الحوار والراي الحر > الاقتصادية

أتريد أن تتعلم كل شيء عن علم الاقتصاد؟ . الفصل السابع

(1/1)

حكمت البيداري:

أتريد أن تتعلم كل شيء عن علم الاقتصاد؟
So, You Wish to Learn all about Economics?
كتاب في علم الاقتصاد الرياضي الابتدائي
تأليف: ليندون هـ. لاروش
Lyndon H. LaRouche


ترجمة: حسين العسكري
Translated by: Hussein Askary



صَدَرَت الطبعة الانجليزية عام 1995 عن:
EIR News Service, Inc
Washington, D.C




الفصل السابع
فصل واحد فقط حول النظرية النقدية

A Chapter Dispensing with Monetary Theory






ليس إجحافا أن نقارن معظم ما يعتبر اليوم عموماً بالخبرة الاقتصادية الحديثة بمحاولة إدخال رأسك في سروالك كخطوة أولى لتسحبه إلى أعلى قدميك. فانطلاقاً من نقطة البداية لألف باء الاقتصاد الفيزيائي، يكون ما يستحق أن يعرف من مادة تعليم الاقتصاد المعاصرة قابلاً للاختصار في أسبوع واحد من الدراسة تقريباً. إن هذا التصريح ليس تصريحاً دبلوماسياً بحق، لكنه الحقيقةَ عاريةً. تبعاً لذلك فإننا لن نفرد إلا فصلاً واحداً فقط من كتابنا هذا للتطرق إلى ما تسمى بأسرار النظرية النقدية. أولاً، حول ما يخص الوضع العام للنظرية النقدية اليوم.

إن ما يعتبر اليوم "علم الاقتصاد" في الكتب المدرسية والنشرات المحترفة هو في الواقع {{نظرية النقد}} ليس إلا. إذ يتم تجاهل بعض أهم مواضيع الاقتصاد الفيزيائي أو يتم حذفه من المقرر الدراسي علناً. أما ما تتطرق إليه الدراسة الأكاديمية للاقتصاد الحديث من مواضيع الاقتصاد الفيزيائي فلا يتجاوز أن يكون النظام المستخدم فيها قطعاً متناثرة وأجزاء اعمل فيها مقص الرقابة حتى استحالت عقيدة فيزيوقراطية بعثت من جديد، أو أجزاء متنافرة لأعمال كتاب ماركسيين تم تلصيقها ببعضها البعض. وكل ما يفرد له الاهتمام من هذا النوع من مواضيع الاقتصاد الفيزيائي يتم إخضاعه للعقيدة النقدية. أما القاعدة البديهية للفكر النقدي إجمالاً فهي {{"اشتري برخص وبع بغلاء"}}؛ إذ يُنظَرُ إلى كل شئ من منظور السماسرة وأصحاب البنوك المتعاونين معهم.

وتنقسم مغالطات نظرية النقد المعروفة إلى نوعين يتمم أحدهما الآخر، ويندرج كلاهما ضمنياً تحت باب {{"المذاهب الأخلاقية"}} كما يبشر بها ديفيد هيوم وادام سمث وجيريمي بينتهام. ويمكن تشخيص النوع الأول من شعار {{"سحر السوق"}}، وهو الشعار الذي يستعان به لتوضيح جميع اوجه العملية الاقتصادية من منطلق نظرية الأسعار. إن هذا الأمر يؤدي إلى جعل محاولة وصف العملية الاقتصادية كما تحدث في حياة الواقع وصفاً صائباً من الأمور المستحيلة وأمرا بالغ التعقيد في المحاولة الفاشلة لا محالة. أما المصدر الرئيسي الثاني لبيان عجز النظرية النقدية فهو الجهد الذي يبذل في سبيل تبرير الصيغ المتعددة للربا على إنها ممارسات اقتصادية فعالة لكي تظهر وكأنها تشرح لنا السبب وراء ضرورة اعتبارها خصائص لا غنى عنها في العملية الاقتصادية ككل. إن هذا الأمر يزيد محاولة الوصف إغراقاً في التعقيد.

إن الاقتصاد الفيزيائي يساعدنا على تجاوز النوع الأول من الأخطاء تجاوزاً كلياً، إذ أن مبادئ الاقتصاد الفيزيائي تدعم التعاليم الاوغسطينية (نسبة إلى القديس اوغسطين) الراسخة التي تعتبر جميع أشكال الربا لاأخلاقية ومدمرة للرفاهية العامة ومنها ربا الدَين والربا المستتر في ريع الأرض والربا المستتر في شكل المضاربة على السلع. فإذا حرّمنا هذه الممارسات اللاأخلاقية والمدمرة عن طريق السياسات العملية فان الصعوبات النظرية المرتبطة بحساب تأثيراتها (تأثيرات أشكال الربا) اليومية ستستأصل من جذورها. وبمساعدة هذين الإجراءين التوجيهيين يمكننا تقزيم الخصائص الفعالة لنظرية النقد من ناحية الحجم إلى مجموعة مبادئ لا تتطلب بمجملها اكثر من فصل واحد من أي كتاب في الاقتصاد.

تبدأ نظرية النقد في التأريخ الأميركي واقعاً بكتابات "الماثيرز" (Cotton Mather و Increase Mather) ومقترح بنجامين فرانكلن (1706ـ 1790) القاضي بتأسيس عملة ورقية للمستعمرات الإنجليزية في شمال أميركا، بالاعتماد على عمل ماثير .[1]

وأصبحت نظرية النقد أكثر اكتمالا في عهد الرئيس جورج واشنطن، كما هو موضح في "تقارير إلى الكونغرس" حول الاعتمادات والصيرفة التي ألّفها وزير الخزانة الأميركي اليكساندر هاملتون (1755ـ 1804) .[2]

وأغنى ماثيو كاري (1760ـ1839) [3]

هذا الموضوع، بينما زاده هنري سي. كاري (1793ـ 1879) عمقا.[4]

وتتجلى عناصر رئيسية من هذا الموضوع في القسمين 8 و 9 من المادة 1 في الدستور الأميركي.
وتتلخص عناصر نظرية النقد فيما يلي.

إن كمية النقود التي تطرح للتداول، في هيأة أجور أو مداخيل نقدية أخرى، هي وظيفة تلك المواد ذات الكلفة التي تقابل طاقة النظام. وقد تتنوع الكميات الفعلية المطروحة للتداول من نسبة الناتج هذه بطرق متنوعة، من خلال تقلبات الأسعار أو من خلال تدفق الأموال خلال قنوات النفقات الإضافية التي ليست لها علاقة عملية بالدورة الإنتاجية. وطالما كانت الدورة الإنتاجية هي التي تحدد المدفوعات، فان قيام الإنتاج بتحديد النمو الدوري لموارد النقد يتم كما هو مبين. إن الإنتاج لا يولِّد نسبة من الموارد النقدية مناسبة للسماح بشراء نسبة الطاقة الحرة من الناتج.

إن هذا الموضوع الذي شخصناه للتو أعلاه تتم الإشارة إليه أحيانا بـ "مشكلة إعادة الشراء"( The buy-back problem).

إن علاج هذا النقص يكمن في نفوذ الحكومة. فلأجل الحصول على تداول النقد لشراء السلع المادية المتماثلة مع نسبة الطاقة الحرة، يجب على الحكومة أما أن تأخذ الضريبة نقداً من التدفقات المالية خلال عناصر النفقات الإضافية غير الإنتاجية ـ مثل الربا وريع الأرض وإعادة البيع بواسطة المضاربة ـ وإما أن تخلق الحكومة النقود. ويمكن دمج كل من الإجراءين في صيغة واحدة.

إن الطريقة التي يجب أن تتبعها الحكومة لخلق الاعتمادات هي إصدار أوراق عملة ذات احتياط ذهب من "خزانتها" (وزارة المالية)، ويفضل أن تكون في هيأة مبالغ قابلة للإقراض يتم تداولها ضمن النظام المصرفي القومي. ويتم طرح إصدارات النقد للتداول عن طريق القروض المصرفية. وطالما أن هذه القروض هي قروض مضمونة غالباً، فإن قيمة العملة المتداولة بهذه الصيغة تكون مدعومة من قبل الضمان الممنوح لهذه القروض. وتكون الحكومة، في الواقع، ملتزمة ومسؤولة قانونياً عن نسبة إجمالي مثل هذه الإصدارات من العملة التي قد تثبت أنها غير مغطاة بصورة ملائمة بضمانات الديون المقدمة بهذه الصيغة في وقت ما في المستقبل. إن المسؤولية الرئيسية التي يتوقع أن تترتب على الحكومة بهذه الطريقة تأتى من انعدام التوازن في حسابات المدفوعات الخارجية؛ طالما انه لا توجد عملة دولية تغطي هذه النفقات الطارئة ـ ولا يجب على أية جمهورية ذات سيادة [5]

أن تسمح بوجودها (أي العملة العالمية) ـ فيجب على وزارة المالية أن تغطي العجز في حساب ميزان المدفوعات الخارجية من خلال مدفوعات بالذهب النقدي [6]

.
ذلك هو، في أساسياته المجردة، {{نظام نقد احتياطي الذهب}}.

أما اكثر مذاهب السياسات النقدية تناقضا مع هذا النظام وأكثرها شهرة فهو {{نظام قاعدة الذهب}}، المتمثل بالنظام المتمركز في لندن في نهاية القرن التاسع عشر، وصيغة "أسعار الصرف العائمة" الحالية لنظام بريتون وودز (نظام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة الاتفاقية العامة للتعرفات الجمركية والتجارة ـ الجات وغيرها).

ففي نظام قاعدة الذهب تقوم وزارة المالية الأميركية بإصدار دولار واحد بالضبط في هيئة عملة ورقية لكل ما يساوي قيمة دولار واحد من السكة أو السبيكة الذهبية المودعة عند الوزارة أو كل بنك خاص أو مجموعة من البنوك المرخص لها من قبل حكومات الولايات للقيام بمثل هذه الإصدارات للعملة الورقية بشرط أن يوجد دولار ذهب واحد كاحتياط عند البنك المصدر مقابل كل دولار ورقي بحيث يمكن لأي شخص يبرز عملة ورقية في مكاتب الوكالة المصدرة للعملة أن يستبدلها بحرية بما يقابل قيمة تلك العملة بعملات أو سبائك ذهب.[7]

يقيد نظام قاعدة الذهب كمية العملة المتداولة ويحددها بكمية الذهب الموجود عند وزارة المالية و/أو البنوك المرخص لها بطرح مثل هذه الإصدارات للعملة. وعندما أُخضعت الولايات المتحدة لهذا النظام تحت قانون العودة إلى قاعدة الذهب (U.S. Specie Resumption Act) في أواخر السبعينيات من القرن التاسع عشر، أُقحِمَت الأمة في أزمة اجتماعية مستديمة انطلقت بسبب الركود الاقتصادي العميق الذي دام طويلاً. خلال تلك الفترة وبعدها تمكن الأجانب من شراء أجزاء كبيرة من العقارات وغيرها من الأصول الحكومية الأميركية والخاصة بالمواطنين الأمريكيين "بأسعار رخيصة رخص التراب". وكان الأسوأ من ذلك ـ بسبب استنزاف سبائك الذهب في ودائع الخزانة الأميركية نتيجة للسياسات المرتبطة بقانون العودة إلى قاعدة الذهب ـ هو أن أمما اقل إنتاجية من الولايات المتحدة ومصالح خاصة مالكة لكميات من الذهب تمكنت من نهب الحكومة الفيدرالية ومواطنينا نهبا شاملاً عن طريق الشراء بواسطة عملة ورقية لم يكن لها أي دعم يقابلها في هيئة إمدادات من ناتج السلع المادية المتوفرة.

إن النقطة الجوهرية التي يجب التركيز عليها من منظور نظرية النقد هي أن قاعدة الذهب أسوأ من عدم إصدار أية عملة ورقية على الإطلاق. النقطة الأساسية هي عدم وجود علاقة وظيفية بين مستويات ناتج السلع المادية وكمية النقود المتداولة. ففي حالة "نظام احتياطي الذهب" المحدد سابقاً لا يكون الذهب هو قاعدة الدعم للنقد الصادر، بل الأصول المادية ذات القيمة، أي السلع المفيدة. بالإضافة إلى ذلك تكون الموارد النقدية في نظام احتياطي ذهب صحيح في توافق تقريبي مع السلع المتداولة. أما في نظام قاعدة الذهب فتكون الموارد النقدية أدنى بكثير من مستوى السلع المعروضة للبيع بواسطة الإنتاج: من هنا تكون حالات الركود الاقتصادي ـ عادة حالات ركود حادة بشكل استثنائي ـ ذات علاقة تبادلية مع نظام قاعدة الذهب.

ويعتمد مدى فاعلية نظام احتياط الذهب على سياسات الإقراض المتحكمة في قروض إصدارات العملة. وتكون المعايير التالية مطلوبة لضمان الفاعلية القصوى.

1ـ يجب أن يكون الاستعمال الاقتصادي العام الوحيد لقروض إصدارات العملة أما للاستثمارات المتعلقة بإنتاج السلع المادية، أو للاستثمارات المتعلقة بتنمية البنية التحتية الاقتصادية الضرورية لإنتاج السلع المادية. أما أشكال الإقراض الأخرى فعليها أن تستخدم قروض ودائع العملة أو السكة أو السبائك بصفتها مدخرات خصوصية مودعة عند مؤسسات إقراض.

يجب أن تكون إصدارات العملة موجهة إلى الاستثمار في سلع مادية منتجة حديثاً، ويفضل أن تكون سلعاً إنتاجية جديدة، ويجب أن لا تستخدم اكثر من فترة مؤقتة، لفترات قصيرة لتحفيز اقتصاد راكد، وللدين المترتب على مشتريات السلع الاستهلاكية. ويجب أن لا يتم إقراض إصدار العملة إطلاقاً للاستثمارات في السلع المستعملة من أي نوع كانت أو لغرض تمويل أو تغطية أي جزء متعلق بالنفقات الإضافية باستثناء مبالغ دنيا عرضية تكون ضرورية بصفتها كميات تكميلية هامشية للإقراض في قروض صادرة بالدرجة الأساس لشراء سلع إنتاجية جديدة تستخدم لإنتاج السلع المادية أو البنية التحتية الأساسية الضرورية.

الهدف من ذلك هو تحفيز الاستثمار في إنتاج السلع المادية، والتأكد من أن التزامات الحكومة الموجودة ضمنياً في إصدار العملة يتم ضمانها بواسطة استثمارات تكون بدورها مرتبطة بجني الدخل من خلال عملية إنتاج السلع التي تقوم بها الجهة المقترضة.

2ـ يجب إعطاء الأفضلية في منح القروض للاستثمارات ذات التقنية المتقدمة في السلع الإنتاجية، وان توزن تفضيلياً لصالح إنتاج السلع الإنتاجية، وان توزن هذه بدورها تفضيلياً لصالح الجزء المتعلق بصنف الآلات المكنية من مجمل إنتاج السلع الإنتاجية.

3ـ يجب إعطاء الأفضلية للقروض التي هي مفضلة حسب الأسس المذكورة في النقطة السابقة والمرتبطة أيضاً باشتراك المدخرات الخصوصية المودعة في عملية الإقراض.

أما معيار التفضيل الثالث فيجب أن يصمم ليعمل بالأسلوب التالي.

3أـ يجب إقراض إصدارات العملة بنسب حسم أدنى بكثير من تكاليف الاقتراض في أسواق الإقراض للودائع الخصوصية، بما يتراوح بين 2% و 4% سنوياً. ويسمح للبنوك الخصوصية التي تعيد إقراض إصدارات النقد هذه بإضافة علاوة صغيرة على إقراض إصدارات العملة. بهذا سيضمن البنك الخاص الشروط الأكثر تفضيلاً عن طريق إضافة بعضٍ من ودائعه القابلة للإقراض إلى نفس القرض الذي تشارك فيه إصدارات العملة الحكومية. إذا كانت عملية الإضافة شرطاً للمساهمة في قرض إصدار العملة، فإن البنك الخاص سيكون لديه حافزٌ مزدوجٌ للاستفادة من هذه التسوية: إذ تزداد قدرته التنافسية الاقراضية بالإضافة إلى كفاءة إجمالي حركة ودائع البنك زائداً رأس المال من جهة. من جهة أخرى ستحرز قدرته على الإقراض التي تزداد بفضل الاشتراك في قروض إصدارات العملة معدل نمو دخل يعتبر الأعلى نسبياً بين المودعين الخاصين المحتملين في سوق البنوك الخاصة. 3ب ـ يمكن للحكومة أن تعزز أهدافها بشكل احسن عن طريق جذب نسب اعظم من ودائع المدخرات الخاصة إلى الأصناف المفضلة من الاستثمارات.

إن آليات هذه العملية بسيطة. يقدم بنك خاص ما اتفاقية قرض مقترحة مع صنف مفضل من المستثمرين إلى الجهة المختصة في (بنك) نظام الاحتياط الفيدرالي (Federal Reserve System) على سبيل المثال الذي ينوب عن "الخزانة" في هذا القضية. عند صدور موافقة تلك الجهة على القرض، يحرر بنك الاحتياط الفدرالي شيكا مقابل إصدار العملة المودع عنده من "الخزانة". يحرر هذا الشيك للبنك المُقرِض. ويودع الشيك في حساب المقترض في ذلك البنك؛ حينذاك يسمح للمقترض أن يسحب على ذلك الحساب بشيكات يوقعها الموظف المسؤول في البنك توقيع مصادقة، مقابل أصناف من المشتريات مصادق عليها ومتطابقة مع غرض الاستثمار الذي من اجله تم تحديد صيغة اتفاقية القرض المصادق عليها. هكذا يتم تداولها مع بائع الأصناف المعينة من السلع، والى الخدمات ومستلمي الرواتب. وعلى هذا النحو يتم تقنين إصدارات العملة لغرض تداول نسبة الطاقة الحرة من الناتج القومي.

ويجب في نظام احتياطي الذهب أن يوضع في الحسبان نوعان متميزان، لكن متداخلان، من الأعباء. أولهما: طالما كانت إصدارات العملة تستخدم مباشرة لشراء السلع الأجنبية، فإن ذلك يخلق عبأً على "الخزانة". ثانيهما: أن التداول الثانوي (غير المباشر) لأوراق العملة الصادرة قد يستخدم للمشتريات الخارجية، مسبباً بذلك نفس العبء الآنف الذكر.

يتم علاج هذا العبء الخارجي بواسطة الإجراءات المنَظِّمة لصرف العملة حيث تتم عمليات الدفع للأجانب مقابل الواردات بواسطة عملة البلد المصدر بصورة رئيسية، بحيث يقوم المشتري الأميركي (مثلاً) بشراء العملة الأجنبية عن طريق النظام المصرفي القومي بدولارات احتياطي الذهب. ويصبح هذا الأمر في الواقع عملية منح إجازات استيراد طالما أن مشتريات العملات الأجنبية مقتصرة على تلك الكميات من كل عملة أجنبية ينتخبها النظام المصرفي القومي (بضمنه وزارة المالية) للشراء. أما المعيار الذي يتبعه النظام المصرفي القومي في هذا الشأن فهو موقف ميزان مدفوعات هذا البلد من كل بلد آخر. ويتم إكمال هذا الأمر بواسطة السياسة (المتبناة على نحو صحيح) التي تنص على أن الولايات المتحدة (مثلاً) لن تسوي عدم التوازن في الحسابات الأجنبية إلا مع تلك الأمم التي لديها ترتيبات احتياطي ذهب متبادلة معها.

ويتم التعامل مع ارتفاع نسبة الواردات عن طريق تحفيز الصادرات. بهذا الخصوص، تؤدي الدولة ثلاثة أدوار: أولاً، تقوم بتشجيع اتفاقيات تسهل صادرات أصناف السلع الإنتاجية . ثانياً، تقوم بالمحافظة على وظائف الإقراض المرتبطة بالصادرات ـ الواردات التي تخدم تمويل أسواق الصادرات الأميركية العالمية وفقاً لنفس مبادئ التفضيلات الاقتصادية المستخدمة لتنظيم إقراض إصدارات أوراق العملة محلياً مع التركيز على تشجيع صادرات السلع الإنتاجية وفق ما تتطلبه المبادئ. ثالثاً، تقوم الدولة، بالتعاون مع النظام المصرفي القومي، بتسوية حالات العجز وحالات الفائض في الالتزامات المشتركة للقطاعين الأميركيين العام والخاص بين شركاء تجاريين منتخبين للإبقاء على الالتزامات والأصول في مواقف العملة الأجنبية في حالة توافق مع كل من ضمان مواقف احتياطي الذهب الأميركي (مثلاً) وحاجات الحكومة والمصالح الخاصة للبلد فيما يخص التجارة الدولية.

ويجري إتمام هذه الأمور بواسطة الوظائف الاقتصادية للدولة. وبشكل عام، يجدر بالحكومة قدر المستطاع أن تقصر وظائفها الاقتصادية المباشرة على تطوير وصيانة البنية التحتية الاقتصادية الأساسية للزراعة والصناعة. ويفضل، قدر الإمكان، أن تكون الوظائف الاقتصادية الأخرى شأن الاستثمارات الخاصة. وتقوم الدولة في مجال وظائفها الاقتصادية (وتتضمن في هذه الحالة الحكومة الفدرالية للولايات المتحدة الأميركية والولايات والأفرع المحلية للحكومة) إما بتزويد البنية التحتية الاقتصادية الأساسية أو توفيرها عن طريق منشآت الخدمات العامة المنظمة حكومياً. وتتضمن هذه إدارة المياه والنقل العام (الموانئ وتسهيلاتها ووسائل النقل الكبرى مثل السكك الحديد والطرق السريعة والنقل على الطرق البرية السريعة والنقل الجوي) وإنتاج الطاقة وتوزيعها وتنمية وتوزيع الموارد الطبيعية والبنية التحتية الصناعية للبلديات وبضمنها الخدمات الأساسية البلدية التقليدية.

ويكون من اوجه الحكمة أن لا تجلب الدولة على نفسها ديناً متراكماً سواء كان متوسط الأجل أو طويل الأجل لأي سبب كان باستثناء الاستثمارات الرأسمالية في مثل هذه الوظائف الاقتصادية. ويجب أن تكون مشتريات الحكومة لمثل هذه الوظائف من صيغة (S' + C) بطبيعتها وبتأثيرها على الاقتصاد. ويمكن التعاطي مع (تمويل) هذه المشتريات عن طريق قرض من إصدارات العملة لمثل هذه الاستثمارات الرأسمالية. ويمكن هذا الأمر الحكومة من تحفيز عملية تحقيق طاقة الاقتصاد الحرة، ليس فقط في صافي التأثير على مستوى مشتريات ناتج السلع المادية ككل، بل وانتقائياً أيضا (أي انتقاء المشتريات). وبما أن للحكومة حرية التصرف في التفاوت الزمني لتنفيذ الجزء الأكبر من الاستثمارات المتبناة في مشاريع البنية التحتية، من ناحية السنة التي تباشر فيها والمعدل الذي يتم عنده إكمال هذه المشاريع، فإن الاستخدام الحكيم لهذا التفاوت الزمني يوفر تحفيزاً انتقائياً لتلك الحقول من ناتج السلع المادية التي تتطلب هامشاً من التحفيز في فترة زمنية ما. مع هذا، عندما تقوم الحكومة بالتصرف على هذا النحو فإنها لا تنفق شيئاً إلا على ما يجب عليها أن تنفقه على أي حال، وأن يكون تأثير هذا الإنفاق موجهاً بحيث تؤدي إلى الحصول على صافي تأثيرات على صحة الاقتصاد إجمالاً. بالإضافة إلى ذلك، يتم الإبقاء على مستويات ديون، وتكاليف خدمة ديون الحكومة عند أدنى مستوى من التكاليف عن طريق استخدام إصدارات العملة كمصدر رئيسي يتم بواسطته تمويل الجزء المتعلق بالديون من الاستثمارات الرأسمالية.

إن المعيار الرئيسي لصنع القرار في شؤون السياسة النقدية هو تأثيرها المحسوب مسبقاً من ناحية تنمية الاقتصاد الفيزيائي كما عرَّفناه إلى الآن في هذا الكتاب. بهذا، تشكل السياسة النقدية امتداداً ومعامل ارتباط للدالة الرياضية "للاقتصاد الفيزيائي". ويكمن دور الحكومة بصفة أساسية في إدارة وظائفها الاقتصادية والنقدية بحيث تؤدي إلى صياغة مجمل البيئة الاقتصادية ـ النقدية للاستثمارات الفردية الخاصة تبعاً لذلك.

فمن منظور علم الاقتصاد، يعتبر الفصل الشعبي الشائع ما بين السياسة النقدية والسياسة المالية محض وهم. فسلطة الحكومة، وخاصة الحكومة الوطنية، التي تخولها لفرض الضرائب، وعلاقة السياسات الضريبية بإدارة الدين العام هي جزء مباشر لا يتجزأ من السياسة النقدية، ذات تأثير عميق على الاتجاه الذي يطور الاقتصاد فيه نفسه.

إن لعملية فرض الضرائب وظيفة مزدوجة. فعليها أن تلبي التزامات المدفوعات المباشرة للحكومة، ولكن عليها أيضا أن تقسم ثقل الضريبة على الاقتصاد بصيغة يقع فيها أدنى ثقل من الضرائب على تلك النشاطات المرغوبة اكثر من غيرها نسبياً، وأن تفرض اثقل ضريبة على تلك النشاطات غير المرغوبة. ونرى مجدداً، يشكل تحليل مبادئ "الاقتصاد الفيزيائي" المعروضة في هذا النص دليلاً عاماً إلى عملية صنع السياسات.

فمثلاً، يجب أن تقع أثقل نسبة من الضريبة على تلك النشاطات غير المرغوبة مثل الربا بكل أشكاله، وعناصر النفقات الإضافية القومية التي تكاد تكون لاأخلاقية. فأما أن يمحى الإثم، وأما أن تفرض عليه الضريبة إلى أن يباد. في نفس الوقت، تكون أعباء الضرائب المفروضة على اسر العمال (مثلاً) لاأخلاقية ومؤذية اقتصادياً أيضا بتأثيراتها. بالرغم من أن القابلية على الدفع يجب أن تكون متناسبة على وجه العموم مع الهِبات التي يحصل عليها الأفراد الآتية من الفرص التي تقدمها لهم الأمة، فإن مرغوبية وجود نسب عالية من استثمارات رأس المال الخاص يدعو الديماغوجيين الحمقى إلى فرض الضرائب العالية على المداخيل العالية قصاصاً ليس لسبب سوى أنها مداخيل عالية. إن التمييز الأخلاقي والاقتصادي ـ الوظيفي الواجب استخدامه في مثل هذه الحالة هو كيف يتم استخدام ذلك الدخل. فإذا تم ادخار الدخل، ومن ثم تم استثمار هذه المدخرات أو تم إقراضها لتشجيع استثمارات رأسمالية نافعة، بالمعنى النسبي للنفعية الذي توفره مبادئ علم الاقتصاد الفيزيائي، فيكون من باب الحكمة توفير اعتمادات الاستثمارات الضريبية (tax-investment) لذلك الجزء من الدخل، بحيث يترك العبء ليقع بشكل أوتوماتيكي وبثقل اعظم على مداخيل المبذرين.

أما بخصوص كل من مسألتي تدفق الاعتمادات من خلال المؤسسات المالية وتدفق المشتريات من الدخل، فإنه إذا تم تجويع أحد نواحي الاقتصاد نسبياً وتشجيع ناحية أخرى بواسطة التأثير الناتج عن مثل هذا التفاوت في نسب التدفق، فإن هذا التفاوت سيصوغ البنية الكلية للاقتصاد القومي نحو الأحسن أو نحو الأسوأ طوال المدة التي يشيع فيها.

إن هذه النقطة تمس مبدأً من مبادئ القانون الطبيعي وفقا للمرجعية التي يمثلها نيكولاس كوزانوس على سبيل المثال لتعريف مصطلح القانون في الحضارة الحديثة. إن الحقوق الطبيعية لجميع الأفراد هو التعريف الصحيح لمصطلح "العدالة" equity وفقا لمثل هذا القانون الطبيعي. إن الحق الأساسي للفرد هو حق إنساني، أي ذلك الحق المستند إلى القدرة النوعية التي تميز الرجال والنساء عن البهائم: وهي قدرة العقل المبدع. إذ تعتبر تنمية القوى العقلية عند جميع الأفراد صغار السن وصولاً إلى المستوى المتناسب مع التكنولوجيا المعاصرة حقاً إنسانيا. كما وان حق وواجب الفرد في الاستمرار في تنمية تلك القدرات هما حق إنساني. إن الحرية لتوظيف هذه القدرات المطورة بالشكل الذي يجعل حياة الفرد التي عاشها ذات قيمة مستديمة للمجتمع بعد انتهاء تلك الحياة، هو أحد أهم حقوق الإنسان وأكثرها جوهرية. وبخلاف ذلك، فإن قيمة الفرد تذهب معه إلى القبر، شأنها شأن قيمة أية بهيمة. إنه لحق إنساني لجميع الأفراد أن يتم النظر إلى حياة الإنسان باعتبارها مقدسة من ناحية المبدأ العملي، وأن تحيى تلك الحياة بحيث تكون مساهماتها للمجتمع ذات منفعة دائمة للبشرية عموماً ولأجيال عديدة قادمة. وحيثما تعارض أي نوع آخر من الحقوق المصممة مع هذا المبدأ المؤسس من حقوق الإنسان فلا بد أن يخضع ذلك الآخر لهذا المبدأ؛ {{ذلك هو مبدأ العدالة ضمن القانون الطبيعي}}. ولا يمكن التسامح مع أي تعريف يتعارض مع هذا ضمن القانون الطبيعي.

وبما أن الاقتصاد والدولة هما الأداتان اللتان يعتمد عليهما منح حقوق الإنسان للجميع، فإن وظائف الاقتصاد والدولة التي لا غنى عنها من اجل تلبية مبدأ العدالة تشارك أيضا في حماية مبدأ العدالة. وحيثما انتهك أيّ حق أو امتياز آخر الحقوق التي يضعها مبدأ العدالة في العملية الاقتصادية والدولة فإن ذلك الآخر يكون باطلاً وفقاً لذلك.

ولكي نضرب مثلاً مشهوراً على مبدأ العدالة ضمن القانون الطبيعي نورد الآتي؛ إذا كان انتزاع مدفوعات الدين من المدين عنوة يؤدي إلى تدمير حياة بشرية أو إلى انتهاك حق العدالة، فلا يجدر بالدائن أن يحصل على تلك المدفوعات على هذه الشروط، وإذا لم يكن بالإمكان إزالة العيب (أي عدم قدرة المدين على إعادة الدين الذي عليه) عن طريق تأجيل وقت الدفع أو الشروط الأخرى للدفع، فإن مطالبة الدائن للمدين بالدفع تصبح باطلة وفقاً للقانون الطبيعي: مذهب شايلوك .[8]

إن مبدأ العدالة، كما وصفناه باختصار أعلاه، يحدد بصورة مباشرة أو ضمنية جميع قضايا المبادئ الأخلاقية العامة في ممارسات الحكومة أو المؤسسات الخاصة و الأشخاص. وينقسم عبء مسؤولية ضمان ما يقع تحت حماية هذا المبدأ بالتناسب مع السلطة النسبية للمؤسسة أو الشخص المتعامل مع موضوع العدالة المطروح في حينه [9]

.
وإذا جاء شخص ليجادل بأن مبدأ العدالة هذا يقع خارج مجال الموضوع الذي يتناوله الاقتصاد السياسي، فإن بالإمكان البرهنة ببساطة على أن هذه المجادلة زائفة، وزائفة بصورة لاأخلاقية أيضا. يمكن القول ببساطة أن مبدأ العدالة ما هو إلا وجه من اوجه تعريف علم الاقتصاد الفيزيائي {{للقيمة الاقتصادية}}: أو، بالأحرى، برهان هذا التعريف للقيمة الاقتصادية، بواسطة التركيب، المذكور في هذا النص هو الهيئة التي يتخذها مبدأ العدالة ضمن الاقتصاد السياسي.

بهذا يكون للحكومة الحق الأخلاقي، وعليها الواجب الأخلاقي، لصياغة تأثير الضرائب على المجتمع بالكيفية التي تخدم احسن من غيرها مبدأ القيمة الاقتصادية في "علم الاقتصاد الفيزيائي"، بشرط أن يكون هذا التطبيق (تطبيق سياسة الضرائب) متوافقاً أيضا مع مبدأ العدالة الذي يُشتق منه مبدأ القيمة الاقتصادية.

بهذا نكون قد غطينا جميع النقاط الجوهرية لنوع من أنواع النظرية النقدية مسموح به أخلاقيا؛ وأي نظرية معاكسة لهذه هي نظرية لاأخلاقية، ربما بالقصد والنية، ولكنها لاأخلاقية بالفعل وبالتأكيد إذا نظرنا إلى عواقب وانعكاسات تطبيقها في السياسة العامة. ويكفي أن نستعرض استعراضاً مختصراً وجهات نظر هيوم وآدم سمث وبينتهام لكي نوضح الفرق (ما بين نظرية لاروش ومعاكستها)؛ أما البرهان فيتبع ضمنياً وظاهريا من التوضيح.

إن الجهد الذي بذل لتبرير مذهب لاأخلاقي بشكل شمولي للسياسة العامة في بريطانيا يدين بالفضل لهذه الشخصيات الثلاث من القرن الثامن عشر. إن المذهب الذي تم وضعه للدفاع عن مثل هذه السياسات اللاأخلاقية قد تمت صياغته على يد هيوم. وقد تبنى هيوم التوجه المتعلق بهذا المذهب في أعماله في "رسالة عن الطبيعة البشرية" (A Treatise of Human Nature -1734) الفولتيرية (نسبة إلى فولتير Voltaire)[10]

، وصاغها في شكل عقيدة اكثر شمولية في "بحث حول الفهم البشري" (An Enquiry Concerning Human Understanding -1748) [11]

و "بحث حول مبادئ الأخلاق" (An Enquiry Concerning the Principles of Morals -1751). وأدى مذهب هيوم في الأخلاق مباشرة إلى صياغة نفس المذهب على يد أدام سمث في "نظرية العواطف الأخلاقية" (Theory of The Moral Sentiments -1759)، وفي صيغة مذهب "اليد الخفية" (The Invisible Hand) في كتابه "ثروة الشعوب" (Wealth of Nations -1776). أما أهم كتابات بينتهام (1748ـ 1831) في موضوع الاقتصاد السياسي هي "دفاعاً عن الربا" ( In Defence of Usury -1787) و "مقدمة لمبادئ الأخلاق والتشريع" (Introduction To The Principles of Morals and Legislation -1789). ويمكن اختصار جوهر مذهب هؤلاء الثلاثة وغيرهم في الاقتصاد السياسي بشكل واف في مقطع من مقالة آدم سمث "نظرية العواطف الأخلاقية":
"إن إدارة نظام الكون العظيم ...(و) الاهتمام بالسعادة الكونية لجميع الكائنات العاقلة والمدركة هو شأن الرب وليس الإنسان. أما الإنسان فحصته شعبة اكثر تواضعاً، لكنها شعبة تناسب بشكل كبير جدا ضعف قواه وضيق فهمه؛ ألا وهي الاهتمام بسعادته الشخصية، وسعادة عائلته وأصدقائه وبلده… ولكن، بالرغم من أننا قد وهبنا رغبة عارمة تجاه هذه الغايات، إلا أن مهمة إيجاد الوسائل المناسبة لتحقيقها قد أنيطت بالقرارات البطيئة والمتشككة لعقلنا. لقد أرشدتنا الطبيعة إلى اكثر هذه (الغايات) {{بواسطة الغريزة الأصلية والآنية}}: الجوع والعطش، والعاطفة التي توحد الجنسين، {{وحب المتعة ومقت الألم، تحضنا على استخدام تلك الوسائل للفوز بها هي (أي الوسائل) بحد ذاتها، و دون اعتبار لميلها لتلك الغايات المفيدة التي كانت في نية مدير الطبيعة (الرب) أن ينتج بواسطتها}}. " [تمت إضافة التشديد] [12]

تقع الطاعة العمياء لـ"الغرائز الأصلية والآنية" ـ كما يتم تحديدها من منظور مبدأ الألم واللذة ـ تقع ضمن صنف {{مذهب المتعة اللاعقلانية}}، أي "الخطيئة الأصلية" الكتابية (نسبة إلى الكتاب المقدس). تبعاً لذلك، فإن المذهب المرتبط بهيوم وسمث وبينتهام هو مذهب غير أخلاقي، وهو مذهب، حين يطبقه هيوم وبينتهام وآخرون على قضايا الاقتصاد السياسي، فإنه يفصل "حرية" سلوك هذا المسلك اللاأخلاقي عن أية ضوابط يسنها العلم أو القانون الطبيعي. باختصار: افعل ما شئت لمن تقدر عليه، وتجنب غضب من لا تقدر على مقاومته. فهذا المذهب الذي استمرت في تطبيقه شخصيات من مركز هايليبوري لشركة الهند الشرقية من أمثال توماس مالثوس (1766ـ 1834) وديفيد ريكاردو (1772ـ 1823) وجيمس مل (1773ـ 1836) وجون ستيوارت مل (1806ـ 1873)، يعرف بالتناوب بكل من المصطلحين التاليين "الراديكالية الفلسفية لبريطانيا القرن التاسع عشر" أو "ليبرالية القرن التاسع عشر البريطانية".

وبالإمكان ملاحظة طبيعة مثل هذه الليبرالية البريطانية في أدق وأجلى تطبيقاتها وأكثرها وعياً بالذات في السياسة الاستعمارية البريطانية في الهند، وبالوضوح الذي يستعرض به جيمس مل هذا الربط الواعي ما بين الليبرالية البريطانية وممارساتها .[13]

تحت تأثير هذا المذهب قام كارل ماركس (1818ـ 1883) الذي كان يعمل تحت إشراف عملاء بريطانيين مثل فريدريك إنجلز (1820ـ 1895) وديفيد أوركوهارت [14]

، قام بوضع مذهبه "صراع الطبقات" (أو الصراع الطبقي).
والسؤال الذي يطرح نفسه، والذي أدركه ماركس وآخرون، هو: على ماذا تدل مقولة بينتهام "اعظم سعادة لأكبر عدد" في التطبيق الواعي الذي يقوم به الليبراليون لمذهبهم عند الممارسة؟ لا يمكننا في هذا السياق غض النظر عن مقالة بينتهام "بانوبتيكون" (Panopticon) [15]

طالما أنها تمثل تطبيقاً عملياً للمذهب الليبرالي بالصيغة التي استنتجها بينتهام نفسه. أما السابقة التاريخية لمثل هذا المذهب الليبرالي فتقع في مصادر من شاكلة كتاب "الأخلاق النيقوماخوسية" (Nicomachean Ethics) و "السياسة" لأرسطوطاليس (384ـ 322 ق.ب.)، والنماذج التاريخية مثل القانون الإمبراطوري الروماني و "النموذج الاوليغاركي" (حكم القلة) للمذهب السياسي الإمبراطوري الفارسي (الإخميني) كما كان الفرس أنفسهم يسمونه. فعلى أساس السابقة الكلاسيكية الأخيرة [16]

، يسمى المذهب الذي تقع تحته ليبرالية القرن التاسع عشر البريطانية بـ {{"الاوليغاركية"}} أو "النموذج الاوليغاركي".
في اللمحة الأولى يمكن القول بأن المفهوم الذي أدركه ماركس عن الليبرالية البريطانية ليس مفهوماً خاطئاً. في اللمحة الأولى، يجب تفسير "السعادة الأعظم للجميع" على إنها سعادة "جميع الطبقة الحاكمة البريطانية"، وبالذات "المؤسسة" البريطانية التي كان مركز ثقلها في تلك الفترة التاريخية المذكورة يقع في شركة الهند الشرقية البريطانية وبنك بارينغ براذرز .[17]

مع ذلك، وعند النظر في المسألة بعمق أكثر، فإن علينا القبول بأنه كان في نية بينتهام "سعادة" جميع الأشخاص بشرط أن نقبل أيضا بالافتراض القائل بأن الأجناس (عنصريا) والطبقات الاجتماعية ضمن الأجناس لكل منها فروق محددة بدنياً (بيولوجياً) في احتياجاتها الغريزية "الأصلية والآنية"، وأن هذه الاحتياجات في كل حالة من الحالات هي الاحتياجات الناتجة عن ممارسات شركة الهند الشرقية وشركائها تجاه كل جنس من الأجناس وكل طبقة ضمن الجنس. تلك كانت تركيبة السياسة التطبيقية للإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية والإمبراطوريتين الآشورية والبابلية قبلهما، والإمبراطورية العثمانية والإمبراطوريات النمساوية ـ الهنغارية والروسية والبريطانية فيما بعد. وذاتها كانت السياسة التطبيقية لتلك المقاطعة السويسرية المسماة بصيغة ألطف "الإمبراطورية الفرنسية" وذلك الكيان الملفق السويسري ـ الهابسبورغي (نسبة إلى سلالة هابسبورغ) المسمى "الإمبراطورية البلجيكية". ينطبق الأمر ذاته على "الإمبراطورية (لشركة الهند الشرقية) الهولندية"، وهكذا دواليك. إن ذلك المذهب هو صيغة للمذهب المعروف اليوم باسم "النسبية الثقافية". فكل جنس وكل طبقة ضمن ذلك الجنس يتم منحه ومنحها أنواعا خاصة من الاحتياجات، لا تكون بالضرورة نفس احتياجات الأجناس والطبقات الأخرى. ويستعان في تحديد مثل هذا المذهب عادة بتفسيرات لـ "أعراف وتقاليد" وخصائص فريدة للمعتقدات الدينية المنتقاة خصيصاً لمثل هذه العمليات. في النهاية، فإن إشارة ماركس للأعراف والعقائد الدينية لليبرالية البريطانية صحيحة على وجه العموم. فجوهر القضية هو فرض الإرادة الاستبدادية "لطبقة أسياد" تمثل جنساً (عنصراً) حاكماً على الأجناس والطبقات (أو الطوائف) ضمن تلك الأجناس الخاضعة تحت حكم طبقة الأسياد في الجنس المهيمن. فهذا هو المبدأ البديهي (axiomatic) الذي تبنى عليه عقيدة ("النسبية الثقافية") المذكورة لمذهب القرن التاسع عشر الليبرالي البريطاني.
إن أول وصف أدبي معروف لمثل هذا المذهب داخل إنجلترا تم على يد وليام أف اوكام (William of Ockham) [18]

. وكان بيرنارد دو كلارفو (Bernard of Clairvaux) (حوالي 1090ـ 1153) قد جاء بجدلية مذهبية موجهة بصورة أساسية ضد بيتر ابيلارد ("الباريسي") (1079ـ حوالي 1144). ويمثل هذا الأمر انعكاساً لارتقاء جناح الويلف (Guelph) وسيطرته على الفاتيكان ابتداءً من تبوء هيلدبراند (البابا غريغوري السابع، 1073) سدة البابوية في مدته المثيرة للجدل. وقد أثر مذهب كلارفو تأثيرا كبيراً على مارتن لوثر (Martin Luther) (1483ـ 1546) في فصله الإيمان عن العمل. وكان المصدر الأساسي لمذهب اللاعقلانية هذا هو استيراده من غنوصيي وصوفيي الشرق بصورة أساسية عن طريق الحركة الهيزيكاسية (hesychastic) البيزنطية التي تم نقلها إلى الطوائف الكهنوتية في أوربا الغربية بواسطة نفوذ طوائف كهنوتية مثل طائفة القديسة كاترين في سيناء و طائفة "الجبل المقدس" (Holy Mountain) في جبل آثوس في اليونان. وتم إحياء نفوذ هذا المذهب اللاعقلاني بعد بروز جناح الويلف الأسود (Black Guelph) من جديد أثناء القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بالصيغة المذهبية التي شجعها ذلك الجناح عقب حروب الويلف والغيبلين (Ghibelline) التي دارت في القرن الثالث عشر. وقد كان جناح الويلف متمثلا بوصول ستيوارت (Stuart) إلى العرش، وممثلا بأذنابهم فرانسيس باكون (Francis Bacon) (1561ـ 1626) وسكرتيره الشخصي توماس هوبز (Thomas Hobbes) (1588ـ 1679) وجون لوك (John Locke) (1632ـ 1704) الذين كانوا هم الأسلاف المباشرين لهيوم حول هذه النقطة. ولقد كان قيام القوى الأساسية التي قادت فيما بعد الثورة الأميركية بتأسيس مستعمرات مؤجرة في أميركا الشمالية أثناء القرن السابع عشر يعتبر عملاً موجهاً ضد ذلك الجناح اللاعقلاني بالذات في بريطانيا. ويجدر التشديد هنا على أن الصراع ضد هذا المذهب اللاعقلاني كان في الواقع وعلى الدوام صراعاً ضد ممارسة الربا التي كان يقوم بها الجناح الذي يشجع عقيدة اللاعقلانيين.
ويتوافق مذهب سمث المسمى "اليد الخفية"، المشتق علناً من عقيدة حب اللذة اللاعقلانية في كتابه "ثروة الشعوب"، يتوافق مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية (Second Law of Thermodynamics). إن شروح سمث (وبينتهام أكثر منه) "لحساب نفعي" (hedonistic calculus) (أو "حساب الهناءة" felicific calculus) وفقاً لنفس مبدأ هيوم يطالب ضمنياً باستخدام صيغة "المبرهنة الايرغودية" ("Ergodic Theorem") التي يتضمنها تطبيق القانون الثاني للنظرية الغازية الإحصائية ("أي النظرية الإحصائية للحرارة الصدمية"). إن مذهب "المنفعة الهامشية" كما طوره جون ستوارت مل كان مبنيا علنا على "حساب الهناءة" لبينتهام. وينطبق نفس الشيء على مذهب الوضعيين المحدثين في فيينا كما يتضح في القواعد التي وضعها جون فون نويمان (John von Neumann) "لعلم الاقتصاد الرياضي" .[19]

على هذا الأساس يجب تسمية انعدام أهلية العمل الذي يبذل في مجال علم الاقتصاد الأكاديمي المعاصر التسمية المنصفة "العمل اللاأخلاقي"، أي بمعنى آخر جزاء ممارسة الخبث.





الهوامش

[1] " A Modest Inquiry Into The Nature and Necessity Of Paper Currency"

("بحث متواضع في طبيعة وضرورة العملة الورقية" نشر عام 1729). تمت إعادة نشره في كتاب "The Political Economy of The American Revolution", New York, 1977

للمؤلفين نانسي سباناس N. Spannaus وكريستوفر وايت C. White .

[2] "Report On Public Credit" (1789); "Report On A National Bank" (1790)

"تقرير حول الاعتمادات العامة" و "تقرير حول البنك الوطني" كتبهما عام 1789 و 1790. تمت إعادة طبعهما في كتاب سباناس ووايت المذكور أعلاه.

[3] تظهر أول إشارة من قبل كاري إلى هذه المشاكل في كتابه (The Olive Branch) (غصن الزيتون)، في الطبعتين الصادرتين عام 1815، والمكملة بملاحق نشرت في السنوات اللاحقة. والإشارة الأساسية هي إلى مساهمات كاري في (Addresses of the Philadelphia Society) (1819) (خطابات جمعية فيلاديلفيا). وتمت إعادة نشر هذه المساهمات في صيغة ملحق لكتاب (The Civil War and the American System, New York, 1978) للكاتب ألين سالسبيري (Allen Salisbury) .

[4] راجع كتب هنري كاري:

The principles of political Economy :3 volumes: 1837, 1838, 1840

The Credit System -1838

The Harmony of Interests -1851

The Slave Trade

قارن ذلك أيضا بكتابات فريدريك ليست (Friedrich List)

The Unity of Law -1872

The National System of Political Economy -1841

تمت إعادة نشر هذه الكتب كجزء من سلسلة (Economics Classics) من قبل دار نشر (Augustus M. Kelley Publishers) في نيويورك سابقاً و مؤخراً في كليفتون، نيو جيرسي. حول هذا الموضوع، انظر أيضا كتاب ألين سالسبيري المذكور أعلاه.

[5] لأسباب سيتم توضيحها في موضع لاحق من الكتاب تكون الهيئة التي تسيطر على العملة هي الحاكمة؛ فالعملة فوق ـ القومية حكومة فوق ـ قومية.

[6] يتم سداد مثل هذه المدفوعات فقط إلى الأمم الأجنبية المحتفظة بنظام احتياطي ذهب، والملتزمة بواسطة معاهدة بالتعامل المتبادل مع الولايات المتحدة (في هذه الحالة المذكورة). ففي الواقع، وضمن حدود مثل هذه المعاهدة متعددة الأطراف للالتزام بنظام احتياطي ذهب نقدي، لا تكون هناك حاجة إلى نقل الذهب عمليا، بل يمكن وضعه في حساب خاص بالأمة الدائنة بينما يكون الذهب باقياً ماديا كوديعة (في هذه الحالة) في وزارة الخزانة (المالية) الأميركية.

[7] إن نظام العملة الذي أطلقه الرئيس اندرو جاكسون (1829ـ 1837) والشخص الذي كان يتحكم بجاكسون وهو الرئيس مارتن فان بورين (1837ـ 1841) هو محاكاة لنظام قاعدة الذهب. فقيام جاكسون بهدم بنك الولايات المتحدة الثاني (Second Bank of the United States) والذي تم إكماله عام 1832، ونقل التموين النقدي للامة إلى المصالح المصرفية الخاصة الممثلة بفان بورين، سبب الهلع (المالي) الكارثي لعام 1837. فقد أدى ذلك إلى خلق فقاعة "كلاسيكية" من نوع فقاعة جون لو (John Law) (1671ـ 1729) (وفرنسا 1716ـ 1720).

[8] إن مسرحيات شكسبير غنية بالحالات التطبيقية للقانون الطبيعي. بخلاف ذلك، كما هي الحال في رائعته "هاملت" كانت أعمال شكسبير التراجيدية العظيمة استشرافا للأعمال التراجيدية لفريدريك شيللر (Friedrich Schiller) التي كان جوهر "الحبكة" فيها يمثل مبدأً من مبادئ فن الحكم متضمناً مسائل من القانون الطبيعي. فكتابات شيللر حول مسرحياته، وخصوصاً حول ثلاثية فاللينشتاين (Wallenstein) ينبغي معرفة متقنة من قبل كل عالم اقتصاد جاد.

[9] لا تؤخذ الاستخدامات الشعبية الشائعة لمفردة (equity) (العدالة) بعين الاعتبار هنا. فهذه الأخيرة قد نمت ونشأت في ممارساتنا القومية نتيجة لتأثير القانون البريطاني، الذي هو أيضا بدوره صدى للقانون الروماني الذي لا توجد فيه مبادئ القانون الطبيعي المؤسِّسة لدستورنا. فكتابات القديس اوغسطين وكوزانوس وغروتيوس Grotius (1583ـ 1645) وصامويل بوفيندورف Samuel Pofendorf (1632ـ 1694) ولايبنتز حول القانون الطبيعي هي التيارات التي أدت إلى التخطيط الأصلي لقانوننا الدستوري. فطالع، على سبيل المثال، كتابات غروتيوس المؤثرة On The Law of War and Peace (1625) و Commentaries ("تعليقات" حول قوانين بروسيا) لبوفيندورف من بين كتاباته الأخرى، وطالع لايبنتز حول الأخطاء الشائعة التي يذكرها بوفيندورف حول موضوع القانون الطبيعي. لقد أصابت الكاتب (لاروش) مفاجأة مفرحة، ولكن لم تصبه الدهشة، أن يجد نسخة من تعليقات بوفيندورف وقد وضعت في مكان بارز مباشرة وراء طاولة المصلح البروسي العظيم فرايهير فوم شتاين (1757ـ 1831) Freiherr vom Stein. لقد كان فوم شتاين قائد المصلحين البروسيين (فلهيلم فون همبولدت والجنرال شارنهورست Scharnhorst وآخرين) الذي كان مرتبطاً بإصلاحات شتاين ـ هاردينبورغ Hardenburg كان مثله مثل همبولدت من المعاونين المقربين لفريدريك شيللر (1759ـ 1805)، وبالتالي انعكاس للجناح الجمهوري الأميركي في ألمانيا المنبثق من مؤامرة فرانكلن عبر الأطلنطية في المدة من عام 1766 إلى 1789 والتي تم إحياؤها بعد 1815 على يد الماركيز دي لافاييت، الرئيس الأوربي لجمعية سينسيناتي. لقد كان القانون الطبيعي للقديس اوغسطين وكوزانوس وغروتيوس وآخرين هو القانون الطبيعي المعروف لدى جميع الجمهوريين في جميع أنحاء العالم وحتى إلى الفترة التي تلت مؤتمر فيينا 1815. بهذا، تكون رواية ميغيل سيرفانتس (1547ـ 1616) Miguel Cervantes "دون كيشوته" والأعمال الدرامية التي تعكس القانون الطبيعي على نحو غني، لكتاب مثل شكسبير وجون ملتون John Milton بالإضافة إلى نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس، هي التي صاغت الفلسفة القانونية المنعكسة في التأليف الأصلي للقانون الدستوري للولايات المتحدة.

[10] امتد التعاون الوثيق بين اليسوعيين في فرنسا والأسر المصرفية الكبرى في القسم الفرنسي من سويسرا باعتبارها المركز الأوربي لجناح اليعاقبة في بريطانيا ودوائر شركة الهند الشرقية البريطانية من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر. وتشكل مراسلات فولتير (1694ـ 1778) المنشورة مصدراً ممتازاً للمفاتيح الأولى لكشف النقاب عن نطاق هذه الشبكة أثناء رحلات هيوم في فرنسا وما بعدها. فقد نشأت فلسفة هيوم تحت هذه المؤثرات المعينة بالذات في فرنسا وسويسرا، بالضبط مثلما اعتمد عمل سمث في الاقتصاد السياسي اعتماداً كبيراً على تدريبه على يد نفس دوائر هيوم.

[11] الطبعة الثانية من هذا العمل. لقد كان عمل هيوم هو الذي حض "ايمانويل كانط" (Immanuel Kant) (1724ـ 1804) على الشروع في كتابه "نقد العقل المحض" (1781) و "نقد العقل العملي" (1788). كان "كانط" كما تدل على ذلك هجماته على لايبنتز ودفاعه عن نيوتن يميل إلى الصيغ البريطانية والسويسرية للتجريبية والرومانسية خلال الستينيات من القرن الثامن عشر (مثلاً، عمله المنشور عام 1764 بعنوان (An Inquiry into the Distinctness of the Fundamental Principles of Natural Theology and Morals) "بحث في تمايز المبادئ الأساسية لعلم اللاهوت الطبيعي والأخلاق"). مع ذلك، فقد كان الانحطاط الأخلاقي لمذهب هيوم اكثر مما كان لكانط الرغبة في القبول به. طالع مقدمة طبعة عام 1781 من كتاب "نقد العقل المحض"، حول "اللامبالاة الفلسفية" و "المقدمات النقدية" (Prolegomena) (1783) حول موضوع رد فعل "كانط" العام تجاه عمل هيوم. أما الوجه المضاد للايبنتز في كانط فيظهر في مفهوم "الشيء في ذاته" والمواضيع المرتبطة به، كما يظهر في أسوأ حالاته في "نقد الحكم" (Critique of Judgement) (1790) وتعليقاته حول موضوع علم الجمال.

نـور:
يسلمووووا شكرا

تحياتي.........

العراقي الغيور

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة