الحوار والراي الحر > المنبر الحر

لغة الخطاب عند العراقيين من فجاجة التعابير الى تشويه الحقائق !!

(1/1)

Sayyar Jamil:
لغة الخطاب عند العراقيين 
من فجاجة التعابير الى تشويه الحقائق !!د. سّيار الجميل

     ان الذي دفعني لكتابة هذا " المقال " ما اجده اليوم من استخدامات لغة خطاب عراقي  يشّوه الحقائق مرة ويستخدم بعض ارث تعابير العهد السابق مرة اخرى ، اذ اجد مثل هذا وذاك لدى بعض الساسة والمثقفين العراقيين سواء في مداخلاتهم او تصريحاتهم او حتى في مقالاتهم وكتاباتهم .. بل وأجد التماثل في بعض الممارسات التي لا اقف على من ينتقدها اليوم خصوصا وانها صادرة عن جمهرة كبيرة من الساسة والمثقفين العراقيين بعد كل الذي حدث للعراق ..  ويبدو الامر غير مدرك من قبلهم ابدا ، باعتبار ان كل ما يقولونه او يكتبونه يعد من الامور الطبيعية ، أو لأنهم لم ينقطعوا بعد عن ميراث جم من لغة خطاب عقيم ومتوحش كانوا يسمعونه ليل نهار .
    ولعل أهمّ ما اثارني جدا استخدام بعض الزعماء العراقيين الجدد لمصطلحات كانت طقوسا بالنسبة للعهد السابق .. على سبيل المثال لا الحصر ، فان مسؤولين عراقيين كبارا ما زالوا يستخدمون حتى اليوم مصطلح " القطر " بدل ان يقولوا " العراق " من دون ان يعرفوا بأن لغة الماضي لابد ان تنتهي ، ومن دون ان يدركوا ان مصطلح " القطر " أعده أنا شخصيا مصطلحا كريها جدا ليس لأنه يذكرنا دوما بـ " امانة سر القطر "  وبـ " القيادة القطرية " ، بل لأنه لا يستقيم لغويا مع المعنى لأي بلد ! ومن دون ان يسألوا انفسهم  بأن اسم ( العراق ) اكبر بكثير من تسميته بـ " قطر " !! وجمعه  " اقطار " وكان المؤسس الاول للبعث قد روّجه مقابل مصطلح " الاقليم " الذي استخدمه الرئيس جمال عبد الناصر في الوحدة المصرية السورية عام 1958 ! ولا يقتصر الامر على مصطلح واحد او تعبير معيّن ، اذ لم تزل لغة خطاب العهد السابق سائدة من دون ان يفكر اغلب العراقيين  باللغة التي يستخدمونها والمصطلحات التي اعتادت اسماعهم عليها ، بل وغرست كلها في اذهانهم على مدى عقود من الزمن .

لغة البعثيين
    لقد كان للبعث في العراق وغير العراق ، لغة سياسية واعلامية شعاراتية معينة منذ خمسين سنة أو يزيد حالهم حال بقية قوى الحزبيين والتقدميين والقوميين والطليعيين اليساريين الذين استخدموا جملة كبيرة من المصطلحات والتعابير والمفاهيم والتي كانوا قد استعاروها ببلاهة عن ايديولوجيات وثقافات سياسية اجنبية وكرسوّها " ثوابت "  لا غبار عليها ابدا ولا رجوع عنها ، بل ان من يعترض ضدّها فانه يلقى سوءا واذى ومنتهى القسوة . لقد كان لتلك " اللغة " التي استخدمت خطابا سياسيا وسلطويا واعلاميا لم يقتصر على الاجهزة والمؤسسات العامة ، بل ووصل بكل طغيانه الى المؤسسات التربوية والجامعية ! تلك " اللغة " الشعاراتية والانشائية من الفجاجة والبلاهة قد كرّست ثقافة متناقضة على اشد ما يكون التناقض بين الواقع والخيال بعد ان بلغ تأثيرها البالغ في تكوين جيل كامل في العراق ( وغير العراق ) على مدى خمس وثلاثين سنة اتصفت بالعنجهية والاقرار التام وفرضها بالقوة وبكل شراسة  ، علما بأنها تتصّف بالاختناق وضيق الافق وتكرار التعابير والالفاظ وبعض المصطلحات المستعارة من اكثر من فكر او ايديولوجية معاصرة في القرن العشرين .
      انني اذ اتحدث اليكم اليوم في هذه " الندوة " المتميزة مشافهة عن نموذج كسيح من خطاب تكريس المفاهيم بالقوة ، واعتبارها مفاهيم وتعابير مقدّسة لا يمكن ابدا تجاوزها ، فكيف يمكن تخطيئها او حتى نقدها وابداء وجهة نظر فيها ! فمثلا لم يكن ابدا تجاوز مصطلح " الوطن العربي " والقول بـ " الاوطان العربية " ، ولا يمكن تجاوز مصطلح " الشعب العربي " واستخدام " الشعوب العربية " .. انهم لم يسمحوا ابدا بمن يدلي برأيه بدلا عن الاغراق في الخيال لشعار لا واقع له اليوم ابدا.. انهم يتهمونه بشتى التهم الجاهزة وربما يذهب الى الجحيم .. وعندما كنت استخدم  مصطلح " العالم العربي " بديلا كونه الاصوب اعترضوا عليّ  اشد الاعتراض !
      لقد استخدم مؤسس البعث ميشيل عفلق والكتاب البعثيون امثال : صلاح البيطار وشبلي العيسمي ومنيف الرزاز والياس فرح وناصيف عوّاد وغيرهم منذ بداياتهم الاولى لغة خاصة بهم ، ولكن أضيفت اليها على امتداد خمسين سنة من وجودهم  جملة هائلة من التعابير الخاصة بهم وبثقافتهم الحزبية التي عمموّها على المجتمع العراقي وفرضوها قسرا والتي سجلت تأثيرها المباشر على تكوين الاجيال من خلال الكتب المدرسية والوسائل الاعلامية وترديد الخطابات السياسية وهيمنة الادبيات الحزبية حتى في خارج نطاق مؤتمراتهم وخلاياهم . كان البعثيون يتناقلون تلك " الادبيات " في ما بينهم من اجل تثقيف انفسهم بها ، بل ويؤكدون عليها في كل وسائل الاعلام الداخلية والخارجية بحيث تشبع جيل كامل بذلك تشبّعا حتى الاعماق .. وهذا ما نجده حتى اليوم وحتى بعد سقوط النظام ، اذ لم تزل بعض " التعبيرات " سارية المفعول حتى يومنا هذا .

التقسيم الزمني
 ويمكنني تقسيم العهد الطويل لحكم البعث العراق الى ثلاث مراحل زمنية ، تميّزت كل مرحلة منه بطابع معّين وبهيمنة تعابير ومصطلحات خاصة بها ، انني اكاد امّيز بين تلك المراحل التي عاشها كل مثقف عراقي كان يرصد تلك البنية السياسية الصعبة التي تعّج بالتناقضات العجيبة ، والمراحل هي :
1/ مرحلة عهد احمد حسن البكر (= نهاية الستينيات والسبعينيات ).
2/ المرحلة الاولى من عهد صدام حسين (= الثمانينيات ).
3/ المرحلة الثانية من عهد صدام حسين ( = التسعينيات وبدايات العشرية الاولى من القرن الواحد والعشرين ).
      استطيع القول بأن اللغة البعثية التي استخدمت في عقد السبعينيات هي التي اوردتها أدبيات البعث في مراحله الاولى والتي رسمها وكتبها مؤسس البعث العربي ميشيل عفلق في منشوراته وعدد من البعثيين الاوائل الذين رافقوه التأسيس ، وبالرغم من استعارتهم جملة كبيرة من التعابير والمصطلحات الماركسية كالبورجوازية والاشتراكية وصراع الطبقات وكلمات استخدمها النازيون في الاشتراكية الوطنية وتمجيد العنصر والدم والعرق .. وفضلا عما استخدمه الفاشيون الطليان عن تعظيم الذات والامة والتاريخ وبعث الامجاد ..  ، الا ان اساليب اولئك البعثيون القدامى قد اختلفت في ما بينهم كثيرا نظرا للمدرسة التربوية واللغوية التي ينتمي كل واحد منهم اليها ، اذ نلحظ مفارقات واضحة بين اساليب كل من : زكي الارسوزي وميشيل عفلق وصلاح البيطار ومنيف الرزاز وشبلي العيسمي والياس فرح .. الخ
      ان هذا لا يهمنا ابدا بقدر ما يهمنا التأكيد على ان لغة البعث قد بدأت وعاشت بنفس النكهة والمانشيتات والتعابير والمناخ العام الذي غلفّها ، اي بتدبيجها الشعارات السياسية والتعابير الحزبية ، بعيدا عن المجتمع ولكن اضيف اليها الكثير من التعابير التي بدأ صدام حسين نفسه يستخدمها في مداخلاته ومقولاته واحاديثه منذ ان طلّ على العالم لأول مرة بشكل علني اعلاميا امام الرأي العام في ملعب الكشافة ببغداد عام 1969 ومرورا باحاديثه المخيفة والقاسية التي كان يتقّصد القاءها في اجتماعات مهنية ورسمية كانت تذاع تلفزيونيا على العلن وبضمنها مواقف مرعبة . وكانت لغة غريبة على الاسماع العراقية فيها تداخلات وتعبيرات ومصطلحات لا يمكن ان يفهم منها شيئا ، وكان صاحبها يتقصّد استخدامه اياها في تلك الاجتماعات لما عرف بضعف الانتاجية بهدف انتقالا الى هيمنته على ادبيات الحزب ، فمن المعروف ان صدام حسين كان وراء كتابة التقارير القطرية للحزب ووصولا الى خطاباته المقروءة او احاديثه الفجة ابان الثمانينيات والحرب مع ايران او التبدّل في اللغة بترويج التعابير الروحية والاستعارات الدينية التي استخدمها ابان التسعينيات ، اي خلال المرحلة الثانية من عهده وانتهاء بآخر خطاب له الى العالم قبل سقوطه المهين في العام 2003 .

طبيعة لغة الخطاب
     ان ما اشاع لغة البعث كثيرا وغرسها في الذاكرة ومكنها حتى في اللاوعي الجمعي العراقي كثرة ترديدها صباح مساء في كل اجهزة الاعلام والابواق التي انتشرت بتمويلات عراقية واسعة المدى ، فلقد كانت تلك " اللغة " هي وسيلة اساسية لبث الثقافة الحزبية ليس في العراق وحده ، بل في كل العالم ، وصحيح ان خطورتها قد تجسدّت على امتداد اربعة عقود من تاريخنا نحن في العراق ، الا انني أجد بأن الذاكرة العراقية لم تزل حتى يومنا تحمل هذا ذلك " الارث " العقيم من تناقضات لغة البعث التي تجمع بين الايهام والخيال والتعظيم من طرف وبين الفجاجة والغلو والبلادة والفظاظة من طرف آخر !
    واكرر ، ان ما دعاني اساسا الى كتابة هذا " الموضوع " وتحليله من اجل تبيان اخطاره يكمن في رؤيتي لما اسمعه وأقرأه دوما حتى الان وبعد مضي اكثر من سنتين ونصف السنة على سقوط البعث من تعابير ومصطلحات بعثية ترد بشكل ربما عفوي في اغلب الاحيان على السنة الناس في داخل العراق وخارجه ، فمثلا لم يتخّلص العراقيون حتى اليوم من مصطلح " القطر " و " القطرية " وهو مصطلح " بعثي " استخدم بديلا عن " الوطن " أو " البلاد " او بديلا عن اسم " العراق" ، ومن دون ان يتذوقوا كم هو جميل ذكر العراق ! ان تعبيرات البعثيين لم تزل سارية المفعول حتى اليوم ويستخدمها الناس وحتى المثقفين العراقيين من دون اي دراية بمصدرها ! وهكذا ايضا بالنسبة الى تعبيرات أخرى تشبّع بها الوعي الباطن اذ اجد ان العراقيين يعيدون انتاجها بشكل او بآخر من دون اي معرفة بما يقولون .. وعليه وجب التنويه !

دور صدام حسين
     لقد كان صدام حسين نفسه اكبر منتج حقيقي لتعابير غريبة وفريدة وعجيبة ربما نجد لها اصولا في محلياته البيئية الجلفية ، وقد استخدمها لسنوات طوال بعد ان كان يختلق له لغة غريبة المعاني بخلطه لمزيج من الكلمات والتعابير التي لا تنتج اي معنى حقيقي وخصوصا عندما كان يكّنى بـ " السيد النائب " ابان السبعينيات .. وما زلت احتفظ  عندي بمقولات وتعابير كنت اسجلها منذ السبعينيات عليه ولا أجد لها اي مرادفات معنوية توصلني الى حقيقة ما يريد الوصول اليه .. في حين انه كان يمارس " لغة البعث " التي ترّبى عليها هو ورفاقه منذ الستينيات وخصوصا تلك التي كتبها ميشيل عفلق في بعض اصداراته التي روجّها البعثيون ، مثل : " ذكرى الرسول العربي"  او " معركة المصير الواحد"  او كراس " البعث العربي " .. وكلها مجموعات لمقالات صحفية انشائية هشة لا ترقى الى فلسفة سياسية راقية ولا الى اي فكر ايديولوجي عالي المستوى .. وربما اختلف معي هنا المعجبون حتى اليوم بكتابات مؤسس البعث العربي ميشيل عفلق ورفاقه الاوائل الذين ان جمعنا فكرهم البعثي كله لوجدناه مزيجا متناقضا ومستعارا من افكار ومقولات لاحزاب فاشية كانت رائجة في اوربا ابان النصف الاول من القرن العشرين ، وقد اعادوا انتاجها بخلطة من المفاخرات ودغدغة العواطف القومية من اجل بعث الامجاد القديمة ، ولكنهم لم ينجحوا ابدا بتحقيق هدف واحد من اهدافهم على امتداد خمسين سنة . وهنا لا يمكن قبول اي تبرير بحجة ان صدام حسين قد  صادر البعث وادبياته .. ذلك ان ميشيل عفلق قال قولته الشهيرة بأن صدام هو هدية البعث للامة العربية !
    انهم بقدر ما نجحوا في استعارة الالفاظ والتعابير والمصطلحات ، فلقد نجحوا في سرقة فكر مستعار له اسلوب بسيط جدا يستسيغه الناس العاديون ، وسيغدو متوحشا وضاريا مذ وصل الى السلطة ومارس الاقصاء لكل ما يخالفه من اساليب وافكار وتعابير اذ يقسر اي كاتب مستقل ويضطهد اي مثقف حر على ان يستخدم تعابيرهم والفاظهم وحتى افكارهم فمثلا اصبحت ( بلاد العرب اوطاني ) قسرا ( وطن عربي واحد ) لا مقومات دستورية له  ، واصبحت ( الشعوب العربية ) بكل ما تحمله من تنوعات وخصوصيات وتباينات ( شعب عربي ) واحد برغم انف الجميع .. ومنع استخدام تعابير ، مثل : العالم العربي !! ويا ويل من يخرج على " لغة البعث"  من دون سابق انذار .. اذ يغدو " البعث " ذلك الوحش الكاسر الذي يريد ان يمنعك من ان تكون معبّرا حرّا في لغتك انت عن فكرك ووجدانك . ولقد كانت تلك قمة المأساة التي اعترت الظاهرة العراقية فكرا وثقافة وسياسة واعلاما لاربعة عقود  من الزمن الصعب ! وربما نجد لها شبيها في مكان عربي مجاور آخر تختلف قساوته اكثر او اقل بالنسبة لتجربة العراقيين .

بقايا اللغة والخطاب
    اذا كانت حلقات الوصل مفتقدة حتى الان ، فلئن الزمن كان جامدا في العراق ، ولم يمر العراقيون بالمزيد من التجارب التي تصقل لتنتج مبدعة بفعل الانغلاقات التي مارسها البعثيون على الثقافة العراقية وحرم العراقيون زمنا طويلا جدا من التفكير المستقل والقراءات المتنوعة والابداعات الحرة .. وانني اعتقد بأن الثقافة العراقية ستبقى في مخاض عسير من اعادة انتاج التفكير واستعادة اللغة الحقيقية في التفكير وانتاج الخطاب وابداع مقول القول بعيدا عن التغيير بسرعة سحرية .. ربما لا يشعر العراقيون اليوم بالملل كما كانوا يعيشونه سابقا لأنهم اليوم يتطلعون الى المزيد من التحسس بالواقع بعيدا عما كانوا يسمعونه من الطوباويات والاخيلة والاوهام والشعارات التي تتردد ليلا ونهارا .. ولكن هذا لا يجعلنا ننفي عنهم اليوم آثار خمس وثلاثين سنة اذ لم يزل خيالهم يذهب شططا عندما يعتبرون كل ذلك حقائق وثوابت ، وهم يزاولون تعبيرات البعث الراحل ، ولكنهم بالتأكيد سيتراجعون عن هذه " اللغة " وممارساتها الاقصائية وعن الافكار القديمة لأن حياتهم تتغّير الان وانهم يمروّن بمخاض صعب وعسير جدا .
      صحيح انه مخاض يسعى الى ان يكون ديمقراطيا ، الا ان المناخ العام قد انقلب من لغة توتاليرية شوفينية الى لغة دينية مجتزأة ، وغدا الكثير من المثقفين والساسة العراقيين الليبراليين والماركسيين والمستقلين وحتى القوميين الاحرار مصابون بالاحباط المرير . وعليه لابد من مكاشفة العراقيين بمصادر اللغة التي ما زالوا يفكرون بها من اجل ان يجففوا منابعها ، ويستخلصوا لهم لغة رائعة ونظيفة وشفافة وجديدة لا تمت بصلة الى المألوف الذي عاشوا عليه ردحا طويلا من السنين .

امثلة ونماذج
    هناك سجل كبير من التعابير اللغوية التي مارسها البعثيون ، اذ لابد ان نكشف عن بعضها لنفّكر معا في حقيقة استخداماتها بين واقع لم يكن له اي اعتبار وبين خيال لا يمكن تحقيقه ابدا .. فلم تزل الذاكرة العراقية مشحونة بتعابير استخدمها البعثيون منذ خمسين سنة ، وساقتصر على ذكر بعض تعبيرات كل عقد زمني من العقود الثلاثة الماضية :
اولا في السبعينيات ، مثل :  " المعركة القومية " و " معركة البعث"  و " معركة الامة "  و " الرسالة الخالدة "  و " رسالة الامة "  و " جئنا لنبقى "  و " طريق البعث "  و " الثالوث المقدس : وحدة وحرية واشتراكية " ، و " الوكر الحزبي"  و " خلايا الحزب" و " الحكام العملاء"  و " النضال القومي"  و " الثورة القومية"  و " الرجعية العربية " و " الوجود القومي " و " الدولة القطرية" و " الاهداف المصيرية "  و " الفئات القومية الكادحة " و " الكرامة القومية " و " الهوية القومية "  و " طمس هوية الامة "  و " طلائع الامة " و " خونة الامة " و " الجيب العميل" و " تآمر الخونة والجواسيس "  و " الشرعية الثورية " و " الثورة المباركة " و " معركة التأميم " و " شد الاحزمة "  و "عقيدة البعث "  و " نداء الامة"  و " الروح الرفاقية "  و " الكادر المتقدم " و الموقع الاول في الحزب والثورة " و " بعث الامجاد " و " المجد والخلود " و " الجيش الشعبي " .. وايضا : "عروس الثورات " و " صوت الجماهير"  و " البرجوازية العفنة "  و "حساباتنا المبدئية " و "خندق واحد لا خندقان " و " الصمود والتصدي " و " تراث الحزب "  و" الكسب الحزبي"  و " الحزب القائد  " و " الاب القائد " و " القائد المؤسس " و " هلهولة للبعث الصامد " و " شباب البعث العقائدي " و "التنمية الانفجارية " و  " نظرية العمل البعثية "و " التصفية الجسدية " و " المهام الثورية " و " الرفاق المتآمرين " و " لا صلح مع النظام السوري الى الابد " ، " المؤامرة القذرة للرفاق " ..  الخ  من تعابير استخدمها النظام السابق ، واغلبها مستعار من ثقافات شوفينية وخصوصا عن الفاشية الايطالية او عن الاشتراكية الوطنية لدى النازيين وبعضها عن ادبيات الماركسية اللينينية . كلها اشبعت بها اصدارات العراق ابان السبعينيات وخصوصا في عهد احمد حسن البكر ..
ثانيا : وفي الثمانينيات ، ولدت مصطلحات وتعبيرات من نوع آخر تعكس ثقافة الاضداد ابان تسلط صدام حسين واشتعال الحرب بين العراق وايران ، فنتذكر : " الموقع الاول في الحزب والدولة " ، و " الحزب الواحد " و" القائد الضرورة " و "عزم الابطال " ، و " بحيل الله " ،  و" الفرس المجوس " و " قادسية صدام المجيدة " و " ليخسأ الخاسئون "  و " النشامى "  و " العراق العظيم "  و " اذا قال صدام قال العراق " و " توجيهات السيد الرئيس القائد "  و " مكرمة السيد الرئيس "  و " التحرير القومي"  ( بدل : الفتوحات الاسلامية )  و " النوايا الخبيثة "  و " الجناح الشرقي للامة العربية " و " البوابة الشرقية " و " الملحمة البطولية الخالدة "  و " الحارس الامين للحدود الشرقية " و " النخوة العربية " و " الاهداف التوسعية " و " مدينة المدن "  و " يوم الايام "  و " الماجدات العراقيات  " و " الزلم العراقيين ".. و " القائد المنصور " و " بطل الامة "  ، و  " احفاد خالد وقتيبة وطارق والقعقاع .. " و " النظام السوري العميل " .. الخ
ثالثا : وفي التسعينيات وحتى السقوط ، استخدمت التعابير التي لا حد لها بين الوهم والدجل والاستخفاف : " يوم النداء العظيم  " و " ام المعارك " و " القائد المجاهد الفارس الشجاع " و " ويا محلى النصر بعون الله " و " صفحة الخيانة والغدر " و " العدوان الامريكي الاطلسي "  و " العدوان الثلاثيني " و " الزمر الضالة "  و " السياسات العدوانية " و " الحواسم "  و " تآمر العملاء في الداخل " و " الكيل بمكيالين " ( : اصبحت مثلا في الثقافة العربية  ) و " عبد الله المؤمن " و " الرئيس المجاهد " و " القائد الفذ "  و " قيم الاصالة والشرف "  و " الايادي الاثمة " و " المؤامرة الدنيئة الغادرة " وصولا الى " غدر الغادرون " .. الخ
التنابز بالالقاب :
    لقد روّج اعلام النظام السابق العديد من الاوصاف والالفاظ النابية بحق العديد من الملوك والرؤساء العرب والاجانب ، فسموا جمال عبد الناصر ( الدكتاتور ) – وكانوا يسمونه ايضا ( ابو خشم )  والملك حسين بـ " سليل الخيانة " و على عبد الكريم قاسم بـ " المجنون والخدّاع " وسمّوه بـ " الزعيم الهمشري " ( عقب انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 ) ،  وسمّوا محمد رضا بهلوي بـ " الشاة " ،  واطلقوا على حسني مبارك بـ " حسني الخفيف " او " حسني البقرة " ، وحافظ الاسد بـ " حافظ كسد " وسمّى صدام حسين الامير جابر بـ " قارون الكويت " و الامام الخميني بـ " الدجال " و انور السادات بـ " ابو رغال "  ومعمر القذافي بـ " مجنون ليبيا " ،  وهلم جرا  بحق زعماء مثل مارغريت تاتشر وجورج بوش وجعفر نميري وفيصل ال السعود وسليمان فرنجية وغيرهم .

لغة العراقيين اليوم
اولا : الانشائية وتشويه الحقائق
    انني اعتقد اعتقادا جازما بأن العراقيين اليوم قد انطلقوا من سجن المفاهيم التي وضعوا في داخلها زمنا طويلا .. ولكنهم لم يتخلصوا من خطيئتين اثنين في طبيعة خطابهم اولاهما اللغة الانشائية التي يستخدمونها حتى اليوم ، يعني مهارتهم في انشاء ( وصّف ) كلمات لا اول لها ولا اخر .. ربما لم يتفوقوا على غيرهم ممن اشتهر بصناعة مجرد كلام فضفاض .. ولكن اعتادوا على ان يقولوا اي شيئ او يكتبوا اي شئ من دون التفكير بما يحتويه كلامهم على معلومات اكيدة او مفاهيم محددّة . وثانيهما ما زال قسم كبير منهم وبضمنهم عشرات بل مئات من اساتذة الجامعات والكتاب والساسة والمثقفين وحتى قادة احزاب ووزراء .. لم يتخلصّوا من لغة العهد السابق ومصطلحاته وتعابيره .. ربما لا اقصد افراغ الثقافة العربية من كل ارث الماضي ، ولكن اقصد تلك التعابير المستعارة التي لا حقيقة لها . ان اي سياسي او زعيم او مثقف اذا فكّر قليلا قبل ان يطلق كلامه او قلمه مسائلا نفسه : هل لما استخدمه من تعابير ومصطلحات لها وجود حقيقي على ارض الواقع ؟ ويتواضع قليلا لكي يسمع من يرشده وينصحه .. فليس عيبا ابدا ان يستمع الانسان للنصيحة .. ولكن يبقى اي عربي في هذا الوجود تأخذه العزة بالاثم دوما وخصوصا العراقيين الذين من سماتهم ان احدهم لا يمكن له ان يتفق مع ثانيهم ابدا !! بل ويعتبر مجرد الالتفاتة النقدية طعنة نجلاء في صميمه ، ويبقى سادرا في غيّه ففي قاموسه جعبة مليئة بالشتائم والسباب الجاهزة .
     لقد كنت استمع قبل ايام قلائل الى احد المثقفين العراقيين الاسلاميين الجدد وهو ينفي عن العراق دوره التاريخي في تأسيس جامعة الدول العربية ويؤكد ذلك مرارا وتكرارا وينقد من يقول ذلك من المؤرخين . وانا واثق بأن الرجل ينطلق من ايديولوجية معينة ومن نزعة محددة ليس ضد العراق ، بل ضد " الجامعة " وكأنها مؤسسة شريرة بافكارها ومضامينها دون ان يفصل بين مبادئها وبين تطبيقات سياساتها !! ان هذا وغيره من المثقفين الاسلاميين المتطرفين لا يمكن له ( ولهم ) وهو لم يقرأ التاريخ ان ينفي ببساطة وبكل اريحية دور العراق الاساسي في ترويج الفكرة والدعوة اليها والصراع زمنا طويلا من اجلها ودور رجل العراق في العهد الملكي نوري السعيد صاحب مشروع الكتاب الازرق في ذلك وانتهاء بتوقيع بروتوكول الاسكندرية بتاريخ 7 / 10 / 1943 .  ان المشكلة اليوم تقوم اساسا في كل من يدلي بالرأي عن موضوع من دون ان يقرأ شيئا عنه ، وانه  لم يقرأ تاريخ المؤسسة وتاريخ ادوار العراق . واجد ان الامم المحترمة تحترم تواريخها ورجالاتها ولا يمكن ان تشوهها لاغراض سياسية او ايديولوجية .
     والمشكلة الاخرى ، ان الجيل الجديد اليوم يصدّق كل ما يسمعه من هذا وما يقرأه عن ذاك من دون ان يتحقق من الخبر حتى وان كان ذلك الخبر مشاعا ومعروفا للجميع . ناهيكم عما نسمعه ونقرأه من ترويج للاباطيل وتشويه للحقائق واتباع نفس اساليب العهد السابق في استئصال الحقائق وافتراس كل اصحابها ومهاجمة كل من يختلف معهم هجوما كاسحا وبذيئا .. مستخدمين اقسى انواع الكلمات والتشنيع بالاوصاف واهانة من يخالف بالرأي .. واختلاق جملة هائلة من السباب والشتائم .

ثانيا : تشويه الحقائق
   لقد تحّولت لغة الخطاب الرسمي العراقي اليوم ، وتبعتها لغة الاعلام الترويجي للعراقيين الذين يلوكون اليوم شعارات ومصطلحات وتعبيرات جديدة لم تكن مألوفة سابقا .. ولنا ان نتوقف عند مصطلحات : " الفيدرالية " و "المنطقة الخضراء"  و "سقوط الصنم"  و" المقابر الجماعية"  و " الارهاب "  و " المقاومة "  و " العملية السياسية " و " العملية الدستورية "  و " الانتخابات " .. وغيرها وكلها تعبيرات واقعية وصحيحة ولكن لدي اعتراض علمي صارخ لا يمكن التنازل العلمي عنه على تسميات جديدة ، مثل : الايزيدية والكلدو اشور .. خصوصا وان كل من هذين المصطلحين قد استخدما بعد سقوط النظام السابق من دون اي دراية ولا اي تفكير ولا اي سند علمي من قبل البعض فراج بين الناس .. والمشكلة وصلت لكي تغدو ضمن نصوص رسمية وقانونية . لقد نص دستور العراق الدائم على كل من هذين المصطلحين .
اولا : اليزيدية وليس الازيدية : لقد عرف اليزيدية بتسميتهم هذه منذ ازمان طويلة في التاريخ ، واذا يريد البعض تغيير هذه " التسمية " الشرعية فلا يمكن له ان يغّير اسماء ابناء هذه الطائفة ( الاموية ) التي حفلت بالاسماء الاموية كيزيد ومعاوية مثلا ! وسواء اختلف المؤرخون في انتماء اليزيدية الى العرب ام الاكراد ، فان الهوية لها خصوصيتها التاريخية وان الظاهرة اليزيدية لها خصوصيتها الدينية ولا يمكن التلاعب بشأن تسميتها لاغراض طائفية او عرقية او اي اغراض اخرى !  لقد طرحت هذا " الموضوع " مؤخرا على العديد من العلماء والمستشرقين طوال السنتين الماضيتين ، اذ استغرب كلهم مثل هذا " التشويه " المتعّمد لتسمية تاريخية عمرها قرون من الزمن ، ولكم ان تسألوا كل من المستشرقين  بوزورث واندريه ميكال وجوني هارت وروبرت اولسن ودينا خوري وغيرهم . ناهيكم عن مراجعة كل كتب العلماء والمؤرخين العراقيين عن ( اليزيدية ) امثال : صديق الدملوجي وعباس العزاوي وسليمان صائغ واحمد تيمور ويعقوب سركيس وعبد الرزاق الحسني وسعيد الديوه جي وتوفيق وهبي وسامي سعيد الاحمد وهاشم البناء وغيرهم .. او المستشرقين الاخرين امثال : ادموندز وجاك بيرك والبرت حوراني ولويس ماسينيون ولا يمكن ان نكّرس تسمية جديدة لا اساس لها من الصحة في " دستور العراق " وهو تشويه متعمّد وننسى ان هناك مراجع عالمية كالانسكلوبيديات ودوائر المعارف لا تقرّ أبدا بهذه التسمية الجديدة .
ثانيا : السريان والكلدان والاثوريون بدل ( الكلدو آشور ) التي اعتبرها تسمية مشوّهة اخرى تضمنها " الدستور الجديد " ويستخدمها من دون اي شعور بالذنب اغلب القادة والساسة والمثقفين العراقيين .. وهي تعني جمع كل من الكلدان والاثوريين في كيان اجتماعي واحد او منفصل من دون ان يدرك هؤلاء بأن العنوان الذي استخدمه العلامة المطران أدي شير في كتابه ( كلدو وآثور ) لم يعن به الجمع بين الاثنين – كما يجري اليوم - ، بل ان الكلدان طائفة مسيحية عراقية عريقة في تاريخها ولها بنيتها الاجتماعية والدينية في حين ان الاثوريين ( او : الاشوريين ) هم قومية دينية مسيحية عريقة هي الاخرى في تاريخها ، ولها خصوصيتها وكنيستها الشرقية المختلفة عن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية .. ( وللملاحظة : ان الفرق بين استخدام الشين او الثاء ) لتسمية الاثوريين هو فرق لفظي لحرف السين في اللغة الارامية بين شرق دجلة وغربها ) .
      واذا كانت الكنيسة الكلدانية لها مشاركتها السياسية ، فان الكنيسة الاثورية لم تشارك في السياسة ابدا . تاريخيا ، يمكننا القول بأن الاصل واحد وهو السريانية ، ولكن الافتراقات اللاهوتية والكنسية قد جعلت لكل ملّة طبيعتها وطقوسها وتفكيرها وخصائصها الاجتماعية والتاريخية . وهنا اقول بأن الاثوريين لا يقبلون ابدا – كما علمت من ابرز من يمثّلهم - ان يكونوا ضمن تسمية واحدة مع الكلدان معتبرين انفسهم " قومية " مختلفة وان الجامع بينهم وبين الكلدان هو الدين .. ولكن مرجعية كل من الطرفين الدينية لا تتلاقى مع واحدتها الاخرى .وعليه ، فلابد من الفصل بين الاثنين في التسمية .

واخيرا : ماذا اقول ؟
      كنت آمل ان اتوسّع في نقد جملة اخرى من التعابير والمصطلحات المستخدمة اليوم في العراق ، ولكن لا مجال اكثر في مقال كهذا استغرق عدة صفحات . ان معالجة هذا " الموضوع " لا تكفيه مقالة واحدة ، بل يستوجب الاهتمام به بالكثير من الدراسات النقدية والمقارنة والاجتماعية والسايكلوجية ، اذ ان اي مشروع للتغيير في العراق ، لا يمكن ان يجد فرص النجاح ان لم يغّير العراقيون تفكيرهم اللغوي ورصيدهم من التعابير واستخدامهم للمصطلحات التي الفوها على مدى نصف قرن مضى.. وانني واثق بأن لا يصح في نهاية الامر الا الصحيح اذا ما تجّرد المختصون لنقد ما يدلي به الجهلاء .. وان ما يستخدمه العراقيون اليوم من خطاب مشّوه ، سيتغّير مع مرور الزمن عندما يقتربون يوما بعد يوم من الواقعية ويتعلمون من الاخطاء التي يقترفونها بقصد او من دون قصد ..
     واتمنى على الساسة والمثقفين العراقيين الابتعاد عن الانشائية وصناعة الكلام الفضفاض وراجيا منهم تصويب ما ينشرونه من تعبيرات ومصطلحات ومفاهيم لا اساس لها من الصحة .. كما عليهم ان يتخلصوا من الحالة الثأرية لمعلومات تاريخية اكيدة يخالفونها  فيحاولون نفيها او اقصائها او مجانبة الصواب فيها .. فيشوهّون بذلك تاريخ العراق . انني بهذه " المداخلة " اتقدم الى المشّرع العراقي اليوم لكي يصحّح ما ورد في الدستور الجديد من اخطاء وتشوهات ، فمن المعيب ان يتضمن دستور العراق يقّره العراقيون مصطلحات خاطئة . واقول : بأن هذا لا ينفع ابدا ما دام العالم كله قد اعترف بتلك المعلومات والتسميات . فهل سينتبه العراقيون الى ما اقول ؟ اتمنى ذلك من صميم القلب .[/b][/size][/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة