المحرر موضوع: سهرة الشعراء العراقيين الغائبين على إيقاع حزين  (زيارة 1617 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Nabukath Nasser

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 316
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
سهرة الشعراء العراقيين الغائبين على إيقاع حزين

منذر عبد الحر

دمشق

يعمل الشاعر جواد الحطّاب علي هندسة نصّه الشعري , وبنائه بناءً رصيناً , يحسب فيه حتي بياضاته , ورغم أن القارئ لنصّ الحطّاب يتلمّس فيه عفويّة , وطغيانا ً للموهبة , وإطلاقا ً للمفردات , التي قد تأخذ من الحياة بلاغتها الأولي, إلاّ أن الفاحص لنص الحطّاب يجد فيه تخطيطاً دقيقاً لمسار النص , لذلك فهو ينشئ قصيدة ً, لا جملاً شعريّاً تتناوب علي الإفصاح عن نفسها تحت مسمّي وإطار الن , بل تأتي قصيدة الحطّاب, منسابة علي إيقاع ٍ داخليّ بيانيّ, يضعه الشاعر دليلاً لرحلته في كلّ نصٍّ يكتبه , لذلك تأتي نصوصه متكاملة الملامح, لأنها تحافظ علي معطيات النص ببعديه , الشعري الخالص , الذي تنهض به الشرارات الشعريّة المتدفقة ....
الشاعر جواد الحطّاب , كائن ٌ تشكّل من شعر, لذلك جاءت قصائده متطابقةً مع روحه, وسلوكه, وتعامله مع إيقاع الحياة, التي يتسق معها إنسانيّاً وإبداعيا ً , لذلك كان الحطّاب منفلتا ً عن إطارات الأجيال , وهو يرسم لتجربته خصوصيّة الصدق إلي منتهاه, والإخلاص للشعر أينما حلّ, والإصغاء إلي نداء قلبه أينما ألقتْهُ أمواج بحر الحياة المتلاطمة , وكانت لمجموعاته الصادرة خلال ثلاثين عاماً من التواصل الإبداعي الملفت للنظر, تأثيراتٍ واضحة علي قرّائه ومتذوقي شعره, والنقّاد بمختلف مناهجهم النقدية , حيث ترنّمنا جميعا بأغنيات مجموعته الأولي الجميلة المعبّرة (سلاما أيّها الفقراء) التي صدرت عام 1978 وظلّت أصداؤها في الوسط الأدبي طويلا ً , لتعاد بطبعة شعبيّة عام 1992, ويتلقفها قرّاء الجيل الشعري الجديد, فيما صدرت مجموعته الشعريّة الثانية ( يوم لإيواء الوقت ) بعد ثلاثة عشر عاماًَ من الأولي حيث صدرت عام 1992 , وفي الفترة التي فصلت بين المجموعتين , دأب جواد الحطّاب علي التواصل الإبداعي المتميّز , من خلال ألوان الكتابة المختلفة , فكتب المقالة, والقصة القصيرة , والنقد الأدبي, والأهم من ذلك كلّها يوميات الحرب الموسومة (يوميّات فندق ابن الهيثم التي تابعناها بشغف حين كانت تنشر في جريدة ( القادسيّة ), وصدرت بعد ذلك في كتاب مستقل, هو من أهم الوثائق الإنسانيّة المكتوبة عن الحرب, فيما أصدر قبل هذا الكتاب كتاباً نثرياً بعنوان (أنه الوطن.. أنه القلب) , أطلق عليها كتابات تسجيلية , للأسف لم أتمكن من الإطّلاع علي هذا العمل, وصدرت مجموعته الشعريّة الثالثة عن دار أزمنة في عمّان وحملت عنوان (شتاء عاطل) كان ذلك عام 1997, وكانت مجموعات الحطّاب بمجملها منتقاة بعناية فائقة تنم عن المهارة والخبرة والحرص علي اسمه وتجربته الشعريّة المتميّزة .
في مجموعته الجديدة (إكليل موسيقي علي جثّة بيانو), يكرّس جواد الحطّاب ملامح مشروعه الشعري , ويقدّم قصائده الجديدة , التي يفصح بعضها عن سخرية مريرة , كما ينهل في بعض قصائده من مفارقات التراث العربي , فيحاكي الوقائع, بنقد شعري عميق الأثر, يمتاز بسهولة البناء ودقّته, وعصيانه علي الترويض, وهو ينطوي علي مفردات خاصة, وجمل تتناغم مع مفردات العصر الجديد, بصراعاته, وطقوسه, ويوميّات الحزن فيه ولعلّ (الشهيدة أطوار بهجت) مثّلت لدي الحطّاب منطلقاً إنسانيّاً لرصد الوجع بأعمق معانيه ودلالاته, وهو يكتب مرثيّة وطنيّة فيها.
يعمل الشاعر جواد الحطّاب علي هندسة نصّه الشعري , وبنائه بناءً رصيناً , يحسب فيه حتي بياضاته , ورغم أن القارئ لنصّ الحطّاب يتلمّس فيه عفويّة , وطغيانا ً للموهبة , وإطلاقا ً للمفردات , التي قد تأخذ من الحياة بلاغتها الأولي, إلاّ أن الفاحص لنص الحطّاب يجد فيه تخطيطاً دقيقاً لمسار النص , لذلك فهو ينشئ قصيدة ً, لا جملاً شعريّاً تتناوب علي الإفصاح عن نفسها تحت مسمّي وإطار الن , بل تأتي قصيدة الحطّاب, منسابة علي إيقاع ٍ داخليّ بيانيّ, يضعه الشاعر دليلاً لرحلته في كلّ نصٍّ يكتبه , لذلك تأتي نصوصه متكاملة الملامح, لأنها تحافظ علي معطيات النص ببعديه , الشعري الخالص , الذي تنهض به الشرارات الشعريّة المتدفقة , والتي ترسم الصور والرؤي والأفكار أيضاً , والبعد الفني المتمثّل بجمع تلك الشرارات, ووضعها في بوتقة الشاعر , ليطلقها بمهارة وعمق تجربة, إلي القارئ, محققاً في ذلك هدفه المزدوج - الجمالي, والإعلامي - أيضاً.
لا يجهد الشاعر جواد الحطّاب ذاته بالأشكال التي تخرج الشعر عن هدفه , وتجعله أسير التكلّف وبالتالي الإجهاد في الصياغة والابتعاد عن القارئ , فهو ينهل من جوهر الشعر , تاركاً الإطار , لما بعد المنجز المتحقق من الشعر الذي يريده الشاعر , وبعد ذلك , لتكن القصيدة إيقاعيّة - موزونة - , أو نثراً , المهم أنها لا تفرّط بعوالمها ولا تتكلّف في أدواتها , وحتي قصائد الشاعر التي تحمل طابعاًَ تجريبيا مثل قصيدته المهمة في مجموعته الجديدة ( مقبرة الغرباء - نصٌّ في رثاء الجواهري - ) فهي لم تأتِ متكلّفة , شأن الكثير من قصائد التجريب الشاحبة , بل كانت تحمل مبررات شكلها , وتجريبها , لذلك جاءت مفعمة بالشعر الخالص , المتنوع الإيقاعات , حيث بدأت - مثل أكثر شعر الحطّاب - بدخول حكائي , ينبئ عن حدوث أمر كبير , تشير إليه الصياغة الحذرة المنذرة لمدخله :
لم أربِّ من قبل ُ حَماماً
لا أشعل , ولا أبيض, لا أصفر, لا رماديّاً
من أجلك - أنت فقط - ذهبت ُ لسوق الغزل
واشتريت ُ مائة طير ٍ زاجل
(بعدد سنواتك يا نسر لبد)
وأطلقتُها باتجاه مقبرة الغرباء
وهكذا يحاور الحطّاب غياب الجواهري , وهو يستعد للانطلاق في أجواء الحديث , والتحاور الشعري معه , كفكرة وقناع وإشارة إلي الأحداث المتلاحقة في حياتنا.

اعتقدنا في البدء
أنك قد وضعت حياتك , فوق الرفّ, في قارورة ٍ
وصرفت النظر عن الموت تماماً
لكنك ...
مثل قاتل يحوم حول مسرح الجريمة
لم تفتأ تتحرّش بالقارورة
حتي سقطت
واندلق منها : 36500 يوم, في لحظة
وهكذا تنساب هذه القصيدة بسلاسة وعمق تعبير وجماليّة وصياغة عالية تجعلها عفويّة , رغم أنها تحتشد بالتضمينات والأسماء والمسمّيات والدلالات الغنيّة , الأمر الذي يجعل هذا النص - التجريبي - من النصوص المتميّزة التي لا يمكن أن تتكرر بسهولة .
الجزء الثاني من مجموعة الحطّاب يحمل عنوان استغاثة الأعزل , وهو جزء يمثّل مجموعة متكاملة مستقلة عن الجزء الأوّل ,. جاء أنموذجاً للصرخة الوطنيّة بوجه الاحتلال , كما أنه مثّل الهاجس الشعبي المستفز الذي تجسّد , صرخات ٍ ورموزاً , وإشارات ٍ أبدع الشاعر فيها أيّما إبداع , وهو يدخل بمنتهي القسوة والجديّة إلي مفاتيح وأبواب هذا الجزء حيث يقول :
أقتل ..
- أينما كنت -
فلا بدّ أن يكون هناك غرابٌ
في سماءٍ ما .
فأيّة قسوة هنا تشير إلي الواقع الجديد في الحياة العراقيّة , التي يدخل إليها الحطّاب من بابٍ ثانٍ , وهو , يصرخ بمرارة وسخرية لا مثيل لهما , من خلال نصّه الموسوم (ثوم ٌ علي الأمّة... جاجيك علي الأيّام).. وهو يشير إلي مصير الشعراء بمدخل طريف ٍ مؤلم :
في صحتكم ..
أصدقائي :
أيّها الشعراء العراقيّون
يا من تجوبون, الآن, شوارع العالم
سأدعوكم إلي كأس عرق ٍ وكاسة لبلبي
لقليل ٍ من الجاجيك بالثوم
وهكذا تسير القصيدة في رحلة قطار محطّاته , دلائل وإشارات مختلطة المشاعر متداخلة الإحالات , وهي ترصد بدقة حياة الشعراء, أيّام شوارع الوطن وباحاته وفضاءاته وجولاته , وطقوسه اليومية التي شهدت صعاليك وأمراء وجولات ومشروعات وقصائد وتجارب وتجاذبات , استحضرها الحطّاب عبر محطّات سخرية دالة, وهو يخاطب الشعراء الراحلين .

مجلة الف يـاء