المنتدى العام > سجل الزوار و باب الاقتراحات

قفغف

(1/1)

ashor_albazi:


اديرة العذارى
الأخ اشور ياقو الراهب

 
المقدمة:
الرهبانية، طريقة في العبادة تنفرد بها المسيحية عن باقي الأديان السماوية، ومنعطف قوي في هذه الديانة، وهي سيرة من سير العبادة، ويمكن تلخيصها، بعشق ذات الله والتفاني من أجله واعتبار الحياة الدنيوية شيئاً زائلاً بالنسبة إلى الحياة الأبدية.
الحياة الرهبانية هي تكريس الذات لخدمة الله والمجتمع، بعد أن يجرد الراهب نفسه من مغريات الحياة المادية منقطعاً عن العالم، ليعيش إما في انفراد وعزلة في البراري، أو في الصوامع، وإما أن يعيش حياة مشتركة مع آخرين في بيوت، أو أديرة يكرس ذاته لله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس، والتأمل، أو العمل اليدوي، أو الرسولي، وبالنذور الثلاثة: الطاعة، العفة، الفقر تحت طاعة مرشد، أو رئيس، ويختار الراهب الفقر والبتولية، محققاً بذلك رسالة المسيح في حياته. هذه هي أسس الحياة الرهبانية وجوهرها، وهذا ما حاول الملايين من الرهبان والراهبات في المسيحية تطبيقه لخدمة الكنيسة والمجتمع.
وقد أسس الرهبان والراهبات مئات الأديرة في شمال العراق، ووسطه وجنوبه. ومن الأديرة التي شيدتها الراهبات. أربعة أديرة تحت اسم دير العذارى في بلاد ما بين النهرين.
1- دير العذارى في بغداد:
اشار المؤرخون والبلدانيون إلى دير العذارى في قطيعة النصارى ، وعينوا موقعه على نهر الدَّجاج ، وأثنوا على متنـزهاته. سمي بدير العذارى لان لهم صوم ثلاثة ايام قبل الصوم الكبير يسمى صوم العذارى، فاذا انقضى الصوم اجتمعوا إلى هذا الدير تعبدوا وتقربوا، وهو دير حسن طيب .
عاش في قلالي هذا الدير راهبات عذارى كرَّسن حياتهن للصوم والصلاة، يأكلن ما يسد رمقهنَّ، ويلبسن الملابس الخشنة، وكان حول هذا الدير رياض وحدائق أريضة، وبساتين تتخللها الاشجار الباسقة الوارفة الظلال، التي تعشش على أغصانها طيور السماء، التي تشدو ألحاناً جذابة، وحيث الازهار المتنوعة والالوان الجميلة، ذات الروائح الذكية والعطرة. وتتدفق فيها المياه الغزيرة والسواقي العديدة. وقد وصف ذلك الشعراء بالنظم الدقيق والشعر الرقيق.
كان هذا الدير خراباً في أيام المؤرخ ابن الحق المتوفي سنة 739 هجرية، أي 1338 ميلادية حيث ذكره في كتابه مراصد الاطلاع 1: 436.
هل دير العذارى هذا هو نفسه (دير الاخوات) الذي نوه به ابن العبري في تاريخه الكنسي. ان البطريرك العلامة اغناطيوس افرام برصوم
(ت 1957) اعتقد ذلك، كما ورد في رسالته المنشورة في ذيل كتاب الديارات، والتزم بهذا الرأي الاستاذ كوركيس عواد ، وقد يكون الامر كذلك، ولكن لماذا سمّى ابن العبري، وهو المؤرخ الدقيق والكاتب الضليع باللغتين السريانية والعربية. هذا الدير (دير الاخوات) (دَيرًا داَخوْةًا)، ولم يسمِه (دير العذارى) (دَيرًا دَبةوْلًةًٌا). يعلق على هذا الدير الأب الدكتور بطرس حداد ويقول: (لذا فإني أرى ان هذا الدير أي (دير العذارى) كان للمشارقة النساطرة، وهو غير دير الاخوات الذي نوه به ابن العبري، ولا يعقل ان النساطرة وهم الاكبر عدداً في بغداد لم يكن لهم دير للعذارى ).

2- دير العذارى بين سرّ من رأى والحظيرة:
يقع هذا الدير بين سُرَّ من رأى والحظيرة  بجانب العلث  على دجلة. قال الخالدي: (وشاهدته وبه نسوة عذارى) ، وروى العمري عنه أن فيه راهبات عذارى وكانت حوله بساتين ومتنـزهات . وحكى الشابشتي: ان هذا الدير كان في اسفل الحظيرة على شاطىء دجلة، وهو دير حسن عامر حوله البساتين والكروم، وفيه جميع ما يحتاج إليه، ولا يخلو من متنـزه يقصد للشرب واللعب، وهو من الديارات الحسنة وبقعته من البقاع المستطابة، وانما سمي بدير العذارى لان فيه جواري متبتلات عذارى من سكانه وقطانه فسمي الدير بهنَّ  .
وقد ذكر هذا الدير الشعراء منهم ابو الحسن جحظة البرمكي ، وقال ابو الفرج بن علي الأصبهاني: أنشدني لنفسه قوله فيه : ألا هل إلى دير العذارى ونظرة إلى الخير من قبل الممات سبيل ؟ / وهل لي بسوق القادسية  سكرة تعلّل نفسي والنسيم عليلُ ؟ / وهل لي بحانات المطيرة وقفةُ أراعي خروج الزّق وهو حميلُ / إلى فتية ما شتّتَ العزلُ شملهم شعارهم عند الصباح شَمولُ / وقد نطق الناقوس بعد سُكُوته وشَمعلَ قسيس ولاح فتيلُ.
وقال: ولما خرج عبيد بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سرّ من رأى، وكان المعتزّ استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب به، ثم قال هذه الابيات : ما ترى طِيب وقتنا يا سعيدُ زَمنُ ضاحِكٌ ورَوضٌ نضيدُ / ورياضٌ كأنهن ّ بُرودُ كُلّ يومٍ لهنَّ صَبغٌ جَديد / وكأن الشَّقيقَ فيها عَشيقُ وكان البهارَ صبُّ عَميدُ / وكأنّ الغُصونَ مِيلاً قدُودُ وكأنّ النُّوارَ فيها عُقُودُ / وكأنّ الثمارَ والورقَ الخُضُرَ ثيابُ من تحتهنّ نُهودُ / فاسقنيها راحاً تُريح من الهمِّ وتبدي سُرورنا وتُعيدُ / واحثث الكأسَ يا سعيدُ فقد حثك نايُ لها وحرّك عودُ.
3- دير العذارى بين الموصل وارض باجرمي:
يقع هذا الدير بين ارض الموصل وبين ارض باجرمي من أعمال الرقة، وهو دير عظيم قديم، وبه نساء عذارى قد ترهَّبن وأقمن به للعبادة فسمي به لذلك. وكان قد بلغ بعض الملوك أن فيه نساءً ذوات جمال، فأمر بحملهنَّ إليه ليختار منهنَّ من يريد، وبلغهن ذلك فقمنّ ليلتهنَّ يُصلّين ويستكفين شرَّه، فطرق ذلك الملك طارق فأتلفه من ليلته فاصبحن صياماً ، فلذلك يصوم المسيحيون في العراق الصوم المعروف بصوم العذارى (بعوةًٌا دَبٌةٌوْلًةًٌا) إلى الان.
4- دير العذارى في الحيرة 
سميَّ هذا الدير بدير العذارى، لان مسيحيي كنيسة المشرق كانوا يصومون صوم العذارى ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الاثنين الذي يلي عيد الدنح . إذ ان أحد الملوك أراد أن يعبث براهبات دير العذارى في الحيرة، فصلينَّ إلى الله ليبعد عنهنَّ شره، فقبضت روحه في الليلة الثالثة . وروى البيروني: ان احد ملوك الحيرة أراد أن يختار منهن له نسوة، فصمن ثلاثة أيام بالوصال، فمات ذلك الملك في آخرها، ولم يمسسهن ومذ ذاك اخذوا يصومون هذا الصوم المعروف بصوم العذارى  .
وقال الجاثليق عبد يشوع ( المتوفى 1570م)  في رسالة سطرها عام (1567م) ما تعريبه: نظام باعوثا العذارى (صوم العذارى) الذي وضعه يوحنا الازرق  اسقف الحيرة: لما طلب احد الملوك من النصارى بنات عذارى اجتمع أهل الحيرة في الكنيسة مع الاسقف المذكور، وبعد ثلاثة أيام نجاهم الله، ومات ذلك الملك، وقد قبل الرب دعاءهم كأهل نينوى، وامر الاباء من ذلك العهد أن يقام الباعوث  (صوم العذارى) للذكرى والمساعدة.
وقد نسب بعض المؤرخين خبر هذا الصوم إلى دير العذارى الواقع بين ارض الموصل وبين باجرمي من اعمال الرقة كما ذكرنا أعلاه. وهناك تقاليد أخرى مشابهة لهذه .

*****

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة