المحرر موضوع: الجغرافية الثقافية للعراق الحديث  (زيارة 1156 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Sayyar Jamil

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 279
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الجغرافية الثقافية للعراق الحديث


د. سّيار الجميل

نص تحريري للمحاضرة الشفوية التي القاها الاستاذ الدكتور سيّار الجميل
 في الجمعية العراقية الكندية بتورنتو / كندا  امسية يوم الاحد 27 تموز / يوليو 2008

القسم الاول
ايها الاصدقاء
اسعدتم مساء ، وأشكر لكم حضوركم هذه " المحاضرة " ، كما اشكر الاخ الشاعر كريم شعلان على تقديمه لي وكلامه الجميل عّني الذي لا استحقه .. واشكر الجمعية العراقية الكندية بمدينة تورنتو استضافتها لي ، كما اشكر حضوركم ودعوني اختزل موضوع هذه الامسية في ثلاثة محاور : محور في فلسفة المعنى والتعريف وأهمية الموضوع ، ومحور في المضمون والتطبيق من خلال عرض جملة من المصورات والخرائط والاشكال العراقية  ، ومحور خلاصة الاستنتاجات والرؤية الجديدة من اجل تطوير المجال الحيوي للعراق ثقافيا وانسانيا حضاريا . انني اذ اقدم هذا " الموضوع " الذي لا يمكنه ان يقدم في محاضرة ، بل انه ، كما يبدو ، عنوان كتاب كبير او مشروع جماعي ، فأنني اتمنى ان اقدم في هذا المساء الجميل : مجموعة أفكار جديدة حول موضوع نحن بأمس الحاجة اليه ، وخصوصا في العراق الذي يتميز بخصوصياته الجغرافية طبيعية كانت ام بشرية ام سياسية .. فكيف اذا كانت ثقافية ، وهو يستقطب من خلال تنوعاته الاجتماعية عدة الوان من الثقافات المتنوعة التي يمتد عمق بعضها الى الاف السنين ، حتى على مستوى اللهجات المستخدمة.. مقارنة بكل الانتهاكات التاريخية التي تعّرض لها العراق عبر مئات السنين ، وتأثيرها على كل بنيوياته الاجتماعية التي عبرّت عنها ثقافيا على كل الرقعة الجغرافية العراقية .
أن الموضوع حديث لا يتجاوز عمره العقد الواحد من الزمن ، بدأ في جامعة كولارادو ، ولهذا فالمحاضرة هذه ، هي محاولة او مدخل ليس فيه تفاصيل واسعة ، ولما كان العراق موضوعا مهما ، وهو سلسلة واسعة جداً ، وبدأ العالم يهتم بالثقافة الموجودة في أي مكان من العراق ، فينبغي العناية بجغرافيته الثقافية . ان اسلوب الحياة عند العراقيين يختلف من مكان إلى آخر ، كما ان البحث يراقب الحركة الانسانية والخطاب ( = مقول القول ) ووسائل التعبير وإختلاف الأزياء ، واللغة المستخدمة ، وإختلاف اللهجات ، والأفكار ، والنّخب ، ودور الطبيعة والتضاريس ، لذلك فان العراق هو من احوج بلدان الشرق الاوسط للدراسة والبحث المقارن . ربما نسمع صورة مشوهة عن العراقيين ، ولكن تبقى الآراء  تختلف حول الكثير من الأمور الحياتية : حول الموسيقى والغناء ،ولكل عراقي له ثقافة بيئية مختلفة ، وهذا لا ينسحب على النّخب المثقفة فقط .

فلسفة المعاني .. الاهمية
1.   العائلة الجغرافية
ان الجغرافية الثقافية تنتمي الى عائلة العلوم الاجتماعية ، ولكنها علم جديد لم يمض على تطوره الا سنوات قليلة  ، ولعل اشهر مدرسة منهاجية تثري موضوعاته هي الكائنة بجامعة كلورادو والتي تصدر مجلتها الفصلية العلمية المعروفة باسم الجغرافية الثقافية ، فضلا عن اهتمامات بعض خبراء اليونسكو بهذا الموضوع الحيوي ، كما وصدرت في اماكن عدة من هذا العالم عدة عناوين لمضامين واسعة ومهمة جدا . ان الجغرافيات انواع : طبيعية وبشرية واقتصادية وسكانية وادارية .. ولكن الثقافية هي التي تعتني بثقافة الانسان والمجموع معا ، ومدى تأثير كل من المكان وعناصره في تكوين تلك " الثقافة " ومجال حركتها وحيويتها .
2. المضامين
ان الثقافة في حد ذاتها ، موضوع مثير جدا ، وتتذرع  بمفاهيم تعبّر عن حقائق تاريخية وواقعية  متنوعة من الحياة في اطار المجتمع الانساني ، وكسب العيش ، وأنماط المعيشة ، والكلام ، والتسلية ، والضرورات المستهلكه ، والأكل والفولكلور والازياء ، فضلا عن الحكايا ومواريث الرواية والتعبير الشعبي والموسيقى والغناء واماكن التلاقي الاجتماعي وطقوس الاعياد والمناسبات .. الخ . ولعل اهم من هذا كله وذاك ، الخطاب ومقول قول الانسان وتعبيراته عن واقعه واماله وطموحاته وتطلعاته وحبه وكراهيته وفشله ونجاحه ثم التعبير عن انتصاره وهزيمته .. علاقته مع تفسه والاخر ، المرأة والرجل والطفل  .. استقراره وهجرته .. حضريته ام ريفيته ام بداوته . وهنا ، يمكننا ، بطبيعة الحال ، ان ننقب اعمق لفهم 'كيف' و 'لماذا' ؟ باختصار : انه عمليه استقصاء ممتع عن اسلوب حياة اي مجتمع من المجتمعات ، والتعرف على عوامل تكوين الثقافة في جغرافية معينة .
3. الثقافة : قضية اشكالية عربية
الثقافة ، قضية اشكالية في رؤيتنا العربية لها ، وكما فسرتها في اكثر من مكان ، انها  Culture في معرفة ثقافة ( او : ثقافات ) اي مجتمع من المجتمعات . وهي       Education لأي مجموعة اجتماعية تمر بمرحلة التكوين ، حتى تصل مرتبة النخب المنتجة المبدعة Intellectual Elites  وهي التي تؤلف المشهد الثقافي لأي بلد في هذا العالم .. انها المعبرة عن روح العلاقات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ودوافعها ، والتي تؤدي بالنتيجة الى انتاج الثقافات؟
4. مفهوم التباينات والموضوعات العراقية
ان مهمة الجغرافية الثقافية ليس التنظير لواقع ثقافي قي بيئة معينة او مجموعة بيئات ، بل يتجاوز كّل من ينظّر ويفكّر فيها محاولة وصف ، او 'مجرد وصف' الناس والاماكن الغريبه ، لتحليل الواقع ، بل التغلغل لاجراء التطبيقات والمقارنات والتساؤل من خلال 'لماذا' و 'كيف' تمنح الثقافة منحى انساني مجرد من كل العنعنات والصراعات الداخلية المتوارثة والمتوالدة . فعلى سبيل المثال ، كيف يمكننا ان ندرس في وقت مبكر اشكال الثقافات التي تنتجها اوضاع المدن التجارية او جوانب الحياة الزراعية الريفية في المجتمع العراقي ؟ ولماذا تباينت الثقافات المحلية تبعا لطبيعة جغرافية اي بيئة حضرية او قبلية ؟ وما تأثير ضفاف الانهار او اعماق الاهوار ، او بيئات الجبال او الاستبس او السهول ؟ ما دور المدن واشكالها القديمة سواء بيئتها داخل الاسوار ام خارج الاسوار ؟ ماذا يكمن وراء الهجرة من الريف والبادية الى اطراف المدن ؟ ما شخصية دجلة الثقافية المتحركة مقارنة بشخصية الفرات الهادئة ؟ ما تأثير السدود والري والجسور على الحركة الثقافية ؟ ما تأثير سكة حديد برلين بغداد البصرة ( بي بي بي ) وسكة حديد بغداد ـ كركوك ومحطاتهما على الطريق الجديد بعد زوال الطريق السلطاني العراقي البري القديم ( شرق دجلة ( بغداد ـ بعقوبة ـ كركوك ـ اربل ـ الموصل ـ آمد  نحو استانبول ) ، والمسلك النهري لدجلة وغياب الاكلاك والقفف النهرية ؟ ما تأثير المصانع الجديدة على غياب الحرف القديمة والاصناف الصناعية القديمة وبداية تشكيل النقابات العمالية ؟ وما دور الحركة العمالية ؟ ما تأثير الادارة والادارة المحلية على تنقلات الموظفين عبر ارجاء العراق  ؟ ما دور المؤسسة العسكرية في التلاقح الاجتماعي ؟ ما دور الكهرباء والاضوية والشوارع واشكال الحياة الحديثة في الهجرة من الريف الى المدينة حيث الاسواق والشوارع والمطاعم والسينماوات والكابريهات ؟ وصولا الى الادوار السياسية والاحزاب والتجمعات والكليات والحركة الطلابية ، وآثارها كلها في متغيرات الانماط والتقاليد في الجغرافية الثقافية العراقية ؟ ما دور الشركات الاجنبية والوطنية ايضا ، وخصوصا شركات النفط في كل من كركوك والبصرة وعين زاله ؟  ان الجغرافية الثقافية ينبغي ان تستخدم  فكرة كارل ماركس المسماة 'نمط انتاج' . وكيف يمكننا ان نفهم ما 'قيمة' الانتاج العراقي ،وتبيان طبيعة علاقات الانتاج العراقية ،  او بالاحرى 'قيمة' يتم انتاجها في مختلف البيئات العراقية المتنوعة بكل تناقضاتها بدءا بالقبيلة والعشيرة التي تحكم كل من الريف والبادية العراقيتين ، ومرورا بالبلدات والقصبات البلدية الصغيرة وانتهاء بالمدن التي تكتظ بالاسر والعوائل التي تؤلف نسيج المجتمع الحضري بكل مستوياته المتباينة المتنافسة لا بطبقاته الاجتماعية المتصارعة  ، مع نمو البورجوازية فيها وتعاظم المستويات لطبقة متوسطة مستحدثة مع تسارع نمو لدولة شبه رأسمالية.
5. منهج العمل
ان المنهج الذي يمكن الارتكاز عليه في دراسة موضوع الجغرافية الثقافية ، يقوم بتحليل الكيفيه التي تمنح مجتمعنا العراقي الذي كان يتصف بتسارع التحولات الاجتماعية فيه ، كي يغدو مجتمعا حديثا اعتمادا على عوامل عدة لا تحددها المستهلكات ولا الشعارات السياسية ، بقدر ما تحددها المنتجات ونمط الانتاج وعلاقات الانتاج .. وصولا الى قوة الحياة الثقافية . اننا امام تعقيدات غاية في الخصوبة العراقية لمجموعة العادات والتقاليد المتغيرة ، والاندفاع للتعبير عن الواقع عراقيا بالاغاني والاشعار والموسيقى والامثال والازجال والقراءات والتجمعات في احتفالات ومنتديات او مقاهي او مدارس وفتوة وكشافة .. الخ علينا ان نفهم كيف نصنّف الناس في علاقاتهم في ما بينهم ، وعلاقاتهم بـ 'الآخرين'. علينا ان ندرك طبيعة المرأة العراقية وقدراتها وساعات عملها وانتاجها في كل بيئة وما تتصف به من سمات انسانية .. علينا ان ندرك ذكاء الطفل العراقي ومزعجاته وفجاجة حركاته نتيجة فرط شيطنته وكثرة اسئلته ودلاعته او وكاحته ..
6. العراقيون : كيف يفهم بعضهم بعضا ؟
علينا ان ندرك الفجوات الجغرافية التي تفصل كل ثقافة عن ثقافة اخرى ، فمن الصعب ـ مثلا ـ على ابن الاهوار في الجنوب ان يتعرف على ابن البلدات المسيحية او القرى اليزيدية في الشمال او العكس .. ثم نفرض التساؤلات عن الارادة الثقافية العراقية التي عاشت بعيدا عن مثقفي السلطة .. حرة مستقلة تطالب بحقوق الانسان كما كانت تبثه وسائل الاعلام وانتشار مبادئ الاعلان العالمي لاستخدام " الثقافة " بوصفها أداة لم يصلها واقع العراق حتى الان لما بعد الحداثة ، وكان مؤملا ان يندفع المثقفون العراقيون الحقيقيون للوصول الى ذلك لولا الانتكاسات والهزائم السياسية المريرة التي اودت بالعراق والعراقيين كلهم ودخول العراق في غيبوبة تاريخية طويلة كان العراقي المنتج والمبدع والمثقف ولم يزل حتى اليوم مهمشا مقصيا ، وخصما لدودا ، الا من سار في ركاب السلطة او تعّلق باذيالها .. لقد خسر العراق طاقات كبيرة جراء ممارسة  التهجين بسيطرة السلطة على مقاليد الثقافة لتغدو احادية ومؤدلجة .. وبدت تعاني من الصراع والعنف -- ثقافة مغالبة ومنغلقة على التوحش او الخوف او الممالئة والقيود الثقيلة .. لقد غدت التناقضات تأكل حياة العراق في كل جغرافياته وبيئاته .. وبدا المثقف العراقي نتيجة لذاك الوضع ، رخا ، ومهمشا ، او مداهنا ، وخائرا !
7. التشظي والهجرة والانقسامات
ونحن سوف لا ننقب عن نظريات وامثلة عن كيفية تشظي الثقافة العراقية وغلبة الفوضى عليها من خلال ركام التناقضات التي حشدتها في احشائها .. ولقد ساعد في ذلك هجرة العراقيين افواجا الى خارج العراق بفعل العنف السياسي والاجتماعي معا . وأخيرا ، فإننا سوف نتعلم عن منتج مختلف الحركات الاجتماعية ، والتي بدت تسبّح ليل نهار بالثقافة القومية والشعارات المخيالية التي لا علاقة لها بالواقع ابدا ، وتستخدم بشكل متزايد كل الوسائل للتأكيد على الهوية العربية والثقافة القومية مما سبب ردود فعل عنيفة ومكبوتة لدى القوميات والاطياف العراقية المختلفة . ان الجغرافية الثقافية تقوم اساسا على استخلاص الادوات المفاهيميه لكل ما في العراق من ثقافات متنوعة ندعو كل المختصين والعلماء العراقيين الاهتمام بها ، وفهمها ، وتحليلها ، وشرح مضامينها والبحث عن الجوانب الانسانية فيها ، وان لا نعتبرها مجرد وصف لظواهر ثقافية معينة ليس لنا فيها الا التنظير بعيدا عن اية تطبيقات عملية ، وهدفنا تمكين الاجيال القادمة من فهم واقع الحياة العراقية وادراك سايكلوجية العراقيين الخاصة .
قفلة المحور الاول
ان الموضوعات التي ساتطرق الى معالجتها في المحور القادم ـ مثلا ـ ، ستكون مفهومة من خلال منظور جغرافي ، حيث الفضاء والمكان ..واستعين بالخرائط والرسوم التي سنراها معا كي نحللها واحدة بعد الاخرى . انني لا استطيع ان اغطّي كل متطلبات المنهج لاتساع المضامين في الجغرافية الثقافية للعراق الحديث ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( لتحديد موضوعات يستفاد منها الباحثون مستقبلا ) : دراسة البلدات والقصبات والمدن العراقية وتحديد ثقافاتها قاطبة ، واين يكمن بروز المثقفين والتجمعات والنخب  .. ؟  وما تأثير كل من المجتمع الرعوي ، والمجتمع الزراعي ، والمجتمع الحرفي ، ثم الغرف التجارية ، والمسالك ، والطرقات ، والمحطات ، والاسواق ، والجمارك ، والشركات ، والنقابات ، والاصناف ؟ ايضا : ما طبيعة الاغذية ، والملابس ، والازياء ، والموسيقى ، والهندسه المعماريه ، والتقاليد ، والاديان ، واللغات ، واللهجات ، والطقوس ، والعادات ، والتقاليد ، والعلاقات ، والشراكة .. الخ ؟  ما الفرق بين مجتمعات دجلة المحلية عن مجتمعات الفرات المحلية ؟ ما طبيعة العشائر العربية والكردية والتركمانية وغيرها .. ؟ واخيرا ، ما موقع العراق في الجغرافية الثقافية للعالم ، عندما نعلم بأن هناك في العالم حوالى 200 دولة مختلفة واكثر من 6000 من لغات متميزه. واللغة ، كما هو معروف ، هي الاساس في التكوين الثقافي ، ثم اخيرا موقع الثقافات العراقية ازاء ما يقرب من 6000 من ثقافات العالم المختلفة ايضا في افريقيا واسيا واوروبا والامريكتين واوقيانوسيا.

انتظر القسم الثاني من المحاضرة
www.sayyaraljamil.com