المحرر موضوع: الشهيد شنورعودة - قائد عمالي صلب ومسيرة يذكرها التأريخ  (زيارة 1159 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Faez Alhaidar

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 13
    • مشاهدة الملف الشخصي
الشهيد شنورعودة
قائد عمالي صلب ومسيرة يذكرها التأريخ
   
فائز الحيدر

من الصعوبة أن نتحدث عن شهيد وبطل مندائي آخر لا يعرفه إلا القليل من معارفه والمقربين أليه ، ولم يكتب عنه إلا القليل من الكتاب والباحثين رغم إن ما قام به يعتبر من الأعمال البطولية التي نادرا" ما يقوم بها مناضل آخر .
 إنه المناضل الشهيد حميد  ( شنور ) عودة الوالي .
ولد الشهيد شنور في العمارة في أواسط العشرينات من القرن الماضي من عائلة مندائية مكافحة متواضعة ، وكغيره من الشباب في هذه المدينة التي أكتوت بظلم النظام الأقطاعي تأثر بالأفكارالوطنية والشيوعية التي كانت تلف المنطقة الجنوبية في ذلك الوقت ،  فأنتمى للحزب الشيوعي العراقي في عام 1945 وهو في بداية تعينه كمعلم بأحدى نواحي المدينة حيث أخذ ينشر الأفكار الوطنية بين أهالي المدينة  وطلبته ، وبسبب نشاطه السياسي صدر قراربفصله من التعليم عام 1946 وبحكم الظروف القاسية التي تمر بها عائلته الفقيرة تقدم للعمل كعامل في محطة النفط k 3 في حديثة كعامل في قسم البرادة .

كان الشهيد شنور ، صاحب نكته ، تعلوا الأبتسامة الدائمة على وجهه ، محبوبا" من قبل جميع العمال ، رغم الفترة القصيرة التي عمل بها في قسم البرادة في المحطة ، مثقفا" من نوع خاص ، له أسلوبه الشيق في النقاش والأقناع نادرا" ما تتوفر في عامل آخر ، في ساعات الفراغ تجد العديد من العمال يحيطون به ويسمعون منه أحاديث شيقة لا تخلوا من  أحداث الوثبة وتطوراتها وتوجيهات الحزب بذلك ويؤكد على أهمية وقوف العمال الى جانب الشعب في هذه الأنتفاضة .
كان الشهيد يتابع تطورات أنتفاضة كانون الثاني  وما بعدها عن طريق ما يصل اللجنة الحزبية في المحطة من بريد حزبي وينقل أبرز أخبار الأنتفاضة الى العمال بشكل دوري ويأخذ رأيهم فيها ومدى أمكانية المساهمة فيها .
  ففي أواسط نيسان 1948 ،  وفي فترة مشوبة بروح " الوثبة " وثبة كانون وقبر معاهدة بورتسموث الجائرة وأستقالة وزارة صالح جبر وفي وقت كان فيه " النضال الثوري " من مهمات الأحزاب الوطنية ، عمت الأضرابات العمالية عموم البلاد ، وبناء على توجيهات الحزب الشيوعي جست اللجنة الشيوعية في محطة K3 ومن بينهم الشهيد شنورعودة نبض لجان العمال المختلفة  حول إمكانية القيام بإضراب في تلك المحطة الصحراوية  . وفي 13 نيسان  وصلتها تقارير متفائلة من معظم أقسام المحطة ، لذلك  تقرر الانطلاق و بالتحرك من قبل الخلايا الشيوعية لتنفيذ الفكرة  .
ـ ولكن يا رفيق شنور كيف تستطيع لجنتنا الشيوعية الصغيرة وذات الأمكانيات المحدودة أن تقنع العمال بالإضراب وعددنا يقارب ما بين 2500 ـ 3000 عامل وموظف في K3 .
ـ هذا صحيح يا رفيق ، أنها مهمة شاقة فعلا" وأمامنا عمل صعب ولكن  بإمكاننا أن نشدهم إلى مواقع الحزب كخطوة أولى ، لذلك فعلينا منذ الأن رفع مستوى العمل  التحضيري والأستعداد للأضراب .
فبعد لقاءات عديدة  وأجتماعات متواصلة تم أتخاذ القرار ، ففي مساء يوم الثاني والعشرين من الشهر، اعتبرت اللجنة أن الوضع قد نضج وحان الوقت الملائم فدعت إلى اجتماع جماهيري في أحد الوديان خارج نطاق المحطة K3 ،  وحصلت على الموافقة على خطتها بالفرح والهلاهل والصياح  من قبل العمال .
بدأ الإضراب يوم الثالث والعشرين من نيسان . وفي الوقت نفسه ولغرض إنجاح الأضراب أقترحت اللجنة الحزبية الشيوعية  تشكيل  سلسلة من التنظيمات من بين العمال  لهذا الغرض :
ـ لجنة الأضراب السرية التي أختفت تماماً عن الأنظار وهي عقل الإضراب الحي  وكان الشهيد شنور عودة أحد أعضائها .
ـ لجنة  المفاوضات وهي في الواقع ليس إلا واجهة للجنة الإضراب و محركه الرئيسي  .
ـ لجنة لأختيار وانتقاء الخطباء والشعراء وحتى تنسيق الخطابات و الهتافات  .
ـ  لجنة حرس الأضراب ويتألف من عرفاء للاجتماعات والإضراب يقودهم رئيس حرس  . ومهمة هذه اللجنة هو حفط النظام والأنضباط خلال أجتماعات المضربين .
ـ لجنة الحراس الميدانين الذين  يراقبون ممتلكات العمال  .
أضافة الى عدد من أفراد دوريات المحطة الذين يعززون الإضراب .  وكان عدد أفراد دوريات المحطة يبلغ أربعة عشر فرداً ، وكانوا يستبدلون كل أربع . ونظراً لأن المهمة مجهدة ولأن اللجنة الحزبية كانت تريد الوصول إلى أكبر عدد ممكن من العمال ،  فقد كان على كل المضربين أن يخدموا كأفراد دوريات وجبة  بعد أخرى بموجب برنامج دقيق ومحدد يحافظ عليه كاتب الحرس . وقام أفراد الدوريات بمهامهم على أكمل وجه وإلى درجة أن توقفت محطة k3  كلياً . 
يقول أحد قادة الإضراب يقول :  بكلمات مختصرة ( لقد أقيمت دكتاتورية البروليتاريا في K3 يوم 23 نيسان )  ، في الوقت نفسه لم تكن لدى أدارة الشركة حتى مساء الثاني والعشرين من نيسان أية فكرة ،  ولو غامضة  عما كان يجري في المحطة . ولكنها اتخذت فورا" موقفاً يقول بأن الإضراب الذي لم يسبقه أي إنذار يعتبر خرقاً للقانون . وألقت الشركة كذلك ظلالاً من الشك على مدى تمثيل لجنة المفاوضات للعمال في مطاليبهم .  ولما كان الحزب واثقاً من قوته فقد دعت اللجنة الحزبية جميع العمال للتصويت لجانب لجنة الأضراب فجاءت نتائج الأستفتاء مخيبة لأمال الشركة وحصلت اللجنة النتائج المتوقعة والتأييد . 
 وفي وقت لاحق ،  ومع عدم ظهور أي مؤشرات على احتمال انتهاء الإضراب ،  وافقت الشركة على عدد من الشكاوي والمطالب الصغرى  . أما في ما يتعلق بالمطلب الأساسي الخاص بزيادة الأجور بنسب تتراوح بين 25 و40 بالمئة فقد رفضت الشركة تقديم أي تنازل  .  وبقيت لجنة الإضراب مرفوعة الرأس وسط جموع العمال  . خلال هذا كله كانت محطةK3   تغلي بالإثارة والحماسة تتخللها التظاهرات و الاجتماعات المتواصلة  وأنغرست الأفكار الشيوعية في الأذهان . وتحولت K3 إلى ميدان  للصراع الطبقي  لا لعمال الشركة فحسب  بل لسكان المناطق المحيطة بالمحطة مثل حديثة وآلوس ويروانة والحقلانية .
ففي يوم 5 أيار، وهو اليوم الرابع عشر للإضراب  تغير الوضع فجأة حيث احتلت قوة كبيرة من الشرطة المعززة بعربات مدرعة المحطة . ونصبت الرشاشات بمواقع استراتيجية وبالقـرب من سكن العمال وحولها ،. ورد الحزب على ما حصل بحذر، وأعطى للمضربين تعليمات مشددة بتجنب الشرطة وتجاهل استفزازاتهم مهما كان الثمن . ولكن الحكومة كانت تخفي أشياء أخرى في أكمامها .
  ففي اليوم السابع من الشهر حرمت العمال من  الطعام وقطعت عنهم الإمداد بالماء والكهرباء . ولم يكن باستطاعة الحزب الانتظار أكثر من ذلك . وعلى الرغم من ذلك ساهم أهالي الحقلانية والقرى الأخرى وغالبيتهم من أهالي العمال وعوائلهم إلى اقتسام  الماء والغذاء المتوفر لديهم مع العمال المضربين  .
وفي ظل هذه الظروف لاحضت اللجنة أن أيقاف الأضراب سيؤدي الى التقليل من سمعة الحزب  في أعين العمال . ولم يكن هناك شئ  يمكن عمله فيK3  . خاصة وكانت التعليمات بعدم المواجهة مع الشرطة . لهذا كله قامت اللجنة الحزبية بالأتصال بقيادة الحزب لآتخاذ التوجيهات
ـ هل هناك يا رفاق أمكانية القيام بمسيرة الى بغداد لعرض مطاليبكم على الحكومة وسوف ندعوا جميع العمال للوقوف بجانب حقوقكم  حال وصولكم الى بغداد .
ـ ولكن يا رفيق المسافة تتجاوز 249 كيلومترا" وسط الصحراء ... لا لا نعتقد ذلك رفيق !!!
ـ رفيق أننا نؤكد على مدى وجود الأمكانية لديكم  لا نريد أن نحملكم أكثر من طاقتكم .. ناقشوا الأمر مع العمال وأخبرونا برأيكم نتمنى لكم التوفيق .
نوقشت أمكانية القيام بتنظيم مسيرة إلى بغداد التي تبعد 249 كيلومتراً مع لجان الأضراب كافة لغرض عرض مطاليب العمال على الحكومة المركزية في بغداد ولاقى هذا الخبر ترحيب العمال كافة وأبلغ الحزب بذلك .
وهكذا مع فجر الثاني عشر من أيار، انطلقت جماهير العمال في K3  في ما يعـرف  بالمسيرة  يقودهم الشهيد شنور عودة في المقدمة . وكانت هتافات رجال الحقلانية وزغاريد نسائهم تلاحق المسيرة . ورفعت في مقدمة المسيرة الطويلة لافتة كبيرة كتب عليها : ( نحن عمال النفط جئنا نعلن انتهاك حقوقنا  ) .
ومع تقدم النهار وارتفاع شمس الصحراء في كبد السماء أصبحت الحرارة شديدة لا تطاق . وبمرور الوقت وصل العمال إلى وادي هوران على بعد حوالي أربعة وعشرين كيلو متراً إلى الجنوب الشرقي من K3 منهوكي القوى بسبب الحرارة والجوع ، ولم يتمكنوا من السيرلأكمال المسافة الباقية من مسيرتهم الى قرية البغدادي والبالغة ستة كيلومترات إلا بكثير من الصعوبة . حيث انهار كثير منهم وفقدوا الوعي . وهنا أجتمعت لجنة الأضراب :
ـ رفيق شنور أنا لا أعتقد إن العمال سيواصلون المسيرة وهم في حالة من التعب والأنهاك وفقدان الماء والغذاء وبعد المسافة الى بغداد .
ـ أعتقد كذلك يا رفيق فمن الأفضل أرسال وفد من لجنة الأضراب الى أهالي هيت والقرى المجاورة  لأرسال الماء والغذاء ووسائل النقل الى العمال وبسرعة وعندها نتخذ القرار المناسب لصالح العمال .
في هذة الفترة الحرجة من المسيرة البطولية وبعد ساعات من وصول بعض أعضاء لجنة الأضراب الى هيت وصلتهم بعد ساعات عدة شاحنات محملة بالأمدادات الغذائية من الأهالي . حيث وصلت سريعا" أنباء المسيرة المدهشة إلى البلدة فقرر سكانها مد يد المساعدة للعمال . وبدأ نقل العمال إلى هيت فوراً ولم يكتمل إلا في صباح اليوم التالي . ولهذا فقد أمضى بعضهم ليلته الأولى في مساجد هيت أو أزقتها ، ونام آخرون بين رمال الصحراء.
 غادر العمال هيت يوم 13 أيار سيرا" على الأقدام . وعملت السلطات المحلية على منع توفير وسائل نقل للعمال وقطعت الطرق عليهم . وكانت كل ساعة سير أخرى تشكل مزيداً من الآلام وساهمت  أشعة الشمس وخاصة عندما انتصاف النهار بالوقوف بوجه العمال الذين أصبح غالبيتهم يعاني من آلاماً في الرأس وإنهاكاً في الأطراف  . فتوقفوا وقبلوا ضيافة عرب المحمدي الذين أطلقوا عيارات نارية وغنوا " الهوسات " على شرفهم .
كانت بقية الرحلة هي الأكثر إرهاقاً . ولحد الأن تم قطع ما يقارب 118 كم بأتجاه بغداد  وقرر العمال متابعة السير ليلاً . ووجدوا أنفسهم حوالي الساعة السابعة في ليل حالك السواد . ولم يتمكنوا من التقدم أكثر مما فعلوا عند منتصف الليل فاستلقوا على الأرض العارية بانتظار ضوء الفجر وقد أصبحوا على بعد كيلو مترا واحد إلى الشمال من الرمادي في موقع يسمى ( الورار ) ،  وعلى بعد 126 كيلو متر إلى الغرب من بغـداد . وقبل بزوغ الفجر انتصبوا ثانية وبدأوا بقطع مياه الفرات الفائض بالسباحة أو بوسائل بدائية . وعندما عبر الجميع انتظموا مجددا" ودخلوا الرمادي في موكب منظم ولافتتهم مرفوعة فوق الرؤوس وهتافاتهم تملأ أرجاء المدينة .
ازدحم الجميع في ساعات بعد الظهر في شاحنات قدمها لهم أهل الرمادي وأنطلقوا مجدداً تغمرهم الدهشة لعدم تحرك الحكومة . وبعد ساعات مع غياب ضوء الشمس ولدى اقترابهم من جسر يؤدي إلى الفلوجة وقعوا في فخ نصبته الشرطة لهم بدقة فأعتقل بعضهم وأقتيدوا إلى السجن وكان من بينهم الشهيد شنورعودة  وأرسل بعضهم الآخر إلى بيته وأعيد البعض إلى   K3
وبهذا انتهت المسيرة بهزيمة . ولم ترفع الأجور ولم تتحسن شروط العمل . وتراجع قسم من العمال عن التزامهم بالحزب . وأكثر من هذا ونتيجة لعمليات طرد العمال بالجملة فقد الحزب كل خلاياه في K3 وكان من نصيب الشهيد شنور الطرد من العمل والأعتقال . ولكن المسيرة تركت أثراً لا يمحىبين العمال وأهالي المنطقة .
تعرض الشهيد شنور الى تعذيب شديد ومن ثم حكم عليه بالسجن لعدة سنوات كان خلالها صلب العود متفائل في المستقبل مؤمن بعدالة قضيته .

بعد خروجه من السجن أتخذ من مهنة الصياغة  وسيلة للعيش ،  وفتح محلا" له في بغداد إلا إن الشرطة ظلت تلاحقه في عمله ولفقت عليه تهمة شراء ذهب مسروق أدخل على أثرها التوقيف وبعد إجراء التحقيق لم تثبت التهمة عليه فأطلق سراحه بعد عدة شهور .
في بداية الستينات أنتقل الى مدينة الخالص للعمل في محل للصياغة تساعده شقيقته  وواصل هناك نشاطه السياسي . ثم عاد الى بغداد ليرتبط بأحدى أقاربه في أواسط عام 1962 .
بعد الأنقلاب الأسود في عام / 1963 وبسبب الهجمة الشرسة على الحزب الشيوعي العراقي عاد ليختفي في بغداد إلا إنه وقع في قبضة القتلة في الأيام الأولى للأنقلاب  ونقل الى الخالص  ليصفى هناك بعد تعذيب وحشي تعرض له ودفن في أحد بساتين الخالص بناء على معلومات من أحد أصدقاءه .
في آذار وبعد ما يقارب الشهر على الأنقلاب وتصفية الشهيد شنور جسديا" رزقت زوجته بطفلة جميلة سميت ب ( غادة ) ، تلك الطفلة الجميلة التي لم تتكحل عينيها برؤية والدها البطل ولكنها سمعت عنه الكثير وعن بطولته وهي في ذكراه دائما" ، وعندما تنظر الى صورة أبيها ذات الأطار الأسود المعلقة في غرفتها في أحدى دول اللجوء تقول له متى تعود يا بابا ؟؟ فقد تجاوز عمري الثانية والأربعون وكنت أتمنى أن تحظر حفل زفافي قبل سنوات ، لقد أنتظرتك طويلا" ، ستمر بعد أيام ذكرى مسيرتكم التأريخية ،  أولادي يسألوني عنك دائما" ويحملون أفكارك .. أرجو أن لا تطول غيبتك عنا فلقد سقط نظام القتلة ونحن بحاجة إليك الأن أكثر من وقت آخر .

تحية لذكراك أيها الشهيد البطل ولرفاقك ولمسيرتكم الخالدة .

كندا / لندن
كانون الثاني / 2006[/b][/size][/font]