المحرر موضوع: الحضارة والواقع والمصير المجهول  (زيارة 2058 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل جميل

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 258
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
الحضارة والواقع والمصير المجهول ...

   تلوح لنا تارة هموم الحياة وتباشيرها مثقلة بالمجهول، وتارة اخرى حافلة بالوعود : مجهول ووعود . . . تستدعي منا طاقات الذهن والابداع لقراءة "المستقبل"، الذي هو مودع لعناية الله الآب. فليس من الهيّن لنا قراءة المستقبل، والفكرةالتي نحملها عنه مرهونة بعيش اللحظة الحاضرة المبنية على الماضي، التاريخ، الذي هو مدرسة الحياة. وعندئذ نستلهم حاضرنا من خبرة ماضينا فنكوّن في اعماقنا نظرة نحو المستقبل.
   ترى أيحق لنا نحن الشباب، ان نحمل في الاذهان نظرة مهزوزة للحياة وصورة قاتمة للمستقبل . . . وما زلنا في اول الدرب او اواسطه لمن تخطى العقد الثالث .. !؟ هذا السؤال طرحته على نفسي، وتساءلت به عن غايتنا في الحياة ومكاننا في الوجود، وذلك في بعض ساعات الوحدة والانفراد .. والاسترسال مع التفكير .. والاستغراق في التأملات، دون ان نتبين ملامح فجر ينفح جيل شبابنا املاً، الذي بات يمتلك صورة محزنة يملأها العجز في تحقيق الاماني .. والفشل في الظفر بنجاح عن مكافحة الشر المستفيض وتقويض الفوضى الغالبة. لذا كانت مني هذه الوقفة التأملية والمحاولة الذاتية للخروج من هذا الواقع المرير والمأزق العصيب لـ "اشكالات انساننا" المعاصر وما آلت اليه ظروف حياته من بطالة وضياع، تغرب وضجر، يأس وحيرة، تخلف وفشل، ...انعكست على سلوكيته النفسية والاخلاقية والاجتماعية والثقافية والدينية.
* البعد الحضاري .. تأثيراته وانعكاساته :
      البعد الحضاري، قد يكون ثقلاً، ان غلبت عليه عقلية قديمة لا تصلح والحالة الجديدة التي برزت في مجتمعنا اليوم. الذي شهد القلق، والدهشة، والشك، والاعتراض الكثير على اكثر من صعيد ... من هنا فان نظرتنا الى "الحياة" و "المستقبل" قد تنطوي على شئ من التشاؤم ولو نسبياً ... لربما بحكم كوننا ابناء شعب متأثر طبيعياً وحضارياً بعقلية بلاد ما بين النهرين "المتشائمة" اجمالاً .. !!
   حيث نرى بان سكان هذه البلاد يعيشون في واد "فيضاناته" غير متوقعة وقد تؤدي احياناً الى "طوفانات". وان "آلهة" هذه البلاد متقلبوا المزاج، وفي صراع دائم فيما بينهم. فيبدو الانسان بشراً مرعوباً امامهم، اورثوه الموت وجبلوه بالكذب، لذا يحاول ان يحتمي من ردود فعل غضبهم. تشهد عليها آثار ونصوص الملاحم والاساطير الكبرى : كلكامش، اتراحاسيس، انوما اليش، ... التي تحدثنا عن عقلية بلاد ما بين النهرين، بعكس ما نراه مثلاً في العقلية المصرية "المتفائلة". لان الانسان المصري يعيش في منطقة نيّرة، وان شعر بشئ من القلق عند رؤيته الشمس تغيب في المساء فقد علمه الاختبار انها تعود فتطلع كل صباح، منتصرة على قوات الليل. لذا فان المصري يؤمن بان بعد الموت هناك حياة جديدة ساطعة تنتظره، وان كانت هذه الحياة غير "شخصية". من هنا نستطيع ان نبين ونقارن الى اي حد "يتأثر" الانسان، تفكيره وعقليته، بجغرافية وطبيعة و ... بلاده. فيمكننا القول، والحالة هذه، بان تأثير وانعكاس هذه "العقلية" لا زال فينا بحكم ما نشاهده اليوم وما تعيشه منطقتنا ومنذ زمن طويل من اضطرابات ونزاعات، ويلات وحروب، ... دون امل كبير في استقرار قريب ... !
* الواقع .. بين حضارة الموت وحضارة الحياة :
      نعيش الان، في فترة زمنية سوف يذكرها التاريخ، ولكن لأي مدى ستكون هذه الذكرى ايجابية ام سلبية .. !؟ ليس هذا مجال تشاؤم ان قلنا بانها ذكرى لـ "حضارة الموت" .. حضارة تتصدى للحياة ذاتها ولقيمتها، في مواجهة مستمرة لـ "حضارة الحياة" .. حضارة المحبة والتضامن وحق الانسان في التطلع الى حياة ارضى واثرى وفي عيش انساني كريم. انها كرامة الانسان، عليها ترتكز حقيقة الحياة البشرية كلها. بحيث ينبغي الاعتراف بهذه الكرامة الانسانية الرفيعة والعمل على تعزيزها، واحترام الحياة ومحبتها كأثمن عطية وعلة وجود. بان يعمل الجميع على ارتقائها الدائم، افراداً ومجتمعات، سواء على الصعيد الشخصي والعائلي او على مستوى الدولة والبشرية ... وبذلك تسير البشرية هكذا نحو بنيان "حضارة الحياة"، وألا حصل خلل كبير لابد ان يعكر العيش وتوازن المجتمعات، والى ازمات شتى ... فالانسان لم يخلق للموت بل للحياة، وما طلب الموت الا رد فعل نفس قلقة تحت وطأة الاهوال، وهذا حقاً ما يؤسف له عندما نشهد اليوم كسوف قيمة الحياة وما يحمل معه حتماً كسوفاً في معنى الانسان، وانحرافاً في مفهوم كرامته وحريته، واهتزازاً في الكثير من القيم المتعارف عليها او غيابها تماماً عند البعض، كالامانة والصدق والاخلاص، وحل محلها الانانية والجشع والقتل والطمع والحسد والاحتيال والاستغلال، ... وكثيراً ما نقف مشدوهين امام هذا الدمار متسائلين : كم تدنت الاخلاق وذهبت القيم وسحقت المبادئ وفقد الكثير منا صدقه وحبه ومسامحته ونزاهته واخلاصه، وحتى اخلاقه ...
* المستقبل .. والمصير المجهول :
      ألسنا بحاجة اليوم اكثر من الامس الى كشف سر كلكامش ومفتاح صرح شخصيته، فنصرخ معه : "اين الطريق ..؟ دلّيني كيف اتجه اليه ..؟ فاذا امكنني الوصول اليه فانني حتى البحار سأعبرها، واذا تعذر الوصول، فسأهيم على وجهي في الصحاري" ( ملحمة كلكامش ). ولكن اليوم : الى اين نحن سائرون ؟ ماذا نريد، وما يجب ان نكون ..؟ هل لنا وضوح رؤية وامل، بل هل لنا خطة عمل ..؟ ما هو المستقبل، وماذا نرجو منه .. !؟
   المستقبل : كلمة غامضة، مضببة، تحتوي على معاني واحتمالات لا حصر لها. فمن منا لم يتوقف حيال المستقبل حائراً، او اقله مفكراً ..؟ من منا لايخشى المستقبل، او يواجهه بلا خوف وارتباك ..؟ اذن، الامر ليس هيناً في مواجهة المستقبل، لان – وهكذا يبدو – لا قرار لنا في غمار "معمعة الحياة" المربكة التي نعيشها اليوم. وسط تحديات عالم يريد بشتى الوسائل خنق الحياة، بل القضاء عليها، بعد استعبادنا بألف وسيلة مغرية. فالواقع الصعب والوضع المتأزم والتحديات الكثيرة ... كانت وراء "اشكالات انساننا" اليوم، وفي مقدمتها : اشكال فكري وحضاري، التخلي عن العلم واحتقار الثقافة، تأزم في فهم الحريات والديمقراطية وممارستها، ازمة فقدان الهوية والضياع، الانقياد المادي، بطالة وتغرب، ثم اللجوء الى الهجرة كحل اسلم... والنتيجة : معاناة كبيرة ومصير مجهول ...!
   وختاماً .. فهل نقوى على المواجهة ..؟ وهل "نصنع" حياتنا و "نحقق" مسقبلنا دون وجل وضياع، وبشكل يضعنا على عتبات حياة مستقبيلة فيها من الوضوح والاستقرار، امان وسلام، حرية وعدالة، دعوة ورسالة ..!؟ فنحن نريد ان تكون لنا دعوة في الحياة، فمن لا دعوة له لا كرامة له، ومن لا كرامة له لا حياة له ... فالانسان يجب ان يعي كرامته وحريته، وبالتالي ان يعرف بان حياته اسمى قيمة، ونعمة، ومبتغى. فما قيمتنا ان لم تكن حياتنا رسالة وشهادة ؟ وما معنى ان نكون، ان لم نبحث عن ذاتنا، عن صيغة لوجودنا، عن موقع لنا في وطننا والعالم.. ؟ علينا ان نعمل من اجل ايجاد صيغة حضارية للعيش الكريم ... ان نعمل جماعياً بتضامن وانسجام وانفتاح، دون انانيات وانفراد وتعصب لتكريس استراتيجية شاملة في خدمة حياة شعبنا المسيحي ... بضمير مستنير ومجهود اخلاقي مشترك، من شأن ذلك ان يخدم انساننا لئلا يتحول الى انسان مستهلَك ومستهلِك. انها "دعوة" نحو صنع حياتنا وتحقيق مستقبلنا بمنظور جديد يهدف الى بناء "حضارة المحبة" لخير المجتمع البشري كله.



                                                                                           نبيل جميل سليمان
                                                                                        الشيخان