المنتدى العام > كتابات روحانية ودراسات مسيحية

كتاب التعليم المسيحي

(1/6) > >>

pawel:
كتاب التعليم المسيحي


 كتاب التعليم المسيحي سينشر في اجزاء ليتسنى لنا ان نقراءه بتاني لما له من غنى روحي . وهذا الكتاب ما تعلمه كنيسة الام لابنائها ، وهو مناسبة لنا من ان نعرف ما تعترف وتحتفل به الكنيسة وما تحياه وتصليه في حياتها اليومية. وفي هذا العرض نفسه ايضاح لواجب كل شخص في الاسهام الفعلي، حتى يصبح من الممكن أن يقدم لعالم اليوم الايمان المسيحي الذي يلخص هذا الكتاب تعاليمه الجوهرية بالطريقة الأشد ملاءمة. بهذا الاسهام المتعدد والمتكافئ لدى أعضاء الكنيسة .


محبتي واحترامي للجميع

pawel:
التّعْليمُ المسِيحي للكِنيسة الكاثوليكية


 

عربّه

عن الطبعة اللاتينيّة الأصليّة

 

المتروبوليت حبيب  باشـا      المطران يوحنّا منصور

المطران كيرلّس سليم بسترس       الأب حنّـا الفاخـوري

 

 

 

لائحة الاختزالات

 

آ ك ل، آ ل
 مجموعة آباء الكنيسة اللاتينيّة
 
آ ك ي، آ ي
 مجموعة آباء الكنيسة اليونانيّة
 
إ إ
 إعلان الإنجيل (بولس السادس 8/12/1975)
 
أ ر
 الأسّرفتوره رومانو
 
إ ش إ
 الأهتمام بالشأن الإجتماعي (يوحنا بولس الثاني 30/12/1987)
 
أ فا
 أم الفادي (يوحنا بولس الثاني 25/3/1987
 
أ ك ر
 أعمال الكرسي الرسولي
 
إ م
 الإكرام المريمي (بولس السادس (2/2/1974)
 
إ ن ك
 «الإنكيريديون الفاتيكاني»
 
أ و م
 أمٌّ ومعلمة (يوحنا الثالث والعشرون 15/5/1961)
 
ت ح ر
 التجديد الملائم للحياة الرهبانية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ت ر
 التعليم المسيحي الروماني
 
ت ش
 ترقي الشعوب (بولس السادس 26/3/1967)
 
ت ك
 التنشئة الكهنوتية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ت م
 التربية المسيحية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ح ب
 الحياة ابشريّة (بولس السادس 25/7/1968)
 
ح ق ل
 الحقُّ القانونيُّ اللاتينيّ
 
ح د
 الحريّة الدينيّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ح م
 الحركة المسكونية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
خ ك
 خدمة الكهنة الرعوية وحياتهم (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
د
 دنتسنغر – شونمتسر
 
د ت ع
 دليل التعليم المسيحي العام
 
ر ت
 رتبة التثبيت
 
ر ت ب
 رتبة التنشئة المسيحية للبالغين
 
ر ت ع
 رتبة تكريس العذارى
 
ر ج
 رتبة الجنازات
 
ر س ت
 رتبة سر التوبة
 
ر س ز
 رتبة سر الزواج
 
ر ع
 رسالة العلمانييّن (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ر ف
 رسالة الفادي (يوحنا بولس الثاني 14/7/1990)
 
ر م
 الربُّ المحيي (يوحنا بولس الثاني 8/5/1986)
 
ر م أ
 رتبة معمودية الأطفال
 
ر م ب
 رتبة معمودية البالغين
 
س إ
 سر الإيمان (بولس السادس 3/9/1965)
 
س أ ع
 السلام على الأرض (يوحنا الثالث والعشرون 11/4/1963)
 
س م
 السنة المئة (يوحنا بولس الثاني 1/5/1991)
 
ش ع
 الشراكة العيليّة (يوحنا بولس الثاني 22/11/1981)
 
ع ك أ
 علاقة الكنيسة بالأديان غير امسيحية (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ع م
 العلمانيّون المؤمنون بالمسيح (يوحنا بولس الثاني 30/12/1988)
 
غ ر
 الله الغني بالرحمة (يوحنا بولس الثاني 30/\1/1980)
 
ف إ
 فادي الإنسان (يوحنا بولس الثاني 4/3/1979)
 
ف ب
 في البركات
 
ف ق
 فرض القراءات
 
ق ر
 كتاب القداس الروماني
 
ق ش
 قانون إيمان شعب الله (بولس السادس 30/6/1968)
 
ق ك ش
 قوانين الكنائس الشرقية
 
ق م م
 قرارات المجامع المسكونية
 
ك
 في الكنيسة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك ش
 في الكنائس الشرقيّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك ع
 الكنيسة في عالم اليوم (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ك م
 كرامة المرأة (يوحنا بولس الثاني 15/8/1988)
 
ل
 الليترجيا المقدّسة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ل س
 ليترجيّا الساعات
 
م أ
 مهمة الأساقفة الرعويّة (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
م ت
 المصالحة والتوبة
 
م ع
 مزاولة العمل (يوحنا بولس الثاني 14/9/1981)
 
م ع إ
 مجمع العقيدة والإيمان
 
م ع ك ق
 مقدمة عامة لكتاب القداس
 
م ع ل س
 مقدمة عامة لليترجيا الساعات
 
م ف اً
 المجمع الفاتيكاني الأول
 
م ك ك ل
 مجموعة الكتّاب الكنسييّن اللاتين
 
م م
 المصادر المسيحيّة
 
م م ل
 مجموعة المسيحيين (السالسة اللاتينيّة)
 
م م ي
 مجموعة المسيحيين (السلسة اليونانية)
 
ن ر
 نشاط الكنيسة الإرساليّ (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
ن ك
 نقل الكرازة (يوحنا بولس الثاني 16/10/1979)
 
و إ
 وسائل الاتصال الإجتماعيّ (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
و ل
 الوحي الإلهي (المجمع الفاتيكاني الثاني)
 
 
 اختزالات أخرى
 
إ ز
 ما يوزيه من النصوص . par
 
رَ
 Cf.
 
م
 ملحق ad.
 
مج
 مجمع c.
 
م س
 المرجع السابق Ibid.
 
م ن
 المرجع نفسه Id.
 
و غ
 وغيرها من النصوص et alt. et alibi
 


الدستور الرسولي: وديعة الإيمان، لأجل نشر تعليم الكنيسة الكاثوليكية
الدستور الرسولي

«وديعة الإيمان»

لأجل نشر

تعليم الكنيسة الكاثوليكية

الذي وضِع في عَقِب المجمع الفاتيكانيّ الثاني

 

 إلى إخوتنا الأجلاَّءِ الكرادِلة، والبطاركة، ورؤساء الأساقفة، والأساقفة، والكهنة، والشمامسة الإنجيليّين، وإلى سائر أعضاء شعب الله

يوحنَّا بولس الأسقف،

خادم خُدَّام الله

لِذكرى خالدة

الحفاظُ على وديعة الإيمان، تلك هي الرسالةُ التي عهدَ فيها الربُّ الى كنيسته، والتي تقوم بها في كل زمان. والمجمع الفاتيكاني الثاني، الذي افتتحهُ منذُ ثلاثين سنةً سلفُنا يوحنّا الثالث والعشرون السعيد الذكر، كان هدفهُ ورغبتُه أن يُبرز رسالة الكنيسة الرَّسوليّةَ والرَّاعوية، وأن يقود جميع البشر، بألَق حقيقة الانجيل، إلى تطَلُّب وقبول محبة المسيح التي هي فوق كل شيء (رَ: أف3/19).

وكان البابا يوحنا الثالث والعشرون قد حدَّد لهذه الجلسات المجمعية مهمتها الرَّئيسيَّة في أن تحافظ على وديعة العقيدة المسيحية الثمينة حفاظاً أفضل، وفي أن تفسرها تفسيراً أوفى، بحيث تصبح أقرب إلى متناول مُؤمني المسيح، ومتناول سائر البشر ذوي الإرادة الصالحة. وهكذا لم يكن من شأن المجمع أولاً أن يندد بأضاليل العصر، بل كان عليه قبل كل شيء أن يُبين بصفاءٍ قوة عقيدة الإيمان وجمالها. وكان (ذلك البابا) يقول: «ستكونُ أنوارُ هذا المجمع للكنيسة ينبوع غنًى روحيٍّ، وإنها إذا نهت منه طاقات جديدة ستتطلَّعُ إلى المستقبل بغير خوفٍ ... يجبُ علينا أن نكِب، في فرحٍ وفي غير خشيةٍ، على العمل الذي يقتضيه عصرنا، سالكين الطريق التي نهجتها الكنيسةً منذُ نحو عشرين قرناً».

لقد استطاع آباء المجمع بعون الله أن يُعدوا، في سني العمل الأربع، طائفةً كبيرةً من العروض العقائدية والتوجيهات الرَّاعوية، ويقدّموها للكنيسة كلها جمعاء. فيها يجد الرُّعاةُ والمؤمنون ما يهديهم في هذا «التجدُّد الفكريّ والحركيّ والأخلاقيّ، وتجدُّد القوة الأدبيّ والفرح والرجاء التي كانت وحدها غاية المجمع»[ii].

ومازال المجمع، منذ افتتاحه، ينفح الحياة الكنسية بوحيه. وكان بإمكاني في سنة 1985 أن أعلن وأقول:«أن المجمع الفاتيكاني الثاني الذي أتيح لي، نعمةٍ خاصة، أن أكون عضواً من أعضائه، وأن أشترك اشتراكاً فعلياً في مجرى أعمه، كان بالنسبة إليّ في كل آن، ولا سيما في سنوات حبريتي، المرجع المتواصل لعملي الرَّاعوي كله، أعملُ بوعيٍ على ترجمة ارشاداته بتطبيقٍ واقعيٍ وأمين، على مستوى كل كنيسة وكل الكنيسة جمعاء. يجب أبداً الرجوع الى هذا الينبوع»[iii].

في هذه الروح طلبت، في 25كانون الثاني 1985، انعقاداً غير عادي لسينودس الأساقفة، وذلك بداعي الذكرى العشرين لاختتام المجمع. وكان هدف هذا المجلس الاحتفال بنِعَم المجمع الفاتيكاني الثاني وثماره الروحيّة، والتعمُّق في تعاليمه في سبيل اتباعه اتباعاً أفضل، والتشجيع على معرفته وتطبيقه.

بهذا الداعي أعرب آباء السينودس عن رغبتهم «في أن يُوضَع تعليم مسيحيّ، أو خلاصةٌ للعقيدة الكاثوليكية كلها، سواءٌ كان في موضوع الإيمان أو في موضوع الآداب، فتكون هذه الخلاصة نصَّا مرجعياً لكتب التعليم المسيحي أو الخلاصات التي توضع في شتّى البلاد. ويجب أن يكون عرض العقيدة كتابياً وليترجياً، مقدماً تعليماً ثابتاً وفي الوقت نفسه متمشياً وحياة المسيحيين الحاضرة»[iv].

ومنذ اختتام السينودس تبنَّيتُ هذه الرغبة، مقدرًا «أنها تلبي حاجة حقيقيَّةً في الكنيسة الجامعة وفي الكنيسة الخاصة»[v].

كيف لا نؤدي الشكر من أعماق القلب الى الرب الإله، في هذا اليوم الذي أصبح فيه بإمكاننا أن نقدم للكنيسة كلها جمعاء، هذا النص المرجعيّ، بعنوان تعليم الكنيسة الكاثوليكية، في سبيل تعليم ديني يستقي تجدُّده من ينابيع الإيمان الحيّة!

بعد تجديد الحياة الليترجيا وبعد صدور الحق القانوني الجديد للكنيسة اللاتينيّة ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية، سيكون لهذا التعليم المسيحي إسهامٌ بالغُ الأهمية في تجديد الحياة الكنسية الذي أراده وطبقه المجمع الفاتيكاني الثاني.

مسيرة تَهييءِ هذا النصّ وروحُه

تعليم الكنيسة الكاثوليكية ثمرة جهودٍ كثيرة متضافرة؛ لقد أُنضِجَ طوال ستِ سنواتٍ من العمل الحثيث في روح انفتاح واع وفي نشاط مضطرم.

في سنة 1986 عهدتُ إلى لجنةٍ مؤلَّفةٍ من اثنى عشر كردينالاً وأسقفاً، يرئسها السيد الكردينال جوزيف راتسنغر، في تهييءِ تصميم للتعليم المسيحي الذي طلبه آباء السينودس. وقد رافقت عمل اللجنة هذه لجنة صياغة مؤلَّفةٌمن سبعةِ أساقفةٍ أبرشيّين خُبراء في اللاهوت والتعليم الدينيّ.

وقد تابعت اللجنة المكَّلفة بتقديم التوجيهات والسهر على سير الأعمال، تابعت بتيقُّظٍ جميع المراحل في صياغة النُّسخ التّسْع المتعاقبة. وأما لجنة الصّياغة فتولَّت مسؤولية كتابة النص مع التعديلات التي طلبتها اللجنة المكلفة، والنَّظَر في ملاحظات عددٍ كبيرٍ من اللاهوتييّن، وشُرّاح الكتاب المقدس، ومعلمي التعليم الدينيّ، ولا سيما أساقفة المسكونة كلها، وذلك في سبيل تحسين النص. وهكذا كانت لجنة الصياغة مركز تبادل مُثمرٍ ومُغنٍ لأجل تأمين وحدة النصّ وتجانس أجزائه.

كان هذا المشروع موضوع تشاور واسع بين جميع الأساقفة الكاثوليكيين، ومجالسهم الأسقفية أو سينودساتهم، ومعاهد اللاهوت والتعليم الديني. وقد لقيَ في مجمله ترحيباً واسعاً لدى الهيئة الأسقفية. ومن الحق أن يُقال إن هذا التعليم ثمرة اسهام لكل الهيئة الأسقفية في الكنيسة الكاثوليكية، تلك الهيئة التي تقبلت بسخاء دعوتي إلى حمل ما يقع عليها من مسؤولية في مبادرةٍ شديدة اللُّصوق بالحياة الكنسية. وهذا الجواب يُثير فيَّ شعورَ فرح عميقاً، لأن اتفاق هذا العدد الكبير من الأصوات يُعبر في الحقيقية عما نستطيع أن نسميه «سمفونيا» الإيمان. وتحقيق هذا التعليم يعكس هكذا الطبيعة الجَماعيّة للهيئة الأسقفية؛ إنه يُثبت كاثوليكية الكنيسة.

توزيع المادّة

لابدَّ للتعليم الدينيّ من أن يُقدِمَ بأمانةٍ وبطريقةٍ عضويةٍ تعيم الكتاب المقدَّس وتقليد الكنيسة الحيّ، والسلطة التعليمية الأصلية، وكذلك التراث الروحي الذي خلّفه آباءُ الكنيسة وقديسوها وقديساتها، وذلك لكي يُتاح فهمُ اسر المسيحي فهماً أفضل وإنعاش الإيمان عند شعب الله. ولابدَّ لهذا التعليم من أن يأخذ بعين الاعتبار تصريحات العقيدة التي أُحى بها الروح القدس إلى الكنيسة على مرّ الأيّام. وعليه أيضاً أن يساعد على أنْ يجلوَ بنور الإيمان الحالات المستجدة والمسائل التي لم تكن بعدُ قد طُرِحت في الماضي.

وهكذا فالتعليم ينطوي على جديد وعلى عتيق (رَ: متى 13/52)، على أن الإيمان هو هو أبداً، وإنه مصدر أنوار أبداً جديدة.

ولكي يسدَّ تعليم الكنيسة الكاثوليكية هذه الحاجة المزدوجة فهو يستعيد من جهة النهج "القديم" التقليدي الذي اتبعه تعليم القديس بيوس الخامس، موزعاً مادَّته على أربعة أقسام: قانون الإيمان، الليترجيا المقدَّسة وفي طليعتها الأسرار؛ السلوك المسيحي معروضاً ابتداءً من الوصايا؛ وأخيراً الصلاة المسيحية؛ إلا أن هذا المحتوى سيُعبَّر عنه غالباً بطريقةٍ "جديدة"، كما يُجيب عن تساؤلات عصرنا.

الأقسام الأربعة يرتبطُ بعضُها ببعض: السرُّ المسيحيُّ هو موضوع الإيمان (القسم الأول)؛ إنه محتفلٌ به ومنقولٌ في أعمال الليترجيا (القسم الثاني)؛ وهو حاضر لتنوير أبناء الله ومساعدتهم في تصرُّفهم (القسم الثالث)؛ وهو في أساس صلاتنا وعبادتها المفضلة "أبابنا"، ويكون موضوع طلبتنا، وحمدنا، وتضّرعنا (القسم الرابع).

والليترجيا في ذاتها صلاة؛ فالاعتراف بالإيمان يجد مكانه في احتفالات العبادة. والنعمة، ثمرة الأسرار، هي الشرط الذي لا بديل منه في السلوك المسيحي، كما أن الاشتراك في ليترجيّا الكنيسة يقتضي الإيمان. وإذا لم ينتشر الإيمان بالأ‘مال يبقى ميتاً (رَ:يع2/14-26) ولا يمكنه أن يٌؤتي ثمار حياة أبدية.

بمطالعة تعليم الكنيسة الكاثوليكية يمكن الوقوف على وحدة سرّ الله العجيبة، وعلى تدبيره الخلاصي، كما يمكن ادراك المكان المركزي ليسوع المسيح، ابن الله الوحيد، الذي أرسله الآب، وصار إنساناً، بالروح القدس، في حشا العذراء مريم الكلّية القداسة، لكي يكون مخلِّصنا. لقد مات، وقام، وهو أبداً حاضرٌ في كنيسته ولا سيما في الأسرار؛ إنه ينبوع الإيمان، ونموذج السلوك المسيحي، ومعلّمُ صلاتنا.

قيمة النصّ العقائديّة

إن تعليم الكنيسة الكاثوليكية الذي وافقت عليه في 25 حزيران الماضي، والذي آمرُ بنشره اليوم، بحكم سلطتي الرسوليّة، هو عرضٌ لإيمان الكنيسة وللعقيدة الكاثوليكية، يُثبتُهما أو يوضحهما الكتابُ المقدس والتقليدُ الرسوليُّ وسلطةُ الكنيسة التعليميّة. إني أعتبره أداةً صحيحةً وموثوقاً بها في خدمة الشركة الكنسية، وقاعدةً ثابتةً لتعليم الإيمان. عساهُ أن يكون عاملاً في التجدُّد الذي لا يزال الروح القدس يدعو إيه كنيسة الله، جسد المسيح، في مسيرة الحجّ الى نور الملكوت الذي لا يشوبه ظِلّ!

إن في الموافقة على تعليم الكنيسة الكاثوليكية وفي نشره خدمةً يريد خليفة بطرس أن يؤدّيها إلى الكنيسة الكاثوليكية المقدَّسة، إلى جميع الكنائس الخاصة التي هي في سلامٍ وفي شركةٍ مع كِرسيّ رومة الرسوليّ: أي أن يساند ويثبت إيمان جميع أتباع السيد يسوع (رَ:لو22/32)، وأن يوثِقَ كذلك رُبُط الوحدة في الإيمان الواحد الرسوليّ.

وإني، والحالةُ هذه، أطلب من رعاة الكنيسة ومن المؤمنين أن يتقبلو هذا التعليم في روح شركةٍ، وأن يثابروا على استعماله وهم يقمون برسالتهم في التّبشير بالإيمان والدعوة إلى الحياة الإنجيلية. لقد أُعطوا هذا التعليم لكي يكون نصّاً مرجعيّاً أميناً وأصيلاً لتعليم العقيدة الكاثوليكية، وبنوع أخص لوضع تعاليم دينية محلية. وهو مقدَّمٌ أيضاً إلى جميع المؤمنين الذين يرغبون في أن تكون لهم معرفة أفضل لكنوز الخلاص التي لا تستقصى (رَ: أف3/8). إنه يريد أن يقدم عوناً للجهود المسكونية التي تُحرّكها الرغبةُ المقدسةُ في وحدة جميع المسيحيين، مظهراً بدقةٍ مُحتوى الإيمان الكاثوليكي وتناسقه المتناغم الأجزاء. وتعليم الكنيسة الكاثوليكية مقدمٌ أخيراً إلى كل إنسان يسألُنا حُجج الرجاء الذي فينا (رَ: 1بط 3/15)، والذي يرغب في معرفة ما تؤمن به الكنيسة الكاثوليكية.

لا يهدف هذا التعليم إلى أن يقوم مقام التعاليم المحلية التي وافقت عليها السلطات الكنسية، والأساقفة الأبرشيون، والمجالس الأسقفية، ولا سيما تلك التي نالت موافقة الكرسيّ الرسوليّ. إنه يهدف إلى التشجيع والمساعدة في وضع تعاليم محلية جديدة تراعي الحالات والثقافات المختلفة، ولكنها تحرص شديد الحرص على وحدة الإيمان وعلى الأمانة للعقيدة الكاثوليكية.

الخاتمة

في ختام هذه الوثيقة التي تقدّمُ تعليم الكنيسة الكاثوليكية أطلب إلى العذراء مريم الكلية القداسة، والة الكلمة المتجسد، وأمّ الكنيسة، أن تساعد بشفاعتها القديرة عمل الكرازة في الكنيسة كلها على جميع المستويات، في هذا الزمن اذي تُدعى فيه الكنيسة إلى جُهدٍ تبشيريٍ جديد. عسى نور الإيمان الحقيقي أن يُنقذ الإنسانية من الجهل ومن عبودية الخطيئة لكي يقودها إلى الحرية الوحيدة الجديرة بهذا الأسم (رَ:يو 8/32): حرّية الحياة في يسوع المسيح بقيادة الروح القدس، هَهُنا على هذه الأرض وفي ملكوت السماوات، في ملء سعادة رؤية الله وجهاً لوجهٍ (رَ:1كو13/12؛2كو5/6-8).

أُعطيَ في 11 تشرين الأول (أكتوبر) 1992، في الذكرى الثلاثين لافتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وفي السنة الرابعة عشرة لحبريّتنا.

يوحنا بولس الثاني



--------------------------------------------------------------------------------

يوحنا 23ً، خطاب افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في 11ت1 1962: أ ك ر 54(1962)، 788-791.

[ii] بولس 6ً، خطاب افتتاح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني في 8ك1 1965: أ ك ر58 (1966)، 7-8 .

[iii] خطبة 25ك2 1985: الأسرفتوره رومانو، 27 ك2 1985.

[iv] التقرير الختامي للسينودس غير العادي، 7ك1 1985، إ ن ك9 2ً ب، أ، الرقم4: ، ص1758، الرقم 1797.

[v]  خطبة اختتام السينودس غير العادي، 7ك1 1985، الرقم6: أ ك ر 78 (1986)، 435



الرسالة الرسولية

«يسرّنا جداً»

(LAETAMUR MAGNOPERE)

لأجل الموافقة على الطبعة اللاتينيّة الرسمية

للتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ونشرها

 

إلى إخوتنا الأجلاَّءِ الكرادِلة، والبطاركة، ورؤساء الأساقفة، والأساقفة، والكهنة، والشمامسة الإنجيليّين، وإلى سائر أعضاء شعب الله

يوحنَّا بولس الأسقف،

خادم خُدَّام الله

لِذكرى خالدة

يسّرنا جدًّا أن تصدر الطبعة اللاَّتينيّة الرسميّة للتعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية التي نوافق عليها وننشرها بهذه الرسالة الرسولية، والتي تصبح النص النهائيّ لهذا التعليم المسيحي. يجري هذا الحدث نحو خمس سنوات بعد إعلان الدستور الرسولي «وديعة الإيمان» ف 11 تشرين الأول سنة 1992، الذي رافق النص الأوَّل باللغة الفرنسية ذلك التعليم، وذلك بداعي الذكرى الثلاثين لافتتاح المجمع الفاتيكاني الثاني. لقد زادنا سروراً ما تبين لنا من حسن استقبالٍ عامّ لهذا العمل، ومن انتشاره الواسع خلال هذه السنوات، ولا سيما في الكنائس المحلية التي أكبّت على ترجمته إلى لغاتٍ مختلفة، وجعلته أقرب منالاً لدى شعوب العالم المختلفي اللغات. وهذا ما يثبت الطابع الإيجابي للتقرير الذي قدَّمته لنا جمعيّة الأساقفة السينودسيّة غير العادية سنة 1985، وطابت فيه بوضع تعليم مسيحي، أو بخلاصة لكل العقيدة الكاثوليكية في ناحيتيها الإيمانية والأدبيّة.

قامت بهذا المشروع جنة من الكرادلة والأساقفة سنة 1986، فوافقنا عليه وأعلنّا التعليم المسيحي في الدستور الرسولي المذكور آنفاً، والذي لا يزال يحافظ اليوم على قيمته وعلى حاليّته، ويجد تحقيقه بصيغته  النهائية في هذه الطبعة اللاتينيّة الرسميّة.

أعدَّت هذه الطبعة لجنة من شتّى التيّارات أنشأناها لهذه الغاية سنة 1993، وعلى رأسها الكردينال راتسنغر، فأكبّت على العمل بلا هوادة لبلوغ الهدف الذي أنشئت له. وقد اهتمت اهتماماً شديداً لتفحص اقتراحات التبديل الكثير التي أُجريت على محتوى النص، والواردة في شتّى اقطار العالم، كما اهتمت للمطالب المختلفة التي تقدّم بها الاكليروس العالمي على مرّ هذه السنوات.

وهذا العدد الكثير من عروض التحسين يدل، قبل كل شيء على اهتمام العالم كله بهذا التعليم، حتى في الأوساط غير المسيحية، وهو إلى ذلك يُثبت غائيّته، في عرضٍ كاملٍ وغير منقوص، للعقيدة الكاثوليكية، يُتيح لكل واحد أن يعرف ما تعترف وتحتفل به الكنيسة، وما تحياه وتُصلِّيه في حياتها اليومية. وفي هذا العرض نفسه إيضاح لواجب كل شخص في الإسهام الفعلي، حتى يصبح من الممكن أن يُقدَّم لعالم اليوم، الإيمان المسيحي الذي يلخص هذا الكتاب تعاليمهُ الجوهرية، بالطريقة الأشد ملاءمةً. بهذا الإسهام المتعدد والمتكافئ لدى أعضاء الكنيسة، يتمّ أيضاً ما قلناه في الدستور الرسولي «وديعة الإيمان»: «ان تضافر هذا العدد الكبير من الأصوات يُعبّر في الحقيقة عما نستطيع أن نسميه «سمفونية الإيمان» (الرقم2).

ولهذه الأسباب اخذت اللجنة بعين الاعتبار الاقتراحات الواردة وتفحّصتها بدّقة وفي دوراتٍ مختلفة، وقدمت لنا النتائج التي توصلت اليها لنوافق عليها. فإذا أتاحت هذه النتائج فهماً أفضل لمضمون التعليم المسيحي بالنسبة إلى وديعة الإيمان الكاثوليكي، أو بسبب أنها تسمح بصياغة بعض حقائق الإيمان أكثر ملاءمةً لمقتضيات التعليم الحالي، وافقنا عليها شخصياً فأُدرجت في مضمون هذه الطبعة اللاتينية الرسمية، وهكذا فهذه الطبعة تكرر بأمانة التعاليم العقائدية التي قدمناها رسمياً للكنيسة وللعالم في كانون الأول سنة 1992.

فنَشْرُ هذه الطبعة اللاتينية الرسميَّة اليوم يَحتِم مراحل إعداد التعليم المسيحي التي بدأت سنة 1986، ويُتوج نجاح رغبة جمعية الأساقفة السينودسية غير العادية. فلدى الكنيسة اليوم هذه النشرة الجديدة للإيمان الرسولي الواحد والأزلي وهي الكلمة الفصل التي ستكون «الارادة الحقيقية والمعترف بها لدى الجماعة الكنسية»، «والنص الأصيل» الذي يُرجع اليه في كل وضع كتب التعليم المسيحي المحليّة (راجع وديعة الإيمان، 4).

في هذا العرض الأصيل والمنسق للإيمان وللعقيدة الكاثوليكية سيجد التعليم الديني طريقاً سوية لتقديم كل وجه من وجوه الرسالة المسيحية، لإنسان اليوم، باندفاع جديد ونشاطٍ متجدد. سيجدُ كل عامل في حقل التعليم الديني ما يساعده في هذا النص على نقل وديعة الإيمان الوحيدة والأزلية الى بيئته ومجتمعه، عاملاً، بعون الروح القدس، على الجمع ما بين وحدة السّر المسيحي العجيبة وتعدُّد متطلبات وحالات من يوجه اليهم بشارته. ومن شأن نشاط التعليم الديني كله أن يكتسب اندفاعاً جديداً واسع النطاق لدى شعب الله، اذا استطاع ان يُحسن استعمال هذا التعليم المسيحي ويكتشف قيمته الحقيقية.

وهذا كلّه أشدّ أهميّةً اليوم ونحن نُطِلّ على الألف الثالث للميلاد. فلابُدّ من عملٍ تبشيريّ عاجل وواسع، حتى يستطيع الجميع أن يعرفوا ويتقبلوا رسالة الإنجيل، وينمو كل واحد «الى ملءِ اكتمال المسيح» (أف4: 13).

اننا ندعو بإِلحاح إخوتنا الأجلاء في الأسقفية، الذين يتوجه اليهم تعليم الكنيسة الكاثوليكية بنوع خاص، الى أن يضاعفوا نشاطهم، وهم يتلقَّون هذه الطبعة اللاتينية، لنشر نصها على مجال أوسع، والعمل على تقبله على وجه إيجابيّ، على أنه هبةٌ ثمينة للجماعات المؤتمنين عليها، تتيح لها ان تكتشف، من جديد، غنى الإيمان غير المحدود.

فنأمل أن تتضافر جميع قوى شعب الله، ويتعاون جميع أفراده، ليصل الجميع الى معرفة هذا التعليم المسيحي ويتقيدوا بما فيه، حتى تتقوى وتمتد الى أقاصي الأرض هذه الوحدة في الإيمان التي تجد لها مثالاً ومبدأً في وحدة الثالوث.

إننا نستودعُ مريم أم المسيح هذه الآمال ونحن نحتفل اليوم بصعودها الى السماء، جسداً وروحاً، حتى تتحقق لخير البشرية الروحي.

 

من كاستلغندلفو، في 15 آب 1997

السنة التاسعة عشرة لحبريتّنا

                                                                        + يوحنا بولس الثاني

pawel:

الجزء الأوّل

الاعتراف بالإيمان

 

القسم الأوّل

«أُؤمِنُ» - «نُؤمِنُ»

 

26- عندما نعترف بإيماننا نبدأ القول:«أُؤمن» أو «نُؤمن». فقبل أن نعرض إيمان الكنيسة كما يُعترف به في قانون الإيمان، ويُحتفل به في الليترجيا، ويُعاش في العمل بالوصايا والصلاة، فلنتساءل ما معنى «آمَنَ»؟ الإيمان إجابة الإنسان لله الذي يكشف له عن ذاته ويهبها له، وهو في الوقت نفسه يُؤتي الإنسان نوراً فيّاضاً في بحثه عن معنى الحياة الأخير. ونحن من ثمَّ ننظر أولاً في بحث الإنسان هذا (الفصل الأول)، ثم في الوحي الإلهي الذي يُلاقي فيه الله الإنسان (الفصل الثاني)، وأخيراً في جواب الإيمان (الفصل الثالث).

 

الفصل الأول

الإنسان «قادرٌ» على [الإتصال] بالله

1ً . تطلُّب الله

27- تطلّثبُ الله رغبةٌمنقوشةٌ في قلب الإنسان، لأن الإنسان خيقةً من الله ولله؛ واله يجتذب الإنسان اليه اجتذاباً متواصلاً، والإنسان لن يجد الحقيقة والسعادة اللتين يسعى إليهما دائما إلا في الله:

«إن في دعوة الإنسان هذه الى الاتصال بالله لأسمى مظهر من مظاهر الكرامة البشرية. ودعوة الله هذه التي يوجهها إلى الإنسان ليقيم معه حواراً تبدأ مع بدء الوجود البشري. ذلك أن الإنسان إذا وُجد فإن الله خلقه بمحبة، وهو بمحبةٍ يمنحه الكينونة على الدوام؛ والإنسان لا يحيا حياة كاملة بحسب الحق إلا إذا اعترف اعترافاً حُراً بهذه المحبة وسلم أمره لخالقه»[1].

28- عمد البشر، على مدى تاريخهم وإلى اليوم، إلى طرائق متعددة للتعبير عن تطلبهم الله بعقائدهم وسلوكهم الديني (صلوات، ذبائح، عبادات وطقوس، تأملات، إلخ). وعلى ما قد يكون في هذه الطرائق التعبيرية من ملابسات، فإنها عامة إلى حدّ أننا نستطيع أن نسمي الإنسان كائناً متديناً:

إن الله «صنع من واحدٍ كلَّ أمةٍ من البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً [لهم] مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم؛ لكي يطلبوا الله، لعلهم يجدونه متلمسين، مع أنه غير بعيدٍ من كل واحدٍ منا، إذ به نحيا ونتحرك ونوجد» (أع17: 26-28).

29- ولكن هذه «العلاقة الحميمة والحيوية التي تجمع بين الإنسان والله[2]» قد ينساها الإنسان ويتجاهلها أ؟و قد يتوصل الى رفضها رفضاً صريحاً. وقد يكون لمثل هذه المواقف أسباب شديدة التنوع[3]: الثورة على الشر في العالم، الجهل أو اللاإكتراث في الدين، هموم العالم وهموم الغنى[4]، سلوك المؤمنين السيئ، التيارات الفكرية المعادية للدين، وأخيراً هذا الموقف الذي يقفه الإنسان الخاطئ فيختبئ، خوفاً، من أمام وجه الله[5]، ويهرب من دعائه[6].

30- «الابتهاج لقلوب ملتمسي الله» (مز105: 3). إذا كان بإمكان الإنسان أن ينسى الله أو يرفضه، فإن الله لا يفتأ يدعو كل إنسان الى التماسه لكي يحيا ويبلغ السعادة. إلا أن هذا الإلتماس يقتضي من الإنسان جهد عقله الكامل، واستقامة إرادته، و"قلباً مستقيماً"، كما يقتضي أيضاً شهادة الآخرين الذين يعلمونه كيف يلتمس الله.

«إنك عظيم يارب، وأهل لأسمي مديح: عظيمةٌ قدرتك وليس لحكمتك حد. والإنسان، هذا الجزء الصغير من خليقتك، يَدَّعي مدحك، هذا الإنسان ذاته، في تلبُّس حاله القابلة الموت، يحمل في ذاته شهادة إثمه، والشهادة على أنَّك تقاوم المتكبرين. مع ذلك كله، يريد الإنسان، هذا الجزء الصغير من خليقتك، يريد أن يمدحك. أنت نفسك تحضه على ذلك، إذ تجعله يجد متعةً في تسبيحك، لأنك خلقتنا لك، ولأن قلبنا لا يجد الراحة إلا عندما يستقر فيك»[7].

2ً . المداخل إلى معرفة الله

31- الإنسان الذي خُلق على صورة الله، ودعي الى معرفة الله ومحبته، يجد عند التماسه الله بعض "السُّبل" للدخول في معرفة الله؛ وهي تُدعى أيضاً "شواهد على وجود الله"، لا بمعنى البراهين التي تطلبها العلوم الطبيعية، بل بمعنى "الأدلة المتلاقية والمُقنعة" التي تتيح الوصول الى حقائق ثابتة. هذه "السُّبل" لِمُقاربة الله تنطلق من الخليقة: العالم الماديّ والشخص البشري.

32- العالم: انطلاقاً من الحركة والصَّيرورة، من إمكان الحدوث، من نظام العالم وجماله، تصبح من الممكن معرفة الله مبدأً وغايةً للكون.

القديس بولس يثبت في شأن الأمم: «ما قد يُعرف عن الله واضح لهم، إذ إن الله [هو نفسه] قد أوضحه لهم،. فإن صفاته غير المنظورة، ولا سيما قدرته الأزلية وألوهيته، تُبصر منذ خلق العالم، مُدركةً بمبرؤاته» (رو1: 19-20)[8]. والقديس أوغسطينوس يقول:«سائِل جمال الأرض، سائِل جمال البحر، سائِل جمال الهواء الذي يتمدَّد وينتشر، سائل جمال السماء، (...) سائل هذه الحقائق كلها. فتُجيبك كلّها: أنظُر، نحنُ جميلات. وجمالها اعتراف. هذه الجمالات القابلة التغير، هل صنعها إلا الجميل الذي لا يقبل التغير؟» [9].

          33- الإنسان: مع انفتاح الإنسان على الحق والجمال، ومع تحسسه للخير الأدبي، وحريته وصوت ضميره، ومع توقه إلى ما لا ينتهي وإلى السعادة، فهو يتساءل عن وجود الله. وهو في كل ذلك يلمح إشارات من نفسه الروحانية. «إن زرع الخلود الذي حمله في ذاته، والذي لا ينتهي في المادة»[10]، إن نفسه لا يمكن أن يكون مبدأها في غير الله وحده.

34- العالم والإنسان يثبتان أن ليس لهما في ذاتهما مبدأهما الأول ولا غايتهما الأخيرة، ولكنهما يشتركان في الكائن بذاته الذي لا مبدأ له ولا نهاية. وهكذا يستطيع الإنسان بهذه "السُّبل" المختلفة أن يدخل في معرفة وجود حقيقة هي المبدأ الأول والغاية الأخيرة لكل شيء، وهي «التي يسميها الجميع الله» [11].

35- إن قوى الإنسان تجعله قادراً على معرفة وجود إله شخصي. ولكن لكي يتمكن الإنسان من الدّخول في ألفة الله، أراد الله أن يكشف له عن ذاته، وأن يمنحه النعمة التي تمكنه من تقبل هذا الوحي في الإيمان. وعلى كل حال، فالأدلة على وجود الله من شأنها أن تُعدَّ للإيمان وأن تُساعد على النَّثبُّت في أن لا خلاف بين الإيمان والعقل البشري.

3ً . معرفة الله في رأي الكنيسة

        36- «إن أُمنا الكنيسة المقدسة ترى وتُعلمُ أنه من الممكن أن يُعرف الله، مبدأ كل الأشياء وغايتها، معرفة يقين بنور العقل الإنساني الطبيعي انطلاقا من الأشياء المخلوقة[12]». وبدون هذه المقدرة لا يستطيع الإنسان أن يتقبَّل وحي الله. وهو ينعم بهذه المقدرة لأنه مخلوقٌ «على صورة الله» (تك1: 27).

        37- والإنسان، في الحالات التاريخية التي يوجد فيها، يُعاني صعوباتٍ كثيرةً في اعتماده على نور العقل وحده لمعرفة الله:

«وإن كان في استطاعة العقل البشري- نقول ذلك في بساطة- أن يتوصَّل، بقواه الطبيعية ونوره الطبيعي، الى معرفة إله شخصي معرفة حقيقية وثابتة، إله يصون العالم ويسوسه بعنايته، والى معرفة ناموس طبيعي جعله الخالق في نفوسنا، فهنالك مع ذلك عقبات كثيرة تحول دون أن يستعمل هذا العقل نفسه طاقته الطبيعية استعمالاً ناجعاً وذا فائدة، لأن الحقائق التي تتعلق بالله وبالبشر تفوق، على وجه مطلق، نظام الأشياء الحسية، وإذا كانت في سبيل الحصول على مثل هذه الحقائق تعاني النفس البشرية صعوبات من قِبَل الحواس والمخيلة، كما من قبل الميول الشريرة بعدم صوابية الأشياء التي يتمنون لها عدم الصّوابية، أو على الأقل عدم ثباتها»[13].

          38- ولهذا فالإنسان بحاجة إلى أن ينيره وحي الله، ليس في ما يفوق إدراكه وحسب، ولكن في أمر «الحقائق الدينية والأخلاقية أيضاً التي لا يعجز العقل عن إدراكها، وذلك لكي تصبح، في الوضع الحالي للجنس البشري، معروفة لدى الجميع في غير عُسر، معروفةً معرفةً أكيدة ثابتة ولا يشوبها ضلال»[14].

4ً . كيف التكلُّمُ على الله

       39- مع الدفاع عن مقدرة العقل البشري على معرفة الله، تُعبر الكنيسة عن ثقتها في إمكان التكلم على الله لجميع البشر ومع جميع البشر. وهذا الاقتناع هو منطلق حوارها مع سائر الأديان، ومع الفلسفة والعلوم، وكذلك مع الكفرة والمُلحدين.

40- وإذ كانت معرفتنا لله محدودةً، فكلامُنا على الله محدودٌ أيضاً. إننا لا نستطيع أن نسمي الله إلا انطلاقاً من المخلوقات، وعلى طريقتنا البشرية المحدودة في المعرفة والتفكير.

41- في جميع المخلوقات بعض الشبه بالله، ولا سيما الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله. فالكمالات المتعددة في الخلائق (حقيقتها، وصلاحها، وجمالها) تعكس إذن كمال الله اللامتناهي. ولنا من ثمَّ أن نسمي الله انطلاقاً من كمالات خلائقه، «فإنه بعظم المبروءات وجمالها يُبصر ناظرها على طريق المقايسة» (حك13: 5).

42- الله يسمو على كل اخليقة. فيجب علينا من ثمَّ وعلى الدوام تنقية كلامنا من كل ما فيه من محدود، ومُتخيل، وناقص، حتى لا نخلط الله «الذي لا يفي به وصفٌ، ولا يحده عقلٌ، ولا يُرى ولا يُدرك»[15] بتصوراتنا البشرية. إن أقوالنا البشرية تظلُّ أبداً دون سرّ الله.

        43-  عندما نتكلم هكذا على الله، يُعبر كلامنا تعبيراً بشرياً، ولكنه في الحقيقة يصل إلى الله نفسه، وإن لم يتمكن مع ذلك من التعبير عنه في لانهاية بساطته. ومن ثمّ يجب أن نتذكر أنه «مهما كان من شبهٍ بين الخالق والمخلوق، فالاختلاف بينهما أعظم أيضاً»[16]، وأننا «لا نستطيع أن نعرف من الله ما هو، بل ما ليس هو فقط، وكيف تقع الكائنات الأُخرى بالنسبة إليه»[17].

بإيجاز

        44- الإنسان بطبيعته وبدعوته كائن متدين. وإذ كان الإنسان آتياً من الله وذاهباً نحوه، فهو لا يحيا حياةً بشرية كاملة إلا إذا عاش حرًّا في صلته بالله.

        45- الإنسان مصنوعٌ لكي يعيش في شركة مع الله وفيه يجد سعادته: «عندما أَصيرُ بكليّتي فيك أُصبح أبداً في نجاةٍ من الغم والشدة؛ وعندما تصير حياتي مليئةً بك، تكون قد بلغت غايتها»[18].

        46- عندما يُصغي الإنسانُ الى شهادة المبروءات والى صوت ضميره، يستطيع أن يبلغ الى اليقين في ما هو من وجود الله، مصدر كل شيء وغايته.

        47- الكنيسة تعلم أن الله الواحد والحقيقي، خالقنا وربنا، تُمكن معرفته معرفةً أكيدة عن طريق صنائعه بنور العقل البشري الطبيعي[19].

        48- نستطيع في الحقيقة أن نسمي الله انطلاقاً من الكمالات المتعددة في الخلائق، تلك المُماثلات لله في لانهاية كماله، وإن قصَّر تعبيرنا المحدود عن استيعاب سرّه.

        49- «الخليقة تتلاشى بدون الخالق»[20]. ولهذا فالمؤمنون يستشعرون في ذواتهم محبّة المسيح تحضهم على أن يحملوا نور الله الحي الى الذين يجهلونه أو يرفضونه.



--------------------------------------------------------------------------------

[1] ك ع 19.

[2] ك ع 19

[3] رَ: ك ع 19-21

[4] رَ: متى13: 22

[5] رَ: تك3: 8-10

[6] رَ: يون 1: 3

[7] القديس أوغسطينوس، اعترافات 1، 1، 1.

[8] رَ: أع 14، 15، 17؛ 27-28؛ حك 13: 1-9.

[9] عظات 241، 2: آ ك ل 38، 1134.

[10] ك ع 18، مقطع 1؛ رَ: 14، مقطع 2.

[11] توما الأكويني، خ ل، 1، 2، 3.

[12] المجمع الفاتيكاني الأول، دستور عقائدي «ابن الله»، ق2: 3004؛ رَ: في الوحي، ق2: د3026؛ و ل6.

[13] بيوس 12ً، «الجنس البشري»: د3875

[14] م س: د3876؛ رَ: م ف1ً، المرجع المذكور، ق2: د3005؛ و ل6؛ توما الأكويني، خ ل، 1، 1، 1.

[15] ليترجيا القديس يوحنا الذهبي الفم، الأنافور.

[16] مجمع لاتران الرابع، فصل2، في ضلال الأباتي يواكيم: د806.

[17] توما الأكويني، ضدَّ الوثنيين 1، 30.

[18] القديس أوغسطينوس، اعترافات 10، 28، 39.

[19] رَ: م ف1ً، دستور عقائدي «ابن الله»، في الوحي، ق2: د3026.

[20] ك ع 36.



الفصل الثاني: الله في مُلاقات الإنسان من 50-73
50- الإنسان يستطيع بالعقل الطبيعي أن يعرف الله معرفةً يقينية انطلاقا من صنائعه. إلا أن هنالك نظام معرفة آخر يعجز الإنسان عن بلوغه بقواه الطبيعية، هو نظام الوحي الإلهي. فإن الله، بقرارٍ منه حُرٍ تماماً، يكشف عن ذاته ويهبها للإنسان. إنه يقوم بذلك عندما يوحي بسره، بقصده العطوف الذي عقده في المسيح منذ الأزل لصالح جميع البشر. إنه يكشف عن قصده كشفاً كاملاً بإرساله ابنه الحبيب، سيدنا يسوع المسيح، والروح القدُس.

 

المقال الأوَّل

وَحْيُ الله

1ً. الله يوحي بـ «قصده العطوف»

       51- «لقد حُسن لدى الله، فرط حكمته ومحبته، أن يوحي بذاته ويُعلن سرَّ مشيئته من أن البشر يبلغون الآب، في الروح القدس، بالمسيح، الكلمة المتجسد، فيُصبحون شركاءه في الطبيعة الإلهية»[ii].

        52- إن الله الذي «يسكن نوراً لا يدنى منه» (1تي6: 16) يريد أن يُشرك البشر في حياته الإلهية الخاصة، البشر الذين خلقهم بحرية، لكي يجعل منهم، في ابنه الوحيد، أبناء بالتبني[iii]. فعندما يكشف الله عن ذاته يريد أن يجعل البشر قادرين على الاستجابة له، وعلى أن يعرفوه ويحبوه أكثر من كل ما قد يستطيعونه بقواهم الذاتية.

        53- إن قصد الوحي الإلهي يتحقق في الوقت نفسه «بأعمال وأقوال وثيقة الارتباط في ما بينها، وموضح بعضها للبعض الآخر»[iv]. إنه يقدم على «نظام تربوي إلهي» خاص: الله يتصل بالإنسان تدريجياً، يُعده مرحليا لتقبل الوحي الفائق الطبيعة الذي يكشف فيه عن ذاته والذي سيبلغ أوجه في شخص الكلمة المتجسد، يسوع المسيح، وفي رسالته.

كثيرا ما يتكلم القديس إيريناوس أسقف ليون على هذا النظام التربوي الإلهي في شكل تعوُّدٍ متبادل بين الله والإنسان: «كلمة الله سكن في الإنسان وصيَّر ذاته ابناً للإنسان لكي يعود الإنسان على إدراك الله، ويعود الله على الحلول في الإنسان، وفاقاً لما يرتضيه الآب»[v].

2ً. مراحل الوحي

منذُ البدء يُعرفُ الله بذاته

        54- «الله الذي خلق ويحفظُ بالكلمة جميع الأشياء، يقدم للبشر في الأشياء المخلوقة شهادة على ذاته لا تنقطع؛ وإذ أرادَ فوق ذلك أن يفتح الطريق نحو الخلاص أسمى، أظهر أيضاً ذاته، منذ البدء، لأبوينا الأولين»[vi]. لقد دعاهما الى شركة جميمة مع ذاته مُلبساً إياهما واستقامة متألقتين.

        55- هذا الوحي لم ينقطع بسبب خطيئة أبوينا الأوَّلين، فإنَّ الله، «بعد عثرتهما، وعدهما بقداءٍ، وبعث فيهما الشجاعة عندما أحيا فيهما الأمل بالخلاص؛ وبغير انقطاع أظهر اهتمامه بالجنس البشري، حتى يمنح الأبدية لجميع الذين يلتمسون الخلاص بثباتهم في الصلاح»[vii].

«عندما خسِر صداقتك بانحرافه عنك، لم تُسلمه لسلطان الموت. (...) لقد عدَّدت معهم العهود»[viii].

العهد مع نوح

        56- بعدما تمزّقت بالخطيئة وحدة الجنس البشري، سعى الله أولاً في تخليص البشرية معالجاً أجزاءها كُلاً على حِدتَه. فالعهد مع نوح، بعد الطوفان[ix]، تعبير عن مبدأ التدبير الإلهي في شأن "الأمم"، أي في شأن البشر الذين عادوا الى التجميع «بحسب بلدانهم، كلٌّ بحسب لغته وعشائره» (تك10: 5)[x].

        57- هذا النظام الكوني والاجتماعي والديني معاً في تعددية الأمم[xi]، هو مُعَدٌّ للحد من كبرياء بشرية عاثرة تودُّ، وهي غارقة بمجملها في الفساد[xii]، لو تصنع بنفسها وحدتها على طريقة بابل[xiii]. ولكن، وبسبب الخطيئة[xiv]، لا يفتأ الشّركُ وتعبّد الأمة ورئيسها للأصنام، يُهددان هذا التدبير الموقت بفسادٍ وثنيّ.

        58- العهد مع نوح قائمٌ مادام زمن الأمم[xv]، إلى أن يعمَّ إعلان الإنجيل. والتوراة تُشيد ببعض الشخصيات العظيمة في "الأمم" من أمثال "هابيل الصديق"، والملك الكاهن ملكيصادق[xvi]، صورة المسيح[xvii]، أو اصدّقين "نوح ودنيال وأيوب" (حز14: 14). وهكذا فالكتاب المقدس يُعبر عن أي مستوى رفيع من القداسة يستطيع أن يصل إليه مَن يعيشون على حسب العهد مع نوح في انتظار أن «يجمع المسيح أبناء الله المتفرقين الى واحد» (يو11: 52).

الله يختار إبراهيم

        59- إن الله يختار أبرام لكي يجمع البشريّضة المشتتة، داعياً إيَّاه «إلى خارج أرضه وعشيرته وبيت أبيه» (تك 12: 1)، حتى يجعل منه إبراهيم أي «أبا جمهور أُمم» (تك17: 5): «يتبارك بك جميع عشائر الأرض» (تك12: 3)[xviii].

        60- الشعب سلي إبراهيم المؤتمن على الوعد المقطوع للأجداد، الشعب المختار[xix]، المدعوَّ لإعداد جميع أبناء الله يوماً في وحدة الكنيسة[xx]؛ سيكون الجذر الذي يُغرس فيه الوثنيون المُهتدون[xxi].

        61- الأجداد والأنبياء وأشخاص آخرون من العهد القديم كانوا وسيكونون أبداً موضوع إجلالٍ كقديسين في جميع تقاليد الكنيسة الليترجية.

اللهُ ينشّئ شعبه إسرائيل

        62- الله نشأ، بعد الأجداد، إسرائيل شعباً له عندما خلصه من عبودية مصر. فعقد معه عهد سيناء، وأعطاه، على يد موسى، شريعته، لكي يعرفه ويخدمه إلهاً واحداً، حياً وحقيقياً، أباً ذا عناية وقاضياً عادلاً، ولكي ينتظر المخلص الموعود به[xxii].

        63- إسرائيل هو شعب الله الكهنوتي[xxiii]، الذي «ألقي عليه اسم الرب» (تث28: 10). إنه شعب أولئك الذين «تكلم الله إليهم أولاً»[xxiv]، شعب "الإخوة الأبكار" في إيمان إبراهيم[xxv].

64- بالأنبياء نشأ الله شعبه على رجاء الخلاص، على انتظار عهدً جديد وأبدي مُعدٍ لجميع البشر[xxvi]، ومكتوب على قلوبهم[xxvii]. والأنبياء يبشرون بفداء جذري لشعب الله، بتطهيره من جميع مخالفاته[xxviii]، بخلاص يشمل جميع الأمم[xxix]. وسيكون البؤساء ودعاء الرب[xxx] أكثر من يحملون هذا الرجاء. النساء القديسات من أمثال سارة، ورفقة، وراحيل، ومريام، ودبوره، وحنّة، ويهوديت، وإستر، هؤلاء حافظن على رجاء خلاص إسرائل حياً. ووجه مريم هو أشد الوجوه نقاء[xxxi].

 

3ً. المسيح يسوع «وسيط كل الوحي وكماله»[xxxii]

الله قال كلَّ شيء في كلمته

        65- «إن الله بعد إذ كلم الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدةً وبشتى الطرق، كلمنا نحن، في هذه الأيّام الأخيرة، بالابن» (عب1: 1-2). فالمسيح، ابن الله الذي صار إنسانا، هو كلمة الآب الوحيدة والكاملة والتي لا يمكن أن يفوقها شيء. فيه يقول كلَّ شيء، ولن تكون كلمة أخرى غير هذه. والقديس يوحنا الصليب، بعد كثيرين غيره، يعبر عن ذلك بطريقة نورانية وهو يفسر عب1: 1-2:

«إذ أعطنا الله ابنه، الذي هو كلمته، لم يبقَ لديه كلمة أخرى يعطيناها. لقد قال لنا كل شيء معاً ودفعةً واحدةً في هذه الكلمة الوحيدة، وليس له شيء آخر يقوله (...)؛ لأن ما كان يقوله أجزاءً في الأنبياء قاله كاملاً في ابنه، عندما أعطانا هذا الكلَّ الذي هو ابنه. ولهذا فمن يودُّ الآن أن يسأله، أو يَرج رؤيا أو وحياً، فإنه لا يركب مركب جنونٍ وحسب، بل يهين الله لكونه لا يُلقي بنظره على المسيح وحده، غير ملتمسٍ أمراً آخر، أو أمراً جديداً»[xxxiii].

لن يكون وحيٌ آخرَ

        66- «إذ كان التدبير المسيحيُّ هو العهد الجديد والنهائي، فهو غير زائل أبداً، ولن يُرتقب بعده وحيٌ آخرُ عنيُّ جديد، إلى أن يتجلى ربُّنا يسوع المسيح في مجده»[xxxiv]. ومع ذلك، وإن أتى الوحي على تمامه، فهو لم يتمّ الإفصاح الكامل عن مضمونه؛ فيبقى على الإيمان المسيح أن يُدرك عبر الأجيال وتدريجياً ما ينطوي عليه من فحوى.

        67- شهدت الأجيال حالات وحي دُعيت "خاصة"، واعترفت سُلطة الكنيسة ببعض منها، إلا أن هذا البعض لا يُعدُّ من وديعة الإيمان. وليس من شأنه أن "يُحسن" أو "يُكمل" وحي المسيح النهائي، بل أن يساعد على الحياة فيه بطريقةٍ أوفى في مرحلةٍ من مراحل التاريخ. وبقيادة سلطة الكنيسة التعليمية يعرف حسُّ المؤمنين أن يميز ويتقبل ما يكون في حالات الوحي هذه دعوةً صحيحة للكنيسة من المسيح أو من قديسيه.

        إن الإيمان المسيحي لا يستطيع أن يتقبل "وحياً" يدّعي أنه يفوق أو يُصحح الوحي الذي كان الكسيح نهايته. تلك حال بعض الأديان غير المسيحية وكذلك حال بعض البدع الحديثة التي تقوم على مثل هذا "الوحي".

 

بإيجاز

        68- بدافع المحبة كاشف الله بنفسه وأعطاه ذاته. وهو يقدم بذلك جواباً نهائياً ومستفيضاً عن الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه في موضوع معنى حياته وغايتها.

        69- كاشف الله الإنسان بنفسه وهو يُلقي إليه بسرّه الخاص تدريجياً وذلك بأعمالٍ وأقوال.

        70- بالإضافة الى الشهادة التي يقدمها الله عن ذاته في الأشياء المخلوقة، كاشف أبوينا الأولين بنفسه. لقد خاطبهما، وبعد العثرة، وعدهما بالخلاص[xxxv] وقدم لهما عهده.

        71- أبرم الله مع نوح عهداً أبدياً ما بينه وبين كل نفس حي[xxxvi]؛ ولسوف يدوم ما دام في العالم.

        72- اختار الله إبراهيم وقطع عهداً معه ومع نسله. ومن إبراهيم ونسله أنشأ شعبه الذي أوحى إليه بشريعته بوساطة موسى. فأعده بالأنبياء لتقبل الخلاص الذي خُصت به البشريَّة كلها جمعاء.

        73- وقد أوحى الله بنفسه الوحي الكامل عندما أرسل ابنه الخاص الذي أقام فيه عهده الى الأبد. وهو كلمة الآب النهائية، بحيث لا يكون بعده وحيٌ آخر.



--------------------------------------------------------------------------------

رَ: م ف 1ً، دستور عقائدي "ابن الله"، ق4: د3015 .

[ii] و ل 2

[iii] رَ: أف1: 4-5

[iv] و ل 2

[v] الردّ على الهرطقات 3،20، 2؛ رَ: مثلاً م س 3، 17، 1؛ 4، 12، 4؛ 4، 21، 3.

[vi] و ل 3

[vii] و ل 3

[viii] ق ر، صلاة إفخارستية 4، 118

[ix] رَ: تك9: 9

[x] رَ: تك 10: 20-31

[xi] رَ: أع17: 26-27

[xii] رَ: حك10: 5

[xiii] رَ: تك11: 4-6

[xiv] رَ: رو1: 18-25

[xv] رَ: لو21: 24

[xvi] رَ: تك14: 18

[xvii] رَ: عب7: 3

[xviii] رَ: غل3: 8

[xix] رَ: رو11: 28

[xx] رَ: يو11: 52؛ 10: 16

[xxi] رَ: رو11: 17-18، 24

[xxii] رَ: و ل3

[xxiii] رَ: خر19: 6

[xxiv] رَ: ق ر، الجمعة العظيمة13: طلبة جامعة 6ً

[xxv] رَ: يوحنا بولس الثاني، خطاب في المجمع في لقائه مع الجماعة اليهودية لمدينة رومة (13/4/1986)، 4: تعاليم يوحنا بولس الثاني 11، 1، 1027.

[xxvi] رَ: أش2: 2-4

[xxvii] رَ: إر31: 31-34؛ عب10: 16

[xxviii] رَ: حز36

[xxix] رَ: أش49: 5-6؛ 53: 11

[xxx] رَ: صف2: 3

[xxxi] رَ: لو1: 38

[xxxii] رَ: و ل2

[xxxiii] كرمل 2، 22، 3-5

[xxxiv] و ل 4

[xxxv] رَ: تك3: 15

[xxxvi] رَ: تك9: 16

pawel:



الفصل الثاني: الله في نلاقاة الانسان من 74-100
المقال الثاني

تَناقُلُ الوحي الإلهيّ

        74- الله «يريد أن جميع الناس يخلصون ويبلغون الى معرفة الحق» (1تي2: 4) أي معرفة المسيح يسوع. فيجب إذن أن يُبشَّرَ بالمسيح جميع الشعوب وجميع البشر، وأن يصل هكذا الوحي إلى أقاصي العالم:

«إن الله الذي كشف حقائق الوحي لتخلُص به جميع الأمم، عاد فمن عليهم أيضاً بترتيباتٍ ملائمة، لكي يحافظ هذا الوحي على عصمته حتى منتهى الدهور، ويتمكن من الوصول، عبر تناقله، إلى جميع الأجيال»[ii].

 

 

1ً. التقليد الرَّسوليّ

        75- «المسيح السيد الذي فيه يكتمل كلُّ وحي الله العلي، بعد أن حقق في حياته وأعلن بلسانه الإنجيل الذي مهد له الأنبياء بمواعيدهم، أمر رسله أن يبشروا الناس أجميعين بهذا الإنجيل، منبعاً لكل حقيقة خلاصية، لكل نظام خلُقي، ويسبغوا هكذا على الجميع المواهب الإلهية»[iii].

الكرازة الرسولية ...

        76- نقلُ الإنجيل، وفقاً لأمر الرب، جرى على وجهين:

        شفوياً: «على لسان الرسل الذين نقلوا، عن طريق بشارتهم الشفوية، أو سيرتهم النموذجية، أو تنظيمهم القانوني، كل ما تسلموه من المسيح من كلام سمعوه، أو عيشٍ ألِفوه، أو أعمال عاينوها. كما نقلوا أيضاً كل ما تلقنوه من إيحاءات الروح القدس».

        كتابةً: «على يد هؤلاء الرسل ومعاونيهم الذين دوّنوا بشارة الخلاص هذه، بإلهامٍ من الروح القدس عينه»[iv].

... مُواصلةٌ في التعاقب الرَّسوليّ

        77- «لكي تحافظ بشارة الإنجيل على نقاوتها وحيوتها بلا انقطاع، استخلف الرسل أساقفة»، «وقلدوهم ما كانوا يضطلعون به من مسؤولية التعليم[v]. «وهكذا، ترتب على الكرازة الرسولية التي تعبر عنها بنوع خاصٍ الأسفار الملهمة، أن تُحفظ سالمة، بتعاقبٍ غير منقطع حتى منتهى الدهر»[vi].

        78- هذا النقل الحي، الذي يتم في الروح القدس، يُدعى التقليد في كونه متميزاً من الكتاب المقدس وان كان وثيق الارتباط به. به «تواصل الكنيسة ابداً، في تعليمها وحياتها وعبادتها، وتنقل إلى كل جيل كل ما هي عليه، وكل ما تؤمن به»[vii]. «إن تعليم الآباء القديسين يشهد على حضور هذا التقليد حضوراً محيياً: فهو يتحول بثروته كلها إلى عمل وحياةٍ في الكنيسة، عند ممارستها الإيمان وإقامتها الصلاة»[viii].

        79- وهكذا فالمكاشفة التي كشف فيها الآب عن ذاته، بكلمته، في الروح القدس، هذه المكاشفة لا تزال حاضرةً وفاعلةً في الكنيسة: «إن الله الذي أسمع صوته قديماً مازال يتجاذب الحديث مع عروس ابنه الحبيب، والروح القدس الذي جعل صوت الإنجيل يدوي في الكنيسة، ومنها في العالم كله، يُدخل المؤمنين في الحقيقة كلها، ويمكن كلام المسيح من الاستقرار في قلوبهم بوفرة»[ix].

2ً. العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس

ينبوع واحد مشترك ...

        80- «التقليد المقدس والكتاب المقدس مُرتبطان أحدهما بالآخر، ومتصلان اتصالاً وثيقاً؛ إذ انهما ينبجسان من ينبوع إلهي واحد، ولا يؤلفان، إذا صحَّ القول، إلا كُلاً واحداً، ويسعيان الى غاية واحدة»[x]. هذا وذاك يجعلان سرّ المسيح في الكنيسة حاضراً وخصباً، المسيح الذي وعد بأن يمكث مع خاصته «أبداً، إلى منتهى العالم» (متى28: 20).

... طريقتان للنقل متميزتان

        81- «الكتاب المقدس هو كلمة الله من حيث إنها مدوَّنةٌ كتابةً بإلهامٍ من الروح القدس». «أما التقليد المقدس فإنه يحمل كلمة الله التي ألقى بها المسيح السيد والروح القدس إلى الرُّسل، وينقلها بحذافيرها إلى خلفائهم، حتى إذا كرزوا بها، وهم في غمرة أنوار روح الحق، يحافظون عليها، ويعرضونها وينشرونها بأمانة»[xi].

        82- ينتج من ذلك أن الكنيسة التي أُودِعت نقل الوحي وتفسيره، «لا تقتصر على الكتاب المقدس في الوصول إلى يقينها في جميع نقاط الوحي. ولهذا فمن الواجب تقبُّلهما وتوقيرهما كليهما بنفس عاطفة المحبة والاحترام»[xii].

تقليد رسولي وتقاليد كنسيّة

        83- التقليد الذي نتكلم عليه هنا يصدر عن الرس، وينقل ما أُلقِيَ إليهم من تعليم يسوع ومثله وما لَقِنُوه من الروح القدس. فلم يكن بعد لدى جيل المسيحيين الأول عهد جديد مكتوب، والعهد الجديد نفسه يُثبت نهج التقليد الحي.

يجب أن نُميَّز منه "التقاليد" اللاهوتية، والتنظيمية، والليترجية أو التعُّدية التي نشأت عبر الأزمان في الكنائس المحلية. إنها تؤلّفُ  صِيغاً خاصة يستمد منها التقليد الكبير تعبيرات توافق الأمكنة المختلفة والعصور المختلفة. وهي لا تستطيع الدّيمومة إلا في نوره، مبدَّلةً أو مُهملةً في حكم سلطة الكنيسة التعليمية.

 

3ً. تفسير وديعة الإيمان

وديعة الإيمان معهودٌ فيها إلى كامل الكنيسة

        84- وديعة الإيمان[xiii] المحتواة في التقليد المقدس وفي الكتاب المقدس عَهِد فيها الرُّسل إلى مجمل الكنيسة. «إن شعب الله المقدس كلّه، بارتباطه به، في اتحاده برعاته، يظل شديد الأمانة لتعليم الرسل وللشركة الأخوية، لكسر الخبز وللصلوات، بحيث يقوم، بالحفاظ على الإيمان المنقول وممارسته والاعتراف به، بين الرُّعاة والمؤمنين وحدة روح فريدة»[xiv].

سلطة الكنيسة التَّعليميَّة

        85- «مهمة تفسير كلمة الله، المكتوبة أو المنقولة، تفسيراً أصيلاً، عُهد فيها إلى سلطة الكنيسة التعليمية الحية وحدها، تلك التي تمارس سلطانها باسم يسوع المسيح»[xv]، أي إلى الأساقفة الذين هم في شركة مع خليفة بطرس، أسقف رومة.

        86- «إلا أن هذه السلطة التعليمية ليست فوق كلمة الله، ولكنها في خدمتها، فلا تُعلم إلا ما نُقل، إذ إنها، بتفويض من الله وبعون الروح القدس، تُصغي لهذه الكلمة بمحبة، وتحافظ عليها بتقديس، وتعرضها أيضاً بأمانة، وتستقي من هذه الوديعة الإيمانية الوحيدة كل ما تتقدم به للإيمان على أنه من وحي الله»[xvi].

        87- وإذ يذكر المؤمنون كلمة المسيح لرسله:«مَن سَمِعَ منكم سَمِعَ مني» (لو10: 16)[xvii]، يتقبلون بخضوعٍ التعاليم والتوجيهات التي يُلقيها عليهم رُعاتهم بصيغٍ مختلفة.

عقائد الإيمان

        88- سلطة الكنيسة التعليمية تستعمل ملء الاستعمال السلطة التي تقبلتها من المسيح، عندما تُحدد عقائد إيمانية، أي عندما تعرض، على وجهٍ يُلزم الشعب المسيحي باعتناقٍ إيماني مُبرم، لحقائق يحتويها الوحي الإلهي، أو عندما تعرض بوجهٍ نهائي لحقائق لها بتلك الحقائق علاقةٌ جوهرية.

        89- توجد بين حياتنا الروحية والعقائد علاقة عضوية. العقائد أنوار في طريق إيماننا، تنيره وتوطده. وبعكس ذلك، إذا كانت حياتنا مستقيمةً كان عقلُنا وقلبنا على انفتاح لتقبل نور العقائد الإيمانية[xviii].

        90- روابط العقائد المتبادلة وتوافقهما يمكن الوقوع عليها في مُجمل وحي سرّ المسيح[xix]. إذ يجب التذكر «أن التنوع في علاقتها مع أسس الإيمان المسيحي يدل على نظامٍ أو "هرمية" في حقائق العقيدة الكاثوليكية» [xx].

الحسّ الفائق الطبيعة للإيمان

        91- لجميع المؤمنين نصيب في فهم الحقيقة الموحى بها ونقلها. لقد تقبلور مسحة الروح القدس التي تعلمهم[xxi] وترشدهم «إلى الحقيقة كلها» (يو16: 13).

92- «من غير الممكن أن تضل مجموعة المؤمنين في الإيمان، وهي تُظهر هذه الصفة بوساطة التحسُّس الفائق الطبيعة للإيمان الذي هو حسُّ الشعب بكامله عندما يُولي كلُّه، من الأساقفة إلى آخر المؤمنين العلمانيين، الحقائق المتعلقة بالإيمان والأخلاق، قبولاً شاملاً»[xxii].

93- «فبفضل حس الإيمان هذا الذي يوقظه ويدعمه روح الحق، وبإرشاد السلطة التعليمية المقدسة (...) يتمسك شعب الله تمسُّكاً ثابتاً بالإيمان المنقول إلى القديسين نقلاً نهائياً، ويدخل إلى أعماقه دخولاً أوفى، عاملاً على تفسيره كما ينبغي، ويطبقه في حياته تطبيقاً أكمل»[xxiii].

النمو في فهم الإيمان

94- من الممكن، بفضل رعاية الروح القدس، أن ينمو، في حياة الكنيسة، فهم حقائق التُراث الإيماني وأقواله:

- «بتأمل المؤمنين وتبحرهم اللذين يُجرونها في قلبهم»[xxiv]؛ ولا سيّما «البحث اللاهوتي الذي يُعمق معرفة الحقيقة الموحى بها»[xxv]؛

- «بالإدراك الداخلي للأمور الروحانية الذي يعرض للمؤمنين»[xxvi]؛ «تنمو الأقوال الإلهية والذي يقرأها معاً»[xxvii]؛

- «بكرازة أولئك الذين نالوا، مع التعاقب الأسقفي، موهبة الحقيقة على وجهٍ ثابت»[xxviii].

95- «من الواضح إذن أن التقليد المقدس، والكتاب المقدس، وسلطة الكنيسة التعليميّة، بتدبير الهي جدّ حكيم، هي على ترابط وتضامن وثيقين فيما بينهما، الى حدّ أن واحدةً من هذه الحقائق لا تثبت بدون الأخرى، وأن جميعها معاً، وكل واحدة على طريقتها، بفعل الروح القدس، تُسهم في خلاص النفوس إسهاماً فعّالاً»[xxix].

 

بإيجاز

96- إن ما أودع المسيحُ الرُّسل نقلوه بكرازتهم وبالكتابة، بإلهامٍ من الروح القدس إلى جميع الأجيال، حتى عودة المسيح المجيدة.

97- «يؤلف التقليد المقدس والكتاب المقدس وديعةً واحدةً مقدسةً لكلمة الله»[xxx] تتأمل فيها الكنيسة الرحالة، كما في مرآة، الله ينبوع جميع الثروات.

98- «كل ما تقوم عليه الكنيسة، وكل ما تؤمن به، تحتفظ به أبداً وتنقله، في عقيدتها وحياتها وعبادتها، إلى كل جيل»[xxxi].

99- لا يفتأُ شعب الله كلُّه، بفض حسه الفائق الطبيعة للإيمان يتقبَّل هبة الوحي الإلهي، ويتعمق فيها على نحوٍ أفضل، ويحيا على نحوٍ أوفى.

100- مُهمة تفسير كلمة الله تفسيراً أصيلاً عُهِدَ فيها إلى سلطة الكنيسة التعليمية وحدها، إلى البابا والأساقفة الذين في شركةٍ معه.



--------------------------------------------------------------------------------

رَ: يو 14: 6

[ii]  ول 7

[iii] و ل 7

[iv] و ل 7

[v] و ل 8

[vi] و ل 8

[vii] و ل 8

[viii] و ل 8

[ix]  و ل 8

[x]  و ل 9

[xi]  و ل 9

[xii]  و ل 9

[xiii]  رَ: 1تي6: 20؛ 2تي1: 12-14

[xiv]  و ل 10

[xv]  و ل 10

[xvi]  و ل 10

[xvii] رَ: ك20

[xviii] رَ: يو8: 31-32

[xix]  رَ: م ف1ً: الدستور العقائدي «ابن الله»، ق4: د3016: (عقدة الأسرار)؛ ك25.

[xx]  ح م11

[xxi] رَ: 1يو2: 20، 27

[xxii]  ك12

[xxiii] ك12

[xxiv]  و ل 8

[xxv] ك ع 62؛ رَ: 44، 2؛ و ل 23؛ 24، ح م 4.

[xxvi]  و ل8

[xxvii]  القديس غريغوريوس الكبير، عظات في حزقيال 1، 7، 8.

[xxviii]  و ل 8

[xxix]  و ل10، 3

[xxx]  و ل10

[xxxi]  و ل8



الفصل الثاني: الله في نلاقاة الانسان من 101-141
المقال الثالث

الكتاب المقدس

1ً. المسيحُ كلمةُ الكتاب المقدس الوحيدة

101- عندما يتنازل الله في صلاحه ويُكاشف البشر بنفسه يُكلمهم بكلمات بشرية:«وهكذا فان كلام الله، وقد عبرت عنه ألسنةٌ بشرية، صار شبيهاً بكلام البشر، كما أن كلمة الآب الأزلي، عندما تلبس بوهن جسدنا صار شبيهاً بالبشر»[1].

102- في جميع أقوال الكتاب المقدس لا يقول الله إلا كلمة واحدة، كلمته الوحيدة الذي يقوول فيه كل ما هو:[2]

«أُذكروا أن كلمة الله الواحدة هي نفسها تنتشر في جميع الكتابات المقدسة، وأن كلمة الله الواحد نفسه يدوي على ألسنة جميع كتّاب الوحي. هو الذي كان في البدء الله عند الله، لم يكن من ثمَّ بحاجةٍ إلى مقاطع تعبيرية لكونه خاضعٍ للزمن»[3].

103- ولهذا فالكنيسة قد أحاطت دوماً الكتب الإلهية بالإجلال الذي تحيط به أيضاً جسد الرب. وهي لا تفتأ تقدم للمؤمنين خبز الحياة من على مائدة كلمة الله وجسد المسيح[4].

104- في الكتاب المقدس تجد الكنيسة على الدوام غذاءها وقوَّتها[5]، إذ إنها لا تتلقى فيه كلمةً بشريةً وحسب، بل تتلقاه هو في حقيقته، أي كلمة الله[6]. «ففي الكتب المقدسة يبادر الآب الذي في السماوات، بحنوٍ عظيم، إلى لقاء أبنائه والتحادث معهم»[7].

2ً. وحي الكتاب المقدس وحقيقته

105- الله هو واضع الكتاب المقدس. «إن الحقيقة الموحَى بها إلهياً، التي تحتويها وتقدمها أسفار الكتاب المقدس قد دُونت فيها بإلهام من الروح القدس».

«والكنيسة أُمنا المقدسة، من جراء إيمانها الرَّسولي، تعد جميع الأسفار في كلا العهدين القديم والجديد مقدسة وقانونية بجميع أجزائها، إذ انها دُونت بإلهام من الروح القدس، وكان الله من ثمَّ واضعها، وعلى هذا نفسه نُقلت إلى الكنيسة نفسها»[8].

106- لقد ألهم الله كتاب الكتب المقدسة البشريين. «ولكي يضع الله هذه الكتب المقدسة، اختار أُناساً استعان بهم، وهم في ملء عمل قواهم ووسائلهم، فعمِل هو نفسه فيهم وبهم، لكي يُدونوا كتابةً، كمؤلفين حقيقيين، كل ما كان متّفقاً ورغبته، وهذا فقط دون سواه»[9].

107- كتب الوحي تعلم الحقيقة. «وبما أن كل تأكيدات المؤلفين المُلهمين، أي كتّاب الأمور المقدسة، يجب اعتبارها تأكيدات الروح القدس، فلابد من الإعلان بأن أسفار الكتاب المقدس تعلم الحقيقة التي أراد الله أن يراها مدونة لأجل خلاصنا في الكتاب المقدس، تعليماً ثابتاً وأمنياً ومعصوماً من الخطأ»[10].

108- ومع ذلك فليس الإيمان المسيحي "دين الكتاب". إن المسيحية هي دين "كلمة" الله، «لا دين كلمة مكتوبة وخرساء، بل دين الكلمة المتجسد والحي»[11]. ولكي لا يبقى الكتاب المقدس حرفاً ميتاً، لابد للمسيح، كلمة الله الحي الأزلية، من أن ينفتح، بالروح القدس أذهاننا على فهم الكتب[12].

3ً. الروح القدس، مُفسِر الكتاب

109- في الكتاب المقدس يُكلم الله الإنسان على طريقة البشر. فلكي يُفسَّر الكتاب تفسيراً جيداً لابد من تدبر ما أراد الكتّاب البشريون، في الحقيقية، أن يثبتوه، وما حَسُن لدى الله أن يكشف لنا في كلامهم[13].

110- ولكي يستخلص المرء نية الكتاب الإلهيين لابد له من النظر إلى أحوال عصرهم وإلى ثقافتهم، وإلى "الأساليب الأدبية" المتبعة إذ ذاك، وإلى طرائق الشعور والكلام ورواية الأخبار الشائعة لذلك العهد. «لأن هنالك طرقاً جد مختلفة تُعرض بها الحقيقة ويُعبر عنها في نصوص تختلف تاريخياً، في نصوصٍ نبوية، أو شعرية، أو حتى في أنواع تعبيرية أُخرى»[14].

111- وإذا كان الكتاب المقدس كتاب وحي كان هنالك مبدأ آخر للتفسير الصحيح، ليس دون السابق أهمية، وقد يبقى بدونه الكتاب حرفاً ميتاً: «يجب أن يُقرأ الكتاب المقدس ويُفسَّر في نور الروح نفسه الذي جعله يُدوَّن»[15].

والمجمع الفاتيكاني الثاني يُشير إلى ثلاثة مقاييس لتفسير الكتاب المقدس تفسيراً يتفق والروح الذي أوحى به[16].

112- 1. أولاً التَّنبُّه الشَّديد «لمضمون الكتاب كله ووحدته». لأنه مهما اختلفت الأسفار التي يتألف منها الكتاب المقدس فهو واحد بسبب وحدة قصد الله الذي يكون المسيح يسوع مركزه، وقلبه المفتوح منذ فصحه[17].

«قلبُ[18] المسيح يدل على الكتاب المقدس الذي يُعرف بقلب المسيح. هذا القلب كان مُغلقاً قبل الآلام لأن الكتابة كانت غامضة. ولكن الكتابة قد تفتحت بعد الآلام، إذ إن الذين فقهوا من بعد كنهها يُقدّرون ويُميزون الطريقة التي يجب اتباعها في تفسير النبوءات»[19].

113- 2. ثم قراءة الكتاب في «التقليد الحي للكنيسة كلها». وعلى حد قول الآباء المأثور: يُقرأ الكتاب المقدس في قب الكنيسة أكثر مما يُقرأ في مواد تعبيره[20]. فالكنيسة تحمل في تقليدها مجموعة كلمة الله الحية، والروح القدس هو الذي يعطيها التفسير الروحي للكتاب المقدس «... بحسب المعنى الروحي الذي يُنعم به الروح على الكنيسة»[21].

114- 3. التّنبُّه لمناسبة الإيمان[22]. ونفهم بـ «بمناسبة الإيمان» تلاحم حقائق الإيمان في ما بينها وفي مُجمل تصميم الوحي.

معاني الكتاب المقدس

115- في تقليد قديم أنه من الممكن تمييز معنيين للكتاب المقدس: المعنى الحرفي، والمعنى الروحي، على أن يُقسم هذا الأخير إلى معنى مجازي، ومعنى أدبي، ومعنى تفسيري. والتوافق العميق للمعاني الأربعة يُثبت كل غنى القراءة الحية للكتاب المقدس في الكنيسة:

116- المعنى الحرفي. هو المعنى الذي تدل عليه ألفاظ الكتاب، ويستخرجه الشَّرح الجاري على قواعد التفسير الصحيح. «جميع معاني الكتاب المقدس تجد تأييدها في المعنى الحرفي»[23].

117- المعنى الروحي. بسبب الوحدة في قصد الله، قد لا يكون نصُّ الكتاب وحده، بل قد تكون معه الأمور والأحداث التي يُوردها علاماتٍ.

1. المعنى المجازي. نستطيع الحصول على معنى أعمق للأحداث إذا وجدنا مدلولها في المسيح؛ وهكذا فاجتياز البحر الأحمر إشارة إلى انتصار المسيح، ومن ثمَّ إلى المعمودية[24]؛

2. المعنى الأدبي. يجب أن تقودنا الأحداث الواردة في الكتاب المقدس إلى الاستقامة في العمل. لقد كُتبت "لموعظتنا" (1كو 10: 11)[25].

3. المعنى التفسيري. إنه لَمِن الممكن أيضاً أن نرى أموراً وأحداثاً في مدلولها الأزلي، تقودنا إلى وطننا. وهكذا فالكنيسة على الأرض رمز أورشليم العلوية[26].

118- مقطوعةٌ شعريةٌ من القرن الوسيط تختصر مدلول المعاني الأربعة: «المعنى الحرفي يُعلم ما يحدث وما حدث، والمجازي يُعلم ما يجب الإيمان به، والأدبي يُعلم ما يجب عمله، والتفسيري يُعلم إلام يجب الاتجاه»[27].

119- «في مهمة علماء التفسير أن يبذلوا قُصاراهم، على سَنَن هذه المبادئ، فيتوغّلوا أكثر في تفهم وعرض معنى الكتاب المقدس بحيث تكون دراساتهم، التمهيدية نوعا ما، طريقاً إلى إنضاج حكم الكنيسة. فكل ما يتعلق بطريقة تفسير الكتاب هو في النهاية خاضع لحكم الكنيسة التي تقوم بالمهمة والرسالة اللتين أُلقيِتا إليها في الحفاظ على كلمة الله وفي تفسيرها»[28].

«ما كنت لأؤمن بالإنجيل لو لم تَحَّثني على ذلك الكنيسة»[29].

4. قانون الأسفار المقدسة

120- التقليد الرسولي الذي أرشد الكنيسة إلى تمييز الكتابات التي يجب أن تُعد في لائحة الأسفار المقدسة[30]. هذه اللائحة الكاملة تُسمى «قانون» الأسفار. وهو يحتوي للعهد القديم 46 سفراً (45 إذا ضُم إرميا إلى المراثي)، وللعهد الجديد 27[31].

التكوين، الخروج، الأحبار، العدد، تثنية الاشتراع، يشوع، القضاة، راعوث، صموئيل الأول، صموئيل الثاني، الملوك الأول، الملوك الثاني، الأخبار الأول، الأخبار الثاني، عزرا، نحميا، طوبيا، يهوديت، أستير، المكابيين الأول، المكابيين الثاني، أيوب، المزامير، الأمثال، الجامعة، نشيد الأناشيد، الحكمة، يشوع بن سيراخ، أشعيا، أرميا، مراثي، باروك، حزقيال، دانيال، هوشع، يوئيل، عاموس، عوبديا، يونان، ميخا، نحوم، حبقوق، صفنيا، حجاي، زكريا، ملاخي، للعهد القديم.

أناجيل متى، مرقس، لوقا، يوحنا، أعمال الرُّسل، رسائل بولس إلى الرومانيين، الأولى والثانية إلى أهل كورنثس، إلى أهل غلاطية، إلى أهل أفسس، إلى أهل فليبي، إلى أهل كولسي، الأول والثانية إلى أهل تسالونيكي، الأول والثانية إلى تيموثاوس، إلى تيطس، إلى فليمون، الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، الأولى والثانية لبطرس، رسائل يوحنا الثلاثة، رسالة يهوذا، سفر الرؤيا، للعهد الجديد.

العهد القديم

121- العهد القديم جزءٌ من الكتاب المقدس لا يناله زوال. وأسفاره من وحيٍ إلهي وهي تحتفظ بقيمةٍ لا تزول[32] لأن العهد القديم لم يُنقض قط.

122- وهكذا «كان الهدف الرئيسي لتدبير العهد القديم أن يُعِدَّ مجئ المسيح مخلص العالم». وأسفار العهد القديم، «وإن احتوت أموراً ناقصةً أو صالحةً إلى حين»، تثبت كل النهج الإلهي الذي تنهجه محبة الله الخلاصية: إنها تحتوي تعاليم سامية عن الله، وحكمةً مفيدة في شأن الحياة البشرية، وكنوزاً رائعة من الصلاة؛ وفيها أخيراً يكمن سرُّ خلاصنا»[33].

123- المسيحيون يوقرون العهد القديم على أنه كلمة الله الحقيقة. والكنيسة رفضت أبداً وبشدة فكرة التخلي عن العهد القديم بحجة أن العهد الجديد أبطله (المرقيونية).

العهد الجديد

124- «إن كلمة الله، التي هي قدرةٌ إلهيةٌ لخلاصية كل مؤمن، تمثل في أسفار العهد الجديد، وقوتها تتجلى فيها على وجه فريد»[34]. إن هذه الأسفار تجعل بين أيدينا حقيقة الوحي الإلهي النهائية. أما موضوعها المركزي فيسوع المسيح، ابن الله المتجسد، وأعماله، وتعاليمه، وآلامه، وتمجيده، فضلاً عن نشأة الكنيسة بفعل الروح القدس[35].

125- الأناجيل قلب الأسفار المقدسة كلها «من حيث إنها الشهادة المُثلى على حياة الكلمة المتجسد مخلصنا وتعليمه»[36].

126- يمكن تمييز ثلاث مراحل في نشأة الأناجيل:

1. حياة يسوع وتعليمه. إن الكنيسة تؤكد بإصرار أن الأناجيل الأربعة «التي تُثبت تاريخيتها في غير تردد، تنقل بأمانة ما عمله في الحقيقة يسوع ابن الله، وما عمله، سحابة حياته بين البشر، في سبيل خلاصهم الأبدي، إلى اليوم الذي رُفع فيه إلى السماء».

2. التقليد المُتناق شفوياً. «ماقاله الرب وما عمله، نقله الرُّسل، بعد صعوده، إلى مستمعيهم، مع ما نعموا به من فهمٍ أعمق للأمور اكتسبوه من أحداث المسيح المجيدة وعلى ضوء روح الحق».

3. الأناجيل المدوَّنة. «دوّن الكُتّاب الالهيون الأناجيل الأربعة مختارين بعضاً من العناصر الكثيرة التي بلغتهم عن طريق الرواية، أو عن طريق كتابة سابقة، أو مدوّنين خلاصة لما تبقى منها، أو مفسرين لها تبعاً لأحوال الكنائس، وناهجين أخيراً النهج الإرشادي، بحيث يقدمون لنا أبداً عن يسوع أموراً حقيقية وصادقة»[37].

127- الإنجيل الرُّباعي النص يحتل في الكنيسة مكانةً فريدة، يثبتها ما توليه إياه الليترجيا من توقير، والأثر العجيب الذي تركه في نفوس القديسين على مرّ العصور.

«ما مِن عقيدة أجود وأثمن وأروع من نص الإنجيل. تأمل واحفظ ما عمله المسيح سيدنا ومعلمنا بأقواله، وما حقَّقه بأعماله»[38].

«الإنجيل هو الذي فوق كل شيء يُحدثُني في تأمُلاتي؛ فيه أجد كلَّ ما نفسي البائسة بحاجة إليه. إني أكتشف فيه دائماً أضواءً جديدة، معاني خفية وعجيبة»[39].

وحدة العهدين القديم والجديد

128- الكنيسة، في العهد الرسولي[40]أولاً، ثم في تقليدها بطريقة مستمرة، أوضحت وحدة التصميم الإلهي في العهدين عن طريق النموذجية. فهذه تلمح في أعمال الله إبان العهد القديم صوراً مُسبقة لما حَققه الله، عند اكتمال الأزمان، في شخص ابنه المتجسد.

129- فالمسيحيون يقرأون إذا العهد القديم على ضوء المسيح الذي مات وقام. وهذه القراءة على الطريقة النموذجية تُظهر مضمون العهد القديم الذي لا يُستنفذ. وهي ليس من شأنها أن تُنسي أن للعهد القديم قيمته الوحيية الذاتية التي قرّر ربنا نفسه إثباتها[41].ومن ناحية أُخرى يتطلب العهد الجديد أن يُقرأ على ضوء العهد القديم أيضاً. كانت الكرازة المسيحية الأولى دائمة اللجوء إليه[42]. وفي قولٍ عتيقٍ مأثور أن العهد الجديد مُخبَّأ في القديم، في حين يتكشف القديم في الجديد: «الجديد مختبئ في القديم، وفي الجديد يتكشف القديم»[43].

130- النموذجية تعني التحرك نحو إتمام التصميم الإلهي عندما «يصير الله كُلاً في الكل» (1كو15: 28). وهكذا فدعوة الآباء مثلاً، والخروج من مصر لا يفقدان قيمتهما الذاتية في تصميم الله، إذ إنهما في الوقت نفسه مراحل وسيطة في ذلك التصميم.

5. الكتاب المقدس في حياة الكنيسة

131- «إن كلمة الله تنطوي على قوة ومقدرة عظيمتين إلى حد أنهما للكنيسة عمادها وحيويتها، ولأبناء الكنيسة منعة إيمانهم، وغذاء نفسهم، والينبوع الصافي الثر لحياتهم الروحية»[44]. يجب «أن يُفتح المدخل إلى الكتاب المقدس واسعاً أمام المسيحيين»[45].

132- «لتكن دراسة الكتاب المقدس إذاً لعلم اللاهوت المقدس بمثابة روحه. ولتجد خدمة الكلمة أيضاً في كلمة الكتاب المقدس نفسها غذاءً سليماً، وحيوية صحيحة، سواء أكانت موعظةً راعوية، أو تعليماً دينياً منتظماً، أو وجهاً من وجوه التثقيف المسيحي حيث لابد للموعظة الليترجية من أن تحتل محلاً مختاراً»[46].

133- الكنيسة «تحرّض، بطريقة مُلِحَّة وخاصة، جميع المسيحيين (...) على تحصيل "معرفة يسوع المسيح" (في3: 8) بالمثابرة على قراءة الكُتب المقدسة. إذ إن في جهل الكتب المقدسة جهلاً للمسيح»[47].

 

بإيجاز

134- الكتابة الإلهية كلها كتاب واحد، وهذا الكتاب الواحد هو يسوع المسيح، «إذ أن الكتابة الإلهية كلها تتكلم على المسيح، والكتابة الإلهية كلها تتم في المسيح»[48].

135- «الكتب المقدسة تحتوي كلمة الله، وإذ كانت هذه الكتب من وحي الله كانت في الحقيقة كلمة الله»[49].

136- الله واضع الكتاب المقدس لكونه ألقى الوحي إلى كتابة البشريين؛ إنه يعمل فيهم وبهم. وهكذا يُثبت أن كتاباتهم تعلم الحقيقة الخلاصية بدون خطأ[50].

137- تفسير كُتب الوحي يجب أن يتنبَّه قبل كل شيء لما يريد الله أن يوحي به لخلاصنا بواساطة الكتّاب الإلهيين. «ما يأتي من الروح لا يُفهم فهماً كاملاً إلا بفعل الروح»[51].

138- كُتب الوحي المقبولة والموقّرة لدى الكنيسة هي الـ 46 سفراً في العهد القديم، والـ27 سفراً في العهد الجديد.

139- للأناجيل الأربعة محلٌّ مركزيٌّ لأن المسيح يسوع مركزها.

140- وحدة العهدين القديم والجديد من وحدة قصد الله ووحيه. العهد القديم يُهيئ الجديد، فيما يُتِم الجديد القديم؛ في الواحد منهما إيضاحٌ للآخر، وكلاهما كلمة الله الحقيقية.

141- «وقّرت الكنيسة أبداً الكُتب الإلهية كما فعلت ذلك لجسد الرب نفسه»[52]. في هذين غذاء الحياة المسيحية كلها وقيادها. «كلمتك مِصباحٌ لِقَدَمَّي، ونورٌ سبيلي» (مز119: 105)[53].



--------------------------------------------------------------------------------

[1]  و ل 13

[2] رَ:عب1: 1-3

[3] القديس أوغسطينوس، في المزمور 103، 104

[4] رَ: و ل 21

[5] رَ: و ل 24

[6] رَ: 1تس2: 13

[7]  و ل21

[8] و ل11

[9]  و ل11

[10]  و ل 11

[11] اقديس برنار، عظة في «لقد أُرسِل» 4، 11

[12]  لو24: 45

[13] رَ: و ل 12، 1

[14]  و ل 12، 2

[15]  و ل 12، 3

[16] رَ: و ل 12، 3

[17] رَ: لو24: 25-27، 44-46

[18] رَ: مز22: 15

[19] توما الأكويني، في المزامير 21، 11

[20] رَ: القديس ايلاريون أسقف بواتييه، رسالة إلى الامبراطور قسطنطين9؛ القديس إيرونيموس، في الرسالة إلى الغلاطيين 1، 1، 11-12

[21] أوريجانيس، عظات في سفر الأحبار 5، 5

[22] رَ: رو12: 6

[23] توما الأكويني، خ ل 1، 1، 10، م1

[24] رَ: 1كو10: 2

[25] رَ: عب 11: 3-4

[26] رَ: رؤ 21: 1-22: 5

[27] أوغسطينوس دي داسيا، 1

[28] و ل 12

[29] القديس أوغسطينوس، الأسس 5، 6

[30] رَ: و ل 8، 3

[31] رَ: قرار داماسيوس: د179-180؛ مجمع فلورنسا، قرار لليعاقبة: د1334-1336؛ المجمع التريدنتيني، الجلسة الرابعة، قرار في الكتب المقدسة وفي تقبل التقاليد: د1501-1504

[32] رَ: و ل 14

[33] و ل 15

[34] و ل 17

[35] رَ: و ل 20

[36] و ل18

[37]  و ل 19

[38] القديسة سيزاري الصغرى، إلى ريشيلد

[39] القديسة تريزيا الطفل يسوع، السيرة اذاتية أ 38 قفا

[40] رَ: 1كو10: 6، 11؛ عب10: 1؛ 1بط3: 21

[41] رَ: مر12: 29-31

[42] رَ: 1كو5: 6-8؛ 10: 1-11

[43] القديس أوغسطينوس، في الأسفار الخمسة 2، 73؛ رَ: و ل 16

[44] و ل 21

[45] و ل 22

[46] و ل 24

[47]  و ل25؛ القديس إيرونيموس، في أشعيا، مدخل

[48] هوغ دي سان قكتور، في سفينة نوح 2، 8؛ رَ: 2، 9

[49] و ل 24

[50] و ل 11

[51] رَ: أوريجانيس، عظة في سفر الخروج 4، 5

[52]  و ل 21

[53] رَ: أش 50: 4


الفصل الثالث: جواب الإنسان لله من 142 - 165
الفصل الثالث

جواب الإنسان لله

142- بالوحي «الصادر عن فرط المحبة يُخاطب الله الغير المنظور جماعة البشر وكأنهم أحباؤه، ويتحدث إليهم ليدعوهم إلى الدخول في شركته ويقبلهم في هذه الشركة». والجواب الملائم لهذه الدعوة هو الإيمان.

143- بالإيمان يُخضع الإنسان عقله وإرادته لله إخضاعاً كاملاً. وهون يوافق الله صاحب الوحي موافقةً كاملة[ii]. والكتاب المقدس يدعو جواب الإنسان لله المُوحي «طاعة الإيمان»[iii].

 

المقال الأول

أُؤمن

1. طاعة الإيمان

144- الطاعة في الإيمان هي الخضوع الحُر للكلمة المسموعة، لأن حقيقتها في كفالة الله الذي هو الحقيقة ذاتها. إبراهيم هو نموذج هذه الطَّاعة الذي يقدمه لنا الكتاب المقدس., والبتول مريم هي تحقيق هذه الطاعة الأشد كمالاً.

إبراهيم - «أبو جميع المؤمنين»

145- الرسالة إلى العبرانيين، في إشادتها بإيمان القدامى، تُشدد بنوع خاص على إيمان إبراهيم: «بالإيمان أطاع إبراهيم لمَّا دُعيَ إلى أن يذهب إلى الموضع الذي كان مزمعاً أن يتخذه ميراثاً، فذهب لا يدري إلى أين يتوجه» (عب11: 8)[iv]. بالإيمان عاش في غربةٍ وفي حج في أرض الميعاد[v]. بالإيمان سارة نالت أن تحبل بابن الوعد. بالإيمان أخيراً قرَّب إبراهيم وحيده ذبيحة[vi].

146- وهكذا حقق إبراهيم تحديد الإيمان الذي أعطته الرسالة إلى العبرانيين:«الإيمان هو قيام المرجوات فينا، وبرهان الغير المنظورات» (عب11: 1). «آمن إبراهيم بالله، فحُسِب له ذلك براً» (رو4: 3)[vii]، وبسبب هذه «الشدة في الإيمان» (رو4: 20) أصبح إبراهيم «أباً لجميع اذين يؤمنون» (رو4: 11، 18)[viii].

147- والعهد القديم حافلٌ بمثل شهادات الإيمان هذه. فالرسالة إلى العبرانيين تُشيد بإيمان القُدامى المثالي الذي «شُهِد لهم بذلك» (عب11: 2، 39). ومع ذلك «فإن الله دبَّر لنا تدبيراً أفضل»:  نعمة الإيمان بابنه يسوع، «مُبدئ إيماننا ومُتمِمه» (عب11: 40؛ 12: 2).

 مريم- «طوبى للّتي آمنت»

148- مريم العذراء تُحقق طاعة الإيمان على أكمل وجه. في الإيمان تقبَّلت مريم البشارة والوعد من الملاك جبرائيل، مُعتقدةً أن «ليس أمرٌ غير ممكن لدى الله» (لو1: 37)[ix]، ومُعلنةً رضاها:«أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك» (لو38:1). وأليصابات سلمت عليها قائلةً:«طوبى للتي آمنت بأنه سيتم ما قيل لها من قِبَل الرب» (لو45:1). ومن أجل هذا الإيمان تُطوبها جميع الأجيال[x].

149- مدة حياتها كلها، وحتى محنتها الأخيرة[xi]، عندما مات يسوع ابنها على الصليب، لم يتزعزع إيمانها. لم تبرح مريم مؤمنةً بأن كلام الله "سيتم". ولهذا تكرم الكنيسة في مريم أصفى تحقيق للإيمان.

2ً. «أنا عارفٌ بمَن آمنتُ» (2تي12:1)

الإيمان بالله وحده

150- الإيمان هو أولاً التصاق الإنسان بالله التصاقاً شخصياً؛ إنه في الوقت نفسه، وبطريقة غير قابلة الانفصال، القبُول الحُر لكل الحقيقة التي أوحى بها الله. في كون الإيمان المسيحي لصوقاً شخصياً بالله وقبولاً للحقيقة التي أوحى بها، فهو غير الإيمان بشخص بشري. إنه عادلٌ وجيد أن يثق المرء بالله ثقةً كاملةً، وأن يؤمن بما يقول إيماناً مطلقاً. وقد يكون من العبث والخطأ أن يجعل المرء من هذا الإيمان بإحدى الخلائق[xii].

 

الإيمان بيسوع المسيح، ابن الله

151- لدى المسيحي الإيمان بالله هُو هو الإيمان بمَن أرسله، "ابنه الحبيب" الذي به سُرَّ[xiii]؛ قال لنا الله أن نستمع له[xiv].والرب نفسه قال لتلاميذه:«أنتم تؤمنون بالله فآمنوا بي أيضاً» (1:14). نستطيع أن نؤمن بيسوع المسيح لأنه هو نفسه الله، الكلمة المتجسد:«الله لم يره أحدٌ قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو أخبر» (يو18:1). وإذ قد «رأى الآب» (46:6)، فهو وحده يعرفه وهو يقدر أن يكشفه[xv].

الإيمان بالروح القدس

152- لا يمكن الإيمان بيسوع المسيح بمعزلٍ عن روُحه. الروح القدس هو الذي يوحي لبشر بحقيقة يسوع. «ولا يستطيع أحدٌ أن يقول أن يسوع ربٌ إلا بالروح القدس» (1كو3:12). «الروح يفحص كل شيءٍ حتى أعماق الله. (...) لا يعلم أحدٌ ما في الله إلا روح الله» (1كو2: 10-11). الله وحده يعرف الله بكامله. ونحن نؤمن بالروح القدس لأنه الله.

لا تبرح الكنيسة تعلن إيمانها بإلهً واحد، آبً وابن وروحٍ قدس.

3ً. ميزات الإيمان

الإيمان نعمة

       153- عندما يعترف القديس بطرس بأن يسوع هو المسيح، ابن الله الحي، يُعلن له يسوع بأن هذا الكشف لم يأته «من لحم ودم بل من أبيه الذي في السموات» (متى17:16)[xvi]. فالإيمان هبة من الله، فضيلة فائقة الطبيعة يبثها الله. «ولكي يعقد الإنسان هذا الإيمان، يحتاج إلى نعمة من الله تتداركه وتعضده، كما يحتاج إلى عونٍ داخلي من الروح القدس. وهذا الروح يُحرك القلب ويوجهه إلى الله، ويفتح عيني النفس ويمنح «الجميع عذوبة تقبل الحقيقة والإيمان بها»[xvii].

الإيمان فعلٌ إنسانيّ

154- لا يمكن الإيمان إلا بنعمة الروح القدس وعونه الداخلي. ومن الثابت أيضاً أن الإيمان فعلٌ إنسانيٌ أصيل. ولا يخالف حرية الإنسان ولا عقله أن يجعل في الله ثقته وأن يعتنق الحقائق التي يوحي بها. وإننا إذا نظرنا في العلاقات بين البشر نجد أنه ليس مخالفاً لكرامتنا الخاصة أن نصدق ما يقوله لنا الآخرون عن أنفسهم وعن مقاصدهم، وأن نثق في وعودهم (كما يجري ذلك مثلا عندما يتزوج رجل وامرأة)، لكي ندخل هكذا معاً في شركة متبادلة. وإنه من ثمَّ أقل مخالفةً لكرامتنا أن «نقدم الإيمان خضوع عقلنا وإرادتنا الكلي لله المُوحي»[xviii]، وأن ندخل هكذا معه في شركة حميمة.

155- في الإيمان يُسهم العقل والإرادة البشريان مع النعمة الإلهية:«الإيمان فعل عقلٍ يعتنق الحقيقة الإلهية بأمر الإرادة التي يُحركها الله بالنعمة»[xix].

الإيمان والعقل

156- ليس الدافع إلى الإيمان كون حقائق الوحي ظاهرة الصحة والمعقولية على ضوء عقلنا الطبيعي. إننا نؤمن «بسبب سلطان الله نفسه الذي يوحي والمعصوم عن الضلال والتضليل»[xx]. «ومع ذلك فقد أراد الله، لكي يكون عمل إيماننا موافقاً للعقل، أن يكون عون الروح القدس الداخلي في رفقة شواهد وحيه الخارجية»[xxi].وهكذا فمعجزات المسيح والقديسين[xxii]، والنبوءات، وانتشار الكنيسة وقداستها، وخصبها وثباتها، كل ذلك «علامات للوحي ثابتة على مستوى عقل الجميع»[xxiii]، دوافع إيمانية تُظهر أن «العقيدة الإيمانية ليست حركة للنفس عمياء»[xxiv].

157- الإيمان عقيدة ثابتة، وأشدُّ ثباتاً من كل معرفة بشرية، لأنه قائمٌ على نفس كلمة الله الذي لا يمكنه أن يكذب. نعم قد تبدو حقائق الوحي غامضةً لد\ى العقل واختبار البشريين، ولكن «اليقين الصادر عن النور الإلهي أعظم من اليقين الصادر عن نور العقل الطبيعي»[xxv]. «ليست في عشرة ألاف صعوبة ما يبعث على شكٍ واحد»[xxvi].

158- «الإيمان يسعى إلى الإدراك»[xxvii]: إنه من لوازم الإيمان أن يرغب المؤمن في معرفة أوفى لمن جعل فيه إيمانه، وإدراكٍ أشد لما أوحى به؛ ومعرفةٌ أعمق تستدعي من جهتها إيماناً أعظم يضطرم بالحب أكثر فأكثر. إن نعمة الإيمان تفتح «عيني القلب» (أف18:1) لفهم مضمون الوحي فهماً شديداً، أي مجمل تصميم الله وأسرار الإيمان، وارتباطها بعضها ببعض وبالمسيح، مركز السر الموحى به. ولكي «يجعل الروح القدس إدراك الوحي أعمق فأعمق، فهو لا يبرح يعالج الإيمان بمواهبه ليجعله أكمل»[xxviii]. وهكذا على حد قول القديس أوغسطينوس المأثور: «إني أومن لكي أدرك، وأدرك لكي أؤمن إيماناً أفضل»[xxix].

159- الإيمان والعلم. «وإن فَضَلَ الإيمانُ العقلَ، فمن غير الممكن أبداً أن يكون بينهما خلافٌ حقيقي. ذلك أن الله الواحد الذي يوحي بالأسرار ويهب الإيمان هو بعث في الروح ابشري نور العقل. فمن غير الممكن أن يُنكر الله ذاته، وأن تناقض الحقيقةُ الحقيقةَ»[xxx]. «وهكذا فمن غير الممكن، في شتى ميادين المعرفة، أن يختلف الإيمان والبحث المنهجي، إذا جرى هذا البحث مجرى علمياً صحيحاً، وتتبع النُّظم الأخلاقية، لأن لحقائق الدنيا ولحقائق الإيمان مصدراً واحد هو الله. أضف إلى ذلك أن الإنسان الذي يسعى جاهداً، في ثبات وتواضع، لاختراق خفايا الأشياء تكاد تقوده، وإن في غير وعي منه؛ يد الله التي تحفظ الأشياء كلها وتعمل على أن تكون تلك الأشياء على ما هي عليه»[xxxi].

حرية الإيمان

160- لكي يكون «جواب الإيمان الذي يقدمه الإنسان لله إنسانياً يجب أن يكون إرادياً؛ ومن ثمَّ لا يمكن إكراه أحد على اعتناق الإيمان على رُغمه. ففعل الإيمان من طبيعته ذاتها ذو طابع إرادي»[xxxii]. «والله يدعو الإنسان لخدمته في الروح وفي الحق؛ وإن ألزمت هذه الدعوة الإنسان ضميرياً فهي لا تكرهه. (...) وهذا ما ظهر في المسيح يسوع أجلى ظهور»[xxxiii]. فالمسيح دعا إلى الإيمان وإلى الهداية، ولكنه لم يعمد فيهما الإكراه قط. «لقد شهد للحقيقة، لكنه لم يشأ فرضها على خصومه بالقوة. وملكوته (...) يمتد بالمحبة التي يجذب بها إليه جميع البشر عند ارتفاعه على الصليب»[xxxiv].

ضرورة الإيمان

161- الإيمان بيسوع المسيح وبالذي أرسله لأجل خلاصنا ضروريٌ للحصول على هذا الخلاص[xxxv]. «إذ إنه «بدون الإيمان (...) لا يستطيع أحدٌ أن يُرضي الله» (عب6:11) وأن يصل إلى وضع أبنائه، وما من أحدٍ يُبرَّر أبداً بدون الإيمان، وما من أحدٍ يحصل على الحياة الأبدية إذا «لم يصبر فيه إلى المُنتهى» (متى10: 22؛ 13:24)»[xxxvi].

الثباتُ في الإيمان

162- الإيمان هبة مجانية يهبها الله للإنسان. باستطاعتنا أن نفقد هذه الموهبة التي لا تُقدر بثمن؛ والقديس بولس يحذر تيموثاوس من ذلك:«تجند التجند الحميد، متمسكاً بالإيمان والضمير الصالح الذي نبذه قومٌ فانكسرت سفينتهم عن الإيمان» (1تي1: 18-19). فلكي نحيا وننمو ونثبت في الإيمان إلى المنتهى، يجب علينا أن نغذيه بكلمة الله؛ يجب أن نتضرع إلى الله لكي يزيدنا إيماناً[xxxvii]؛ يجب أن يعمل «بالمحبة» (غل5: 6)[xxxviii]، ويُحمَل في الرَّجاء[xxxix]، ويُرسخ في إيمان الكنيسة.

الإيمان- بدء الحياة الأبدية

163- كأني بالإيمان يذيقنا مُسبقاً فرح ونور الرُّؤيا الطُّوباوية التي هي غاية مسيرتنا الأرضية. سنرى الله عند ذلك «وجهاً إلى وجه» (1كو12:13)، «كما هو» (1يو2:3). وهكذا فالإيمان منذ الآن بدء الحياة الأبدية:

«إذا كنا منذ الآن نُشاهد مباهج الإيمان وكأنها انعكاسات ضوئية في مرآة، فكأننا نملك منذ الآن الأمور الرائعة التي يؤكد لنا إيماننا أنّا سنتمتع بها يوماً ما»[xl].

164- ومع ذلك فنحن الآن «نسلك بالإيمان لا بالعيان» (2كو5: 7)، ونعرف الله «كما في مرآة على سبيل اللغز، (...) معرفةً ناقصة» (1كو12:13). والإيمان المُستنير بمن يؤمن به، كثيراً ما يسلك في الظلمة. وقد يُمتحن. فالعالم الذي نعيش فيه كثيراً ما يبدو بعيداً جداً عما يؤكده لنا الإيمان؛ وتجارب الشر والألم، والمظالم والموت، وتبدو مناقضةً للإنجيل؛ قد تستطيع أن تُزعزع الإيمان، وأن تكون له موضوع تجربة.

165- في هذه الحال تقتضي منا الضرورة أن نتوجه إلى شهود الإيمان: إبراهيم الذي آمن، «راجياً على خلاف كل رجاء» (رو4: 18)؛ والعذراء مريم التي «في رحلة الإيمان»[xli] انطلقت حتى «ليل الإيمان»[xlii]. مشتركةً في آلام ابنها وفي ليل قبره[xliii]؛ وآخرين من شهود الإيمان:«فنحن إذ يُحدق بنا مثل هذا السحاب من الشهود، فلنُلقِ عنا كل ثِقلٍ وما يشتمل علينا من الخطيئة، ولنُسابق بالصبر في الجهاد الذي أمامنا، ولنجعل نظرنا إلى مُبدئ الإيمان ومُتممه، إلى يسوع» (عب12: 1-2).



--------------------------------------------------------------------------------

و ل 2

[ii] رَ: و ل 5

[iii] رَ: رو1: 5؛ 16: 26

[iv] رَ: تك12: 1-4

[v] رَ: تك23: 4

[vi] رَ: عب11: 17

[vii] رَ: تك15: 6

[viii] رَ: تك15: 5

[ix] رَ: تك14:18

[x] رَ: لو48:1

[xi] رَ: لو35:2

[xii] رَ: إر17: 5-6؛ مز5:40؛ 146: 3-4

[xiii] مر11:1

[xiv] مر7:9

[xv] متى27:11

[xvi] غل1: 15-16؛ متى25:11

[xvii]  و ل 5

[xviii] م ف1ً، الدستور العقائدي "ابن الله"، ق3: د3008

[xix] توما الأكويني، خ ل 2-2، 9؛ رَ: م ف1ً: الدستور العقائدي "ابن الله"، ق3: د3010

[xx] م ف1ً: المرجع السابق: د3008

[xxi] المرجع السابق: د3009

[xxii] رَ: مر20:16؛ عب4:2

[xxiii] م ف1ً: المرجع السابقد3009

[xxiv] المرجع السابق: د3010

[xxv] توما الأكويني، خ ل 2-2، 171، 5، اعتراض3

[xxvi] نيومن، دفاع، ق5

[xxvii] القديس أنسيلم، الملحق، مقدمة

[xxviii] و ل5

[xxix] عظات 43: 7، 9

[xxx] م ف1ً، دستور عقائدي "ابن الله" ق4: د3017

[xxxi]  ك ع 36، 2

[xxxii]  ح د101؛ رَ: ح ق ل، ق748، $2

[xxxiii] ح د 11

[xxxiv]  ح د11

[xxxv] رَ: مر16:16؛ يو36:3؛ 40:6 إلخ

[xxxvi] م ف1ً، دستور عقائدي "ابن الله"، ق3:د3012؛ رَ: مجمع ترنت، الجلسة السادسة أ، قرار في التبرير، ق8: د1532

[xxxvii]  رَ: مر24:9؛ لو5:17؛ 32:22

[xxxviii] رَ: يع2: 14-26

[xxxix] رَ: رو13:15

[xl] القديس باسيليوس، في الروح القدس، 15، 36؛ رَ: توما الأكويني، خ  2-2، 4، 1

[xli] ك 58

[xlii]  يوحنا بولس الثاني، أفا17

[xliii]  المرجع السابق، 18

pawel:
الفصل الثالث: جواب الإنسان لله من 166 - 184
المقال الثاني

نُؤْمنُ

166- الإيمان فعلٌ شخصي: إنه جواب الإنسان على مبادرة الله الذي يكشف ذاته. ولكن الإيمان ليس فعلاً مُنعزلاً. فما من أحد يستطيع أن يؤمن منفرداً، كما أنه لا يستطيع أحد أن يعيش منفرداً. وما من أحد أعطى نفسه الإيمان كما لم يُعط أحدٌ نفسه الحياة. فقد تقبل المؤمن الإيمان من غيره وهو من واجبه أن ينقله لغيره. إن محبتنا ليسوع وللبشر تحملنا على أن نُحدث غيرنا بإيماننا. وهكذا فكل مؤمن حلقةٌ في سلسلة المؤمنين الطويلة. ولا أستطيع أن أؤمن بدون أن أُحمل في إيمان الآخرين، بإيماني أنا أُسهم في حمل إيمان الآخرين.

167- «أؤمن»[1]: إنه إيمان الكنيسة يعترف به كل مؤمنٍ شخصياً، ولا سيّما إبان المعمودية. «نؤمن»[2]: إنه إيمان الكنيسة يعترف به الأساقفة المجتمعون في مجمع ، أو، على وجه أعم، يعترف به مجلس المؤمنين الليترجي. «أؤمن»: إنها أيضاً الكنيسة، أمُّنا، تجيب الله بإيمانها وتعلمنا أن نقول: «أؤمن»، «نؤمن».

1ً. «أُنْظُر، يارب، إلى إيمان كنيستك»

168- الكنيسة أولاً هي التي تؤمن، وهكذا تحمل إيماني، وتغذيه، وتدعمه. الكنيسة أولاً هي التي تعترف بالرب في كل مكان (ونحن نرنم في النشيد «أنت الله»: «أنت الذي تُعلن الكنيسة المقدسة في جميع أنحاء المسكونة أنك سيدها»)، ونحن معها وفيها محمولون على أن نعترف نحن أيضاً: «أؤمن»، «نؤمن». بالكنيسة وفي المعمودية ننال الإيمان والحياة الجديدة في المسيح. في «كتاب الرُّتب الروماني» يسأل خادم التّعميد الموعوظ: «ماذا تطلب إلى كنيسة الله؟ والجواب: الإيمان- وماذا يمنحك الإيمان؟ - الحياة الأبدية»[3].

169- الخلاص يأتي من الله وحده؛ ولكن بما اننا ننال حياة الإيمان عبر الكنيسة، فالكنيسة أُمنا: «إننا نعتقد بالكنيسة أُماً لولدتنا الجديدة، ولا نعتقد بها كما لو كانت مَصدر خلاصنا»[4]. وإذ كانت لنا أُماً كانت أيضاً مُربية إيماننا.

2َ. لغة الإيمان

170- إننا لسنا نؤمن بالصيغ، بل بالحقائق التي تُعبر عنها، والتي يتيح لنا الإيمان «مسها». «وفعل الإيمان الذي يفوه به المؤمن لا يقف عند التعبير بل عند الحقيقة المعبر عنها»[5]. ومع ذلك فإنّا نُقارب هذه الحقائق بمساعدة صياغات الإيمان. فهي تسمح بالتعبير عن الإيمان وبتناقله، والاحتفال به جماعياً، واستيعابه، والحياة به أكثر فأكثر.

171- الكنيسة، التي هي «عمود الحق وقاعدته» (1تيم3: 15)، تُحافظ بأمانة على «الإيمان الذي سُلم دفعةً للقديسين»[6]. إنها هي التي تحتفظ بمجموعة أقوال المسيح، وهي التي تنقل من جيلٍ إلى جيلٍ فعل إيمان الرُّسل. وكأُم تلقن أبناءها النطق، ومن ثمَّ الإدراك والتعامل، تلقّنُنا الكنيسة أمُّنا لغة الإيمان لتُدخِلنا في فهم الإيمان وحياته.

3ً. إيمانٌ وَاحد

172- منذُ قرونٍ، وعبر لغاتٍ وثقافاتٍ وشعوبٍ وأممٍ كثيرة لا تبرح الكنيسة تعترف بإيمان واحدٍ، آتٍ من ربٍ واحد، منقولٍ في معمودية واحدة، مغروس في الاعتقاد بأن لجميع البشر إلهاً واحداً وأباً واحداً[7]. والقديس إيريناوس، أسقف ليون، يشهد على هذا الإيمان ويُعلن:

173- «وإن كانت الكنيسة منتشرةً في العالم كلّه إلى أقاصي الأرض، فهي، بعدما تلقت الإيمان من الرسل ومن تلاميذهم (...) تحتفظ [بهذه الكرازة وبهذا الإيمان] بعناية كما لو كانت تسكن منزلاً واحداً، وهي تؤمن بهما على وجه واحد، كما لو لم يكن لها إلا روحٌ واحدة وقلبٌ واحد، وهي تكرز بهما وتعلمهما وتنقلهما على نهجٍ واحد كما لو لم تملك إلا فماً واحداً»[8].

174- «فلئن اختلفت اللغات في العالم، فمضمون التقليد واحدٌ لا يختلف. وليس للكنائس القائمة في جرمانية إيمانٌ آخر أو تقليد آخر، ولا لتلك التي عند الإيبيريين، ولا لتلك التي عند القلتيين، ولا لكنائس الشرق، ومصر، وليبية، ولا لتلك القائمة في وسط العالم»[9]. «وهكذا فرسالة الكنيسة حقيقية وثابتة، وإذ لديها طريق خلاص واحدة تظهر في العالم كله»[10].

175- «هذا الإيمان الذي نلناه من الكنيسة، نُحافظ عليه بعناية، لأنه لا يبرح، بفعل الروح القدس، كالوديعة العظيمة الثمن والمحفوظة في إناءٍ ثمين، يتجدد ويجدد الإناء الذي يحتويه»[11].

بإيجاز

176- الإيمان التصاق الإنسان بكامله التصاقاً شخصياً بالله الذي يكشف عن ذاته. إنه التصاق العقل والإرادة بالوحي الذي كشف الله عن ذاته بأعماله وأقواله.

177- للإيمان إذاً مرجعان: الشخص والحقيقة؛ الحقيقة من خلال الثقة بالشخص الذي يُثبتها.

178- ليس لنا أن نؤمن بأحدٍ سوى الله، الآب والابن والروح القدس.

179- الإيمان هبة من الله تفوق الطبيعة. ولكي يؤمن الإنسان يحتاج إلى معونة الروح القدس الداخلية.

180- الإيمان فعلٌ إنساني واعٍ وحرّ يتفق وكرامة الشخص البشري.

181- الإيمان عملٌ كنسي. إيمان الكنيسة يسبق إيماننا، ويبعثه، ويحمله، ويغذيه. الكنيسة أم جميع المؤمنين. «لا أحد يكون الله أباه ولا تكون الكنيسة أُمه»[12].

182- «نؤمن بكل ما تنطوي عليه كلمة الله المكتوبة أو المنقولة، وتدعونا الكنيسة إلى الإيمان به على أنه من وحيٍ إلهي»[13].

183- الإيمان ضروريٌّ للخلاص. الربُّ نفسه يثبت ذلك: «مَن آمن واعتمد يخلص ومَن لم يؤمن يُدان» (مر16:16).

184- «الإيمان هو تذوق مُسبقٌ للمعرفة التي ستجلُنا سعداء في الحياة الآتية»[14].

 

قانون الإيمان

 

قانون الرسل[15]
 
 قانون نيقية- القسطنطينية[16]
 
أومن بالله،

الآب الكلي القدرة،

خالق السماء والأرض.

 

وبيسوع المسيح، ابنه الوحيد ربنا،

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الذي كان الحبل به من الروح القدس،

وُلِدَ من البتول مريم،

 

تألم في عهد بنطيوس بيلاطس، وصُلِب،

ومات، ودفن،

انحدر إلى الجحيم.

في اليوم الثالث قام من الموتى،

 

صعد إلى السماوات،

وهو جالسٌ إلى يمين الآب الكلي القدرة،

من حيثُ سيأتي ليقاضي الأحياء والأموات.

أؤمن بالروح القدس

 

 

 

 

 

 

بالكنيسة المقدسة الكاثوليكية،

بشركة القديسين،

 

بغفران الخطايا،

بقيامة الجسد،

بالحياة الأبدية.

آمين
 
 أومن بإله واحدٍ،

الآب الكلي القدرة،

خالق السماء والأرض،

الكون المرئي وغير المرئي.

وبربٍ واحدٍ يسوع المسيح،

ابن الله الوحيد،

المولود من الآب قبل كل الدهور:

هو الله الصادر عن الله،

نورٌ مولود من النور،

إله حق صادرٌ عن الله الحق،

مولودٌ غير مخلوق،

هو والآب جوهرٌ واحدٌ

وبه صنع كل شيء،

من أجلنا نحن البشر، وفي سبيل خلاصنا،

نزل من السماء،

بالروح القدس

تجسد من البتول مريم

وصار إنساناً.

وإذ صُلب لأجلنا في عهد بنطيوس

بيلاطس،

تألم ودفن،

وقام في اليوم الثالث،

وفاقاً للكتابات،

وصعد إلى السماء،

وهو جالسٌ إلى يمين الآب،

إنه سيرجع في المجد،

ليُقاضي الأحياء والأموات؛

ولن يكون لملكه إنقضاء.

 

وبالروح القدس،

الرب وواهب الحياة،

إنه ينبثق من الآب والابن،

مع الآب والأبن،

يُعبد العبادة نفسها ويُمجَّد التمجيد نفسه،

لقد نطق بالأنبياء،

 

أؤمن بالكنيسة،

واحدةً، مقدسةً، كاثوليكيةً رسوليةً.

أعترف بمعمودية واحدةٍ

لغفران الخطايا.

أترقب قيامة الموتى

وحياة العالم الآتي.

آمين
 

 



--------------------------------------------------------------------------------

[1] قانون الرسل: د30

[2] قانون نيقية- القسطنطينية: د150 في الأصل اليوناني

[3] ر ت ب 75 و247

[4] فوستس دي رياز، في الروح القدس1، 2

[5] توما الأكويني، خ ل 2-2، 1، 2، م2

[6] رَ: يهو3:1

[7] رَ: أف 4: 4-6

[8] الرد على الهرطفات 1، 10، 1-2

[9] المرجع السابق، 1، 10، 2

[10] المرجع السابق، 5، 20، 1

[11] المرجع السابق، 53، 24، 1

[12] القديس كبريانوس، وحدة الكنيسة الكاثوليكية 6

[13] ق ش 20

[14] توما الأكويني، م ل 1، 2

[15] د30

[16] د150



القسم الثاني: الاعتراف بالإيمان المسيحي من 185 - 197
القسم الثاني

الاعتراف بالإيمان المسيحي

 

قوانين الإيمان

185- من يقل «أُؤمن» يَقل «أعتنقُ ما نؤمن به». الشركة في الإيمان تقتضي لغةً للإيمان مشتركة، ينتظم بها الجميع ويتحدون في الاعتراف الواحد بالإيمان.

186- منذ البدء عبَّرت الكنيسة الرسوليّة عن إيمانها الخاص ونقلته في تعبيرات وجيزة وضابطه للجميع[1]. ولكطن الكنيسة أرادت أيضاً منذ أقدم أيامها أن تجمع خلاصة إيمانها في مختصرات عضوية ومنسقة بوضوح، مُعدّة بنوع خاص لطالبي المعمودية:

«لم توضع ملخصات الإيمان هذه بحسب آراء البشر؛ ولكن جُمع من الكتاب المقدس كله ما هو الأهم فيه، لكي يُعطي تعليم الإيمان الوحيد كاملاً. وكما أن بذار الخردل يحتوي في حبة صغيرة جداً عدداً كبيراً من الأغصان، كذلك قانون الإيمان، فهو يحتوي كلماتٍ قليلةٍ علمَ البرّ  الحقيقي كله الذي ينطوي عليه العهدان القديم والجديد»[2].

187- تُسمى مُلخصات الإيمان هذه «اعترافات الإيمان» إذ إنها تلخص العقيدة التي يعترف بها المسيحيون. وتُسمى «أُؤمن» جرباً مع الكلمة الأولى التي تبدأ بها عادةً، أي «أُؤمن». وتُسمى كذلك «قوانين الإيمان».

188- كانت اللفظة اليونانية eumbolon (سيمبولن) تعني نصف الشيء المكسور (كالخاتم مثلاً) الذي كان يُقدمُ علامة تَعرُّف. فكانت الأقسام المكسورة تُقارب لإثبات حقيقة حاملها. وهكذا فقانون الإيمان علامة التعارف والشركة بين المؤمنين. «وسيمبولن» تعني إلى ذلك مجموعة، جدولاً، أو موجزاً. فقانون الإيمان هو مجموعة حقائق الإيمان الرئيسية وهو من ثمَّ المرجع الأول والأساسي للكرازة.

189- أوّل «اعتراف بالإيمان» يجري في المعمودية. «قانون الإيمان» هو أول القانون العمادي، وبما أن المعمودية تُمنح «باسم الآب والابن والروح القدس» (متى19:28)، فحقائق الإيمان المُعترف بها إبان المعمودية مرجعها إلى الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس.

190- وهكذا فقانون الإيمان يُقسم إلى ثلاثة أقسام:«أولاً كلام على الأقنوم الإلهي الأول وعلى عمل الخلق الرائع؛ ثم على الأقنوم الإلهي الثاني وعلى سر فداء البشر؛ وأخيراً على الأقنوم الإلهي الثالث ينبوع تقديسنا ومَبدأه»[3]. من هنا «فصول خاتم معموديتنا الثلاثة»[4].

      191- «وإن كانت هذه الأقسام الثلاثة مترابطة فهي متمايزة. ونحن نسميها أقساماً عقائدية جرياً مع تشبيهً كثيراً ما استعمله الآباء. فكما أن في أعضائنا بعض مفاصل تميزها وتفصلها، وكذلك في قانون الإيمان فقد أُطلق بحقٍ اسم أقسام عقائدية على الحقائق التي يجب أن نؤمن بها منفردةً ومتميزة»[5]. وقد ورد في تقليد قديم، سبق القديس أمبروسيوس إلى إثباته، أن العادة جرت على إحصاء اثنى عشر قسماً في قانون الإيمان، رمزاً بعدد الرسل إلى مجمل العقيدة الرسولية[6].

192- لقد تعددت، على مر العصور، اعترافات الإيمان أو قوانينه، استجابة لحاجات العهود المختلفة: قوانين الكنائس الرسولية والقديمة المختلفة[7]، القانون «كل من» المنسوب إلى القديس أثناسيوس[8]، اعترافات الإيمان لبعض المجامع (طُليطلة[9]؛ لاتران[10]؛ ليون[11]؛ ترانت[12])، أو لبعض الباباوات، من مثل «إيمان داماسيوس»[13]، أو «قانون إيمان شعب الله» لبوس السادس (1968)[14].

193- ما من قانون من قوانين الإيمان في شتى مراحل الكنيسة يمكن عدُّه ساقطاً بمرور الزمن، أو خالياً من الفائدة. إنها تُساعدنا على أن نبلغ اليوم ونُعمق إيمان الأزمان المختلفة من خلال الملخصات المختلفة التي وُضعت لها.

بين جميع قوانين الإيمان قانونان يحتلان محلين خاصين في حياة الكنيسة:

194- قانون الرسل، المدعو هكذا لأنه يُعد بحق الملخص الأمين لإيمان الرُّسل. إنه القانون القديم للتعميد في الكنيسة الرومانية. وسلطانه العظيم يأتيه من كونه: «القانون الذي تحتفظ به الكنيسة الرومانية، حيث جلس بطرس، أوّل الرسُل، وحيث فاهَ بالحُكم العام»[15].

195- قانون نيقية- القسطنطينية يستمد قوَّته من كونه صادراً عن المجمعين المسكونيين الأوَّلين (325و381). وهو لا يزال، إلى اليوم، مشتركاً بين جميع كنائس الشرق والغرب الكبرى.

196- سنتبع في عرضنا للعقيدة قانون الرسل الذي يتألف منه نوعاً ما «أقدم تعليم مسيحي روماني». ومع ذلك سنتم العرض برجوع متواصل إلى قانون نيقية- القسطنطينية الأكثر تصريحاً وتفصيلاً.

197- وكما فعلنا في يوم معموديتنا، عندما أسلمنا كل حياتنا «إلى رسم التعليم» (رو17:6)، فلنتقبل قانون إيماننا الذي يعطي الحياة. فإن يُتلى قانون الإيمان بإيمان، إنما ذلك دخول في الشركة مع الله الآب، والابن، والروح القدس، ودخولٌ أيضاً في الشركة مع الكنيسة كلها التي تنقل إلينا العقيدة والتي بين ظهرانيها نؤمن:

«هذا القانون هو الخاتم الروحي، [...] ونجوى قلبنا، والحارس الذي لا يغيب أبدأً، وهو، ولاشك، كنز نفسنا»[16].

 



--------------------------------------------------------------------------------

[1] رَ: رو9:10؛ 1كو3:15-5؛ إلخ

[2] القديس كيرلس الأورشليمي، عظات في المعمودية 5، 12

[3] ت ر 1، 1، 4

[4] القديس إيريناوس، تبيان 100

[5] ت ر 1، 1، 4

[6] رَ: القديس امبروسيوس، قانون 8

[7] رَ: د1-64

[8] رَ: د75-76

[9] د525-541

[10] د800-802

[11] 851-861

[12] د1862-1870

[13] رَ: د71-72

[14] أ ك ر60 (1968) 433-445

[15] القديس امبروسيوس، قانون7

[16] القديس امبروسيوس، قانون 1



الفصل الأول: أُؤمن بالله الآب من 198-231
الفصل الأول

أُؤمن بالله الآب

 

198- اعترافنا بالإيمان يبدأ بالله، لأن الله هو «الأوَّل والآخر» (أش 44: 6)، بدء كل شيء ونهايته. وقانون الإيمان يبدأ بالله الآب، لأن الآب هو الأقنوم الإلهي الأول من الثالوث الأقدس؛ وقانوننا يبدأ بخلق السماء والأرض، لأن الخَلق هو البداية والأساس في جميع أعمال الله.

المقال الأول

«أُؤمن بالله الآب الكلي القدرة

خالق السماء والأرض»

الفقرة 1- أؤمن باللهِ

199- «أؤمن بالله»: هذا التأكيد الأول من الاعتراف بالإيمان هو أيضاً أساسيٌ أكثر من أي شيء آخر. القانون كله يتكلم على الله، وإن تكلم أيضاً على الإنسان والعالم، فذلك بالنسبة إلى الله. فمواد قانون الإيمان تتعلق كلها بالمادة الأولى، كما أن جميع الوصايا توضح الوصية الأولى. والمواد الأخرى تعرفنا الله تعريفاً أوسع، كما كشف عن نفسه للبشر تدريجياً. «المؤمنون يعترفون أولاً بالإيمان بالله».

1ً. «أُؤمن بإلهٍ واحد»

200- بهذه الكلمات يبدأ قانون نيقية- القسطنطينية. الاعتراف بوحدانية الله ذات الجذور في الوحي الإلهي في العهد القديم، لا يمكن فصله عن الاعتراف بوجود الله، وهو أساسيٌّ مثله أيضاً. فالله واحد: لا يوجد إلهٌ واحد: «الإيمان المسيحي يعترف أنه لا يوجد إلا إله واحد، واحدٌ بطبيعته، وجوهره، وإنيته»[ii].

201- الله كشف عن نفسه لإسرائل مختاره على أنه الوحيد: «اسمع، يا إسرائيل، إن الربَّ إلهنا ربٌّ واحد، فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قدرتك» (تث6: 4-5). بالأنبياء دعا الله إسرائيل وجميع الأمم إلى التوجه نحوه، هو الوحيد. «توجهوا إليّ فتخلُصوا ياجميع أقاصي الأرض فإني أنا الله وليس من إله آخر (...). لي تجثوا كل ركبةٍ وبي سَيُقْسِم كل لسان، يقول: بالرب وحده البرُّ والقوَّة» (أش45: 22-24)[iii].

202- يسوع نفسه يثبت أن الله هو «الرب الوحيد» وأنه يجب أن يُحب «بكل القلب وكل النفس وكل الذهن وكل القدرة»[iv]. وهو يُشير، في الوقت نفسه، إلى أنه هو ذاته «الرب»[v]. والاعتراف بأن «يسوع هو الرب». هو خاصة الإيمان المسيحي. وهذا لا يخالف الإيمان بالله الواحد. والإيمان بالروح القدس «الرب وواهب الحياة» لا يجعل في وحدانية الله انفصاماً:

«نحن نؤمن إيماناً ثابتاً، ونُثبت ببساطة أنه يوجد إلهٌ واحدٌ حقيقي، غير محدود وغير متغير، وغير مُدرك، كليُّ القدرة، وفوق كل تعبير، آب وابن وروح قدس: ثلاثة أقانيم، ولكن إنية واحدة، وجوهرٌ واحدٌ أو طبيعةٌ كلية البساطة»[vi].

2ً. الله يكشف عن اسمه

203- لقد كشف الله عن ذاته لشعبه إسرائيل وعرَّفه اسمه. الاسم تعبير عن الإنية، هُوية الشخص ومعنى الحياة. لله أسمٌ. وليس بقوة غُفل. وتسليم الاسم هو تعريف الآخرين بالذات؛ هو، على وجهٍ ما، تسليم الذات يجعلها مُمكنةً المنال، حَرِيّةً بأن تُعرَف معرفةً أعمق، وأن تُدعى شخصياً.

204- الله كشف عن ذاته لشعبه تدريجياً وبأسماء مختلفة، إلا أن الكشف عن الاسم الإلهي لموسى في ظهور العليقى المُلتهبة على عتبة الخروج وعهد سيناء، هو الكشف الذي ثبت أنه الأساسي للعهدين القديم والجديد.

الإله الحيّ

205- الله يدعو موسى من وسط عُلَّيقى تلتهبُ ولا تحترق. ويقول لموسى:«أنا إله آبائك، إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب» (خر6:3). فالله هو إله الآباء الذي دعاهم وقادهم في تيههم. إنه الإله الأمين والعطوف الذي يذكرهم عُهوده؛ وهو يأتي ليُحرر نسلهم من العبودية. إنه الإله الذي، في كل مكان وزمان، يستطيع ذلك ويريده، والذي يجعل قدرته غير المحدودة في طريق هذا التصميم.

«أنا هو الكائن»

قال موسى لله:«ها أنا سائرٌ إلى بني إسرائيل فأقول لهم: إله آبائكم بعثني إليكم؛ فإن قالوا لي ما اسمه، فماذا أقول لهم؟» فقال الله لموسى: «أنا هو الكائن». قال:«كذا قُل لبني إسرائيل: الكائن أرسلني إليكم. (...) هذا اسمي إلى الدهر، وهذا ذكري إلى جيلٍ فجيل» (خر13:3-15).

206- عندما يكشف الله عن اسمه العجيب يهوه، «أنا الكائن»، أو «أنا مَن هو» أو أيضاً «أنا مَن أنا»، يقول من هو، وبأي اسم يجب أن ندعوه. هذا الاسم الإلهي سريٌ كما أن الله سر. إنه في الوقت نفسه اسم مُوحى به وكرفض للاسم، وهو من ثمَّ يعبر أحسن تعبير عن الله كما هو، أي على مستوى أسمى من كل ما نستطيع إدراكه أو قوله: إنه «الإله المتحجب» (أش15:45)، واسمه عجيب[vii]، وهو الإله الذي يتقرب من البشر.

207- عندما يكشف الله عن اسمه يكشف في الوقت نفسه عن أمانته التي هي من الأبد وإلى الأزل، سارية المفعول في الماضي («أنا إله آبائك»، خر6:3) كما في المستقبل: («أنا أكون معك»، خر12:3). الله الذي يكشف عن اسمه على أنه «الكائن» يكشف عن ذاته على أنه الإله الحاضر على الدوام، الحاضر مع شعبه ليُخلصه.

208- أمام حضور الله الساحر والعجيب يكشف الإنسان صغارته. امام العُلَّيقى الملتهبة يخلع موسى نعليه ويستر وجهه[viii] مقابل القداسة الإلهية. أمام مج الإله المُثلث القداسة يصيح أشعيا:«ويل لي قد هلكت، لأني رجل دنس الشفتين» (أش5:6). أمام الأعمال الإلهية التي يعملها يسوع يصيح بطرس:«تباعد عني، يارب، فإني رجل خاطئ» (لو8:5). ولكن بما أن الله قدوس، فهو يقدر أن يغفر للإنسان الذي يكشف عن نفسه أمامه أنه خاطئ:«لا أُنفِذ وَغر غضبي (...) لأني أنا الله لا إنسان، وفيك قدوس» (هو9:11). وسيقول الرسول يوحنا كذلك: «نُقنِع قلوبنا بأن تطمئنَّ أمامه، وإن كان قلبُنا يُبكتنا، فإن الله أعظم من قلبنا وعالمٌ بكل شيء» (1يو19:3-20).

209- توقيراً لقداسة الله لا يفوه الشعب الإسرائيلي باسمه تعالي. ففي قراءة الكتاب المقدس يُستعاض عن الاسم الموحى به باللقب الإلهي «رب» (أدوناي، وباليونانية كيريوس). وبهذا اللقب ستُعلن أُلوهة يسوع: «يسوع ربٌ».

«إله الحنان والرحمة»

210- بعد خطيئة إسرائيل الذي مال عن الله إلى عبادة العجل الذهبي[ix]، يسمع الله تشفع موسى ويقبل السير في وسط شعب ناكث للعهد، مظهراً هكذا محبته[x]. وهو يُجيب موسى الذي يطلب أن يرى مجده ويقول:«أنا أُجيزُ جميع جودتي أمامك وأنادي باسم الرب يهوه قدامك» (خر18:33-19). ويمر الرب أمام موسى وينادي:«يهوه، يهوه إلهٌ رحيمٌ ورؤوفٌ، طويل الأناة كثير المراحم والوفاء» (خر6:34). فيعترف موسى حينئذٍ أن الرب إله غفور[xi].

211- الاسم الإلهي «أنا الكائن» أو «الذي هو» يعبر عن أمانة الله الذي «يحفظ الرحمة لأوف» (7:34)، على ما للبشر من نكبة الاثم ومن العقاب الذي تستحقه. الله يكشف عن كونه «غنياً بالرحمة» (أف4:2) إلى حد أنه بذل ابنه الخاص. وعندما يبذل يسوع حياته ليحررنا من الخطيئة، سيكشف أنه يحمل هو نفسه الاسم الإلهي: «إذا ما رفعتم ابن البشر فعندئذ تعرفون أني "أنا هو"» (يو28:8).

الله وحده الكائن

212- لقد استطاع إيمان إسرائيل، عبر القرون، أن ينشر ويتقصى الكنوز المنطوية في وحي الاسم الإلهي. الله واحدٌ، ولا إله سواه[xii]. وهو فوق العالم والتاريخ. وهو الذي صنع السماوات والأرض:«هي تزول وأنت تبقى، وكلُّها تبلى كالثوب (...) وأنت أنت وسنوك لن تفنى» (مز27:102-28). ليس فيه «تحوُّلٌ ولا ظلُّ تَغيُّر» (يع17:1). إنه «الكائن» منذ الأبد وإلى الأزل، وهو هكذا يبقى أبداً وفياً لذاته ولوعوده.

213- وهكذا فالكشف عن الاسم العجيب «أنا الكائن» يتضمن الحقيقة أن الله وحده كائن. وبهذا المعنى فُهم الاسم الإلهي في الترجمة السبعينية وبعدها في تقليد الكنيسة: الله هو ملء الكينونة وملء كل كمال، لا أول له ولا آخر. فيما نالت جميع الخلائق منه كل كيانها وكل ما لها، فهو وحده كيان ذاته، وهو من ذاته كل ما هو.

3ً. الله «الكائن» حقيقة ومحبة

214- الله «الكائن»، كشف عن نفسه لإسرائيل على أنه الكائن «الكثير المراحم والوفاء» (خر6:34). هذه الألفاظ تعبر تعبيراً مرصوصاً عن كنوز الاسم الإلهي. الله يُظهر في جميع أعماله عطفه، وجودته، ونعمته، ومحبته؛ كما يُظهر أيضاً وفاءه، وثباته، وأمانته، وحقيقته. «أعترف لاسمك لأجل رحمتك وحقك» (مز2:138)[xiii]. إنه الحق ، لأن «الله نورٌ وليس فيه ظلمةٌ البتة» (1يو5:1)؛ وهو «محبة»، على حد ما يعلم يوحنا الرسول (1يو8:4).

الله حق

215- «رأس كلمتك حق، وإلى الأبد كُلُّ حكم عدلك» (مز160:119). «والآن أيها الرب الإله أنت هو الله وكلامك حقٌ» (2صم28:7)؛ ولذلك فوعود الله تتحقق دائما[xiv]. الله هو الحقُّ نفسه وأقواله جلَّت عن التضليل. ولهذا يستطيع المرءُ أن يُسلم بكل ثقةٍ لحقيقة كلمته ووفائها في كل شيء. بدء خطيئة الإنسان وسقوطه كان كذبةً من المجرب الذي حمل على الشك في كلمة الله وعطفه ووفائه.

216- حقُّ الله هو حكمته التي تسوس كل نظام الخليقة ومسيرة العالم[xv].الله الذي وحده خلق السماء والأرض[xvi]، يستطيع هو وحده أن يعطي معرفة كل شيءٍ مخلوقٍ في علاقته معه معرفةً حقيقية[xvii].

217- الله حقٌّ أيضاً عندما يكشف عن ذاته: التعليم الذي يأتي من الله «تعليم حقٍ» (ملا6:2). وعندما يُرسل ابنه الى العالم إنما يكون ذلك «ليشهد للحق» (يو37:18): «نعلم أن ابن الله قد أتى وآتانا بصيرةً لكي نعرف الإله الحقيقي» (1يو20:5)[xviii].

الله محبة

218- لقد استطاع إسرائيل، على مر تاريخه، أن يكتشف أنه لم يكن لله إلا داعٍ واحد حمله على الكشف عن ذاته له، وعلى اختياره له، بين سائر الشعوب، ليكون شعبه الخاص: هو حبُّه المجاني[xix]. وقد فقه إسرائيل، بفضل أنبيائه، أنه بدافع الحب أيضاً لم يكُف الله عن تخليصه[xx]، وعن مغفرة نكيثته وآثامه[xxi].

219- يُشيه حب الله لإسرائيل بحب أبٍ لابنه[xxii]. وهذا الحب أقوى من حب أم لأبنائها[xxiii]. الله يحب شعبه أكثر مما يحب زوجٌ حبيبته[xxiv]؛ وهذا الحب يتغلب حتى على أقبح الخيانات[xxv]؛ وهو يذهب إلى درجة بذل الأغلى:«هكذا أحب الله العالم حتى إنه بذل ابنه الوحيد» (يو16:3).

220- وحب الله «أبدي» (أش8:54): «إن الجبال تزول والتلال تتزعزع أما رأفتي فلا تزول عنك» (أش10:54). «إني أحببتُك حباً أبدياً فلذلك اجتذبتك برحمةٍ» (إر3:31).

221- القديس يوحنا يذهب أيضاً إلى أبعد من ذلك عندما يعلن أن «الله محبة» (1يو8:4، 16): فكيان الله ذاته محبة. وعندما يرسل الله، بحلول ملء الأزمنة، ابنه الوحيد وروح محبته يكشف عن أخص سر له[xxvi]:إنه هو نفسه أبداً تبادل محبة: آب وابنٌ وروح قدس، وقد قدر لنا أن نكون شركاء فيه.

4ً. مدى الإيمان بالله الواحد

222- للإيمان بالله الواحد، ومحبتنا له بكل كياننا، عواقب لا حد لها في حياتنا كلها:

223- فلذلك يقتضي معرفة عظمة الله وجلاله: «إن الله عظيم فوق ما نعلم» (أيوب26:36). ولهذا وجب أن يكون الله «المخدوم الأول»[xxvii].

224- ويقتضي أن نعيش في الشُّكران: إذا كان الله هو الواحد الوحيد فكل ما نحن وكل ما نملك يأتي من لدُنه: «أيُّ شيءٍ لك لم تنلهُ» (1كو7:4). «ماذا أردُّ إلى الرب عن جميع ما كافأني به» (مز12:116).

225- ويقتضي معرفة وحدة البشر وكرامتهم الحقيقية:  جميعهم مصنوعون «على صورة الله ومثاله» (تك26:1).

226- ويقتضي حسن استعمال الأشياء المخلوقة: الإيمان بالله الواحد يقودنا إلى استعمال كل ما ليس الله بقدر ما بقربنا ذلك من الله، وإلى التجرد منه بقدر ما يميل بنا ذلك عن الله[xxviii]:

«ربي وإلهي، انزع مني كل ما يبعدني عنك.

ربي وإلهي، هبني كل ما يُقربني منك.

ربي وإلهي، جردني من ذاتي لكي أكون كلي لك»[xxix].

227- ويقتضي الثقة بالله في كل حال، حتى في الشدة. صلاةٌ للقديسة تريزا يسوع تعبر عن ذلك تعبيراً رائعاً:

«لا يُقْلِقنَكَّ شيءٌ، لا يُخيفنَّك شيء،

 كلُّ شيء يَزول، الله لا يتغير،

الصبرُ يحصل على كل شيء،

من معه الله فلا ينقصه شيء،

 الله وحده يكفي»[xxx].

بإيجاز

228- «إسمع، ياسرائيل، إن الرب إلهنا ربٌّ واحد» (تث4:6؛ مر29:12). «من الضروري أن يكون الكائن الأعلى واحداً، أي بغير شريك (...). إذا لم يكن الله واحد لم يكن الله»[xxxi].

229- الإيمان بالله يقودنا إلى أن نتوجه إليه وحده على أنه مبدأنا الأول وغايتنا القصوى، وأن لا نُؤثِرَ عليه شيئاً أو أن نستبدله بشيء.

230- الله، إذا كشف عن ذاته، يبقى سراً عجيباً. «لو كنت تفهمه لما كان الله»[xxxii].

231- إله إيماننا كشف عن ذاته على أنه الكائن، لقد عرّف بنفسه على أنه «كثير المراحم والوفاء» (خر6:34). كيانه نفسه حقٌّ ومحبّة.



--------------------------------------------------------------------------------

ت ر 1، 2، 6

[ii] م س 1، 2، 8

[iii] رَ: في10:2-11

[iv] رَ: مر29:12-30

[v] رَ: مر35:12-37

[vi] مجمع لاتران الرابع: فصل 1، في الإيمان الكاثوليكي د800

[vii] رَ: قض 18:13

[viii] رَ: خر5:3-6

[ix] رَ: خر32

[x] رَ: خر12:33-17

[xi] رَ: خر9:34

[xii] رَ: أش6:44

[xiii] رَ: مز11:85

[xiv] رَ: تث9:7

[xv] رَ: حك1:13-9

[xvi] رَ: مز15:115

[xvii] رَ: حك17:7-21

[xviii] رَ: يو3:17

[xix] رَ: تث37:4؛ 8:7؛ 15:10

[xx] رَ: أش 1:43-7

[xxi] رَ: هو2

[xxii] رَ: هو11:1

[xxiii] رَ: أش 14:49-15

[xxiv] رَ: أش4:62-5

[xxv] رَ: حز16؛ هو11

[xxvi] رَ: 1كو7:2-6؛ أف9:3-12

[xxvii] القديسة جان دارك، حديث لها

[xxviii] رَ: متى29:5-30؛ 24:16؛ 23:19-24

[xxix] نيقولا دي فلو، صلاة

[xxx] قصائد، 29

[xxxi] ترتوليان، ضد مرقيون 1، 3

[xxxii] القديس أوغسطينوس، عظات 52، 6، 16

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[#] الصفحة التالية

الذهاب الى النسخة الكاملة