المنتدى الثقافي > مختارات فنية

عرضان مسرحيان يتميزان في مهرجان المونودراما..

(1/1)

رحيم العراقي:
 
 
  صفق جمهور مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما بحرارة وحماس مرتين، الأولى للعرض السعودي »يوشك أن ينفجر« الذي كان مدار ترحيب وإعجاب من قبل غالبية المسرحيين الضيوف نظراً للقناعات المسبقة والنمطية عن المسرح السعودي.
 ونظراً لأن بعضهم وخاصة الوفود الأجنبية تشاهد للمرة الأولى عملاً مسرحياً من السعودية، أما المرة الثانية فكانت لعرض بنغلاديش »بينوديني« الذي جسدته ممثلة قديرة سيطرت بحساسية عالية على الخشبة والصالة، متجاوزة صعوبات اللغة.
 ومؤكدة على أن الممثل قادر على توصيل رسالة العمل الى قلوب المشاهدين مباشرة دون المرور بالضرورة عبر آذانهم.العرض السعودي »يوشك أن ينفجر« كسر العلبة الإيطالية من لحظته الأولى، واختلق لنفسه مساحة عرض وفضاء مسرحي خاصين به، داخل الخيمة المجاورة لقاعة المسرح.
 وكانت اللعبة منذ البداية في جعل الجمهور شريكاً عضوياً في العمل، وأداة من أدواته الفنية التي اتكأ عليها، وتداخل معها، وبالتالي كان على هذا الأخير ان يتداخل معه، في استمتاع متبادل لم يتوقف طيلة مدة العرض.
 العمل هو من تأليف فهد الحارثي قائم على فكرة بسيطة جداً، ومعقدة في ذات الوقت، لأنها تقتحم يوميات إنسان عادي من هذا الزمان، وتمضي معه في أوهامه وأحلامه وتجليات أفكاره.
 ومحنته الوجودية، وتلك العلاقة المتبادلة والمأزومة مع الآخر، إنسان يعري نفسه أمامنا، ويبوح بأوجاعه التي لا تتوقف ولا تنتهي، وذلك الصراع المرير اليومي مع حياة رائعة وقاسية، وكأنه كان في هذا اليوم الذي عشناه مع هذا الرجل. يحاول اكتشاف عالمه وتحليله.
 ومن هنا فإن العرض كان عبارة عن حالات انسانية متداخلة، أدارها المخرج عبدالعزيز العسيري بحيوية عالية، وحاول منذ البداية وعبر المناخ ومساحة تحرك الممثل وتوظيفه للإضاءة ان يقحمنا في ذلك المناح الكابوسي، المحاصر، القاسي، والذي يجعل من الشخصية على حافة الانهيار والسقوط في أي لحظة، لكن هذا المخرج كان قادراً على ممارسة لعبته في خلق سلسلة من لحظات التفجر .
 والسكون في العمل، وكان بذلك شظى الشخصية الواحدة الى شخصيات عديدة، أرسل كل واحدة منها الى مصيرها قبل ان يعيد جمعها من جديد داخل الشخصية المحورية نهاية هذا العمل الذي حمل جملة من القيم الإنسانية.
 وراهن على لعبة السهل الممتنع، وهي لعبة أتاحها المؤلف للمخرج والتقطها الممثل الجيد الذي قدم عرضاً ممتعاً، وكان تركيز مخرجه واضحاً على عدم البهرجة والاستعراضات المجانية للأدوات الفنية التي كانت بسيطة خدمت النص والصورة .
 والممثل سامي الزهراني الذي نال إعجاب الجميع وخاصة في قدرته الواضحة على امتلاك أدوات الممثل، المتداخل مع النص والمؤمن بفكرته، وبالتالي المسجد له بحساسية عالية جعلت من الجمهور يتفاعل معه، ويتداخل مع مأساته الإنسانية.
لا شك أن تحديات العمل بالنسبة للممثل كانت صعبة خاصة في لعبة الانتقال بين تشظي الشخصيات، وتنوعها، إضافة إلى أن العمل لم يعتمد كثيراً على الأدوات الفنية المساعدة للممثل.
 بل كانت هذه الأدوات بسيطة ودلالية أو بالتالي كان الثقل يقع على عاتق سامي الزهراني الذي كان موفقاً أو مؤكداً على أنه من الممثلين الشبان القادرين على تحقيق حضور لافت إن توفرت له ظروف ذلك، خاصة وأنه أثبت مكانته كممثل من ناحية التشخيص أو الحركة الجسدية.
 أو إن كانت خانته اللغة بعض الأحيان إلا أن تجاوزها كان ممكناً في ظل جودة الأداء الذي انزلق في بعض المواقع بالمباشرة، التي ساهمت بها سطوة الجمهور الذي أدى تفاعله إلى ذلك، خاصة وأن العمل امتاز بتحقيق الفرجة الجميلة والممتعة.
 

بينوديني وسطوة الممثل
 
لم يكن أمام متابعي هذا العرض الذي جاء من بنغلاديش وحمل عنوان بينوديني إلا الانحناء للممثلة القديرة »شيمول يوسف« التي قدمت عرضاً مسرحياً على درجة كبيرة من الجمال والإتقان، ألفه سيمون جاكريا وأخرجه ناصر يوسف.
 وهو مسيرة ذاتية لشخصية الممثلة الهندية »بينوديني« التي عاشت بين 1874 ـــ 1883 وهي شخصية على غاية من الأهمية تنوعت حياتها بين الفرح والمأساة،.
 وحبها للمسرح الذي كانت واحدة من اساطينه وراهنت عليه حتى اللحظة الأخيرة من حياتها التي بدأتها جارية في البلاط الملكي. العمل من حيث الفضاء الذي قدمه كان غنياً بديكوراته البسيطة والموحية والتي كانت بمثابة نقاط ارتكاز أساسية للممثلة.
 ومن ثم الموسيقى الحية التي كانت غنية بالخصوصية والدلالات التي خدمت العمل المنقسم إلى 14 مشهداً، لكل واحد منهم حكايته الخاصة وسياقه الدرامي الخاص الذي ينصب في مسيرة حياة »بينوديني« التي يتداخل في عمقها العبث، والكفاح.
 والصراع الطبي والإنساني، وحب المسرح، ومن هنا فإن لعبة المخرج كانت قائمة على مجموعة من النقاط أهمها الحقب الزمنية المتعاقبة التي لا تسير في خط درامي متصاعد، بل تتنوع بين الأنا والآخر، بين الأزمة والأمكنة.
 والمخرج كان بليغاً ولماحاً في أدواته التي تنوعت بين الثابت والمتحرك، الواقعي المباشر والوهمي الدلالي، فكنا في نهاية الأمر مع عرض آت من خصوصية الثقافة الآسيوية، ويحمل هويته في كل شيء، ويحيلنا إلى المحاولات المضنية والمستمرة للمسرح العربي أن يقدم ذاته من ذاته. وليس من جملة التأثرات الغربية.
 أمام هذا النص الفني والحافل بالتحولات الزمانية والتشخيصية لم يكن الأمر وكما بدا مهمة ثقيلة على عاتق الممثلة شيمول يوسف التي وكما تم تعريفها واحدة من أبرز الممثلات المسرحيات في بنغلاديش.
 هذه الممثلة بكل بساطة وحيوية وهدوء مثير قدمت الشخصية، متنقلة بين عوالمها منذ الطفولة وحتى النهاية. دون لحظة توقف أو ظلام. كانت أمامنا الطفلة والشابة، العاشقة أو الأم. الرجل، الراقصة، المغنية، والعابدة.
 وكان المسرح مساحة ضيقة على شيمول يوسف التي شغلته أو استخدمته، فهي الممثلة، والخشبة عالميها الذي تتألق فيه، وتدخلنا إلى عوالمها الدرامية وصولاً إلى النهاية والمقولة العبثية »أنا ليس لي بداية، ولا نهاية.. هذه أنا«.
 وكان من الطبيعي أن تختفي الندوة التطبيقية بهذين العملين وأن تؤكد على ميزة هذا التلاقي بين التجارب العربية والعالمية في مساحة واحدة هي مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما.
 

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة