المحرر موضوع: الأهزوجة المقاتلة..المرأة العراقية  (زيارة 595 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد علي محيي الدين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 599
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأهزوجة المقاتلة..المرأة العراقية

محمد علي محيي الدين
للمرأة دورها الطليعي في المجتمع العراقي،رغم محاولات الإقصاء  والتهميش التي تمارسها الجماعات الرافضة لوجود المرأة كانسان له دوره في الحياة ومكانته في المجتمع،وفي هذه الدراسة نحاول تسليط الضوء على دور المرأة العراقية في ثورة العشرين الخالدة،وما قدمته في سوح المعارك ومشاركتها الرجل جنب الى جانب في معاركه الضارية لطرد  المعتدين،وسنتناول الأهازيج الثورية للمرأة العراقية في هذه الثورة المجيدة.
  والأهزوجة نشيد شعبي ينشد في مناسبات كثيرة،في الحرب والفرح والحزن والمناسبات الأخرى،وفي الحرب يكون من خلالها الاستعداد النفسي للمقاتل،وإثارة حماسته وشجاعته،وهي امتداد لأيام العرب في الجاهلية والإسلام،عندما كان المقاتل يرتجز قبل المنازلة ،لينمي في نفسه روح الأقدام والتضحية،ويفاخر بما في نفسه من سجايا تؤهله لكسب النصر في المعركة وإنهاء الخصم،وقد أخذت أبعاد أخرى في العصور المتأخرة،فكان المهاويل يتوافدون في الوفيات والأعراس للمشاركة الفاعلة في هذه المناسبات،والإنشاد في (العراضة) لتكون أهازيجهم المحفز والدافع لجلائل الأعمال ،وإبراز المناقب والسجايا الحسنة لصاحب المناسبة،وتشكل مجموعات على شكل كراديس يرددون ما يقوله المهوال.
 وقد يرافق الأهازيج في المناسبات أطلاق نار كثيف تعبيرا تعبير عن المشاركة الوجدانية  من الآخرين،،وعندما يتهيآ المهوال لإلقاء أهزوجته يبتدئ باللازمة الشهيرة(ها ..ها) أو(ها خوتي ها) ثم يردد الأهزوجة متمايلا ذات اليمين وذات الشمال،واضعا يده على عقاله خشية سقوطه لحركاته العنيفة وضربه الأرض بقوة تعبيرا عن انفعالاته،بعدها يردد الحاضرون (الهوسة) ،ومن مشاهير المهاويل،مرزوك العواد،عباس الفتلاوي ،ومزهر الفرعون،وغيرهم كثيرون.
 والأهازيج تختلف أوزانها وطرقها،وهذا مكانه البحث الأدبي،ولكن أشهرها الحجيمية نسبة الى بني حجيم،وهي طويلة  تنظم بستة تفعيلات مثل(أشلون تسلم البيت المطره ومطره تصاوغ بيه).
 وفي ثورة العشرين الخالدة وما رافقها من معارك حامية احتدم أوارها في مناطق كثيرة من الفرات الأوسط أشهرها معركة الرارنجية الشهيرة التي تكبد فيها الإنكليز خسائر فادحة في الأرواح والمعدات،حتى قيل أن أحدهم خاطب أحد القادة الإنكليز عندما سأله عن هذه الأرض بقوله(يا طمن من هالعينة)،وقد شارك في هذه المعارك الآلاف من أبناء شعبنا للخلاص من الاستعمار البريطاني،وهيمنته المقرفة على البلاد،ولولا الطبيعة البرجوازية لقيادة الثورة،والخيانة الكبيرة لبضع رؤساء العشائر،وتنكر بعض القادة وعملهم لإحباطها لأخذت طريقها الى النصر،ولكن العوامل الداخلية والخارجية تضافرت لإحباطها وتهيأ لهم ما أرادوا لأسباب كثيرة ليس هذا مجال التطرق إليها،وكان للأهزوجة وقعها المؤثر ودورها الفاعل في إذكاء الحماسة الثورية للمقاتلين،,دفعهم لخوض  المعامع باندفاع وتفان،وكان لكل عشيرة مهوالها،ولكل قبيلة شعرائها،وأشتهر الكثيرون في تلك الفترة/ولا زالت أهازيجهم وأخبارهم ترددها الأجيال جيلا بعد جيل،وقد سجلت الأهازيج أهم أحد الثورة ومنعطفاتها الخطيرة،وما رافقها من حكايات لا زالت طرية على الألسن ،تبين دوافع هذه الأهزوجة أو تلك.
 وعندما أمر الحاكم البريطاني (هيات) بتوقيف شعلان أبو الجون، زعيم الظوالم ،وقائد الثورة ومشعل شرارتها الأولى ،قام مجموعة من أبناء قبيلته بإخراجه من السجن بعد الهجوم على مركز الشرطة وأحتلاله،وعندما خرج من السجن أسرع بمشيته،فاغتاظ منه أحد أصحابه وخاطبه قائلا:
يا أبن الحر ممشاك براضه
أي تمهل ولا تسرع،فالي جوارك من يرد عنك غائلة الأعداء.
  وعندما اشتبكت عشائر بني حجيم والظوالم وآل زياد مع الجيش الإنكليزي في معركة فاصلة  دامت يوما كاملا أنتصر فيها الثوار انتصارا كبيرا،وملأت جثث القتلى النهر ،فقال المهوال مخاطبا شعلان:
يشعيل يجري الشط سوجر
 أي جعلنا مياه النهر تجري من دماء الجيش المحتل،الذي يتكون من السيك والهنود .
  وعندما قال أحد الضباط الانكليز لجنوده(هل تخاوفون من  هذا الرعاش، يريد الشيخ شعلان آل عطية الذي كان مصاب بارتعاش في رأسه، ،رد عليه الشيخ شعلان بعد انتصاره في معركة حامية مع الجيش المحتل:
أرعش ما أرعش هذا آنه
أي سواء أرعش أو لا فانا الذي حطمت جيشك المعتدي،ولقنتكم درسا في الدفاع عن الوطن.
  وقال مرزوك العواد عندما شاهد القوات البريطانية المنهارة وهي ترتد هاربة مذعورة أمام هجمات الثوار الأبطال:
ودوه يبلعنه وغص بينه
أي أرسلوه للقضاء علينا فعاد خاسئا مدحورا.
 وقال عبد الواحد الحاج سكر وقيل غيره عندما شاهد الطائرات الحربية المغيرة تهدر في الجو:
يل ترعد بالجو هز غيري
ومن أشهر أهازيج الثورة:
أكللنج يجامعة الحسن عيناج
فن كوكز وديلي بعسكرخ يدناج
أنجان أهلج جفوج أحنه بطرب جيناج
خل يامن كلبج يرعيعه
وقال أحدهم  مخاطبا أحد القادة الإنكليز عندما شاهده جالسا في مضيف الشيخ  خوام بعد سنوات من الثورة:
يا بيك أنته وسير أنعالي
أي أيها البيك  أن  قيمتك عندي لا تزيد عن قيمة شسع نعلي الذي أرتدي، وعندما شاهد القائد الشرر يتطاير من عينيه وهو ينظر له ،سأل الشيخ عن معنى قوله،فقال له :أنه يقول:
 يا بيك أنته سهيل العالي
وشتان بين القولين والموقفين للفلاح الكادح والشيخ الكبير.
 وكان للمرأة العراقية دورها الفاعل والمؤثر في أحداث الثورة ومساراتها،فقد رافقت الرجل جنبا الى جنب في التقدم والانسحاب،وكانت المعين الذي لا ينضب في أذكاء نار الثورة والتحريض لها،ولعل الكثير من أبناء الريف العراقي يلمسون بشكل كبير قوة المرأة وعزيمتها التي لا تلين في مثل هذه المواقف،فقد كانت المرأة الريفية تتميز عن بنات جنسها بالاعتداد والقوة والصبر والجلد ،والقدرة على المواجهة العاتية في أحرج المواقف ،والكثير ممن معارك الريف يكون للمرأة الدور الكبير في إشعالها والتحضير لها،وهي على استعداد للتضحية بفلذة كبدها من أجل الموقف الكريم والصيت الطائر،وكان الكثير من النساء يخضن معامع الحروب بجرأة وشجاعة يفتقر إليها الكثير من الرجال ،وقد نقل لنا عن تلك الثورة العظيمة كيف أن المرأة العراقية هاجمت المدفع وهي تحمل فالة في يدها مما دفع الجندي الإنكليزي لتصويب النار عليها وقتلها،فإذا كان الشعب فيه مثل هاتيك النسوة فكيف لأحد السيادة عليه وحكمه بالجور والظلم والاستبداد،والمرأة العراقية لا تني تدفع بأبنائها للذود والقتال من أجل المبادئ والمثل التي تؤمن بها،ولعل الكثير من رفاقي المناضلين يتذكرون الدعم اللا محدود الذي قدمته أمهاتهم أيام النضال وما عانين وتحملن في دروب النضال وأزقته الوعرة.
 لقد كانت المرأة العراقية في ثورة العشرين وما تلاها من معارك شعبنا الفاصلة تسهم بكل قوتها في العمل الجماهيري ،وكانت تشارك الى جانب الرجل فهي تسعف الجرحى وتهيأ الماء والطعام،وتنقل القتلى ،وتحضير الأسلحة والأعتدة،،فترى المرأة العراقية الباسلة،وقد شدت على وسطها عباءتها،- لأن الكثير منهن يسفرن عن وجوههن وأجسامهن ولا يتقيدن بما تقيد المجتمعات المتخلفة نسائهم من حجاب مقيت- وتندفع غير هيابة ولا وجلة الى قلب المعركة،تشارك فيها الى جانب الرجل،ومنهن من حملت السلاح وقاتلت أسوة بالرجال،وتميزت الكثيرات في تلك المعركة وما تلاها من معارك بالصمود والتصدي والقوة التي تبطل المزاعم القائلة بأن المرأة قد خلقت للأعمال المنزلية فقط،،فكانت هذه الأندفاعة وسام فخر للمرأة العراقية،،ودحض للأفتراآت التخرصات والتصورات القائلة بأن على النساء أن يقرن في بيوتهن،فقد كانت (العمارية) وهو ما يطلق على المرأة المشاركة في الحرب ،لا تختلف عن الرجل في صبرها وجلدها واندفاعها وقدرتها على تحمل المكاره،وهي رغم عواطفها الرقيقة تواجه الموقف بما يستحقه من البسالة والأقدام،ولم يكن للدموع مكانا في عين المرأة الفراتية أبان الثورة،فكانت تستقبل استشهاد فلذة كبدها بأهزوجة مقاتلة وهلهولة فاعلة،وهي فرحة لأن أبنها في عداد الشهداء،ولعل مقولة شيخ العوابد أصدق صورة عن واقع المرأة ،فقد قال مخاطبا نساء العوابد(والله أن بقيت حيا فلا تبقى عابدية ذات بعل أو أبن) لذلك كان استقبال الشهداء بالزغاريد والهوسات،فقد ذكر أن أحداهن قتل أبنائها الثلاثة في المعركة الى جانب زوجها وأخيها،فهزجت  على أجسادهم قائلة:
يا موت أطحن وآنه الهيلك
 وأخرى وجدت أبنها(جنيدي) مضرجا بدمائه في ساحة المعركة وقد أطبق بيديه على خناق جندي بريطاني كان قتيلا الى جانبه،فهزجت قائلة:
حي ميت تكتل يجنيدي
وثالثة جيء لها بولدها الوحيد وقد أخترق صدره رصاص الأعداء،فرفعت بندقيته قائلة:
لميته وشال وصار آفه
وفطيمة آل علي مفخرة الظوالم وابنة الرميثة الباسلة،كانت عنوان المجد والبسالة للمرأة العراقية،فقد خرج وحيدها مع خاله للمشاركة في المعركة،وقد أستشهد وهو ينازل الأعداء ببطولة منقطعة النظير،وبعد انتهاء المعركة عاد أخيها وحيدا،فسألته عن أبنها،فقال:
جن لا هزيتي ولوليتي
فأجابته بأباء وشمم دون أن تخرج أنة أو تذرف دمعة:
هزيت ولوليت الهذا
أي أني أعددته لمثل هذا اليوم.
وعفته آل صويلح من آل  زريج،أسلا الإنكليز ولدها  ومروا من أمامها يقودونه مع الأسرى فأومأت له قائلة:
بس لا يتعذر موش آنه
أي أخشى أن يتنصل من المشاركة بالثورة ،فقال:
حطوني بحلكه  وكلت آنه
أي وضعوني في فوهة المدفع ولم أنكر اشتراكي بالثورة.
وقالت أخرى تخاطب ولدها الذي حاول الانزواء وعدم المشاركة في الثورة،باعثة فيه العزيمة والثبات:
أشلون أدحلب وانت آفه
فاجابها بعد أن حمل بندقيته وأزمع على الخروج:
شيديه وأذبحلج بيه آفه
أي أين هو المكان الذي يجعلني أنحني منه،وخرج الى ساحة المعركة وأبلا البلاء الحسن.
وقالت الأخرى التي رأت أحد الشيوخ قد تلكأ في الخروج الى المعركة والمشاركة في الثورة ،وكان وراء الهزيمة التي مني بها الثوار لامتناعه مع آخرين عن إسناد الثوار المقاتلين،مما جعل النتيجة تكون لصالح الإنكليز:
أهو لمراد بكل أيدي  وستمية عفرم للعوجه
والعوجه مدينة شعلان أبو الجون زعيم الثورة ومشعل شرارتها الأولى.
 وأخرى عيرت زوجها لعدم مشاركته في المعركة بقولها
شتواجه الوادم بعد ونسه
وهاي الحرب عند الناس ونسه
أشترك بيه زلم ورجال ونسه
وأنه زلمتي جويعد بالثنية
 وخاتمة المطاف عندما شاهدت أحداهن ولدها وقد أصيب برصاصة قاتلة،فاندفعت لمداواته وهي تهزج وتقول:
عد عينك ييمه لا تزم روحك
أجيت وبيدي أذر ارماد لجروحك
عفريت وذب سمه عليهم