الحوار والراي الحر > المنبر الحر

الفرد ..وتيه الكنيسة

(1/1)

سيزار هوزايا:
الفرد..وتيه الكنيسة

تمر كنيسة المشرق منذ سنوات بانعطافات والتواءات، تبرز بين الفينة والاخرى، تتفاوت في حدتها وشدتها..   يقودها رجالاتها، ساحبين وراءهم بثقل.. شعب تتلاطمه امواج الضياع في (الديمقراطية) الجديدة التي يعيشها العراق  ..شعب ..احتار في مسيرته..وهويته..وتسميته..يقودوه الى طريق اصبح الجميع فيه عاجزين عن تحديد اتجاهه..طريق وعر ..طريق..قد يكون يوما..كطريق الجلجلة..
وبينما الفرد المؤمن ينتظر من كنيسته ان تؤدي دورها المرجو، في هدايته نحو طريق الحياة والخلاص..دورها في ان تحضنه ..وتدفئه..تنيره..وترشده..بينما هو ينتظر ذلك..تنهض الكنيسة من قيلولتها لتجتمع في مؤتمر تحدد فيه لغة الطقس..وتجدده.. تصدر بيانا سياسيا متقلبا بين الحين والاخر...وتصرح وتدعو ابناءها للعودة الى اصولهم الكاثوليكية والمشرقية..وان لا يأبهوا (للحملات التبشيرية) التي جذبت الشباب.

فلماذا حدث ويحدث كل هذا؟؟

الفرد.. الضحية..
كانت ولاءات الفرد الاشوري الكلداني السرياني لكنيسته، تحتم عليه رفع قبعته اجلالا امام كل رأي وقرار يصدر من رجال الدين. ولم تكن هذه الولاءات قد غُرِسَتْ في نفس الفرد من العدم، بالعكس فأن اسبابها متعددة وتعود الى قرون متاخرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: الجهل لدى ابناء القرى وقلة فرص التعليم وما قابله من كهنة متعلمون ، يقرأون ويكتبون، يتكلمون في امور ارضية وسماوية، لاهوتية وعلمانية ،اخذ بالقروي البسيط الى الاعتقاد بان ما يمليه عليهم الكهنة وما يقرروه هو الصائب دوما ، دون التفكير في الامر، على اعتبار ان الكاهن هو رجل الله الذي ينظق دائما بالحق.
ايضا من الاسباب التي دعت ابناء الكنيسة للالتفاف حولها وتقديم ولاءهم وطاعتهم العمياء، هو اعتبارها المرجعية الوحيدة والمتحدث الرسمي والوحيد في تلك العصور التي كان الشعب يفتقد فيها الى القيادة السياسية - والتي ادى انعدامها الى زوال عظمة اورهاي ونصيبين وعلوم واداب السريان الاشوريون الكلدان- . واستمر هذا الانفراد بالقرار الى نهايات القرن العشرين وان كانت هناك انعطافة علمانية سياسية نحو اغا بطرس وجيشه الا انها الاخرى لم تفلح في اشراك افرد الكلداني الاشوري السرياني في ايجاد وتقرير من يمثلوه رسميا.

ان هذه الولاءات والتي رافقها صمت عظيم من الشعب عما كان يحدث في اروقة الكنيسة، مرورا بالمسيرة البطيئة جدا والتي سارت عليها الكنيسة (واسبابها السياسية) ، ادى بها الى ان تتخاذل في البحث عن مستقبل للفرد المؤمن التابع لها، وان تغظ في سبات عميق غير خفي على احد وليس لاحد ان ينكره. فالكنيسة الكلدانية الاثورية لم تقدم لابناءها على مدى عشرات ان لم يكن مئات السنين ما يروي عطشهم، وقد برز هذا في السنوات الثلاث الاخيرة، فرغم كل المؤشرات التي كانت تدل على قرب سقوط النظام في العراق ،الا انها لم تتخذ الاستعدادات اللازمة لهداية الشعب في مثل هذه الظروف ولم تاخذ دورها وتطبق واجباتها. فالشعب قد خرج من عقود من الصمت ليدخل وبسرعة البرق في جو مذهل ورهيب من الديمقراطية( الغير مطبقة بصورة صحيحة) والبعثرة (والانفلات) ان صح التعبير. اذ  واجه الفرد الكلداني الاشوري السرياني احزابا وكيانات سياسية وجهات كنسية كل تاخذه الى وادي ، تتحدث باسمه، وتنظق بلسانه، وتقرر تسميته، وهو الواقف بذهول متعجبا من سرعة الاحداث..ودوره الملغي كفرد له رايه، فكره، وقراره.
ادى قصر النظر والتيهان هذا في اروقة الكنيسة الى ان تظهر نفسها للفرد بصورة هشة مؤطرة بعدم الاتزان والضعف في المواقف والتذبذب في الاراء، نذكر من تلك المواقف على سبيل المثال لا الحصر :

•   البطريرك عمانوئيل دلي، دعم وايد التسمية الكلدواشورية، جاء بعدها بسنتين ليقول بأن هذه التسمية اضحوكة لنا.
•   البطريرك عمانوئيل دلي يصرح بان لا دخل لرجال الدين بالسياسة، والمطران ربان يعطي ولاءه لقائمة التحالف الكردستاني.
•   المطران ربان بحكم عيشه في شمال العراق وبين الاكراد،  فأنه يدافع عن الاكراد (وهذا رأيه ) ولكنه في ذات الوقت  يتجاوز صلاحياته ككاهن، و يدعو المسيحيين للتصويت لقائمة على حساب اخرى. على مرأى ومسمع البطريرك دلي ومطارنته. وهو الذي دعاهم الى عدم التدخل في السياسة.
•   المطران جمو يصرح قبل سنة ونصف تقريبا ان حزب الاتحاد الديمقراطي الكلداني هو من يمثل الكلدان اسوة بالمجلس القومي الكلداني، ايضا دون العودة الى البطريركية.
•   البطريرك عيواص يدعي بان اصول السريان عربية.
•   البطريرك دنخا يصرح مع البطريرك دلى بان كنيستنا واحدة علما ان محاولات التقارب بين الكنيستين متوقفة منذ سنين طويلة. والكل يعلم ذلك.
•   ولاءات بعض مطارنة كنيسة المشرق الاثورية لاحزاب سياسية ادى الى ان يجرد المطران باواي سورو من صلاحياته ويوقف عن عمله، نتيجة مؤامرة اقرب ما تكون الى كونها  سياسية.

•   مطارنة يقدمون لرعيتهم خطابات وتاييدات وايديولوجيات سياسية جديدة.. كهنة يسيرون حسب اهوائهم بعيدا عن الكرسي البطريركي، كل يتفوه بما يمليه عليه اطلاعه ، وان كان بسيطا وفقيرا ذاك الاطلاع.

لم تهتم الكنيسة لما كان يجري لابناءها، ولم تستعد لمثل هذه المواقف ولم تتجرأ لتفكر في اخذ الاحتياطات اللازمة، ونظام صدام على وشك السقوط، فتخبطت، واربكت الفرد.. واحدثت في الجسر فجوة..لم تتبنى موقفا محددا، يرفع من ثقة الفرد بها، لم تحضن اولادها وقت الشدة، بل تركتهم يتيهون، وهي تعقد المؤتمرات من اجل لغة الطقس..
ومما يثير العجب ان الكنيسة رغم كل هذا التيهان الا انها مستمرة في طريقها لحد الان، لم تعقد ولا حتى مؤتمرا او مجمعا لتباحث هذه الامور، بل ان المطارنة الكلدان اجتمعوا في روما للتباحث حول لغة الطقس..والمطارنة الاثوريون اجتمعوا للتباحث في مسالة مار باواي سورو.

ادت كل هذه الفوضى الى ان تتحول الكنيسة الى مرتعا للصراعات الداخلية الشخصية والحزبية، ما ادى بالفرد المنكسر الى الابتعاد عن الكنيسة ، وقد تجلى هذا في ان اتبع الكثير من ابناء هاتيين الكنيستين ، كنائس بمذاهب اخرى، قدمت لهم نموذجا مسيحيا جيدا واولتهم اهتماما اكثر..لم يكن للفرد منهم من قبل ان راه في الكنيسة الكلدانية او الاثورية، ذات الطابع المتسلط، والفكر الاوحد. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان انقساما كان على وشك ان يحصل في كنيسة المشرق الاثورية مرة اخرى بخروج مار باواي سورو واتباعه.

مواضيع عديدة، قضايا معاصرة:  الهجرة، العائلة، الهوية، الشباب، مشاكل المخدرات، مستقبل المسيحية في العراق والشرق الاوسط..وعشرات القضايا البارزة على السطح والتي توليها كنائس الغرب اهتماما كبيرا، لا نرى لكنيسة المشرق اي تطرق اليها، لا نشاطات، لا ندوات، لا مؤتمرات، لا برامج توعية، لا رسائل راعوية، ولا وسائل مساعدة..

الان كنيستنا امام مفترق طرق كبير جدا.. حاملة بين دفتيها مشاغل عديدة وملفات ملأة اضافة الى القضايا التي ذكرناها اعلاه.. فهناك السياسة، الفوضى، الفرد المؤمن..التحديات من الكنائس الاخرى.وزمن ووضع بمتطلبات واسس جديدة على الكنيسة..؟؟؟
فهل للكنيسة ان تعيد مجدها..هل لها ان تنعطف بشدة الى الطريق الذي سلكه الاباء الاوائل؟؟ .هل لها ان تشرك الفرد في صنع القرار؟؟ بل ان سؤالنا هو : هل لها ان ترى الفرد من جديد؟؟

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة