المحرر موضوع: الآثـوري الحقيـر  (زيارة 1847 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أبرم شبيرا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 329
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الآثـوري الحقيـر
« في: 19:17 28/07/2008 »
الآثـوري الحقيـر

أبرم شبيرا


بين الأمس واليوم أختلف الدكتور يوسف اختلافاً كليا من حيث توجهاته القومية بحيث أثار في عقلي الكثير من التساؤلات لا بل والحيرة عن هذا الاختلاف العجيب الذي رأيته فيه وتحوله من مجرد شاب متدين غارقاً في عالمه الطائفي والكنسي لا يهمه غير كلمة الرب وكتابه المقدس إلى إنسان قومي متحمس ملتزم بتنظيم قومي يهمه الكثير من المسائل السياسية والقومية لا بل ومنخرطاً فيها. في الماضي عرفته منذ فترة الصبا زميلاً لي في مدرسة القديس مار يوسف التابعة للكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في منطقة قورية في مدينة كركوك التي أستولى عليها حزب البعث العراقي بعد اغتصابه السلطة عام 1968. فكان الكثير من الأشياء تجمعنا... حبنا وأعجابنا الكبير بمدرستنا الراهبة (ماسيره ...) التي كان لها وجهاً ملائكياً طاهراً نتلمس منها الكثير من حنان الأم وإطمئنان المربي الصالح إلى تلاميذه إلى درجة كنا نعتبرها قديسة بسبب هيبة ملابسها الرهبانية البيضاء وغطاء رأسها الأسود وتسبحتها الطويلة ذات الصليب الخشبي المعلق في نهايتها. لحد هذا اليوم أتذكر صوتها الهادئ الحنون الذي لم يكن له يوماً مظاهر أي غضب أو إنفعال مهما تكاسلنا أو أخطئنا.  أما أبونا (القس ....) مدرسنا للتعليم المسيحي والمشرف على صفنا الدراسي، كان ذو شخصية مرهبة للتلاميذ بسبب قسوته في معاقبة الكسالة منهم، فكان هو الاخر يجمعني بيوسف ولكن مع إختلاف بسيط حيث كان كثير التودد والأعجاب بيوسف بسبب شطارته وإداء واجبه البيتي بإنتظام في حين كان شديد القسوة معي بسبب شقاوتي وثرثرتي أثناء الدرس. صحيح بعد سنوات طوال زال ألم أصابعي ولكن أسلوبه في معاقبتي وبقية التلاميذ الكسالة لازال في ذاكرتي حيث كان يضع قلم الرصاص بين أصابعنا ثم يعصرها وبقوة بكفه القوي المشعر.

هكذا مرة سنواتنا أنا ويوسف في المدرسة الابتدائية وبنيت صداقتنا على أساسها ثم تفرقنا بعد تخرجنا من المدرسة الابتدائية ولم نعد نلتقي حتى بدأت الدارسة الثانوية تفرقنا شيئاً فشيئاً ولم يعد لقائنا إلا قاصراً على بعض الأيام في أزقة منطقة ألماس ونحن مقبلين على مرحلة المراهقة حيث كان دهن "اليردلي" يلمع شعرنا ونلبس بناطيل "الجارلستون" العريضة من التحت ونجول في الأماسي على دراجتنا الهوائية في أزقة مدينة كركوك الجميلة والمعروفة بنظافتها. فكان يوسف الصديق الشريك في بعض من هذه الجولات التي كانت تشمل أيضا زيارة بعض الأصدقاء في منطقة عرفة (نيو كركوك) إما للقاء والتسامر مع بعض الاصدقاء أو لمشهادة مباراة كرة القدم في الساحة التي كانت تقع خلف (الكانتين). وفي المساء وقبل حلول الضلام، كنا نعود مسرعين بدراجاتنا إلى بيوتنا خوفاً من الشرطة لأن ركوب الدراجات كان ممنوعاً في بعض الأوقات في منطقة عرفة لا بل وفي أحيان أخرى، وحسب مزاج ضابط مركز شرطة كركوك، كان يحجزون الدراجة لعدة أيام ولا ترجع إلا بعد دفع بضعة دنانير كغرامة لاسترجاعها. أنه كان فعلاً أمراً محيراً  ولحد هذا اليوم لم نعد نعرف سبب حجز الشرطة لدراجاتنا الهوائية في تلك الأيام.

هكذا كانت حياتنا ولم يكن أي شيء من المسائل القومية والسياسية تجمع بيني وبين يوسف، بل كل ما كنا نعرفه هو أن هناك إختلاف كبير بيننا نحن الذين كان يطلق علينا التركمان أسم "كاور" أي المسيحي أو "أسوري" أي آشوري أو أثوري وبين أولئك المسلمين من التركمان والكرد وبعض العرب الذين كنا نعرفهم جميعاً كـ "مشلمانه" من دون أن نميز بين هذه القومية وتلك. ثم جاءت أعوام الستينيات من القرن الماضي وبدأ أهالي كركوك خاصة من الآشوريين الذين كانوا يعملون في شركة نفط العراق (آي. بي. سي) بترك كركوك والرحيل إلى بغداد بعد أن بدأت الشركة بتسريح العمال ومنح مكافأة مالية لهم. فكان هذا الحدث سبباً للفراق النهائي بيني وبين يوسف حيث أرتحلت عوائلنا إلى بغداد ولم نعد نلتقي أو نسمع أخبار بعضنا.

في بغداد دخلت الجامعة وكنت يقيناً بأن الكثير من زملائي من المراحلة الابتدائية والثانوية أيضا يكونوا قد دخلوا الجامعة خاصة الشاطرين منهم كصديقي يوسف. في الحقيقة لم أكن أتوقع أن أجد أحد من أصدقائي القدامي في الكلية التي كنت أدرس فيها (كلية القانون والسياسة) لأنها غير مرغوبة لدى المسيحيين عموما والآشوريين خصوصاً بل معظمهم كانوا يذهبون إلى الكليات العلمية خاصة الطب والهندسة. وإذا كانت الدراسة قد جمعتني بيوسف في السابق والآن تفرقني عنه إلا أن الكنيسة عادة مرة أخرى لتجمعني به حيث أستطيع القول بأنها كانت مشيئة الله أن نلتقي مرة أخرى في كنيسة القديسة ريتا الكلدانية الكاثوليكية في منطقة الكرادة خارج في بغداد وأن يتكرر اللقاء كل يوم الأحد أثناء القداس ومن بعده. لكن هذه المرة وجدت إختلافاً كبيرة بيني وبين صديق الطفولة والشباب، فالقومية والمسائل السياسية بدأت تشغل عقلي وأهتمامي أكثر فأكثر وهي التي كانت قد دفعتني لترك قبولي في كلية الآداب والتحول إلى كلية القانون والسياسة في حين لمست من صديقي تعمقه الكبير في المسائل الدينية وأهتمامه البرئ بالطائفية فكانت سبباً تحول دون أن يتعمق في القومية والشؤون السياسية التي كانت تشغل بال الكثير من الآشوريين وبمختلف طوائفهم خاصة بعد إصدار نظام حزب البعث في بداية السبعينيات من القرن الماضي القانون الذي عرف بـ "منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية". وعندما كنت أفاتح يوسف بمثل هذه المواضيع كان لا يبالي بها إطلاقاً بل كان يعتبرها هباءاً ومضيعة للوقت والأكثر من هذا كان يعتقد بأنها تشكل خطورة على حياة المهتمين والمتداولين بمثل هذه الأفكار القومية والسياسية في ظل نظام مستبد لا يمكن الوثوق بوعوده وقوانينه وكان حديثنا ينتهي بهز رأسه تعبيراً عن إستياءه لمثل هذه الأفكار والأحاديث.

كان أمراً غريباً أن لا أرى يوسف في يوم الأحد في الكنيسة، لا بل كان أكثر غرابة عندما ينقطع عن الكنيسة لبضعة أسابيع والتي كان توحي لي بأنه يواجهة مشكلة ما أو أنه مشغول بأمر معين حيث كان يساعد والده في الكافتريا التي كان يمكلها في شارع السعدون خاصة في أيام العطل ونهاية الأسبوع. كانت غرابتي شديدة وصلت إلى درجة الصدمة عندما ألتقيت بيوسف بعد عدة  أسابيع وهو في حالة نفسية وعقلية وسلوكية غير معتاد فما أن ألتقيته حتى قذفني بسؤال غريب وعجيب فقال: "لماذا أنتم الآثوريين يكرهونكم العراقيون" تفاجئت بسؤاله الغريب الذي لا يشبه أطلاقاً أي سؤال سابق طرحه يوسف عليً والتي كانت في معظمها أسئلة دينية وكنسية. فقلت له "لا أعتقد أن رأيك صحيح مائلة بالمائة فهناك الكثير من العراقيين يحبون الآثوريين ثم لماذا تقول هكذا ومن أين جاءك هذا التصور". فقال "دعني أشرح لك هذا الموقف التراجدي الذي مزق قلبي وشوش فكري وهز كياني". فقلت له وعلى عجل " يلا ... أعطيني فكره عن هذا العدو الغادر الذي مزق قلبك" فقال "في ليلة الخميس الماضي كنت في كافتريا والدي أساعده من الزاحام الشديد الذي كان يعج به محله وكان من الصعب عليً أن أستجيب فوراً لجميع الطلبات خاصة عندما نعرف بأن بعض الزبائن كانوا يتصرفون بشكل جنوني وبأسلوب إستبدادي عندما لايستجاب طلبهم على الفور من قبل عمال الكافتريا الذين كان ينظر إليهم بنظرة دونية باعتبارهم طبقات أو فئات دون مستوى بعض من هؤلاء الزبائن ويكون الأمر أسوء بكثير عندما يكون هؤلاء من أعضاء حزب البعث أو له مركز وظيفي في الشرطة أو جهاز الأمن أو المخابرات فهؤلاء يتصورن بأنه يحلو لهم أهانة الناس وتحقيرهم" فقلت له طيب أين وجة الإهانة والتحقير لك في هذا الوضع ... أفهل فعلاً واجهت مثل هذا الموقف؟؟" قال وبنوع من العصبية:

 "طبعاً ... طبعاً وإلا لماذا أسرد لك هذه المقدمة ... تصور طلب مني أحد الزبائن، ويظهر بانه كان من هؤلاء – الشوكولات – طلب مني أن أتيه بزجاجة صلصة الطماطم غير إنني تأخرت بعض الشيء في تلبيت طلبه بشكل فوري وبعد أقل من دقيقة وأنا مجتازاً طاولته نهض من مكانه وبحركة جنونية دافعاً معقده نحو الخلف فأنقض عليً كأنقضاض رجال الأمن بالمجرمين فمسك بكفه الملثوث بدهون السندويش الذي كان يلتهمه كالضباع الجائعة بقميصي من جهة رقبتي وكأنه أراد أن يخنقني فصرخ في وجهي صرخة الذئاب قائلا : آثوري حقير ...  فأجمع بصاقه في فمه وبصقها وبقوة العاصفة في وجهي قائلا: والله ما تصيرون أوادم أنتم الآثوريين...  ثم دفعني وبعنفوان نحو الخلف فسقطت على الكراسي التي كانت من خلفي..  ؟؟ !! فصعد الدم إلى رأسي وأمتلئت غيضاً وغضباً وعزمت على أن أرفع من أحدى الكراسي التي وقعت عليها وأضربها بقوة على رأسه وأن أعيد له الصاع صاعين غير إنني عندما شاهدت والدي أمامي حائراً خائفاً من هذا المشهد المأساوي ولمحت في وجهه السنين الطويلة القاسية التي قضاها في هذه الكافتريا التي كانت مصدر رزقنا الوحيد وتخيلت النتائج المدمرة التي ستأتي على موردنا وسمعة مطعمنا من جراء رد فعلي العنيف لهذا المجنون خاصة عندما تتدخل الشرطة وتبدأ الاستدعاءات أمام أعين الزبائن وما يترك ذلك من آثار سلبية على سمعة الكافتريا التي بناها والدي طيلة سنوات طويلة فعزفت عن فعلي العنيف ضد هذا المجنون المتعجرف بعدما لمست يد والدي الحنونة تمسك بذراعي ويرفعني لأقف على رجلي ويسحبني إلى أحدى زوايا الكافتريا بعيداً عن هذا المجنون... ثم نظر يوسف في عيني وبنوع من الحسرة والألم فقال لي: هذا هو السبب الذي قلت لك لماذا يكره العراقيون الآثوريين... لا بل الدهشة والحيرة هي إنني كما تعرف ويعرف غيرك بأنني كلداني ومن عائلة كلدانية معروفة فلا أدري لماذا هذا المجنون وصفني بالآثوري وأنا عمري لم أدع لأحد بأنني آثوري رغم أنك شرحت لي تاريخنا بشكل مفصل ولكن لم أكن مهتماً كثيرا بكلامك عن تاريخنا فأنا ولدت ونشأت وكبرت كلدانياً فما علاقتي بالآثوريين غير الدين المسيحي الذي نشترك به، ترى ما الذي فعله الآثوريون للعراقيين وتحديداً لمثل هذا الشخص المجنون لكي يصفهم بالحقارة ... أفهل قتلوا والده أو أحد أقرباءه ؟؟ أفهل نهبوا بيوتهم وسلبوا حلالهم؟؟؟ أفهل هددوهم بالقتل أو دفع الجزية ؟؟؟ أفهل طلبوا منهم ترك بيوتهم والهجرة وإلا مصيرهم القتل؟؟؟ أفهل طلبوا من بناتهم أن يتحجبوا وإلا يرشون وجوههم بحامض الكبريتيك (تيزاب) قل لي بالله عليك هل فعلتم هذا بالعراقيين لكي يكرهونكم إلى هذه الدرجة؟؟؟

كان ردي ليوسف وأنا أحاول تهدئة مشاعرة وأحساسيه الغاضبة هادئ فقلت له: "طبعاً لم نفعل أي من هذه الأشياء إطلاقاً ... وأود أيضاً أن أوضح نقطة مهمة أنت تعييد تكرارها في تعميم هذه السلوك على جميع العراقيين... صحيح هناك ناس لإسباب قد تكون سياسية أو حقدية دينية أو عنصرية يكرهون لا الآثوريين فحسب وإنما كل مختلف عنهم ولكن ليس كل العراقيين خاصة عندما نعرف بأن بعض الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في العراق وبالأخص نظام حزب البعث كانوا يغذون مثل هذه الأحقاء والسلوكيات المريضة بين أبناء الشعب الواحد". لم يكن ردي مقنعاً كثيراً ليوسف فأردف قائلا" "إذا كان ما تقوله صحيح ولكن لا بد أن تكون هناك أسباب وعوامل عملت فعلها في عقلية هذا المجنون لكي يسلك مثل هذا السلوك العدواني وينعت الآثوريين بالحقارة". قلت له: "قد يكون هذا صحيحاً ولقد شرحت لك فصول من تاريخنا ونضال شعبنا من أجل نيل حقوقه المشروعة والتي لم تكن مثل هذه المطالب مقبولة من قبل الأنظمة السياسية في العراق وبالتالي كانوا يصفون الآثوريين بالعمالة والمخربين وغيرها من الشتائم والسباب والتي كانت أكثر من صفة الحقارة والتي ترسبت في عقلية بعض العراقيين، ولكن طالما كنت غارقاً في العالم الديني لم تكن مثل هذه الأمور ذات أهمية بالنسبة لك لتعرف الحقيقة في هذا اليوم والسبب الذي من وراءه دفع هذا المجنون أن يسلك سلوكه العدواني تجاهك ويصفك بالآثوري الحقير".... "أريد أن أعرف الحقيقة وما ورائها من أسرار تخص الآثوريين في العراق"، قال يوسف وبنوع من التحمس في معرفة هذه الحقيقة. قلت له "الثقافة وقراءة التاريخ سوف يكشف لك الكثير من الحقائق وبعض الوقائع التي هي أسرار غير معروفة بالنسبة لك، ومثل هذه الثقافة لا تجدها إلا في بعض الكتب القليلة المتوفرة بين أيادي بعض الشباب الآثوريين" ثم وعدت يوسف بتزويده بمثل هذه الكتب ليوسع معارفة عن تاريخ الآشوريين ونضالهم من أجل نيل حقوقهم وما ترتب على ذلك من نتائج مأساوية على واقعهم في العراق والتي جزء منها أنعكس في سلوك هذا الزبون الذي أهان يوسف في مطعم والده.

كان من أكثر الكتب عن تاريخ الآشوريين ونضالهم المتوفرة حينذاك في بداية السبعينات من القرن الماضي كتابين مشهورين وهما "تاريخ الآثوريين" للبروفسور الآشوري الروسي ماتييف بار متي الذي ترجمه أسامة نعمان بطريقة محرفة وغير أمينة  وكتاب "الآشوريون في التاريخ" الذي جمع محتوياته " إيشو مالك خليل جوارو" آشوري من لبنان وهما الكتابان اللذان كانا متوفران لديً وتم تزويد يوسف بهما. وبعد فترة أيام قليلة ألتقيت يوسف وإذ به متعطشاً أكثر لقراءة المزيد من الكتب فتم تزويده ببعض المجلات والدوريات التي كان يصدرها الآشوريون في المهجر وتصل إلى أيادينا في العراق سراً كما نصحته بأن يتردد على النادي الثقافي الآشوري في بغداد لكي يلتقي بالشباب القومي هناك ويحضر المحاضرات والندوات القومية التي كان يقيمها النادي لكي يستفاد أكثر فأكثر. ثم أخبرته بضرورة قراءة الكتب الأخرى عن الآشوريين والتي تعبر عن وجهة النظر الرسمية للأنظمة السياسية الحاكمة في العراق أمثال كتب عبد الرزاق الحسني وعبد الرحمن البزاز وحسين التكريتي وغيرهم الذين كتبوا أسوء ما كتب عن الآشوريين في العراق وخلقوا أجواء معادية في نفسية الكثير من العراقين تجاه الآشوريين وربما يكون الزبون اللعين الذي أهان يوسف من الذين قرأوا مثل هذه الكتب العدوانية. هكذا فبعد أن أغترف يوسف المعارف التاريخية وأحس بأحاسيسه الفياضة الواقع الحالي لأمتنا توسعت مداركه القومية ولم يعد ذلك الشاب الهادئ المتدين الذي لم يكن يعرف من عالم السياسة والقومية والمجتمع الذي كان يعشيه فيه غير دينه وطائفته حيث بدأ يدرك كل الإدارك بأن ما يجمعني به ليس الدين المسيحي أو الكنيسة فقط فهذا الدين يجمعه مع الأفريقي والأوربي والأسيوي وغيرهم من القوميات المسيحية ولكن ما يجمع يوسف بي وبشكل خاص هو عوامل قومية كاللغة والتاريخ والعادات والثقافة وألأماني والمصير المشتركة. واليوم يوسف منتمي ويعمل ضمن أحدى التنظيمات القومية لأمتنا ينضال رغم الظروف الصعبة من أجل وحدة أمتنا كأساس لنيل حقوقها المشروعة في أرض الأباء والأجداد. هكذا عملت الثقافة والإغتراف بتاريخ أمتنا من يوسف أن يخرج من شرنقته الطائفية ويدخل عالم القومية الواسع والرحب الذي يسع لكل الطوائف والملل والأحزاب والمنظمات. والأكثر من كل هذا فإن التساؤل يفرض نفسه وبقوة لنقول: لو لم يكن ذاك اللعين الذي أهان يوسف قد قام بفعلته الشنيعة أفهل كان يوسف يصح من سباته الطائفي ويدخل عالم السياسة والقومية؟؟؟ هذا يذكرني بالمظالم والقهر والمأساة التي لحقت بجزء من أبناء شعبنا، وأقصد تحديداً رعية الكنيسة المشرقية "النسطورية والتي خلقت فيهم رد فعل قوي أنعكس في نشؤء بينهم حركة قومية سياسية، في حيث تأخر نشؤ مثل هذه الحركة بين أبناء الطوائف الأخرى التابعة لكنيسة المشرق الأم وأقصد تحديداً رعية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية ربما لأنهم لم يعانو بنفس الدرجة من المعاناة والمأساة والقهر... !!! أنه من سخرية القدر أن يكون الإضطهاد وما يخلقه من رد فعل مصدراً للوعي القومي!!! أفهل الشعوب المريحة التي لم تواجه إضطهاداً يمكن أن يولد فيها وعياً قومياً سياسياً؟؟؟؟ أفهل لأن الكلدان والسريان لم يواجهوا مثل هذه الإضطهادات القومية وبالتالي لم تنشأ فيهم حركة قومية؟؟؟ أم أن الثقافة القومية والسياسية بما فيها الكتب والمجلات والأندية والمنشورات السياسية هي مصدر الوعي القومي والتي توفرت عند أبناء الطائفة المشرقية "النسطورية" أكثر مما نشأت وأنتشرت بين أبناء الطوائف الأخرى؟؟؟  أسئلة محيرة والجواب عنها لاشك فيه تتعدد الأراء وتتضارب وهي حالة صحية يجب أن نرتقي إلى مستواها كوسيلة لبيان الحقيقة وكشف الواقع.