونخشى من تغيير ذواتنا!.
اما التواري وراء الأجزاء والقشور فقد يشعرنا بهيبة الغضب والهجوم على الآخر" الخارج عن مدار داخلنا " وسيريحنا ذلك فنسترخي بتعفيف الداخل المُستكين بعلله وغلوها او في أحسن حالات الغضب وأهيبها انتقاد الداخل والذات برفق وحذر وخشية وبرتوش وتزويق وأنماط من الأصلاحات الخائبة!!..
هناك من ينتفض  ضد السلخ من  الخارج ولا ينتفض ضد السلخ من الداخل ولو أن السلخ الأخير سيقود الى الأول! ومن هنا تبرز اهمية توظيف الغضب وتوجيهه نحو الهدف الحق والمُستحِق وليس الهدف المُعلق في فراغات الرؤية المصابة بالحَول....

الغضب يرتبط بالضغوط التي يليها تنفيس.. ومن هنا فأن الكوارث الطبيعية من براكين واعاصير وفيضانات وزلازل ..الخ  قد يصح تسميتها بـ "غضب الطبيعة" فتلك الكوارث ناجمة ايضا عن ضغوطات وأحتقانات جيولوجية وتخلخلات توازنية يتم التنفيس عنها من قبل الطبيعة الأم..
وقد استثمر الأنسان غضب الطبيعة وادخله التاريخ عبر المعتقدات وموروثاتها المتناقلة ومنذ غابر الأزمان...لم يكن الإنسان قادرا على فهم تلك الظواهر بصيغتها العلمية وبمسبباتها المادية  وقد تناقلتها الأجيال وكما وضعها الأنسان البدائي بقصوره في فهم تلك الكوارث ونسبها الى قوى الغيب مترجما اياها كصور جليلة ومهيبة ورادعة من الغضب الناقم لإحلال العقاب بمن يستحقه من البشر وحسب رؤيتهم، علما ان هذا النمط من العقاب لا يمكن تصويبه حصرا على من يَستحِق فهو عقاب عشوائي لا يفرق بين الأخضر واليابس ولا بين الطالح والصالح، والعشوائية لا يمكن تصويرها او أعتبارها كرادع جليل او وازع  للخير والإنضباط...
وللأسف  فان غضب الطبيعة وليومنا هذا ينظر اليه من قبل جموع غفيرة بنفس منظار الإنسان البدائي  وربما سبب هذا يعود لاستمرار استثمار الموروثات البدائية الأولى من قبل الإنسان المعاصر والذي أدخلها في ملفات التاريخ الأسطوري الموجه حتى بعد ان وقف بتقدمه في مجال العلوم وتصنيفه للظواهر الطبيعية والكونية على ماهية ما يسمى بـ"غضب الطبيعة"..،اما سبب هذا النمط من الإستثمار فقد لا يخرج عن حلقة التفاني والإستمرار في مشروع  تطويع الإذهان والسيطرة عليها و...الله اعلم!..........

فاتن نور
05/11/05[/b][/size][/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة