المحرر موضوع: اسس الشراكة الوطنية بين المكونات القومية العراقية  (زيارة 1274 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جبرايل ماركو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 210
    • مشاهدة الملف الشخصي


اسس الشراكة الوطنية
بين
المكونات القومية العراقية



بقلم. جبرايل ماركو


الكثير من النخب الثقافية من ابناء الوطن بمختلف انتماءاتهم القومية واتجاهاتهم السياسية يدركون جيدا ان الشراكة الوطنية الحقيقية بين المكونات القومية العراقية لا تبنى على اساس المحصاصات الضيقة في اطار المكونات الطائفية والمذهبية في الوطن. وانما على اساس المواطنة الحقيقية بمدلولاتها الثقافية والسياسية والقانونية. مما يعطي المواطن اي مواطن. الحق المطلق في المشاركة الفاعلة في شؤون البلاد. بغض النظر عن انتماءاته القومية والسياسية. من هنا يبدو ان تفعيل مفهوم الشراكة الوطنية يساهم في الانتقال من مساحة الارباح والمنافع التي يسعى اليها كل فريق لوضع اليد عليها. الى معادلة الحقوق والواجبات التي ستحقق في النهاية لكل الشرائح في النسيج الوطني العراقي العمل على التنافس للقيام بالواجبات الوطنية من جهة وللحصول على الحقوق القومية والوطنية المشروعة من جهة ثانية.

ان المدخل الآمن لانجاز مفهوم الشراكة الوطنية هو العمل على تأصيل  مفهوم المواطنة الحقيقي بحمولتها الحقوقية والقانونية ومن خلال العمل على تطبيق نظام الفدرالية الذي اقره الدستور العراقي في مواده الى جانب اقراره ايضا بالحقوق القومية المشروعة لكل مكون قومي عراقي واختيار النظام الذي يضمن له المحافظة على خصوصيته القومية وكيفية ادارتها. اما الاشكالية التي تطرح نفسها  اليوم على الساحة العراقية تكمن في الانتقال من حالة التنوع والتعددية القومية في العراق ــ الاختلاف والتشرذم ــ الى حالة المواطنة الجامعة.  حيث يطرح السؤال نفسه على كل القوى السياسية العراقية. هل تستطيع القيم الوطنية لوحدها ان تصون وحدة العراق والعيش المشترك وتجسد الشراكة الوطنية  بين ابناء كل المكونات القومية في العراق؟ وهل بامكان مشروع وطني شامل يستطيع ان يتجاوز الحساسيات والانقسامات السياسية ويسمو فوق كل المزايادات الايديولوجية ليحقق واقع الانتماء والولاء للعراق؟

ولازالة كل هذه الرواسب والمخلفات المتراكمة من جراء ممارسات سياسية الانظمة المتعاقبة على سدة الحكم في الحقب الماضية. والتي ساهمت ومازالت تساهم في العمل على تفسيخ البنية التركيبية للمجتمع العراقي وضعضعة بنائه الوطني. برأينا المتواضع يبقى الحوار الجاد والمتواصل بين مكونات الوطن القومية المتعددة  تحت قبة البرلمان هو المدخل الحقيقي والبديل العملي الوحيد لانتاج الاسس والمفاهيم والقيم التي تبنى عليها اسس الشراكة الوطنية الحقيقية. هذا الحوار المسؤول الذي لا يتجه بنا الى المساجلة بقدر ما يسعى الى ترسيخ وتعميق الادراك والتفاهم وسبر كل الاغوار الوطن ليؤسس الحوار المنشود بنتائجه العملية المرجوة الى حالة التلاقي وتنمية المشترك الوطني والاجتماعي والانساني بين كل ابناء المكونات القومية العراقية. وهذا ما تصبو اليه الجماهير العراقية من حوارها الجاد والمسؤول بعيدا عن المجاملة والمداهنة. هادفا الى احترام الاخر والاعتراف به والتعايش معه في كل مجالات الحياة. فالحوار مع الاخر يهدف دوما الى توسيع مساحات التفاهمات المشتركة وفتح افاق واسعة وجديدة للعمل بما تقتضيه متطلبات الوحدة الوطنية  وتهيئة الظروف الموضوعية لتقريب وجهات النظر بين مكونات الوطن. وايمانا من هذا المنطلق وما تشهده الساحة السياسية العراقية اليوم من سجالات بين تياراتها السياسية. بتنا اليوم بامس الحاجة الى حوار وطني صادق يقودنا الى انتاج مبادرة جريئة تنسج للجميع شبكة ايجابية من العلاقات الصحية بين كل ابناء المكونات القومية العراقية على اساس الاعتراف بالاخر والتعامل معه على اسس العدالة والمساواة في الدائرة الوطنية.

ولأن الوحدة الوطنية هي خيارنا الاستراتيجي السرمدي وصمام الامان. وليست مجرد يافطة او شعار فارغ. بل هي رسالة تتطلب من تياراتنا الفكرية العمل على تفعيلها بين اوساط الجماهير الشعبية من خلال ممارساتها اليومية لتكتسب مصداقية الاغلبية. في الوقت الذي نصر ايضا على تبني مفهوم الشراكة الوطنية كمادة تربوية اساسية في المناهج التعليمية والدراسية ابتداء من المرحلة الابتدائية وانتهاء بالمرحلة الجامعية للمساهمة في عملية تربية الاجيال القادمة تربية وطنية ترسخ القناعات لدى الجميع باهمية العيش المشترك والشراكة الوطنية وقبول الاخر والاعتراف به. والعمل على اختيار الالية العملية لتحقيق الشراكة الوطنية التي نطمح اليها بالدرجة الاولى من خلال الاعتماد على وحدة الخطاب الوطني السليم الذي يعزز وحدتنا الوطنية ويصون تنوع مكوناتنا القومية العراقية ويرسخ لدى الجميع القناعة المطلقة لتكريس الشراكة الوطنية الحقيقية كضمانة معنوية وسياسية لوجودها. والاستمرار بالحوار الصادق والتواصل الدائم لبناء جسور الثقة المتبادلة بين جميع ابناء المكونات القومية. لان التجارب الماضية العقيمة والناقصة في عملية الحوار وعلى الرغم من فشلها على المستوى التنفيذي ينبغي ان تحملنا مسؤولية اضافية لجهة الاصرار على بناء تجربة وطنية متميزة يكتب لها النجاح الذي تقتضي النقاط التالية.


1.   الاقرار بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكلداني السرياني الاشوري بما فيها حقه المشروع باقامة الحكم الذاتي ضمن مناطقه التاريخية وتثبيته في دستور العراق الفدرالي ودستور اقليم كوردستان العراق.  كضمانة دستورية وقانونية للشراكة الحقيقية في الوطن. اسوة بالحقوق القومية للعرب والكورد التي تم اقرارها وتثبيتها في دستور العراق الفدرالي الذي ضمن لهم شراكتهم في الوطن.

2.   الاقرار بالحقوق القومية للتركمان والارمن  والاقرار بحقوق الصابئة المندائيين وبقية الاقليات الدينية وتثبيتها في الدساتير العراقية النافذة. لضمان شراكتهم الحقيقية في العراق الفدرالي.


3.   ضرورة الالتزام بالدستور العراق الفدرالي والعمل على تطوير وتفعيل بعض مواده الاساسية من خلال لجنة تعديل الدستور. والابتعاد عن معيار الازدواجية والانتقائية من قبل بعض الكتل السياسية  في التعامل مع حقوق بعض المكونات القومية  على حساب المكونات الاخرى التي تساهم في ضرب الوحدة الوطنية على حساب المصالح الضيقة واعادتنا الى المربع الاول. كما حدث في عملية صياغة قانون انتخاب مجالس المحافظات بالتصويت سرا على المادة ــ 24 ــ وتقسيم السلطة الادارية في محافظة كركوك على اسس المحاصصة القومية بين المكونات الثلاثة الكوردية والعربية والتركمانية وتهميش المكون الكلداني السرياني الاشوري من القانون المذكور الذي يتنافى ويتعارض مع الدستور العراق الفدرالي.

4.   ضرورة وضع برنامج وطني شامل يبلور خيار الشراكة الوطنية بين المكونات القومية. ويعمق مبادئها بين الاوساط الاجتماعية والشعبية من خلال  تبني كل القوى السياسية الوطنية في اجندتها وبرامجها على القيم والمبادئ التي تهدف الى ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية وقيمها لتلمس وترى جماهير المكونات القومية العراقية في مفهوم الوحدة الوطنية العراقية مشروع حاضرها وخلاصها ومستقبلها.

5.   ضرورة العمل على تبديل منطق التعاطي والنظر الى الامور والقضايا الخلافية. بمعنى الابتعاد عن منطق التصادم والقطيعة والعمل على على تبني منطق سلمي وموضوعي يعالج الشؤون الخلافية بعقلانية وبوعي منفتح يحتضن كل قيمنا الايجايبة لبناء الانسان العراقي الجديد المنفتح على الحداثة وقبول الاخر والابتعاد عن عقلية الالغاء والتميز.

6.   ضرورة التخلي عن النظرة المسبقة واطلاق الاحكام الخاطئة التي تمارسها بعض الاطراف في عملية تعاطيها وتعاملها مع الاحداث الوطنية في سجالاتها السياسية على الساحة الاعلامية والابتعاد عن خطاب التشنج والتخوين. والذي بات يشكل اليوم عاملا سلبيا للتباعد والتناقض بين المكونات القومية العراقية. والعمل على الاعتماد الى الخيار الديمقرطي ومفاهيمه والياته التي تتيح لنا ان نرسم صورة واقعية وصحيحة للاخرين وغير مشوهة.

7.   الانخراط في مشروع الاصلاح الشامل. انطلاقا من اصلاح مكونات الثقافة الوطنية التي تحمل في طياتها عناصر سلبية وخلفيات تقيد سعينا في اطلاق عملية التغيير والحداثة التي ستقودنا حتما للوصول الى الانخراط الجدي في عملية النقلة النوعية من موروثاتنا واقتناعاتنا التي ساهمت في صراعنا الدائم والقطيعة والتباعد. والعمل على تبني حوارا نقديا متوازنا لا نحمل فيه الاخرين مسؤولية واقعنا الراهن بل نشاركهم في هذه المسؤولية للخروج من العملية الانتقالية برؤية ثاقبة وبخطوات واثقة نحو افاق المستقبل المنشود.


في النهاية يبقى الحوار هو السبيل الوحيد لافشال كل المخطاطات الساعية الى التقسيم والفتنة والتجزئة. لان غياب الحوار كأستراتيجية وطنية لترسيخ العلاقات بين ابناء مكونات الوطن القومية يهدد الجميع بتشظيات حالات العنف المتبادلة والتي ستصيب الجميع. فالواجب الوطني والضرورة الحضارية تفرض علينا التسلح بالعقلانية التي تقودنا حتما الى انجاح عملية الحوار وتفعيلها على جميع المستويات السياسية والشعبية لبناء الثقة المتبادلة بين جماهير كل المكونات القومية العراقية. وسعيا من الجميع الى تخطي ما يعترض المسيرة الوطنية. في الوقت الذي تجدر الاشارة الى ان الجولات الماضية من الحوار قد حققت الكثير على الصعيد النظري. الا ان الخلل الحقيقي الذي يمكن ان يعترض هذه التجربة الوطنية الفتية. يكمن في غياب البعد التنفيذي والتطبيقي لما يمكن ان تتوصل اليه القوى السياسية العراقية او لما تم الاتفاق عليه سابقا. لان اهمية الحوار تتطلب المباشرة بعملية ترجمة الافكار والتصوارات التي يتمكن المتحاورون من انضاجها وبلورتها والاصرار على تجسيدها على الواقع لتاخذ طريقها الى حيز التنفيذ والممارسة عبر المؤسسات الشرعية ومن خلال المشاريع والبرامج الوطنية التي تسعى الى التطوير الدائم لمسيرة الاصلاح الوطنية.



ان الانطلاق من مفهوم اقتناع المواطن الذي يحتضن شعورا وطنيا صافيا تجاه ابناء كل المكونات القومية على ارضه ووطنه. يمكن ان يشكل حافزا اساسيا لوجوب ان يتمتع أولو الشأن بارادة حرة وقناعة وطنية راسخة تتبنى في مفهومها السياسي الحوار الجاد والمسؤول كبديل عملي للتوصل الى حلول تضمن دستوريا الحقوق القومية المشروعة لكل المكونات القومية التي تشكل الوطن الذي لا لبس فيه وتنقل الوطن في نفس الوقت الى حالة القيامة السرمدية.