المحرر موضوع: ميشيل فوكو ...  (زيارة 13910 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رحيم العراقي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 372
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ميشيل فوكو ...
« في: 17:29 03/12/2005 »
  مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الفرنسية بلاندين كريجيل وهي استاذة جامعية وفيلسوفة معروفة في فرنسا. وتشغل اليوم منصب رئيسة المجلس الأعلى لدمج الاجانب في المجتمع الفرنسي. وكانت قد نشرت سابقاً عدة كتب مهمة نذكر من بينها: فلسفة الجمهورية (1998)، الدم، العدالة، السياسة (1999)، تأملات حول العدالة (2001). وفي هذا الكتاب الجديد تتحدث المؤلفة عن اشهر فيلسوف فرنسي في القرن العشرين بعد سارتر: ميشيل فوكو.
 

ومنذ البداية تقول المؤلفة بما معناه: لقد مات ميشيل فوكو عام 1984 ولكن فكره لم يمت معه. على العكس فانه لا يزال يثير المناقشات الحامية ويغذي التأمل الفلسفي وقد عاداه البعض وحاولوا دفنه كفكر بحجة انه كان مراهقاً من الناحية السياسية، بل ومتطرفا فوضوياً، لا مسؤولاً.والبعض الآخر دعا الى نسيانه بكل بساطة باعتبار ان زمنه قد مضى وانقضى ولم يعد فكره يناسب عصرنا. ثم تردف المؤلفة قائلة:
 

ولكن على الرغم من كل هذه الانتقادات فان تأثيره امتد لكي يشمل كلتا ضفتي المحيط الاطلسي: اي في اميركا واوروبا فانتشاره واسع في الجامعات الاميركية والكثيرون هناك يعتبرون ان فكره يمثل الفلسفة الفرنسية بالفعل.
 

وترى المؤلفة ان فوكو جسد روح عصره من الناحية الفكرية والفلسفية. وهناك اشياء سقطت من اعماله واشياء لا تزال سارية، المفعول حتى الآن. وبما ان السيدة بلاندين كريجيل كانت مساعدة لفوكو في الكوليج دوفرانس واشتغلت معه لفترة من الزمن فانها أعلم الناس به وتعرف عما تتحدث بالضبط.
 

من أهم فصول الكتاب فصلان: الاول يتحدث عن فوكو كفيلسوف، والثاني يتحدث عنه كمفكر سياسي منخرط في الممارسة العملية والنضال. فيما يخص الجانب الاول ترى المؤلفة ان فوكو سيطر على كل فلاسفة عصره بفضل قوة فكره وقدرته على الاقناع وجمال اسلوبه.
 

والواقع ان فوكو لم يكن فقط فيلسوفاً، وانما كان ايضا اديبا شاعراً من الطراز الاول. ويكفي ان يقرأ المرء كتابه عن تاريخ الجنون، او كتاب الكلمات والاشياء لكي يتأكد من ذلك.
 

فهو ذو اسلوب نيتشوي بركاني، متفجر. ولذلك يعتبرونه احد كبار الكتاب في اللغة الفرنسية ليس فقط فيلسوفاً او مفكراً كبيرا.
 

ومن أهم سمات فوكو هي انه جمع بين تيارين متناقضين في الفكر: التيار النيتشوي الرومانطيقي، والتيار المنطقي العقلاني لقد جمع بين نيتشه من جهة، وباشلار واليكسندر توليري وكبار علماء المنطق من جهة اخرى، بمعنى آخر لقد جمع بين الحار والبارد، او بين الماء والنار. وهذا شيء قل ان يتوصل اليه مفكر.
 

ثم هناك ميزة اخرى له: وهي انه كان ذا ثقافة ادبية وفنية واسعة، وفي ذات الوقت ذا ثقافة علمية وابستمولوجية واسعة، ايضا، وبالتالي فقد استفاد من العلوم الطبيعية او الفيزيائية وطبق منهجيتها على العلوم الانسانية.
 

وهذا ما فعله كبار الفلاسفة من قبله من أمثال أوغست كونت صاحب الفلسفة الوضعية، ولا ينبغي ان ننسى ان فوكو كان ابن طبيب مشهور في مدينة بواتييه وبالتالي فعلاقته بعلم الطب والتشريح وثيقة، وفي ذات الوقت كان من أكبر المعجبين برامبو، ومالارميه، وانطونين آرثو، وسواهم.
 

ثم تضيف المؤلفة قائلة:
 

ولكن المنطق الاساسي لفلسفة فوكو يكمن في مكان آخر، انه يعود الى تقنية شخصية بحتة، ينبغي العلم بأن فوكو كان شاذا من الناحية الجنسية، هذه المسألة اثرت عليه كثيرا منذ شبابه الاول، وقد عانى الأمرين بسبب هذه العاهة التي لا يستطيع منها فكاكا.
 

ولهذا السبب فإن كل فلسفة ما هي إلا دفاع عن المنبوذين في المجتمع : سواء كانوا مجانين، ام مساجين، ام فقراء مهمشين، ام شاذين، ام منبوذين لسبب أو لآخر.
 

والميزة الاساسية لفلسفته هو انه عكس التطور الفكري السابق عليه، فمعظم الفلاسفة كانوا ينظرون الى الامور من زاوية العقل والمركز اما هو فراح ينظر اليها من زاوية الجنون والهامش او الهامشية، وهكذا اكتشف اشياء جديدة لم يرها الآخرون من قبله، لقد نظر الى الاشياء من بابها الآخر.
 

يضاف الى ذلك ان الرجل عانى من مرض نفسي رهيب في شبابه الاول بسبب شذوذه، وعرض نفسه على اطباء عديدين لكي يشفوه، بل ووصل به الامر الى حد انهم سجنوه فترة في احدى المصحات العقلية، ولذلك اهتم بظاهرة الجنون فيما بعد وكرس لها أطروحته الجامعية الكبيرة، وليس عبثا انه فهم مشكلة الجنون اكثر من غيره.
 

وعندما توصل الى اكتشافه الكبير عن الحدود الفاصلة بين الجنون والعقل استطاع ان يشفى من جنونه، وهذا ما عبر عنه صديقه التوسير عنه ما قال: انا وميشيل فوكو كنا نمشي على حافة الهاوية، اما هو فقد نجا واما انا فقد سقطت فيها!
 

ومعلوم ان التوسير انتهى به الامر الى خنق زوجته والسقوط في الجنون الكامل وفقدان العقل.
 

وبالتالي فكل فكر ميشيل فوكو ناتج عن تجربة شخصية حادة، تجربة كادت ان تودي به.
 

ولكنه بعد ان استطاع تجاوزها اصبح اقوى رجل في عصره، واكبر فيلسوف في جيله، فالانسان الذي ينتصر على نفسه يستطيع ان ينتصر على كل شيء.
 

هنا تكمن عظمة ميشيل فوكو، فمن شخص مهزوز، معقد، مريض نفسيا، استطاع ان يصبح كاتبا ومفكرا عبقريا واستاذا في كبريات الجامعات الفرنسية والعالمية، وهذا ليس بالشيء القليل.
 

ثم تطرح المؤلفة السؤال التالي: ما هي النظرية المعرفية الجديدة التي أتى بها ميشيل فوكو؟ بحسب رأيها فإنها تجلت بشكل واضح في كتابه الشهير: الكلمات والاشياء، ففيه اكتشف ان كل عصر له خصائصه العلمية وممارساته السلطوية، وانه يستخدم الاولى لخلع المشروعية على الثانية،
 

وبالتالي فلا توجد حقيقة مطلقة صالحة لكل العصور، ويرى فوكو ان العصور الحديثة تستخدم العلوم الانسانية لخلع المشروعية على سلطة التدجين والقمع السائدة فيها، وبالتالي فهناك تواطؤ بين مختلف اجهزة المجتمع ومؤسساته: كمؤسسة البصمات العقلية، ومؤسسة السجن، ومؤسسة الثكنة العسكرية، ومؤسسة المدرسة، ومؤسسة المشغل الحرفي او المصانع، وحتى مؤسسة البوليس والمخابرات.
 

في الماضي كان الكاهن المسيحي هو الذي يخلع المشروعية على السلطة السياسية، اما في مجتمعات الحداثة التي تشكلت بعد الثورة الفرنسية فقد اصبحت العلوم الانسانية هي التي تخلع المشروعية على مؤسسات السلطة.
 

بمعنى اخر فإن علم النفس، والتحليل النفسي، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم اللغة او الألسنيات وعلم الانثربولوجيا هي التي اصبحت المعرفة، الحقيقية وحلت محل اللاهوت المسيحي القديم، فعندما يستشعر الفرنسي المعاصر بمشكلة مع ضميره او عقدة نفسية لم يعد يذهب إلى عند الكاهن لكي يجلس على كرسي الاعتراف ويعترف له بكل ما فعله، وإنما أصبح يذهب إلى عند المحلل النفساني، وهنا يكمن الفرق بين المجتمعات التقليدية، ومجتمعات الحداثة.
 

كل هذه الأشياء درسها فوكو ووضحها بشكل جيد. ثم كشف عن الملابسات السلطوية لكل أنواع المعرفة السائدة. فالمعرفة لا توجد في جهة، والسلطة في جهة أخرى. وإنما المعرفة هي بحد ذاتها سلطة. والسلطة تكون قادرة على جلب المعرفة إلى جانبها.
 

فالإنسان عندما يتوصل إلى المعرفة يستطيع أن يتحول إلى نوع من السلطة في مجتمعه. ويصبح الآخرون يهابونه ويحترمونه أكثر. بل ويستطيع أن يستغل معرفته أو شهرته لأغراض مادية إذا ما أراد. والإنسان الذي يمتلك السلطة يستطيع أن يجذب إليه كبار العلماء وان يستغل معرفتهم في ترسيخ سلطته إذا ما أراد.
 

وبالتالي فهناك علاقة ديالكتيكية واضحة بين السلطة والمعرفة. وهما ليستا منفصلتين عن بعضهما البعض كما نتوهم عادة. فنحن نعتقد ان السطة جاهلة أو عمياء لمجرد انها سلطة، وان المعرفة عزلاء لا هدف لها إلا الحقيقة ولا سلطة لها.. وهذا خطأ ينبغي تصحيحه.
 

ثم تتحدث المؤلفة عن عودة فوكو الى كانط وتقول: في أواخر حياته تحول فوكو من نيتشوي الى كانطي دون ان ينكر اعجابه بنيتشه. وبالتالي فليس صحيحا القول بأنه كان ضد التنوير كما يزعم بعضهم.
 

على العكس، فان فوكو لم يتنكر للتنوير أبدا على الرغم من نقده الجارح للحداثة الاوروبية ومؤسساتها.
 

ولكن الشيء الذي مات في فكر فوكو ولم يعد صالحا لعصرنا هو التالي: لم نعد نرى في مؤسسات الحداثة مجرد مؤسسات قمعية هدفها قمع الأفراد أو تدجينهم، وانما أصبحنا نرى فيها مؤسسات ايجابية تهدف الى حماية حقوق الانسان والمواطن، وحماية أمنه وسلامته. فلولا دولة القانون لساد قانون الذئاب في أوروبا ولأصبح الفرد يخشى على حياته من السجن التعسفي أو ملاحقة الاجهزة والمخابرات بدون سبب كما هو حاصل في دول العالم الثالث مثلا.
 

ولكننا نعلم ان هذا ممنوع في الغرب لسبب بسيط: هو ان الدولة محكومة بقوانين معينة لا تستطيع انتهاكها او الخروج عليها. وحتى رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء لا يستطيع انتهاك القوانين السائدة أو ملاحقة شخص ما لأسباب شخصية وبدون سبب.
 

وبالتالي فالدولة الشرعية التي تحكم باسم القانون تحمي مواطنيها من البطش، أو العسف، أو الظلم غير المبرر. ولا ريب في ان فوكو بالغ في نقد مؤسسات الحداثة، وبالغ في رؤية الوجه السلبي لها. ولكنه أفادنا جدا من حيث التنبيه إلى سلبيات الحداثة وساعدنا بالتالي على تصحيحها وتجاوزها. وهذا ليس بالأمر القليل. فالمفكرون النقديون هم الذين يفيدون المجتمع أكثر من المفكرين الامتثاليين الذين يقولون نعم دائما.
 

وتختتم المؤلفة كلامها قائلة: لماذا كان فوكو يسحرنا أكثر من غيره من كبار المفكرين؟ لماذا كان يمارس علينا تأثيرا مغناطيسيا أكثر من التوسير، أو لاكان ، أو دريدا، أو ديلوز، أو غيرهم؟ لسبب بسيط: هو انه كان فنانا وكاتبا كبيرا ومحاضرا رائعا. ثم لانه كان عبقريا بكل بساطة. وكان يعرف أن نار العبقرية ـ أو الجنون ـ قد سكنته وانه مكلف باكتشاف بعض الحقائق الكبرى للبشرية.