المحرر موضوع: نورس  (زيارة 1303 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل هيثم بردى

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 69
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نورس
« في: 02:38 24/11/2008 »
قصة قصيرة
   
نورس

هيثم بردى
   



- ما اجمل هذا، أن تكون الدنيا بأسرها سماء مفتوحة ونهراً بديعاً وشمساً مشرقة ابداً.
كنت أهمس لنفسي بتبتل قديس ساعة التجلي وقفتي السرمدية لما تزل شاخصة ازاء السياج الفولاذي للجسر احدق بنشوة عارمة نحو ماء النهر المنساب تحتي بوداعة وعلى صفحته الزرقاء تسرح اسراب شائهةً من النوارس...
- هنا وقفنا.
وخطوت اثنتين نحو اليسار وهمست:
- أين هي الآن...؟
ثم سمعت صوتاً ينبث من جوانحي فيه نبرة استخفاف.
- فتاة المصادفة؟!
....قلت لها
- أترافقينني..؟
وقفت تتأملني، والأجساد المنزلقة على الرصيف المشرق بضوء الصباح تتحاشى الأصطدام بجسدها المائس، ثم قلبت شفتيها... استطردت بذياك الحماس المؤدب.
- رفقة فحسب، ثم نفترق
أجابتني بنبرة هي مزيج بين الرغبة والرفض.
- والمناسبة..؟
أجبتها بصوت واثق ونبرة شاعرية.
- التقاء الشاعر مع القصيدة.
نبرت بتحدٍّ.
- من هو الشاعر؟ ومن هي القصيدة
- اختاري..
قالت بمماحكة أنثوية محببة وهي تحت الخطى صاعدة الجسر.
- لست شاعرة...
قلت مؤكداً
- أنا شاعر.
همست بألفة أنثوية حالمة.
- تقصد أنا القصيدة؟
شارفنا منتصف الجسر ووقفنا متجاورين ازاء العمارة المحاذية لشاطيء النهر نحدق في الماء الراحل الى فجاج الأرض البعيدة ومفاوزها المجهولة.
- أتسمحين؟
قوّست حاجبيها الرفيعين وارتسمت في عينيها علامة استفهام.
- أحدق في هاتين العينين.
أخفضتهما بخجل عذراء بتولة ولكنني لهجت.. أرجوكِ.
فحدّقت في وجهي بعينين لا تطرفان وقد ذاب الجليد في أعماق العينين الزيتونيتين وانغمرت في لجة بحر لا قرار له... رنمت بكيد انثى ماكرة.
- عاديتان.
تبتلت مثل راهب مفعم بالحب.
- دعيني أسبح في هذا الغمر..
فقالت في دلال أنثوي ارتوى غروره.
- ماذا وجدت؟
- ارى أسماكاً ملونة، وافلاكاً تمخر في عباب النوء وتحت صدى موسيقى خالدة توقظ حواري البحر وعرائسه، اسمع تسابيح الملائكة.. أرى النوارس تحلق وتحط على صواري الافلاك وعوارضها الخشبية، أرى...
تقاطعني فجأة.
- أتحب النوارس؟
قلت وداخلي لما يزل مستعراً بنار الكلمات.
- أحبها.
- وأنا أيضاً.
ثم قالت بغتة كفرس حرون.
- إني ذاهبة.
وابتعدت بخطاها العجلى، هتفت ماخوذاً بقراراها المفاجيء.
- ولكن أيتها القصيدة هل نلتقي ثانية؟
- دعها للمصادفة.
فقلت في توسل شاعر أفلت زمام القافية
- ما أسمك أيتها القصيدة؟
جاءني صوتها الموغل في الناي.
- نورس...
وأرجعني لغط صبياني متناغم الى واقعي، فتفرست حولي وقد أضحيت قطعة من الرقة والرهافة وكساني شعور طافح بالحب.
سمعت صوت هتاف صبي.
- عجّل يا سمير، أطلق...
وبعد برهة سمعت صراخاً طفولياً جذلاً:
- أصبته يا سمير، انه يهوي.
واستدرت دورة كاملة حول جسدي واركنت ظهري على سياج الجسر وبحلقت... كان الطائر الأبيض يتهاوى وقد انفرش جناحاه على جانبي الجسد المغزلي الأبيض وقد اصطبغ عند الصدر بنقاط صغيرة من دم قان متوهج، حدقت في عينيه، وقد تسارع الخافق في صدري بدقاته، كانتا جامدتين وفي أعماقهما أفلاك تغرق واسماك ملونة تنفق وبحر غضب ينوء تحت رحمة عاصفة عاتية. عبرت الشارع أعدو بسرعة جنونية نحو الصبية المتجمهرين، سمعت شتيمة سائق كاد يدعسني بسيارته، لم ابالِ بِهِ، وقفت حيث يقف الصبية ويداي تقبضان على السياج وعيناي تلاحقان النورس الهابط نحو صيرورة الماء والفناء، إرتطم بصفحة الماء، سمعت صوت تأوه أنثوي فاجع.
- أيها الشاعر، لقد ماتت القصيدة.
انغمر الجسد ثانية في الّلجة، إنفرش الشعر المبلول فوق مويجات النهر واصطبغت صفحة الماء بلون أحمر فاتح، كنت كالممسوس أقذف نظراتي الى الجسد المناضل في طوفانه وانغماره المتعاقب، كانت الكلمات تموت في حلقي وشجرة الحياة تتيبس عروقها في داخلي وتستحيل الى مجرد أعواد واغصان متيبسة، وفي لحظة قصيرة جداً غاب الجسد في الماء، صرخت بأسى.
- لا يا نورس... لا يا قصيدة!
سحبت عيني وخزرت الصبية الواقفين بجواري وهم يحدقون بأسف صياد أضاع فريسته، خطوت بحزم نحو الصبي الذي تتدلى من كفه اليمنى مصيدة الطيور وانتشلتها من يده، كسرتها وألقيت بها الى النهر وشفتاي تهمسان بعتب فاجع.
- لِمَ قتَلتَ نورسي؟!!
 



غير متصل غاده البندك

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2206
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: نورس
« رد #1 في: 17:22 25/11/2008 »
عزيزي المبدع هيثم بردى

لا يا نورس..لا يا قصيدة..

و ألف لا...

على آلاف القصائد الجميلة العذبة في سماء مشرقة تم اغتيالها تحت سماء مغمومة !

أحيي براءة حرفك..في زمن يقتل احلى النبضات..

تقديري
غاده

غير متصل فارس دانيال

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 4
    • مشاهدة الملف الشخصي
رد: نورس
« رد #2 في: 23:20 27/11/2008 »
العزيز المبدع هيثم بردى
تحية النوارس التي اذ تسقط
تختار افياء ذاكرتك
جميل هذا التداخل السمفوني بين الكلمة واللا كلمة
بين ما يمكن ان يكون كائنا ماديا وغير مادي بنفس اللحظة
حيث يبدو الجسر ضلوع القلب وتبدو القصيدة قلب
وحين يصبح القلب قفصا للنوارس وسماءا لها
مباركة رؤاك وافلاك مخيلتك الحية
سر ولغز القصة يرعاك