المحرر موضوع: حقائق انتخابية  (زيارة 970 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Nazar Haidar

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حقائق انتخابية
« في: 09:31 24/12/2005 »
حقائق انتخابية


نـــــــــــــــــــــــــــزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM


   ما أعظم العراق؟.
   ما أعظم العراقيين؟.
   ما أعظم تاريخهم وإيمانهم وصبرهم وجلدهم وعزيمتهم ووحدتهم، وحاضرهم ومستقبلهم؟.
   ما أعظم كبيرهم وصغيرهم؟.
   ما أعظم رجالهم ونساءهم؟.
   ما أعظم كهولهم وشبابهم؟.
   ما أعظم عالمهم ومتعلمهم؟.
   ما أعظم وعيهم وإدراكهم؟.
   وقبل كل شئ، وبعد كل شئ، ما أعظم شهداءهم، وتضحياتهم؟.
   ما أعظم أرواحهم ودماءهم؟.
   قتلوهم، فصبروا.
   ذبحوهم، فعظوا على النواجذ.
   هددوهم بالحرب الأهلية والطائفية، فتماسكوا.
   شككوا في مسيرتهم وطريقهم الجديد، فازدادوا إصرارا على المضي في الطريق الصحيح الذي اختاروه.
   اعتدوا على ثوابتهم ومقدساتهم، فخرجوا بالملايين مصطفين أمام صناديق الاقتراع، ليحنوا أصابعهم بلون الحرية والكرامة والعزة والإباء..... والوطن، لون البنفسج.
   فللمرة الثالثة، وخلال عام واحد فقط، يشهد عراق ما بعد الطاغية، ثالث ملحمة انتخابية، بكت لها عيون الأحباب فرحا، وعيون الأعداء والحاقدين، غيضا، تكاد تموت.
   لقد حسم العراقيون خياراتهم، ليس بالسلاح والعنف والإرهاب والسيارات المفخخة، وإنما من خلال صناديق الاقتراع التي يجب على كل الفرقاء، ومعهم كل العالم، خاصة دول الجوار، احترام نتائجها والخضوع لإرادة العراقيين الحرة التي منحت صوتها لمن تعتقد بأنه الأقدر على تلبية مطاليبهم خلال الأعوام الأربعة القادمة، بغض النظر عن صحة أو خطأ الخيار بالنسبة للآخرين، وحذار أن يحاول البعض، الالتفاف على هذه الإرادة بأي شكل من الأشكال، وتحت أية ذريعة من الذرائع، فان ذلك يشكل تهديدا مباشرا لنجاح العملية السياسية الجديدة، ويعرض العراق لتهديدات جدية، ليس أقلها التقسيم.
   كما حسمت الانتخابات جدلا ميتافيزيقيا ظل يشغل بال العالم، مدة طويلة، ذلك الجدل المتعلق بالأغلبية والأقلية التي تتشكل منها مكونات المجتمع العراقي، فلقد أفرزت صناديق الاقتراع، وأكدت حقيقة أن الشيعة، وليس غيرهم، هم الأكثرية، وان الكرد، وليس السنة، هم أكبر الأقليات في البلاد، وان ما ظل يدعيه الآخرون، رجما بالغيب تارة، ومحاولة لتزوير الحقائق لفرض أجندات معينة، تارة أخرى، لم يكن سوى ادعاء فارغ لا يستند إلى دليل علمي أو حسابي أو منطقي، بأي شكل من الأشكال، بل كان شكل من أشكال الغش والتزوير، ومحاولات مفضوحة للبناء عليها، سياسيا على وجه التحديد، وبالطريقة التي يريدونها، في إطار سياسة الإقصاء الطائفي والعنصري التي ابتلي بها العراق منذ التأسيس مطلع القرن الماضي.
   نقول ذلك، للتذكير فقط، ولتثبيت الحقائق لا أكثر ولا أقل، من أجل أن يعرف العراقيون، ومعهم العالم، التركيبة السكانية الحقيقية للعراق، حتى لا يرتكبوا الأخطاء تلو الأخرى عندما يريدون البحث في قضايا هذا البلد، فمن الواضح جدا، فإن أية دراسة يراد لها أن تعطي نتائج حقيقية، يجب أن تعتمد على معلومات دقيقة وصحيحة، كما أن من يريد أن يبحث عن حل لمشكلة، أو يريد أن يساهم في إيجاد حل لمشكلة، عليه أن يعتمد معطيات صحيحة ومعلومات دقيقة، أما إذا كان يجهل (أو يتجاهل، لا فرق) أبسط المعلومات، أو يعتمد على معلومات خطأ من منطلق طائفي أو عنصري، فانه بالتأكيد سوف لن يساعد على إيجاد حل لمشكلة، أبدا، بل قد يزيد المشكلة تعقيدا، لأنه سيكون، والحال هذه، جزء من المشكلة، كما هو الحال في الملف العراقي، كلما فكر الآخرون، بمن فيهم بعض العراقيين، البحث عن حلول لمشكلة من المشاكل.
   بشكل عام، فأنا أعتقد بأن نتائج الانتخابات صححت خطأ تاريخيا فيما يتعلق بالتركيبة السكانية للعراق، والتي ظلت إما مجهولة أو مزورة أو مشوشة على الباحثين طوال عقود طويلة من الزمن، عانى بسببها العراق والعراقيون أقسى أنواع التمييز الطائفي والعنصري.
   هذه المرة، لم يعد بامكان أحد أن يشكك في خارطة التركيبة السكانية التي رسمتها نتائج الانتخابات، فإذا كانت بعض مكونات المجتمع العراقي قد قاطعت الانتخابات السابقة، ما دفع بالبعض إلى التشكيك بالخارطة السكانية التي أفرزتها آنئذ، فان كل شرائح المجتمع العراقي قد اشتركت في هذه الانتخابات، ولذلك لم يعد بمقدور أحد التشكيك في نتائجها المتعلقة بالتركيبة السكانية، فهي وثقت الأرقام التي كانت تتداولها الأغلبية من العراقيين، فيما كذبت كل الأرقام التي كانت الأقلية تسعى لفرضها على الواقع العراقي بأي شكل من الأشكال، وبكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، بما فيها العنف والإرهاب، ولكن قديما قيل {إن البحر يكذب الغطاس} أليس كذلك؟.
   أعتقد أن من المهم جدا، من الآن فصاعدا، أن يعتمد كل المعنيين بالشأن العراقي، النتيجة التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة فيما يتعلق بالتركيبة السكانية للعراق، آملين أن لا نسمع بعد اليوم نفس نغمة (الاسطوانة المشروخة) ونعود{نفس الطاس يا عباس} كما يقول المثل العراقي المعروف، من أجل أن ننظر إلى الأمام، ولا نتلفت كثيرا إلى الخلف.
   الحقيقة الأخرى المهمة جدا التي أفرزتها الانتخابات النيابية العراقية الأخيرة، هي تلك المتعلقة بالعنف والإرهاب.
   إن مما يؤسف له حقا، هو أن البعض من (العراقيين) يحاول الإيحاء بأنه هو الذي يقف وراء سكوت مدافع الإرهابيين خلال أيام الانتخابات، مدعيا بأنه نجح في إقناع الإرهابيين القتلة، الالتزام بهدنة مؤقتة من أجل مشاركة الغائبين في الانتخابات، فيما تمادى آخرون، عندما قدم الشكر للإرهابيين لالتزامهم بالهدنة، وأقول، بالفم المليان، أنه ادعاء كاذب لا صحة له أبدا، بالرغم من أنه يؤكد حقيقة أن أمثال هؤلاء المدعين، لهم علاقة حقيقية بجماعات العنف والإرهاب، والا لما كان بامكانهم التأثير عليهم وإقناعهم بالهدنة المزعومة، حسب ادعائهم.
   إن الذي أسكت مدافع الإرهابيين القتلة، هو الناخب العراقي الذي تحدى كل شئ للوصول إلى صناديق الاقتراع، فبسبب عزيمته وإرادته القوية اخرست المدافع والأبواق الإرهابية، ولو لم يكن الناخب يتحلى بكل هذه الشجاعة والعزيمة، لما اخرس الإرهابيون، ولظلت جرائمهم تتجاوز كل شئ من أجل تحقيق هدفها الوحيد المعروف، ألا وهو العودة بالعراق إلى سابق عهده.
   لقد تشبث العراقيون بالجدول الزمني الذي دونوه لتقدم العملية السياسية، بالرغم من كل التحديات والضغوط التي تعرضوا لها، ولولا هذا الإصرار لكانت الانتخابات، ومجمل العملية السياسية الجديدة، في خبر كان، كما يقولون، ولأن المدعين توصلوا إلى القناعة التي تقول بأن العملية السياسية الجديدة ستتقدم إلى الأمام، رغما عن أنف الجميع، سواء توقف العنف والإرهاب أم استمر في جرائمه، وسواء التحق بها الغائبون، أم تمسكوا بموقف المقاطعة، لذلك بادروا إلى إطلاق مثل هذا النوع من التصريحات لحفظ ماء وجههم، وسمعة ما يسمونه بـ (المقاومة الشريفة) والشرف منها براء، براءة الذئب من دم يوسف.
   الانتخابات، كذلك، تعد بمثابة آخر مسمار في نعش النظام الديكتاتوري الشمولي البائد.
   بالانتخابات، طوى العراقيون صفحة الأنظمة الشمولية، ونظام الحزب الواحد والزعيم الأوحد، وبها انتهى عهد السرقات المسلحة(الانقلابات العسكرية) وكل عهود الحروب العبثية والقرارات الارتجالية، وقانون السلطة، لتبدأ سلطة القانون، وسلطة الخيار الشعبي، في ظل التعددية الحقيقية واللامركزية الفاعلة، بعد أن أنهت الانتخابات عهود التغييب والطبقية السياسية والاستفراد والإقصاء.
   اليوم يئس أيتام النظام الشمولي البائد من أي احتمال لعودته إلى الحياة السياسية من جديد، كما يئس أيتامه من العرب وغيرهم ممن ظل يرضع من العراق الحلوب أيام الطاغية الذليل، دراهم وكوبونات وشقق مفروشة وسيارات فاخرة، وكل متع الحياة، على حساب المعاناة اليومية التي ظل يعيشها ضحايا النظام البائد، فاليوم، فقط، تأكد لهؤلاء بأن العراق لم يعد لهم كما يريدون، يحوطونه ما درت معائشهم، بل هو للعراقيين والعراقيين فقط.
   لا عودة إلى الماضي الأسود، إذن، وان عقارب الزمن العراقي سوف لن تعود إلى الوراء من الآن فصاعدا، فالعراقيون مقبلون على بناء العراق الجديد بإذن الله تعالى، وبإرادتهم الفولاذية المملوءة إيمانا واقتدارا وأملا وتطلعا إلى المستقبل.
   كما كشفت الانتخابات عن الأحجام التقريبية للتيارات والكيانات والأحزاب السياسية، خاصة من كان منفوخا منهم كالبالون، متمنيا أن يتواجه الجميع مع حقيقة الأحجام الجديدة، ولقد قيل{أن آفة النجاح، الوهم}فمن أجل أن لا يفشل المرء، عليه أن لا يتوهم، فلا يعيش الأحلام البعيدة كل البعد عن الواقع.
   اسمحوا لي هنا، أن أعود قليلا إلى الوراء، لأتذكر معكم ما يلي؛
   فعندما أصرت الأغلبية من العراقيين(الشيعة على وجه التحديد) على إجراء الانتخابات في المرة الماضية التي قاطعتها الأقلية(السنة على وجه التحديد) فسر البعض هذا الإصرار على أنه محاولة من قبل الأغلبية، لتوظيف الظرف السياسي الاستثنائي والشاذ الذي يمر به العراق، والعواطف الجياشة والظلامات المتراكمة، لتثبيت حقوق وأجندات ومكاسب، ما كان بامكانهم جنيها إذا ما أجريت الانتخابات في ظروف أكثر ملاءمة، خاصة إذا ما شاركت فيها كل شرائح ومكونات المجتمع العراقي.
   وتمر الأيام، ليكتشف العالم(العراقيون على وجه التحديد) الدوافع الحقيقية لذلك الإصرار، خاصة في ضوء النتائج التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة، والتي لم تختلف كثيرا عن سابقتها، فالإصرار لم يكن لمكاسب تكتيكية أبدا، كما أنه لم يكن محاولة لتوظيف ظرف خاص، إنما كان ذلك الإصرار نابعا من الثقة العالية بالنفس وبما يقول المستعجلون ويدعون، وبالشارع الذي يمثلونه، كما أنه كان نابعا من إيمان حقيقي لهذه الأغلبية بالعملية الديمقراطية وقواعدها وأدواتها، والتي تقف على رأسها الانتخابات وصندوق الاقتراع، وحرية إرادة الاختيار لدى الناخب العراقي، لم لا وأن أمير هذه الأغلبية ونموذجها وقدوتها وأسوتها، هو سيد الأوصياء والمتقين أخو رسول الله (ص) ونفسه التي بين جنبيه، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أول وآخر خليفة للمسلمين، اعتلى السلطة بانتخابات عامة، حرة ونزيهة، من دون أن يتآمر في سقيفة أو يلجأ إلى غش أو حيلة، كما أنه لم يدبر أمرا بليل أبدا، ولا أقول أكثر من ذلك.
   الأقلية التي رفضت المشاركة في تلك الانتخابات، حاولت، وقتها، أن تتلاعب بالألفاظ وتتشبث بالشعارات البراقة والمعسولة، وتتلفع، زورا، بقيم مقدسة، لتبرير رفضها، من دون أن تتسلح بالجرأة لتقول الحقيقة التي ظلت تخفيها إلى الآن {حقيقة عدم إيمانها بالديمقراطية وخوفها من صندوق الاقتراع الذي لم تتعود الاحتكام إليه أبدا} فتارة كانت تقول بأنها ترفض المشاركة في العملية السياسية، فضلا عن الانتخابات، لا زال المحتل يطأ أرض العراق، وها هي تشترك بكل قوة في انتخابات مماثلة، وفي ظل أجواء سياسية وأمنية مماثلة، وفي ظل الاحتلال كذلك، بل أنها أوجبت المشاركة(دينيا ووطنيا) على من تدعي أنها تمثلهم، فما عدا مما بدا يا ترى؟ أم أن مجرد مشاركتها يضفي الشرعية على العملية السياسية و....المحتل في آن واحد؟.
   لقد حاول المقاطعون في تلك المرة توظيف العنف والإرهاب لفرض ما يريدون ويتبنون من قناعات على الآخرين، بالرغم من أنهم لم يشاءوا الإفصاح عن علاقاتهم مع مجموعات العنف والإرهاب، ولكنهم هذه المرة قالوا كل شئ وأفصحوا عن المستور، لأنهم أرادوا المشاركة، أو أريد لهم المشاركة، لا فرق، لذلك بادروا إلى تبرير كل خطواتهم، شرعيا ووطنيا، من دون حياء.
   وإذا أردت أن أكون أكثر وضوحا، دعوني أقول لكم، بأن من شارك هذه المرة في الانتخابات، ممن قاطعها في المرة السابقة، لا زال لم يقتنع بالديمقراطية، فهو يكفر بأدواتها ولم يؤمن بوسائلها، بل انه قرر المشاركة هذه المرة، فقط من أجل أن يثبت للعالم بأنه (أكثرية) التركيبة السكانية في العراق، لا أكثر ولا أقل، وللباحثين عن الحقيقة والتفاصيل، يمكنهم العودة إلى تصريحات بعض رموزهم للتأكد مما أقول.
   إن قراءة سريعة لنماذجهم التاريخية، والكثير من نماذجهم المعاصرة، تؤكد لكل ذي بصيرة، بأن هؤلاء لا يؤمنون بالديمقراطية وأدواتها طرفة عين أبدا، وإذا ما صادف أن قبلوا بها أحيانا، فللانحناء أمام العاصفة فقط، أما ما تخفيه دواخلهم، فالكفر بها وبكل ما يتعلق بها من قريب أو بعيد.
   الآن حصحص الحق، وتبين للجميع لماذا رفضت الأقلية الانتخابات الأولى، لأن صندوق الاقتراع وسيلة حضارية ومدنية للكشف عن الكثير من الحقائق المخفية، ومنها التركيبة السكانية، وهو ما فضح ادعاءات الكثيرين، ولعلمهم، من جانب آخر، بأن صندوق الاقتراع هو أذكى وسيلة لحمل الأغلبية إلى الأمام وركل الأقلية إلى الخلف، ليعطي كل ذي حق حقه، ولكل ذي صاحب موقع موقعه، وهذا ما فعله صندوق الاقتراع هذه المرة، وسيفعله في كل مرة.
   ولكن مع كل ذلك، يلزم القول، وللإنصاف، بأن الأقلية توصلت، أخيرا، إلى نفس القناعات التي كانت قد توصلت إليها الأغلبية لحظة سقوط الصنم، متمنيا أن لا يكون ذلك بعد فوات الأوان.
   تعالوا لنجعل الانتخابات النيابية هذه، الحد الفاصل بين زمنين، من أجل بناء عراق جديد قائم على أساس الشراكة الحقيقية بين مختلف مكونات المجتمع العراقي، طبعا مع الأخذ بنظر الاعتبار نتائج الانتخابات، على قاعدة{لا تظلمون ولا تظلمون} من خلال:
   أولا؛ تشكيل حكومة وحدة وطنية{ تستند إلى الاستحقاقات الانتخابية مباشرة، من دون أن يعني ذلك رفض مبدأ التوافق، أبدا} أساسها الخبرة والنزاهة والتجربة والإخلاص والقوة والأمانة، ثم بعد ذلك، بغض النظر عن الانتماء والهوية.
   ثانيا؛ ليحترم الجميع نتائج الانتخابات، فالفائزون الذين حملتهم الأصوات إلى البرلمان الجديد، عليهم أن يحترموا الخاسرين كونهم أقلية يجب أن لا تضطهد، لأن الديمقراطية تعني في جوهرها احترام الأقلية التي يجب أن تتمتع بتكافؤ الفرص من أجل أن تتمكن في يوم من الأيام أن تتحول إلى أغلبية، كما أن على الخاسرين أن يحترموا الفائزين لأنهم يمثلون إرادة الشعب، بغض النظر عما إذا أرادوا أن يتعاونوا معهم في إطار السلطة الجديدة، أم اختاروا أن يكونوا معارضة في الشارع العراقي الجديد.
   ثالثا؛ أعتقد بأن الناخب العراقي أدى الذي عليه من واجبات، وبقي عليه أن يتمتع بالحقوق، فقد تحدى الناخب كل الصعوبات ووصل إلى صندوق الاقتراع وأدلى بصوته لصالح من يراه ينسجم مع تطلعاته، فهو بذلك هيأ كل الظروف اللازمة والمناسبة لجلوس النائب تحت قبة البرلمان، وبذلك يكون الناخب قد وفى بالتزاماته الوطنية، ويبقى على النائب أن يلتزم بتعهداته التي قطعها للناخب، ليكون عند حسن ظنه، والا فالناخب لا زال لم يعدم الوسائل الديمقراطية لإسقاط النائب من مقعده الذي طرزه الناخب بالدماء الطاهرة والتضحيات السخية.
   رابعا؛ أخيرا، علينا أن نحذر بعض من فاز في الانتخابات ليجلس تحت قبة البرلمان، ليس إيمانا منه بالديمقراطية وأدواتها، وإنما لتخريب العملية السياسية الجديدة،  وبأدوات الديمقراطية هذه المرة، بعد أن عجز عن تخريبها وعرقلتها بوسائل العنف والإرهاب والقتل.
   بعضهم، طعن بالنتائج ليس بسبب التزوير مثلا أو التلاعب بالأصوات، وإنما لأن (مثل هذه النتائج لا تصب في مصلحة الشعب العراقي، ولا في مصلحة أمن واستقرار البلاد، وأنها تخل بالتوازنات) على حد قوله{وكأن المطلوب هو أن ينتج صندوق الاقتراع نتائج متوازنة، وكأنه ليس تعبيرا عن إرادة الناخب، بغض النظر عن النتيجة} من دون أن يوضح السبب في ذلك، ولكن ربما لأنه لم يفز إلا بنصف عدد المقاعد التي كان قد وعد بها أنصاره، أو ربما أقل، ولم ينس في نهاية تصريحاته أن يطلق التهديدات، فيبرق ويرعد(ومع هاتان الفشل) كرسالة للإرهابيين، داعيا إما إلى إعادة الانتخابات لتصحيح النتيجة، ما يكفل إعادة التوازن ولو بالقوة، أو بالتزوير، إذا اقتضت المصلحة الوطنية العليا، أو إعطاء الإشارة مرة أخرى لـ(المقاومة) إيذانا للبدء بـ(نضالها) من جديد.
   إنها، باختصار، طعون سياسية، وليست فنية أبدا، وهذا ما أكدته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، التي أدارت العملية الانتخابية، مشكورة، بشكل صحيح، وهذا ما شهدته لها المنظمات والهيئات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة وأمينها العام السيد كوفي أنان، وكفى بذلك فخرا، من دون أن يعني ذلك عدم التسليم بهامش الخطأ، أبدا، وهو أمر طبيعي، يتوقع حدوثه حتى في أعرق البلدان الديمقراطية.
   فليحذر الجميع من مغبة الانقلاب على نتائج الانتخابات، بأي شكل من الأشكال، والا{فلات حين مندم} أما التهديد والوعيد، فلم يعد مجديا، لأنه، وبصراحة، لم يعد وسيلة الابتزاز أبدا، فلقد خبر العراقيون كل الوسائل والأدوات، ولذلك لم تعد تمض بهم الوسائل القذرة، إطلاقا.
   أخيرا:
   أوجه حديثي إلى أولئك (العباقرة) الاستثنائيين من الكتاب والمحللين الاستراتيجيين الذين ملؤوا، ويملؤون، شاشات الفضائيات وصفحات الإعلام المقروء، بالمقالات والتحليلات، ممن جاءت نتائج الانتخابات، وعلى كل الأصعدة، مخالفة لكل توقعاتهم، لتفاجئهم وتخطئهم، على هؤلاء، أن يشككوا في المصادر التي تغذيهم بالمعلومة، إن كانوا يعتمدون على معلومة، ويشككوا في(عقولهم) التي أنتجت كل ما قالوه وكتبوه لحد الآن، من أجل تحليل أفضل ورأي أدق، واحترام أكثر للنفس وللقارئ اللبيب، والله المستعان على ما يصفون.   

23 كانون الأول 2005
    [/b]