المحرر موضوع: الإعلام وتشكيل ثقافة الجماهير  (زيارة 1495 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مجدي الرسام

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 13
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الإعلام وتشكيل ثقافة الجماهير


 مجدي الرسام


لقد كتب الكثير خلال العقود الأخيرة عن تأثير الإعلام في الوعي الجماعي للجماهير وعن المصادر التي تستقي منها الجماهير زادها الثقافي كما أن الباحثين تعمقوا في استشراف المستقبل وحاولوا التنبؤ بمضمون المعلومات التي ستندفق عبر الشبكات الإلكترونية متسائلين هل أن هذه الشبكات ستكون قادرة على تشكيل ثقافة جديدة تتماشى مع التقلبات المنتظرة. وأدركوا إذاك أن ثقل التأثير الإعلامي الثقافي تجاوز كل التوقعات وأن وزن الثقافة في حياة الإنسان سوف يكون أثقل في عصر العولمة، تلك الظاهرة التي هي وليدة ثورة المعلومات وتكنلوجيات الاتصال.
وقد بدأنا نفهم أسباب وقوف الولايات المتحدة منذ ربع قرن ضد نزعة الحفاظ على الخصوصية الثقافية وضد مسعى منظمة اليونسكو لإقامة نظام عالمي جديد للإعلام والاتصال بغية تحقيق بيئة معلوماتية عالمية قائمة على التوزيع المتكافئ للموارد الجديدة ولمنافعها المختلفة.
وقد تساءل الملاحظون في ما بعد، عن مبررات الاندماجات بين عمالقة صناعة الإعلام وصناعة السينما، ودور الصحافة والنشر وشركات برمجة الكمبيوتر والانترنيت، وتأثيرها في الحركة الاقتصادية والبورصة العالمية. وتشكك آخرون بخصوص حاجة سكان الأرض إلى تلك الحلقة الكثيفة من الأقمار الاصطناعية التي تجاوز عددها الخمس مائة ساتل للإرسال المباشر وغير المباشر، ثم ذهل الكثير عندما انهار الاتحاد السوفياتي دون حرب أهلية أو تدخل أجنبي، وتأكدوا أن ما كتبه قبل نصف قرن فيليب كوبس لم يكن مجرد تصور نظري عندما أكد أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على أربعة أركان وليس أقلها البعد الثقافي، واتضح أن أجهزة الثقافة شأنها في ذلك شأن أجهزة الإعلام الحديثة (مثل الأنترنيت) يمكن استغلالها لأغراض بعيدة عن الإبداع الفني والأهداف النبيلة.
من المحتم الاعتراف بتلك الفضاءات الجديدة التي أفرزتها منظومة العولمة، كما انه لا مفر من الاعتراف بدور أجهزة الإعلام بكل أشكالها، في التغييرات التي طرأت على مظاهر السلوك الإنساني في هذا العصر الذي لم يعد فيه وجود لأي حواجز ثقافية أو فنية، حيث دخلت أجهزة الإعلام كل بيت وانتشرت القنوات الفضائية وأصبح الكمبيوتر الشخصي مرافقا للإنسان في كل مكان.
ثم إن العلاقة بين منظومة العولمة ومفهوم الحضارة في مجتمع المعلومات في حاجة إلى تحاليل ضافية ودراسات معمقة، ذلك أن المنافسة كانت تقوم بكل درجاتها وأنواعها داخل حدود الوطن نفسه، أما العولمة فهي تؤدي إلى غياب البعد الوطني أو القومي وهي تعني الانصهار في مصنع عالمي واحد وسوق عالمية تهيمن عليها الشركات العابرة للقارات،
ولذلك فإنه يحق لنا التساؤل اليوم أي تشكيل ثقافي يمكن الحديث عنه ؟ هل هو المضمون المحلي الذي توارثناه جيلا بعد جيل ؟ أم الثقافة السيبرنية التي ستكيف المجتمع في شكل جديد ؟ وهل يمكن طرح موضوع علاقة الثقافة بالإعلام من منظور تقليدي تحدثنا عنه بالأمس ؟ أم هل يتعين ربط المفهوم الجديد للثقافة بالشبكات الحديثة للمعلوماتية وبالتجهيزات الرقمية التي قد تتجاوز الإنسان في ذكائه وطاقته الإبداعية وتقدر على التأثير في سلوكه، وستتغير حاجاته في مظهرها وفي مضمونها وستوجه سبل الإبداع نحو مستقبل آخر مؤثرة في أجهزة الإعلام ذاتها بعد أن تأثرت بها طويلا.
ومن هنا تظهر أهمية الإعلام الاجتماعي الذي من شأنه أن يساعد على التقريب بين النسقين وتمكين الثقافات من استنشاق الهواء النقي الذي يقيها من شر الاختناق. ويتجلى هذا التفاعل الإعلامي –الثقافي بوضوح أكثر بين المجتمعات التي تشترك في اللغة والدين والحضارة والتاريخ. إلا أن المنظرين لا يقبلون بمبدأ قصر الوظيفة الإعلامية على تدعيم النشاط الثقافي دون غيره من الغايات والأغراض الأخرى.
إن وظائف الإعلام والاتصال في مفهومها الواسع متنوعة وهي تتصل بميادين مختلفة ومتعددة فإذا نظرنا إليها باعتبارها نشاطا يتجاوز نشر الأنباء والمعلومات ويشمل  أفراد المجموعة في إنتاج الخبر  وفي مجال الاتصال يفتقر الوطن العربي إلى البنية التحتية للاتصالات، فلا تتجاوز نسبة الربط بشبكة الهاتف 6 من كل مائة مواطن في معظم الدول العربية بينما تتجاوز هذه النسبة 60 مواطنا في الدول المتقدمة. ولا يتعدى نسبة المشتركين بشبكة الإنترنيت مواطنا واحدا من كل ألف مواطن في أغلب الدول العربية بينما تفوق هذه النسبة المائة مشترك في عديد الدول المصنعة. وتشكو الدول العربية من نقص في توافر وسائل الاتصالات الحديثة داخل العائلات، إذ لا تصل نسبة امتلاك أجهزة الكمبيوتر الشخصية إلى 30 جهازا للألف مواطن في حين ترتفع هذه النسبة إلى ما يتجاوز 150 جهازا في معظم الدول المتفوقة تكنولوجيا.
ولا توجد في الدول العربية صناعات ثقافية، باستثناء تجميع أجهزة التلفزيون في عدد منها وصناعة 20% من ورق الكتابة، وتغطى بقية احتياجات السوق بالاستيراد، ولم توفر الامتيازات والتسهيلات والحوافز لتشجيع المستثمرين على إقامة هذه الصناعات. ويبقى الأمن الثقافي العربي مهددا ما دمنا لم نصل إلى إيلاء اهتمامنا لما يسمى بصناعات المحتوى الثقافي، فتبقى أسواقنا الثقافية وعقولنا مفتوحة للإنتاج الأجنبي، ويقف المبدع العربي عاجزا أمام هذا الوضع وسط مناخ غير موات للإبداع ينتظر تأشيرات الدخول على الحدود العربية المفتوحة أمام الإنتاج الأجنبي مباشرة وعبر الشبكات. لقد كتب محمد جابر الأنصاري في ندوة علمية نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بفاس سنة 2001 تحت عنوان "نحو تجسيد المشروع الحضاري النهضوي في الواقع العربي" بان العرب مازالوا يعيشون في ظروف القرن الثامن عشر على أفضل تقدير رغم بدء ثورة العلوم الاجتماعية لأنهم لم يقدروا على دخول القرن التاسع عشر بما فيه من نهضة علمية وتقدم صناعي وحرب على الخرافات. ولم يجتازوا القرن العشرين بمعايير الثورة العلمية والثورة الديمقراطية .
ومن اهم القضايا التي ستطرحها ثورة الشبكات الافتراضية قضية "الذكاء الجماعي" التي ستكون مفيدة لحل المشاكل الكونية التي ستزداد تعقدا وشمولية على مر الأيام.  فكل مجموعة بشرية مرتبطة بالأنترنيت بإمكانها نظريا أن تشارك في إنجاز الأعمال الجماعية وذكاء كل فرد يمكن أن يعبأ لفائدة الجميع. والجدير بالتذكير أن عبارة "الذكاء الجماعي" التي كانت شائعة الاستعمال قد تعوض بعبارة "دائرة العقول" التي استخدمها تيلهار دي شردان فدائرة العقول هي مجموعة من الذكاءات الفردية الحرة متصلة فيما بينها ومتعاونة في مجال البحث عن تطور الوعي. والثقافة السيبرنية مؤهلة أكثر من سواها لتيسير استعمال هذا المفهوم الجديد.
وهناك قضية أخرى وهي قضية التنوع الثقافي. فالعولمة هي بلا أي شك خطر يهدد ثراء وتنوع الثقافات في العالم لكنها تمثل كذلك فرصة مهمة. فهناك توازن عسير إيجاده بين اختلاف الشعوب وبين ما يجمع بينها وبين عبقريتها الخاصة وبين تطلعاتها المشتركة.
كما إن ظهور ثورة المعلومات وتطور تقنيات الاتصال الحديثة من شأنه أن يؤثر تأثيرا مباشرا في العملية الإعلامية من حيث أساليبها وأهدافها في العمل السياسي والتحرك الديبلوماسي. وإن ما تتضمنه عبارة الديمقراطية السيبرنية من أهداف يمثل بحد ذاته مشروعا حضاريا متكاملا. والأمر يتوقف على تحقيق التأهيل الشامل في هذه الحال للجميع بدون استثناء حتى يكون الحوار قائما بين أطراف متكافئة وفي ضوء رؤية مستقبلية تنبذ الرجعية والانغلاق وتنشد التفتح والديمقراطية والعدل ..
فلا يفوتنا أن الحوار العالمي حول الحرية الإعلامية وتدفق المعلومات والخصوصية الثقافية انتقل من المنظمات الأممية المعنية بالثقافة والعلوم إلى المنظمات التجارية والاقتصادية. وقد تفاوتت الآراء بين صانعي القرار وبين ممثلي المنتجين والمستهلكين وتفاقم الخلاف بين  المدافعين عن الحرية المطلقة للإعلام وبين المدافعين عن الضعفاء والأخلاق الفاضلة من خلال مدونات السلوك والقوانين العالمية.