المنتدى العام > الكتب والمكتبات

مقهى هواة الكتب و عشاق القراءة

<< < (3/4) > >>

احــــلام:


مشكورة يا كاملة أوصاف بجمال والحكمة والأيمان والطيبة تملكين كل الصفات الحلوة
ولديكِ كل ابداعات المتالقة والمبدعة بكل مواضيع الحياة
شكرآ ياماهرة على الكتاب المفيد
 ياسيدتي  الأنسة ست هيوي الوردة وتاج رأسي

hewy:
الكتاب: الذهنية العربية-العنف سيد الاحكام

المؤلف: فؤاد اسحق الخوري

الناشر: دار الساقي- الطبعة الاولى - 19




المقدمة

يتناول هذا الكتاب القواعد الأساسية التي تتحكم بالذهنية العربية، أي بالمسالك والمذاهب المكتسبة التي نتعامل معها وكأنها واقع قاطع دون العودة إلى التحليل والتعليل. وأعني بالذهنية هنا الحس اللاشعوري الذي يثير الإنسان للتحرك والعمل بشكل عفوي. بهذا المعنى تختلف الذهنية عن العقل، إذ إن العقل ينشأ بالمعرفة ويتحكم بالأمور عن طريق التحليل والتعليل والتبرير والبرهان. نعم! الإنسان حيوان ناطق، ولكنه قد يكون أو لا يكون عاقلاً.

وتبيَّن لنا هذه الدراسة عن الذهنية العربية أهمية الايديولوجيا في المسالك العادية التي نمارسها يوماً بعد يوم، وكيف ترتبط هذه المسالك اليومية بالأمور العليا كالدين والثقافة واللغة والتراث. بمعنى آخر، هناك ذهنية باطنية تحتية تجمع بين الأمور اليومية كالمخاطبة واستعمال الألقاب وفنون اللعب، من جهة، والشؤون العليا كالدين والشعر والهندسة المعمارية وغيرها من الجهة الأخرى. إن الحضارة شأن كامل متكامل ترتبط أجزاؤها بعضها بالبعض الآخر، ولا فرق في ذلك بين مسلك عادي نمارسه كل يوم وشؤون مصيرية أو نشاطات ثقافية رفيعة.

وتبرز هذه الدراسة ايضاً بعض النماذج الحضارية عند العرب وبعض المسلمات الذهنية التي تتحكم فيها إن باطنا أو ظاهراً. هذه النماذج التي تتمحور حول الفرد وعلاقته بالمجموعة، أي كينونة الفرد في المجتمع، أو قل (المجتمع) في ذهنية الفرد. فكثيراً ما نعزو إلى المجتمع أشياء وقيماً ليست فيه بالضرورة، نحرّكها، نثيرها، وقد نتنازع في سبيلها لكسب مصلحة شخصية خاصة، هذا يعني أنه بقدر ما نستسلم للتقاليد والأعراف نحن نوجدها، نستعملها، ونستغلها لإنجاز مآرب شخصية.

هناك أربع قواعد تتحكم في تصور العرب الذهني:

أولاً: التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع.

ثانياً: الضعف يكمن في الانفراد أو الاستفراد.

ثالثاً: القوّة تكمن في الجماعة والتجمع، أو في الإجماع والاجتماع.

رابعاً: الأولية في التعامل والتفاعل بين البشر تعطى للتكتيك والقدرة على التحرّك والمناورة.

يتصوّر العرب الكون وكأنه بُنى مسطحة لا هرمية الشكل والتركيب، تماماً كحبات المسبحة أو كأسنان المشط – وحدات منفصلة ومتساوية ومستقلة بعضها عن البعض. وفي هذا التصوّر اللاهرمي المسطح للأمور لا تستمد السلطة والسلطان من مناصب وبنى متدرجة التركيب، إنما تستمد من استعمال القوة والهيمنة والقسر بحيث يسيطر الفرد، الأمير أو الإمام، على الجماعة والجمهور. المهم في التعامل هو أن يكون الإنسان فاعلاً من خلال مجموعة متلاصقة، متكاتفة، يهيمن عليها، يرأسها، يعتني بأمرها، يدير شؤونها، يسيّسها، يتزعمها، ومن خلال هذا التزعم يحدّد موقعه من الآخرين.

هذه الأحكام الأربعة ثوابت أيديولوجية، بُنى ذهنية صحيحة بالفطرة سلفاً – صحيحة عن طريق الإيمان بها. وهي بذلك لا تحتاج إلى تبرير أو تعليل. ولكونها بنى ذهنية، فهي تبرز أو تتجلى في نواح عدّة ومتنوعة من نواحي الحياة ابتداءً بلعبة (طاولة الزهر) وانتهاءً بالحكم الإمامي أو الأميري أو الأوتوقراطي.

وتتجلّى هذه الأحكام في ألعاب التسلية والرياضة، كما تتجلى في فنون الهندسة المعمارية والرسم، أو في الشعر والنثر، أو في رصد السلالات والأنساب، أو قوانين الإرث والملكية – وهذا ما سنبينه في الفصل الأول من هذا الكتاب. أو أنها تتجلى في أساليب التفاعل اليومي بين البشر حيث يتعاملون وكأن العالم كله من حولهم مكون من الأقارب (اللّزم) (لحّاً)، أي من أخ، وأخت، وعمّ وعمّة، أو خال وخالة، أو من أبناء وأحفاد هؤلاء الأقارب. وهذا ما سنبينه في الفصل الثاني. أو تتجلى في اختيار الزوجة وتفضيل زواج الأقرباء، وخاصة ابنة العم عن غيرها من النساء (الفصل الثالث). أو في التعامل التجاري، وفي المساومة والمقايضة بين البائع والشاري في السوق حيث يتودد الواحد منهما للآخر بقصد المنفعة الشخصية والربح عن طريق الإفادة من الإخاء ووحدة الحال (الفصل الرابع). أو تتجلى في العمل لكسب الجاه والنفوذ عن طريق التحكم بالعوائل والأنساب (الفصل الخامس). أو في التعامل مع الأمراء أو التعاطي مع (العلماء) – علماء الدين (الفصل السادس). أو أنها تتجلى في تنظيم المدن أو في السيطرة على الحكم عن طريق التمسك بالأصوليات والتحالف بين العشائر والقبائل والطوائف (الفصل السابع).

وبالرغم من تعدد هذه النواحي المسلكية وتنوّعها فهي تقوم على قاعدة ثنائية واحدة موحّدة – قاعدة تنظيمية تجمع بين المحور، وهو القطب المهيمن، والأفراد التابعين له الذين يدورون في فلكه، تماماً كالدولاب من دون إطار. وهذا أمر منتظر في غياب التنظيم الهرمي للسلطة وما يستتبع ذلك من تدرّج في المناصب. ففي غياب التنظيم الهرمي للمجتمع تصبح الهيمنة محور العلاقات الاجتماعية والسياسية. من يهيمن على من: الزوج أم الزوجة؟ الأب أم الأبن؟ الأخ الأكبر أم الأخ الأصغر؟ السلطان أم مستشاره؟ الرئيس أم نائب الرئيس؟ الملك أم ولي العهد؟ هذه تساؤلات يطرحها العرب على أنفسهم في شتى المجالس واللقاءات، يطرحونها على أنفسهم في الأفلام السينمائية، في أحاديث المقاهي والمجالس، في الروايات، وفي العمل السياسي.

وفي غياب البُنى الهرمية للمجتمع يحاول القائد الهيمنة على الآخرين من خلال العادات والتقاليد والأعراف المسلكية البسيطة. هذا بالإضافة طبعاً إلى استعمال القسر والجزر والتهديد بقطع الأعناق والأرزاق، و (مصّ الدماء) و(فكّ الرقاب). فلكل حركة معنى، ولكل طرفة عين مغزى، ولكل رفّة جفن لفتة، ولكل إصبع دليل. تصبح هذه معاني اجتماعية تفيد عن مدى السطوة التي يمارسها الفرد على الآخرين. يصبح النظر والبصر ومكان الجلوس وأصول الضيافة وفنون التكريم وغيرها أدوات تراتبية تميز القوي عن الضعيف. وتصبح الإشارة العفوية معنى. (بلا معنى) أي له معنى، و(بعيد عن السامعين) أي فليحذر السامعون.

إن الإصرار على الظهور بمظهر القوي، من جهة، والتعامل مع العالم على أنه مؤلف من وحدات متساوية ومستقلة، من الجهة الأخرى، يفرض علينا السعي الدائم لنكون الأولين بين المتساوين، نحن دائماً في سباق (الأول) مع الآخرين. (الأول) في الصف، أياً يكن نوع الصف، في المدرسة، أو لشراء تذكرة سينما، أو لابتياع حاجة ما، أو لتحضير باسبور. (الأول) للبدء بالطعام و(الأول) بالانتهاء منه وكأننا في سباق مع الأكل. (الأول) في السير ولو تطلّب ذلك (الدوبلة) بالسيارة من جهة اليمين أو من جهة اليسار – ولا فرق هنا بين اليمين واليسار، المهم هو (الأول)، (حربوق) ولو إلى جهنم. (الأول) في الصعود إلى الطائرة و(الأول) في النزول منها، (الأول) أمام الله يوم الحشر، فإما الجنة وإما النار.

وهناك تلازم واضح بين هذه الذهنية المتمثلة بالأحكام الأربعة السابق ذكرها، والمسالك والقيم في مجتمعنا العربي. التكتيك قبل المنصب. نقوّم الناس عندنا بقدرتهم على (الحربقة)، ومعرفتهم (مِن أين تؤكل الكتف)، (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب)، و(الكذب ملح الرجال). (يأخذك إلى البحر ويردّك عطشانا). (يقلي البيض بلا سمن). (يحافظ على شعرة معاوية). (يستل الشعرة من العجين). (واسع الحيلة)، (ثعلب)، (ينكح النملة).

(الحربقة) و(التكتيك) أهم من الصلاحيات، والشخص أهم من المنصب، الشخص هو المنصب عينه، فإذا كان هذا صحيحاً، وهو صحيح، فلا عجب أن يصبح الاغتيال والتهديد به أسلوباً سياسياً ناجحاً. فكم من إمبراطورية أو دولة أو حزب أو تنظيم سياسي دمّر على أثر اغتيال مؤسسه. التدرج الهرمي عندنا ينحصر في العلاقة الثنائية بين الزعيم والتابع، بين القائد والمؤيد، بين الشيخ والمريد، بين الإمام والأمة، بين الأمير والشعب – دولاب يدور بدون إطار – وسرعان ما يفرط عقد الاجتماع حينما يولي الأمير ظهره، وسرعان ما يتجمع حين يعود. فالجمع الذي يتحوّم بحضرة الأمير يتبخّر بغيابه.  ابن خلدون  وصف القائد (بحَضْرَة)، (ذي حَضْرَة)، أي أنه دائماً حاضر والناس من حوله جمهور.

في هذا التصوّر اللاهرمي للمجتمع يصبح التفرّد أو الانفراد ضعفاً. فإذا كانت الحقيقة مكوّنة من وحدات مستقلة ومنفصلة ومتساوية، فلا تتجلى القوّة إلا بالمجموعة – أي جمع الحبّات المستقلة. يخاف العرب الانفراد – (استفرده) أي أوقع به، فخّخ له. والمستفرد مقطوع، (صعلوك بين قومه)، (من لا أخ له كساع إلى الهيجا بغير سلاح). (التبرية) أي الوضع بالانفراد فعل جزاء، والمقاطعة قصاص، والانعزال مسألة فيها جنون.

هذه المعتقدات الشعبية تجعل المرء في صراع دائم مع نفسه. فهو من جهة يخاف العزلة والانفراد، ومن الجهة الأخرى يسعى ليكون الأول في مجموعته. وبسبب هذا الصراع يسعى المرء إما أن يكون مهيمناً (بكسر الميم)، وإلا أصبح مهيمناً عليه. فالساعي إلى المركز (الأول) بين متساوين عليه أن يهيمن على الآخرين. السعي للهيمنة مفهوم ومسلك أساسي في تعاملنا مع العالم – هو امتداد حتمي للسلطة الإلهية. هو الله (القادر)، و(الناصر)، و(الفاتح)، و(القيوم)، و(المجيد)، و(العزيز)، هو (الرحمن الرحيم). فالضعيف لا يمنّ على الناس بالرحمة.

في هذا التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع تدور السلطة في فلك الأقطاب الأقوياء. السلطان للقوي، (الحكم لمن غَلَب). فإذا كان الحكم لمن غلب فلا حاجة بنا لقواعد معيرة للخلافة. الخلافة لصاحب القوّة، والنفوذ، للفاتح الناصر المنتصر. والقوة تكمن في الأصوليات – في الأهل والجماعة، في النخبة أهل الحل والربط، ولا تكمن في عامة الشعب. الشعب أحجار (داما) تحرّكها النخبة السياسية، الخاصة، صاحبة الودّ والولاء. الشعب عجل مذبوح يؤكل لحمه ويُشرب دمه، ويبقى الأسد سيد الغابة.

تمعّن ايها القارئ في المعاني التي ترمز إليه الحيوانات الوارد ذكرها في كتاب (كليلة ودمنة) أو كتاب (الأسد والغوّاص). ففي هذين الكتابين الكلاسيكيين يصوَّر الأسد على أنه السلطان، ويصوَّر الثعلب، المحتال صاحب التكتيك، على أنه مستشار له. أما العجل والأرنب والحمار والثور فهم الشعب الذي يؤكل لحمه. ويقول المثل الشعبي: (ابتعد عن الشر وغني له). الشعب متفرّج على مسرح السياسة، مفعول به، تماماً كالحمار والأرنب والعجل والثور في (كليلة ودمنة). جمهور لا يحكم ولا يحاسب حاكماً. فإذا كان الشعب متفرجاً لا يقوم بدور فعال في تقرير مصيره، فهو مجموعة حبات مستقلة ومنفصلة لا تقوم قيامتها إلا بقيادة الإمام الأمير. بهذا المعنى ليس في مجتمعنا جمهور محاسب، يترصد الحكم ويتساءل عن صحة القرارات. وإذا ما غاب الجمهور المحاسب غابت معه الجمهورية. الجمهوريات عندنا، مهما تنوّعت، هي اسم لغير مسمّى، والحاكم سلطان ولا فرق في ذلك بين رئيس وأمير وإمام، أو ملك وسلطان و(شيوخ). فالأنظمة كلها، مع الاحتفاظ بالألقاب، تحكم البلاد حكماً إمامياً أميرياً أوتوقراطياً.

الفصل الأول

اللعب والايديولوجيا

إن الأحكام الأربعة التي ذكرتها في المقدمة أحكام ذهنية يمكن تعميمها على نواح عدّة من نواحي الحياة. هي نظام ايديولوجي شامل يتجلى في فنون اللعب كما يتجلى في المسالك والمذاهب الاجتماعية وفي القيم والنماذج الحضارية. ولعل هذا الارتباط بين الأيديولوجيا واللعب يبرز بوضوح في اعتقاد العرب أن ترتيب (طاولة الزهر) إنما يعكس تنظيماً كونياً عاماً. هي للعب إنما ترتبط، كما يعتقد البعض، بالنظام الكوني العام. (فالطاولة) بشكلها المربع، وهي مفتوحة، ترمز إلى كمال الأرض اللامتناهي. وترمز الخانات السوداء والبيضاء المحفورة في الخشب إلى الليل والنهار. كما ترمز الجوانب الأربعة التي تصف في كل منها الخانات الستة إلى الفصول الأربعة؛ وعدد الخانات الاثنتي عشرة في كل جانب إلى عدد الأشهر في السنة؛ والخانات الستة إلى الأيام الستة التي خلق الله فيها العالم؛ والأحجار الثلاثون إلى عدد الأيام في الشهر؛ والخانات الأربع والعشرون إلى عدد الساعات في اليوم الواحد.

ثم إن تكتيك اللعب نفسه يمثل حركة الكون كلها بما فيها من ديناميكية وتبدّل حظوظ وتغير منازل. فهي إذاك مجتمع متحرك أبداً. (الدنيا دولاب، يوم لك ويوم عليك، فإن كانت لك فلا تبهر، وإن كانت عليك فلا تقهر). الأحجار تتحرك حسب الزهر، وهو الحظ المصير المعطى إلى الإنسان بفضل الله وعونه. ومن بعد ذلك ينقل اللاعب الأحجار ويحرّكها وفقاً لاستراتيجية خاصة تعكس قواعدها أصول التنظيم والعمل في المجتمع العربي – الأحكام الذهنية الأربعة.

تُلعب (طاولة الزهر) عادة بثلاث طرق: أولاً: (المحبوسة) (من حبس، أي سَجَنَ) التي يعتبرها الناس أكثر سفسطة من غيرها، يقولون أنها تحتاج إلى فكر وتفكير ولا تعتمد على الحظ فقط. ثانياً، ما يسمى (بالفرنجية) التي تعتمد – هكذا يعتقد الناس – على الحظ أكثر من المهارة؛ غير أن هذا الاعتقاد غير صحيح، ثالثاً، (المغربية) أي الآتية من المغرب، وهي أبسط الأنواع وكثيراً ما يلعبها الأطفال . إن أياً من هذه الأنواع يعكس الأحكام الذهنية الأربعة التي ذكرناها سابقاً: أي التصور اللاهرمي للكون والمجتمع؛ الضعف في الانفراد، القوّة في التجمع، والاعتماد على التكتيك بدل المنصب في التعامل مع الغير.

يتجلى التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع في اعتبار الأحجار الثلاثين كلها متساوية في القيمة، ومستقلة، بعضها عن البعض. هي على عكس لعبة (الشطرنج)، مثلاً، التي تختلف أحجارها في القيمة وكيفية التحرك. ففي لعبة الشطرنج هناك الملك والملكة، والفيل والحصان، والقلعة والجندي العادي، وكل منها يتحرك بأسلوب معيّن وبطريقة خاصة، إن (طاولة الزهر) مبنية على الإيمان بأن (في كل نفس إماماً) فالأحجار كلها متساوية إنما يتخذ البعض منها أهمية مميزة حسب وروده في اللعب وحسب موقعه بالنسبة للأحجار الأخرى، وهذه هي بالضبط استراتيجية اللعبة من الأساس.

تتطلب استراتيجية اللعب في هذه الألعاب تحريك الأحجار بشكل يضمن عدم استفرادها؛ فهي إن استفردت (تؤكل). وتتجلى فيها أحكام الذهنية العربية بشكل واضح. يتجلى التصوّر اللاهرمي في اعتبار الأحجار كلها أحجاراً منفصلة ومتساوية القيمة كلها هكذا منفردة. كما تتجلى فيها الأحكام الأخرى بالتشديد على التكتيك دون المنصب، وعلى نشدان الحماية عن طريق الانتماء المجموعي، وتسجيل الأرباح عن طريق (الحبس) أو (الأكل).

ثم إن العاب التسلية والرياضة الأخرى تظهر بالتالي الأحكام الذهنية نفسها، خُذ لعبة (البيل)، مثلاً، أو لعبة (الأسير) أو لعبة (الباصرة) فهي كلها تتبع الأحكام الذهنية عينها. وهنا يجب التأكيد على أن ما يهمنا من هذه الألعاب الألعاب المحلية الوطنية النابعة من صميم خبرتنا الحضارية، من تراثنا وقيمنا وتقاليدنا، ولا يعنينا في هذا الشأن الألعاب المستوردة من الخارج ككرة الطائرة أو المضرب أو السلة أو القدم وغيرها من الألعاب الهرمية التركيب.

تقوم لعبة (البيل) على قاعدة ذهنية أساسية واحدة: الفرد ضد الكل وهي إذاك تبرز نواحي ذهنية عدة تتمحور حول تكوّن الشخصية في المجتمع العربي، ومن أبرز هذه النواحي الإصرار على مبدأ (الأول بين متساوين).

إن الإصرار على (الأوَّلة) (إن صح التعبير) في العمل والتعامل أضفى على اللفظ نفسه معنى سحرياً، الأولون هم الأجداد، هم السالفون، هم السابقون الذين نحن على خطاهم سائرون. ولشدة ما يتمسك العرب (بالأولة) لم يهتموا خلال تاريخهم الطويل في تطوير قواعد ثابتة معيّرة واضحة المعالم للخلافة في الحكم – (الحكم لمن غلب). فأصبحت الخلافة إذاك مشكلة سياسية متتالية تواجه الدولة عند زوال كل حكم سابق وانهياره. الإصرار على (الأول) يستتبع فرضاً التعامل مع الآخرين على أساس أنهم متساوون. فإذا شاء كل منا أن يكون الأول فالصراع إذاً، وهذا تحصيل حاصل، محصور بين متساوين – تماماً كأحجار (طاولة الزهر) و(الداما) و(المنقلة) حيث يكتسب الحجر الفرد أهمية خاصة – يكتسب دوره – تبعاً لمركزه وموقعه من الآخرين.

بهذا المعنى يصبح التركيز على الإجماع والعمل الجماعي تكتيكاً غرضه الوصول إلى المركز الأول – القوم (تيار يحتاج إلى بحّار). نحن في مسعى دائم للمركز الأول بين المتساوين. فكما أسعى أنا للمركز الأول أنت أيضاً تسعى للمركز عينه، الأمر الذي يولد في نفوسنا الشك والتشكيك بنوايا كل من هم حولنا حتى ولو كانوا من الأقرباء المقربين.

من هذا المنطلق نحن شعب يعاني من الوحدة في المجموعة. ننشد المجموعة لتبوّء المركز الأول فيها. ننشد المجموعة لشعورنا بالوحدة. نغالي بعدد الأصدقاء ونوصد الباب في وجوههم، لا نسمح لأحد أن يقترب من ذواتنا. نخاف الحب، نخاف على ذواتنا من الأقارب المقربين؛ (الأقارب عقارب). نطلب المساواة سعياً وراء الهيمنة. من طبائعنا اللين في التعامل، اللين مسموح، أما الحب والمحبة فعلى الله الاتكال. حبنا، إن أحببنا، يسير في اتجاه واحد. هي تحبني وأنا البطل العظيم! أمارس البطولة بسبب حبها لي – أنا عنتر. وإن أحببت أصبحت (مجنون ليلى). الحب جنون. في حضارتنا عشق ووصال، أما الحب فممنوع على الرجال الأشاوس حملة البنادق والسياط. نحن في مسعى دائم إلى المركز الأول بين متساوين عن طريق القسر والهيمنة.

إن غياب البنى الهرمية في الألعاب، غياب التنظيم المتدرج السلطات والأدوار، يعكس واقعاً حضارياً عاماً يتكرر هو إياه في نماذج مسلكية عدة. خذ، مثلاً، فن الهندسة المعمارية عند العرب، تَرَ أن الإنجازات الكبيرة كقصر الكوردوفا في الأندلس، أو جامعة القرويين في فاس، أو جامع الأزهر في القاهرة – هذه النماذج المعمارية الضخمة تقوم في عظمتها على (وحدات) أو (حبات) هندسية متشابهة، أي القوس العربي الذي يتكرر مراراً في جميع الاتجاهات ليكوّن أشكالاً هندسية جميلة. فبالرغم من ضخامة البناء يبقى التصميم الهندسي مؤلفاً في الأساس من وحدات هندسية بسيطة متشابهة ومتساوية في الشكل والمضمون. هذا بخلاف الفن المعماري (الغوتي) في أوروبا، مثلاً، الذي تختلط فيه عدّة أشكال هندسية متنوعة لتكوّن بناءً منسجماً ومعقد التركيب.

يرى العرب الكون خيماً متشابهة التركيب تتناثر أو تتجمع على أرض مسطحة واسعة، ولا يرونها أهرامات متدرجة السلطات والمناصب. فالمجتمع البشري أمة مؤلفة من إخوة (التشديد على المساواة في لفظة إخوة) يدورون في فلك إمام قائد، ولا يرونها دُوَلاً تقوم على توزيع السلطات والصلاحيات والمناصب المختصة. (أمة) من (أم) أي (جاء) إليه أو تبعه، ومنها (الإمام)، أي الشخص الذي يؤمه الناس وينتظمون في فلكه بروابط ثنائية تتكرر هي إياها لتكوّن مجتمعاً مرصوص البنيان. هذا المجتمع الذي يقوم، تماماً كجامعة القرويين في فاس، على تصوّر هندسي واحد أساسه الفرد، والفرد حلقة في سلسلة.

إن التصور اللاهرمي للواقع والحقيقة قد طبع نظرة العربي إلى المجتمع بطابع خاص. فالمجتمع أمّة مؤلفة من إخوة وأخوات، وحدات متساوية، وإن أتخذ البعض منهم أوّلية التحكم بالآخرين ولو إلى حين. وتتجلى هذه النظرة اللاهرمية بوضوح في غياب التصوّر الطبقي للمجتمع.

 خذ الألقاب التي نستعملها للدلالة على تفاوت المنازل (كبيك) و(زعيم) و(باشا) و(أفندي)، تَرَ أن هذه الألقاب تستعمل للدلالة على من هو أرفع منك منزلة أو من هو أحط منك. يقال للبيك (بيك) وللخادم، على سبيل السخرية، (بيك). تستعمل الألقاب للتورية لا للدلالة على منزلة معينة ثابتة، محصورة المعنى والمدلول.

هذه الإشكالات في استعمال الألقاب امتداد لتصوّر المجتمع تصوّراً مسطحاً لا هرمي الشكل والمضمون. ولما كان مجتمع الأمة مجموعة من الإخوة والأخوات أصبح الإنسان الفرد حلقة في سلسلة، والسلسلة وحدات منتظمة العقد. فلا يأتي الإجماع والتجمّع والتماسك الداخلي عن طريق التنظيم الهرمي، إنما يأتي كسلسلة، كمسبحة، كمشط، كحبل..

وفي ظل هذه التصورات اللاهرمية للمجتمع، مصحوبة بالتشديد على مبدأ الأول بين متساوين، يصبح الوقوف في الصف، ينتظر كل منا دوره، مشكلة، ترى الناس عندنا تتجمهر لاحتلال المركز الأول. كلّ يتسابق لإنجاز عمله قبل الآخرين. وكثيراً ما نلاحظ هذه الظواهر في دور السينما، في السير، في المراكز التجارية، في المكاتب الإدارية وغيرها. وفي غياب التصوّرات اللاهرمية للمجتمع لا يمكن أن تبرز المجموعات الأصولية والتجمعات العصبية إلا عن طريق القوّة والهيمنة والقسر، وذلك بأن تسيطر مجموعة ما على المجموعات الأخرى. الهيمنة محور العلاقات المميزة في المجتمع العربي. الاستئثار بالقوّة هو الذي يميز بين فصائل المجتمع برمته. وتبرز هذه المقولة في ممارسات إتنوغرافية ومعتقدات دينية عدة. فالقبائل الضعيفة موالية، والقبائل القوية أشراف وأصول؛ الفقراء مستضعفون، والأغنياء أقوياء..

فإذا كانت الهيمنة أسلوباً للتعامل بين البشر فالعنف أو التهديد به يصبح سيد الموقف. اللجوء إلى العنف أو التهديد به لفضّ المشاكل البسيطة والمعقّدة أمر محتوم يبرز في كثير من تفاعلاتنا اليومية. التهديد بالضرب والقتل والاغتيال والاحتلال والتهجير والتدمير وقطع الأعناق وسفك الدماء يصدر عنا بشكل تلقائي عفوي لا شعوري. العنف من صلب تراثنا. العنف كأسلوب للتعامل جزء من شخصيتنا الاجتماعية والنفسية. حتى أننا نفهم الحب، الحب المقدّس، وممارسة العشق والوصال نفهمه (فتحاً) و(خزقاً) و(قرطاً) و(حرثاً). واللجوء إلى الهيمنة والعنف، أو التهديد بهما، أسلوب شامل وعام. يهيمن الله القادر والفاتح والناصر على الكائنات، ويهيمن الإنسان على الطبيعة، والأمير أو الإمام على أخيه الإنسان.

الفصل الثاني

العالم مجموعة من الأقرباء اللزم

يتجلى التصوّر اللاهرمي للمجتمع بأروع صوره في التعامل مع العالم حولنا وكأنه مجموعة

من الأقرباء اللّزم. ليس اللعب وأساليب اللعب ضرباً من ضروب التسلية فحسب، إنما هو جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي العام، جزء من الأيديولوجيا الشاملة، جزء من القيم الأخلاقية والأوّليات المسلكية. فالسعي الدائم للوصول إلى مركز الأول بين المتساوين عن طريق العنف والهيمنة والقسر والجزر يولد أجواءً قلقة في نفوس الناس المتفاعلين. فبينما يحاول المرء ان يهيمن ليحتل المركز الأول بين قومه، هو في الوقت نفسه يحاول أن يكون قريباً منهم، متساوياً معهم، يدافع عنهم، يحميهم. هو في آنٍ معهم وضدّهم، وهذا مصدر القلق.

هذا المسعى المتناقض، أي أن يكون الأول بين متساوين، يفرض على المرء أن يكون ليّن العريكة – يتأرجح بين هذا الموقع المهيمن وذاك الموقع الأليف. وليكون الأول بين المتساوين على المرء، إذاً، ان يساوي بين الناس ثم يسعى أن يكون أوّلهم. هو يساوي بين الناس بالتقرّب منهم ومعاملتهم وكأنهم عائلة واحدة من الأنساب. التقرّب من الناس طلباً للمساواة خطوة أولى للسعي وراء المركز الأول.

نطلب المساواة من العالم حولنا بأن نأتيه، نتفاعل معه، وكأنه مجموعة من الإخوة والأخوات، الأعمام والعمات، الأخوال والخالات، وأبناء العم. نستعمل هذه الألفاظ في تفاعلاتنا اليومية لنتقرّب من الناس، نتعاطف معهم، نتساوى وإياهم، ولنعبّر عن وضعنا النفسي تجاههم. غير أن اللجوء إلى هذه الألفاظ النسبية لا يأتي بطريقة عشوائية إنما يتبع نماذج ثابتة تتكرر تلقائياً في مجالات متنوعة من مجالات التفاعل. وسأتناول في البحث الآتي هذه النماذج مشيراً إلى تأثرها وتأثيرها بأحكام الذهنية الأربعة التي ذكرتها سابقاً.

إن أول ما يلاحظه الباحث في هذا المضمار هو تشعب استعمال النسَب ليشمل الأقرباء وغير الأقرباء كما يستعمل للدلالة على حالات نفسية واجتماعية متنوعة. نستعمله للتعبير عن الصداقة والعداوة، وعن الجدّ والهزء، والغضب والراحة، والاحترام والتأنيب، أو الإلفة والبغضاء، أو للتقرّب من الآخرين والابتعاد عنهم في آن. إن استعمال ألفاظ النسب في التفاعلات اليومية عالم قائم بحد ذاته يعبّر عن ايديولوجيا التفاعل بين الناس وعن أوضاعهم النفسية كما يعبر عن منازلهم الاجتماعية. بالطبع، يمارس الناس هذه الأمور بطريقة عفوية لا شعورية. إن ألفاظاً كأخ وأخت، وعم عمّة، وخال وخالة لا تستعمل للدلالة على الشخص الذي تعنيه فحسب إنما تستعمل لتحديد موقعنا وموقفنا من الآخرين.

تستعمل الألقاب الدينية والدنيوية التي تشير إلى منصب رسمي (كجلالة) و(سيادة) و(فخامة) و(دولة) و(معالي) و(سمو) أو (فضيلة) و(نيافة)، و(سماحة) و(غبطة) بشكل مباشر للدلالة على المركز الرسمي الذي يحتله الشخص. هذا بغض النظر عن العلاقة التي يرتبط بها المتخاطبون. فالأصدقاء والغرباء والأنساب والكبير والصغير كلهم يستعملون هذه الألقاب للدلالة على الشخص الذي يحتلها. وإذا ما استعملت هذه الألقاب بالشكل المعكوس، كأن يقول رئيس الوزراء لأحد معاونيه (دولة)، فذلك إنما يعني الهزء والسخرية أو التوبيخ والتأنيب. أما إذا استعملت بالشكل المعمم فهي تدل على الإلفة والصداقة بين الناس، كأن يقول أحد الناس لصديقه مازحاً: (يا دولة الرئيس) وهو ليس برئيس، تقال للتحبب، للتعاطف، أو لتمني توقعات مستقبلية، أن تستعمل هذه الألقاب للتورية فهي تشير بذلك إلى المساواة بين الأصدقاء والمعارف. إنه رمز من رموز الصداقة المتينة ان يشعر الإنسان بحرية تامة أثناء تفاعله مع الآخر. تقال للمزاح بين الأصدقاء وتقبّل المزاح مقياس لعمق الصداقة. والعكس صحيح، فإذا ما استعملت هذه الألفاظ للتورية بشكلها المعمم بين أشخاص لا تجمعهم المحبة والإلفة والصداقة فهي ضرب من ضروب الهزء والسخرية – الذم في معرض المدح.

في هذا المجال يمكن التمييز بين أربعة أنواع من الأنساب والأحساب:

1- اللفظ الذي يفيد الأصل العائلي.

2- اللفظ الذي يشير إلى مجموعات متنوعة من الأقارب.

3- اللفظ المشتق من قرابة الحسَب والنسَب المباشر.

4- اللفظ المشتق من قرابة الزواج والمصاهرة أو الطقوس الدينية.

إن الألفاظ التي تشير إلى الجذور العائلية تشمل في ما تشمل (أصل) و(نسَب) و(حسَب) و(أسباط) و(أحفاد) و(سَلَف) و(خَلَف). وتشير لفظة (نسب) إلى الأجداد الذكور المنحدرين عن طريق الأب، ولفظة (حسَب) إلى الأجداد الذكور المنحدرين عن طريق الأم. يقال فلان (ذا حسَب ونسب)، أي أنه عريق الأصل من جهة الأم والأب. أما (أسباط) فتعني الذكور من أبناء الأبنة أو المنحدرين منها، و(أحفاد) أبناء الابن أو المنحدرين منه. وكثيراً ما يرجع العرب أصول عوائلهم إلى مكان استيطانهم أو ديارهم، وهذا ما يعرف (بالنسبة)، (كمغربي) من المغرب، أو (شامي) من الشام، أو (حوراني) من حوران، أو (يماني) من اليمن، أو (مصري) من مصر، ويرجع البعض منهم أصولهم إلى أسماء القبائل القديمة كقحطان وعدنان وتغلب، أو إلى أسماء الأنبياء والرسل أو الصحابة والأنصار.

ويأتي (الأصل) كسمة خاصة من سمات الشخص الفرد وقلما يأتي كصفة من صفات المجموعة ككل. يقال أن فلاناً (ابن أصل) أو أن له (حسباً) و(نسباً)، جمع المجد من أطرافه، وصاحب الأصل هو صاحب الجاه والقوة والنفوذ في المجتمع. فكلما ارتفعت منزلة الفرد اجتماعياً، عمقت جذوره السلالية تاريخياً. لا يدّعي الأصل إلا صاحب الجاه. ولذا نرى أن لفظة (اصل) تستعمل في المخاطبة اليومية للدلالة على السمات المرغوبة في المجتمع كالجاه والنفوذ، أو المهارة والاستقامة والكرم، أو الدلالة على التمسك بالمبادئ والصداقات القديمة، فصاحب الأصل لا يتخلى عن صداقاته، كريم، مضياف، وعلى استعداد دائم لمساعدة ذوي القربى وأبناء السبيل وطالبي الحاجة. والعكس صحيح. فإذا ما فقدت هذه الصفات عند شخص ما، أصبح (بلا أصل).

وباستثناء لفظة (سَلَف) فإن الألفاظ التي تقيد الأصل العائلي نادراً ما تستعمل في التفاعلات الاجتماعية بشكلها المعاكس أو بشكل التعميم، وكثيراً ما تستعمل بمعناها المباشر فقط كأن يقال أسباط وأحفاد لمن هم في هذه المنزلة. غير أن لفظة (سلف) قد اكتسبت معاني عديدة عن طريق استعمالها بشكل التعميم أو التورية. ولعل السبب في ذلك هو الاعتقاد السائد بأن (السلف) أصلح من (الخلف) يقال (السلف الصالح) ولا يقال (الخلف الصالح) (فالسلف الصالح) هم المؤمنون الذين تمسكوا بأهداب الدين وأقاموا حدود الشرع والتشريع. ومن هنا لفظة (سلفية) التي باتت تعني التمسك المتشدد بالممارسات الدينية عن طريق العودة إلى سِيَر الصالحين. ولعل الهالة السحرية التي نحيط بها (السلف) تعود في الأصل إلى استذكار الإنسان ما يحلو له من تاريخه، فلا يعتبر من ماضيه إلا ما يبهر العين ويريح النفس. ينسى الإنسان (أو يتناسى) وهذا شأن نفسي بحت، ما أصابه من ألم وعذاب وجوع وعطش في الماضي ويتمسك بإنجاز الحاضر.

وفي هذا النسيان أو التناسي مهرب بسيكولوجي رائع يمكن الإنسان من التمتع بلذة العيش. فلو حفر الإنسان في نفسه كل ما أصابه من ألم في الماضي لمات من الحقد والكدر واليأس.

هذه الاستراتيجية في التعارف جعلت البعض منا يغالي في أصله مدّعياً ما ليس فيه، كما جعلت البعض الآخر يهزأ بأصل من لا يرغب بصداقته. ولذلك ترى ان المستضعفين في الدنيا يحاولون الالتفاف حول مجموعات سلالية كبيرة، كقبيلة وشعب، بينما يصرّ الأقوياء على انتسابهم إلى مجموعات سلالية صغيرة كجب وعشيرة ورهط وفصيلة وعترة. غير أن هذه الألفاظ، كقبيلة وفصيلة وشعب وعشيرة، ليس لها مدلولات اجتماعية واحدة إن من ناحية العمق السلالي أو العدد. هذا الإشكال والالتباس في المعنى والمدلول بؤدي بالضرورة إلى الغموض في التخاطب وتورية الأصل التاريخي الصحيح، كما يسهل عملية الدمج والإدغام تبعاً لظروف الفرد الآنية ومصلحته الشخصية. فإذا ما قوي المرء وارتفعت منزلته أصرّ على إبراز مجموعته الصغيرة الضيقة، وإذا ما ضعف ذاب في المجموعات الكبيرة. وبفعل هذا الغموض والإشكال أصبح اللفظ الواحد يحمل معاني مختلفة لمجموعات سلالية متنوعة. (فقبيلة) مثلاً، قد تطلق على المنحدرين من الجد الأول عدنان أو قحطان، أو من المتفرعين من عدنان كربيعة ومَضَر، أو المتفرعين عن ربيعة كقريش وكنانة. وفي السياق نفسه فقد تطلق لفظة طالب أو بني العباس على المتفرعين من بني هاشم.

وهناك حفنة من هذه الألفاظ (كأهل) و(عائلة) و(قربى) مما يستعمل بالتورية لبث روح الإلفة والمساواة ووحدة الحال بين المتخاطبين. وكثيراً ما يرد هذا النوع من التخاطب على ألسنة السياسيين وأهل الحكم خاصة في الأزمات المصيرية، وذلك سعياً وراء التأييد الشعبي والدعم أو لغرض التعبئة والاستنفار. فمن الملاحظ أن الدعوة إلى التماسك الداخلي والوقوف في الصف الواحد، أو في الخندق الواحد، إنما تأتي عن طريق تبني الأصل السلالي الواحد. وهذا واقع اجتماعي يمارسه أصحاب النفوذ والجاه دون غيرهم، إذ لو شاء أحد المستضعفين فعل ذلك لأصبح عرضة للهزء والسخرية. هي لغة القوي أن يقول للضعيف إنهما ينتميان إلى أهل وعائلة واحدة. وإذا شاء المستضعف أن يقول ذلك لاعتبر قوله ادعاءً فارغاً في غير محله. القوي يتساءل عن وضع عائلة المستضعف، والمستضعف يجيب بالتشكر متمنياً لصاحب النفوذ والجاه الصحة والعافية، فالتساؤل عن عائلة صاحب النفوذ من قبل المستضعف مهين له. إذ إن عائلة صاحب الجاه هي في عالم (الخاصّة) وليست في عالم (العامّة) وهي ليست موضع تساؤل. فالتساؤل عن العائلة (من عال، يعيل) يعني القدرة على الاهتمام بها. تساؤل المستضعف إذاً عن عائلة صاحب النفوذ هو في غير محله، وهو ضرب من ضروب الادعاء الفارغ، بمعنى آخر. بينما يحاول صاحب النفوذ والقوة التقرّب من العامة عن طريق الادعاء بأنهم أهل وعائلة واحدة، تحاول العامة تلبية أمنيته بالإشارة إلى سيادته وسطوته وجبروته.

أما الألفاظ المشتقة من نسب الدم والرحم، وممن يقال لهم أقارب (لَزَمْ) (أي إلزام، واجب) أو المشتقة عن طريق المصاهرة والزواج، أو من العقود والطقوس الدينية، فإنها تخضع لنماذج اجتماعية مختلفة جداً عن سابقاتها من الألفاظ.

من الملاحظ أن أقارب الدم هم المنحدرون عن طريق الأب، فالدم في حضارتنا يسيل أبوياً لا أمومياً. بالطبع، يحدثنا علم البيولوجيا بغير ذلك إذ إن المولود، ذكراً أم أنثى، مكوّن مناصفة من جينات الأب والأم. والتعبير الشائع (ما فيك دم)، والذي يقال للإذلال والإهانة، إنما ينكر على المخاطب أصله وجذوره الأبوية، وكثيراً ما يقال هذا التعبير في حالات الإخفاق في الدفاع عن الشرف والأعراض.

وتستعمل ألفاظ نسب الدم والرحم بصيغة التعميم أو التورية لتشمل العالم كله. تخاطب العالم وكأنه مجموعة من الإخوة والأخوات، الأعمام والعمات، أو الأخوال والخالات، عالمنا (مسبحة) مصفوفة حباتها بالتساوي كأسنان المشط – الصورة اللاهرمية للمجتمع.

إن أول ما يلاحظه الباحث في هذا المضمار هو أن استعمال هذه الألفاظ بصيغة التعميم يخضع للقواعد نفسها التي تتحكم بالعلاقات بين الأنساب. بمعنى آخر، نخاطب الغريب أو الغريبة (بأخ) أو (بأخت) أو (بعم) أو (عمّة) إذا ما كانوا بهذه المرتبة من ناحية العمر والمنزلة الاجتماعية بالنسبة إلى المخاطب، و(بعم) إذا ما كان أكبر سناً من المخاطب، أي بمنزلة العم منه، وهكذا دواليك، التخاطب على هذا النحو بين الناس يقيم المساواة بينهم ولا يزيل الاحترام والتقدير. وإذا حدث أن استعملت هذه الألفاظ بصيغة التعميم دون الأخذ بفارق العمر والمنزلة الاجتماعية، أدت النتيجة المعكوسة. فهي إذاك تقيم الإهانة مكان الاحترام والسخرية مكان الجد هكذا، كأن يخاطب رجل من العامة (البيك) صاحب الجاه والنفوذ (بأخ) أو (بعم)، أو أن يخاطب رجل ما فتاة تصغره سناً (بعمة) أو (خالة) بدلاً من (أخت) مثلاً، هذا نوع من المخاطبة قد يحدث بين عشيقين أو صديقين للمزاح – والمزاح مؤشر الصداقة والمحبة، ولا يقال في موضع الجد.

ولهذه الألفاظ، ألفاظ نسب الدم والرحم، (كأخ) و(ابن) استعمالات أخرى: تستعمل للدلالة على التماسك الاجتماعي وعلى وحدة الحال والمساواة بين الناس، شأنها بذلك شأن المجموعات السلالية (كأهل) و(بيت) و(شعب) وغيرها. وقد يظهر هذا الاستعمال الوضع النفسي للقائد بقدر ما يظهر تجاوب الأمة معه. خذ على سبيل المثال والمقارنة الطريقة التي كان يخاطب بها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الأمة والطريقة التي استعملها الرئيس الراحل أنور السادات.

كان عبد الناصر يخاطب القوم (بأخوة) و(أخوات) خصوصاً في وقت الأزمات السياسية، وكان يتحاشى لفظة مواطنين إلا في الحالات الرسمية. كان الهدف من هذا الاستعمال التقرّب من الأمة لغرض التعبئة العامة. وجاء خلفه السادات ليخاطب القوم (بأبنائي) لأنه كان يرى نفسه وصياً على الأمة كوصاية الأب على الابن. (أبنائي) ترمز إلى التعاطف والرأفة والعناية بقدر ما ترمز إلى الوصاية والموقف السلطوي من الناس.

أما الألفاظ المتأتية عن فعل الزواج والمصاهرة والطقوس الدينية فهي عالم أيديولوجي خاص قائم بحد ذاته، مرآة للمجتمع بما فيه من قيم الشرف والكرامة والعرض. لاحظ قبل كل شيء معنى بعض الألفاظ ومشتقاتها: (حرمة) من حَرَم وحرّم وحرام ومحترم ومحرّم، و(امرأة) من المروءة والرجولة والشرف. هذه الألفاظ تستعمل بصيغة التعميم لترابطها مع عالم الزواج والجنس. العالم الذي لا يجوز أو يمكن نقله إلى الغرباء. هذه الألفاظ لا تستعمل إلا للدلالة المباشرة على المرجع الذي تعنيه، فهي لا تستعمل بالشكل المعكوس ولا بالشكل المعمم خصوصاً إذا ما أضيف لها ياء الملكية – فلا يقال لأحد (امرأتي) أو (حرمتي) أو (سلفي) أو (صهري) أو (زوجي) إلا متى كان أو كانت في تلك المنزلة من المخاطب. أن يقال لأي امرأة (امرأتي) بشكل التعميم هو ضرب من ضروب التعدي على الأعراض، الأمر الذي قد يثير الحمية والنزاع.

الفصل الثالث

العائلة قبل الزواج، والأم قبل الزوجة

والآن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: لماذا يفضّل العرب الزواج من الأقرباء اللّزمْ؟ صحيح أن هذا النوع من الزواج يرتبط بالتصوّر اللاهرمي العام للمجتمع، ولكنه يرتبط أيضاً بتصور الإنسان لنفسه وبموقعه من غيره في المجتمع. يسود الاعتقاد أن الزواج من الأقارب اللزم يحافظ على (وجه) العائلة وشرفها، ولا ينال من منزلتها الاجتماعية، بمعنى آخر، يخفف هذا النمط من الزواج من تأثير فعل الزواج على العلاقات العائلية القائمة إن سلباً أو إيجاباً. فهو يُحْدِث الزواج وفي الوقت نفسه لا يؤثر في تركيبة العائلة والتوازنات القائمة ضمنها – يحدث الزواج وكأنه لم يكن. إن القرابات الجديدة التي يولدها الزواج الجديد، من مصاهرة وأرحام، تُلغى في حالة الزواج من ابنة العم وتبقى التوازنات العائلية التي سبقت الزواج هي إياها. الزواج من الأقارب اللزم يحدث الزواج بيولوجياً وينفيه اجتماعياً. هكذا – لأن العلاقات التي تسود بين أفراد العائلة قبل الزواج تتطابق في حال زواج أقرباء اللزم مع العلاقات التي تنشأ بعد الزواج. الأولية في التفاعل الاجتماعي للعائلة التي تلف الدنيا من حولنا بشكل معمم.

لا بد لأي زواج كان من أن يحدث بعض البلبلة في التوازنات التي يرتبط بها أفراد العائلة وذلك بإدخال عنصر جديد، الزوج – الصهر أو الزوجة – الكِنّة على الوضع العائلي. فالأب يصبح (عمّاً)، والأم تصبح (حماة) والإبن يصبح (زوجاً) والأخ يصبح (سِلفاً)، والعريس (صهراً). زواج الابن هو خطوة أولى لتأسيس عائلة منفصلة عن الأهل، الأمر الذي لا بد من أن يبدل التوازنات العائلية التي كانت تسود قبل الزواج. وبسبب هذا التبدل القلق ترى  العائلات تهتم كثيراً بزواج الابن والابنة.

الزواج عندنا ترتيب اجتماعي وليس رغبة شخصية. فالعائلة كلها، ولا سيما الأم والأخت، تساهم في اختيار العروس، ويقال إنه في بعض المجتمعات العربية التقليدية المحافظة تمنحن العروس من قبل الأم أو الأخت في عدة مجالات: مدى الجمال ومستواه، رائحة الفم، المزايا الجسدية الخاصة، الأطعمة المستحبة، وغيرها من الأمور الشخصية الخاصة. تنقل الأم أو الأخت هذه المزايا إلى العريس ليتم من بعدها القرار بالزواج سلباً أو إيجاباً. ولكثرة ما نحرص على كبت جماح العاطفة عند النساء وقت الزواج أو الوصال. هناك من الرجال من يأتي المرأة لغرض إنجاب الأطفال فقط. غراميات (ألف ليلة وليلة) عند بعض التقليديين المحافظين حكايات تروى وليست ممارسات تنفذ.

الزواج وسيلة لغاية أسمى، وهي العائلة، التي يتم تكوينها بالولادة، العائلة رابطة بين الوالدين (جمع والد) والمولودين، أياً يكن الوالد أو المولود. وبهذا المعنى يعتبر الترتيب العائلي أمراً طبيعياً، أي أنه يصح حدوثه في المخلوقات الحيوانية كما يصح في العالم الإنساني. فهناك كثير من الدراسات الموثقة وأفلام التلفزيون التي تتحدث عن الروابط العائلية في مملكة الحيوان الواسعة. فنحن، في تقديمنا العائلة على الزواج، أقرب إلى الطبيعة منا إلى الحضارة، فالعائلة شأن تطوري طبيعي، أما الزواج فشأن حضاري بحت يختلف ويتنوّع باختلاف الحضارات الإنسانية وتنوعها. فمن الناحية البيولوجية الصرف لاحاجة للإنسان إلى عقود أو طقوس دينية لتشريع الزواج في سبيل استمرار الجنس البشري جيلاً بعد جيل. إن تقديم العائلة على الزواج لهو في الواقع امتداد حتمي للسلطة الأبوية في العائلة، وما يترتب على هذه السلطة من أمور تتعلق بالشرف والكرامة والعرض. نحن شعب نعاني من عقدة الشرف والحب والعرض. نحارب لستر الأعراض وصيانة الشرف، نهرب من المعركة لصيانة الأعراض وحفظ الشرف، نثأر، نرحل، نبالغ، نكرّم، نُذِل ونُذَل، كله في سبيل صيانة الشرف وحفظ الأعراض. زواج الأقارب مفضل لأن ابنة العم أو العمة، أو ابنة الخال أو الخالة، (منّا وفينا)، شرفه شرفنا وعرضها عرضنا. تضع ابنة العم مصلحة العائلة الكبيرة فوق مصلحة الأسرة الصغيرة المكونة من زوجها وأولادها.

هذا بخلاف المرأة الغريبة التي تضع مصلحة أسرتها فوق مصلحة عائلة زوجها. وهذا أمر متوقع إذ إن شرفها وعرضها مصونان عند أبيها وأخيها وليس عند زوجها وحميها. ولذا يسود الاعتقاد عند البعض أن الزوجة الغريبة (قنبلة موقوتة) داخل الدار لا يعرف متى تنفجر. فإذا ما أساءت المسلك فعلى مربيها، أي أبيها وأمها وأخيها، أن يتدبروا أمرها، وعادة ترسل الزوجة التي تسيء المسلك إلى بيت أبيها، (بيت الطاعة) لتقويم الأعوجاج فيها.

ولشدّة تمسكنا بالشرف والعرض – وموضوعهما المرأة – تبقى المرأة العازبة مصدر قلق دائم لأهلها حتى تتزوج. ويكمن مصدر القلق في الاعتقاد السائد بأن المرأة عاطفية النزعة تحتاج إلى حماية، ودراية، وصيانة ووصاية، وكثيراً ما يقوم بدور الحماية والدراية فريق من النساء المتزوجات في العائلة من أم وأخت وحماة. الإصرار على السترة يجعل البعض، ولاسيما الرجال، يتمنى زواج الفتاة بأقرب وقت ممكن وذلك فور بلوغها الحيض حوالي الثانية عشرة من العمر. وهناك من يصر على زواج الفتاة قبل نضوجها الجسدي. يقولون للفتاة منذ صغرها (فرحتك) و(إنشاء الله نفرح بك) في كل مناسبة، ولا يقال الشيء نفسه للذكر إلا متى بلغ سن الرشد وأتخذ لنفسه عملاً منتجاً.

الزواج الداخلي من ابناء العم والعمة أو الخال والخالة ضمن العشيرة الواحدة لا يستر الأعراض فحسب إنما يقيم التكافؤ الاجتماعي بين الناس. ففي ممارسة الزواج يحرص العرب على التكافؤ الاجتماعي بقدر حرصهم على الشرف والأعراض. ومن الممكن هنا التمييز بين الشرف والعرض على أساس أن الأول، أي الشرف، من خصائص المجموعة بالنسبة إلى سمعتها ومنزلتها الاجتماعية بين الناس كالثأر والضيافة والكرم وغيرها. أما العرض فهو تلك السمعة التي تمس مكانة العائلة بالنسبة إلى مسلك النساء فيها. بمعنى آخر العرض هو الشرف الذي يتعلق بتصرّف النساء الجنسي. غير أن التكافؤ في الزواج، أو ما يعرف في الشرع الديني بزواج الكفاءة، لا يقاس بالضرورة بالنساء اللواتي يتزوجهن الرجل، إنما يقاس بالرجال الذين يتزوجهم النساء. الرجل صاحب الجاه والنفوذ والمنزلة العليا في المجتمع قد يتزوج ممن هي أوضع منه اجتماعياً، كالأصولي، مثلاً، يتزوج مدينية أو امرأة لا نسَب لها ولا حسَب، وهذا أمر لا يمس بالضرورة من سمعة العائلة أو ينال من منزلتها، وقد جرت العادة في التنظيمات القبلية أن يحصل هذا النوع من الزواج لاكتساب ودّ القبائل الضعيفة والاستئثار بتأييدها السياسي. فالمصاهرة، مصاهرة القوي للضعيف، تُكسب القوي ودّ الضعيف وتأييده. أن يتزوج صاحب النفوذ فتاة أوضع منه منزلة امر مقبول، وإن يكن غير مستحب. أما أن تتزوج صاحبة الأصل من هو أوضع منها منزلة، فهذا أمر مرفوض عرفاً وتقليداً وشرعاً. ويعتبر بعض الفقهاء الزواج غير المتكافئ سبباً ظرفياً للطلاق.

هذه الازدواجية في المعايير بين الذكور والإناث تؤثر بشكل واضح على انتماءات المولودين من أزواج غير متكافئين في المنزلة الاجتماعية. فالمولود من أب أصولي وأم غير أصولية يبقى أصولياً. أما المولود من أم أصولية وأب غير أصولي فهو عامي من طينة شعبية. أما المولود من أب وأم أصوليين فهو ذو حسَِب ونسَب، (جمع المجد من أطرافه) مؤصَّل الجدّين، وهذه أرفع المنازل، الأب قبل الأم، والأم قبل الزوجة.

إن تقديم العائلة على الزواج يؤدي بالضرورة إلى تجمع الأسر القريبة بعضها من البعض وتكاثرها في أمكنة سكنية خاصة. وما تقديم العائلة على الزواج في هذا المجال سوى باب آخر لبناء الخانات الاجتماعية والعصبيات بقصد الحماية والدفاع والكرّ والفرّ؛ أو العكس، لغرض التحرك الحرّ والمناورة.

الفصل الرابع

فخ القرابة: فنون المساومة في السوق

ليست المساومة، من الناحية الاقتصادية الصرف، نزعة حضارية معينة، إنما ترتبط بأوضاع السوق التجارية العامة. يمارس الناس المساومة لغرض تحديد الأسعار. ولذلك نرى أن هذا الفن، أي المساومة، يكثر في أوضاع تجارية لا تتبع سياسة ثابتة في التسعير، أو تطبيق مقاييس وموازين معيرة، كما أنها لا تتمتع بوسائل إعلام فعالة تفيد الشاري والبائع عن أوضاع العرض والطلب. والعكس صحيح، إذ أن وجود البضاعة والموازين المعيرة، والفصل بين المنتج والمسوِّق، والتحكم في الإنتاج وتوزيعه عن طريق التخزين، بالإضافة إلى وسائل إعلام ناشطة تفيد المستهلك عن الأسعار – هذه العوامل كلها تقلل من أهمية المساومة في السوق. غير أن هذه العوامل لا تلغي كلياً اللجوء إلى المساومة كوسيلة من وسائل تح

hewy:
ملخص كتاب: كتاب الجغرافيا الثقافية

أهمية الجغرافيا في تفسير الظواهر الإنسانية

تأليف: مايك كرانغ

ترجمة: د. سعيد منتاق

الناشر: اصدارات عالم المعرفة



الإطار  1-1

شبكة النبأ: في نهاية الخمسينيات استطاع المؤلفون أن يجمعوا أكثر من 150 تعريفاً مختلفاً للثقافة قيد الاستعمال في الكتب الأكاديمية. ولا يحاول هذا الكتاب أن يروج لتعريف محدد.

في الواقع إن المقاربات المختلفة المروية هنا يمكن أن تتضمن أفكاراً مختلفة نوعاً ما حول ماهية الثقافة. فالمبدأ الموجه في هذا العمل هو أن الثقافات هي مجموعة من المعتقدات أو القيم التي تعطي معنى لطرق الحياة وتنتج ويعاد إنتاجها من خلال أشكال مادية ورمزية. من هنا أريد أن أتجنب خاصة مفهومين اثنين: المفهوم الأول هو تصوير الثقافة بصفتها نوعاً من (الفُضالة المتبقية) بالنسبة إلى كل تلك الأشياء غير المفسرة في مجالات أخرى. وأناقش على أنها رئيسية جداً أكثر مما تسمح به هذه التفسيرات. والمفهوم الثاني هو أن ذكر (طريقة الحياة) يسائل مدى قدرة الفرد على الاختيار والتمهل، بينما يطرح إعادة إنتاجه قضايا التغيير على مر الزمن. والمجتمعات الحالية قد تنمي فعلاً علاقة بالثقافة تعتمد أكثر على (الاختيار والمزج) وهذا الإمكان قد وَضِّح بتفصيل من خلال الكتاب.

إن الافتراض الأولي للسواد الأعظم هو أن الجغرافيا الثقافية تتمحور حول الكيفية التي تعيش بها الثقافات المختلفة في مناطق الكرة الأرضية، ومن إحدى الحوافز الرئيسية بالنسبة إلى كثير من الطلبة الذين يعملون في الجغرافيا، هي افتتانهم بتنوع الحياة الإنسانية. ومما لا شك فيه هو أن تنوع الناس يعتبر نقطة بداية مهمة في حاجة إلى توضيح إضافي. فالجماعات المختلفة لا تتحدد باللباس المختلف والزخرفة وأساليب الحياة فحسب، وإنما توجه كذلك بـ(نظرتها الاعتبارية للعالم) وأولوياتها وأنظمة اعتقادها وطرقها المختلفة لفهم العالم. إذن، فالجغرافيا الثقافية تنظر إلى أشكال اختلاف الجماعات وثقافاتهم المادية، وكذا الأفكار التي تجمع بينهم وتجعلهم متماسكين. هذا يعني أن هذا الكتاب لن ينظر إلى كيفية انتشار الثقافات في الفضاء فحسب، ولكن أيضاً إلى كيفية فهم هذه الثقافات للفضاء. سنقتفي – إذن – أثر الأفكار والممارسات والأشياء التي تشكل معاً الثقافات، وبالتالي تشكل الهويات التي من خلالها يتعرف الناس على أنفسهم وعلى الآخرين. وسنفعل ذلك من خلال سلسلة من المقاييس ونحن نتأمل دور الدول، والإمبراطوريات والأمم، والشركات والنقابات، والمتاجر والسلع، والكتب والأفلام في إحداث الهويات. وتهتم الجغرافيا الثقافية بطريقة تجمع عمليات مختلفة في أماكن خاصة، وطريقة تلك الأماكن في تطوير المعاني للناس. ربما سننظر أحياناً إلى عمليات ذات مقياس عالمي، وأحياناً أخرى سنهتم بالجغرافيا المحلية للمنازل، والمقياس الحميمي والشخصي للأشياء التي تشكل العالم اليومي للأشخاص.

وهكذا فالجغرافيا الثقافية تعنى بتنوع وتعدد الحياة بكل غناها المرقش، بطريقة الناس في تأويل واستعمال العالم والأفضية والأماكن، ثم بالكيفية التي تساعد بها تلك الأماكن الناس على تخليد تلك الثقافة. سيضطر هذا الكتاب إذن إلى معالجة الطريقة التي تقيم بها الأفكار والمادة، والممارسات والأماكن، والثقافات والفضاء علاقات متبادلة فيما بينها. لن تجد جواباً واحداً، ففصول الكتاب تبين بالأحرى حالات ومقاربات مختلفة لجأ إليها الناس في هذه القضايا.

والثقافات لا تعنى فقط بالشعوب النائية الغريبة، ولكن تعنى أيضاً بالطريقة التي نحن – في الغرب – ننجز بها الأشياء. من السهل جداً أن تعتبر ثقافتك – بمعنى من المعاني – طبيعية، ومن ثم تنظر إلى الخصوصيات الغريبة لمجموعات أخرى. وكما صاغ ذلك بيير بورديو Pierre Bourdieu، إن أي ثقافة هي قصف من الألوان والأصوات المتنافرة حتى تتعلم القواعد التي توجهها وتدرك المراد منها( بورديو )1984، وهذا يعني ضمنياً أن كل ثقافة لها قواعد اعتباطية ومدهشة. وهكذا لاحظ مرة الانثروبولوجي مارشل سالينز Marshall Sahlins في قولته الشهيرة (إننا نسمي الهند أرض البقرة المقدسة لأن بعض العادات الهندوسية تبدو غريبة.. يُسمح لهذا الحيوان بالتجول حيث يشاء، ومع أنه صالح للأكل فهو لا يؤكل، ويتغوط حيث يذهب) طبعاً كما أشار إلى ذلك مارشل سالينز بالمعيار نفسه يمكننا أن نعجب من المملكة المتحدة والولايات المتحدة على أنهما أرضا الكلب المقدس (سالينز 1976). وبهذا المعنى تنزع الجغرافيا الثقافية إلى موقف نسبي، ويجب أن نعترف بخصوصية ثقافتنا ولا نجثم بحكمنا السريع على ثقافات أخرى.

باستطاعتنا أن نحدد موقع الشرارات الأصلية للجغرافيا الثقافية في القرن السادس عشر في إثنوغرافيا لافيطو Lafitau أو ليري Lery، حيث يصفان الشعوب والعادات في العالم الجديد.. ونستطيع أن نفحص الحقول الأدبية والاستعارية التي أطلقها في الوقت نفسه كتاب مثل رابلي Rabelais أو فيما بعد سويفت Swift، حقول استعملت رحلات متخيلة أو واقعية لرسم خريطة ثقافات مجتمعاتهم.. فالعلاقة بين هذه الأماكن الواقعية والمتخيلة، ودور ما هو أجنبي أو غريب شيء يعاد الآن فحصه ويمثل نقطة تقاطع بين الجغرافيا والانثروبولوجيا منذ العهود الأولى. كما أنها تربط كلا الحقلين بالمشروع الإمبريالي الأوروبي بكل المشاكل التي تركها لهم، وتجرنا كذلك إلى معلمتين اثنتين غالباً ما يتم التفكير فيهما. فالاهتمام بالعرق والتطور الإمبريالي يطبع عمل راتسيل Ratzel المُنَظر السياسي الألماني - (الجغرافيا الانثروبولوجية) منذ نهاية القرن التاسع عشر. لقد استعمل مجازاً – مستورداً من الحقل المزهر للبيولوجيا الداروينية – ليقترح تعاملنا مع الثقافات على أنها تشبه الكائنات الحية. فماثل بين الثقافات والشعوب التي حددها على أساس الاختلافات العرقية والثقافية. وكما هو الشأن عند داروين رأى صراعاً من أجل الازدهار والبقاء بين هذه الثقافات ووضع خريطة لهذا على نحو إقليمي كصراع من أجل (الفضاء الحي) وسوف تنتشر الثقافات النابضة بالحياة وتسيطر أو تزيح الثقافات الأقل (حيوية) فعلاقات هذا بمشاريع التوسع الإمبريالي واقتباسها فيما بعد من قبل الأيديولوجيا النازية، يشكل مذكراً كئيباً في مشهدنا. وهناك مدرسة فكرية لها علاقة بالموضوع عرفت انتشاراً واسعاً في أمريكا، خاصة حول إلين سامبل Ellen Semple في الربع الأول من القرن العشرين، تُعرف بالحتمية البيئية، التي أخذت الوحدات الإقليمية لراتسل وربطتها أساساً بالظروف المناخية. وقد درست المدرسة كيف أن الثقافات تتطور في تجاوبها مع البيئة الطبيعية من خلال سلوك تكيفي، (مرة أخرى تقتبس المجاز الأساسي من البيولوجيا). فلم يكن هذا مع ذلك التأثير الأقوى على الجغرافيا الثقافية في الولايات المتحدة، ويستأنف الفصل الثاني قصة هذه الأفكار، كيف تحداها كارل ساور Carl Sauer أو ما أصبح يسمى بمدرسة بوركلي Berkeley للجغرافيا الثقافية، فقد اقترح علاقة للناس بالبيئة أكثر دقة وليست مجرد علاقة سببية ذات طريق أحادي أو قياسات بيولوجية بسيطة. وعندما كان يدرس في بوركلي إلى حدود السبعينيات كان له تأثير كبير في الجغرافيا الثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث طورت الجغرافيا الثقافية علاقات بالجغرافيا الحيوية والانثروبولجيا المادية بتركيزها على الثقافة المادية للشعوب. وباختيارها للمواجهة مع العالم الجديد أدت إلى دراسات الأشخاص وطريقة تشكيلهم وإعادة تشكيلهم للمشهد، وكيف سافرت الثقافات وتغيرت، وكيف بدأت الشعوب المهاجرة في إعادة تشكيل المشهد للأمريكتين والمنتجات الصناعية التي جسدت مجهوداتهم.

وقد أصبح هذا التراث سبباً في خلاف بين جغرافية الولايات المتحدة وجغرافية المملكة المتحدة. أولاً، فالانحياز القروي والتاريخي للعمل لم يعكس الحياة والتجربة الحضريتين. وهكذا بحث جغرافيون مثل دايفد لي David Ley وبيتر جاكسن Peter Jackson في السبعينيات والثمانينيات عن الإلهام في عمل علماء الاجتماع الحضريين أمثال الذين ينتمون إلى (مدرسة شيكاغو) التي استجابت لـ(بوتقة) مدينة ضاعفت من سكانها خلال عشرين سنة وجمعت بين أشخاص من كل منطقة من الولايات المتحدة وأوروبا. وقد تم اختيار عملهم في المدارس بلغة نموذج الحلقة المركزية للمدينة عند بورغيس Burgess، وهو نوع من التقليد الساخر لعمل بورغيس وبارك Park والآخرين. وكان حجم عملهم مرتبطاً بدراسة (القرى الحضرية) والثقافات الفرعية التي كانت تتشكل في المدينة – من إيطاليا الصغرى إلى شارع السقوط Skid Row. ومن أعمالهم أخذت الجغرافيا الثقافية أفكاراً حول تشظي الثقافات كـ(طرق للحياة) ومنهجاً لـ(الإثنوغرافيا)، وذلك بدراستها للناس عن طريق العيش بينهم. وهكذا نشأ خلاف ثان حول كيفية رؤية الثقافة نفسها – مع الحجج التي تقول إن مدرسة بوركلي كانت ما تزال تحتفظ بالمجاز (العضوي) الموجود عند راتسل. وسيجري الحديث بتفصيل عن هذه القضايا في الفصل الثاني، ويكفي القول هنا إن في الجغرافيا البريطانية خاصة، وكذا في الولايات المتحدة تطورت سلسلة من المقاربات الجديدة تعنى برمزية الثقافات.

 

الوجه المتغير للأرض

إن القضية الأولى التي يجب الحديث عنها هي معنى المشهد والدور الذي لعبه هذا المشهد في الجغرافيا الثقافية. فالمشهد قبل كل شيء يدل ضمناً على تشكيل جماعي للأرض على مر الزمن. والمشاهد ليست ملكاً فردياً. فهي تعكس معتقدات وممارسات وتقنيات مجتمع أو ثقافة ما. كما أنها تعكس اجتماع هذه العناصر مثل اجتماع الثقافات بالضبط مادامت الثقافات ليست ملكية خاصة ولا يمكنها أن توجد خارج المجتمع. وقد نظرت أبحاث كثيرة إلى الكيفية التي يشكل بها المشهد ذلك التنظيم الاجتماعي الخاص والكيفية التي يتشكل به. ويعتمد هذا على تقليد جغرافي قديم يعرف بفن وصف الأقاليم ووضع خريطة لها chorography وهو فن يعنى بدراسة الطريقة التي تجمع بها المشاهد عمليات مختلفة في أشكال وحيدة. وغالباً ما يقترح هذا الفن معالجة مركزية فردية idiographic لأنها لا تهتم كثيراً بالقوانين العامة بقدر اهتمامها بالنتائج الفردية لتوافق الظروف. وقد أخذ هذا بعين الاعتبار شخصية أسست لمقاربة مدرسة بوركلي، كارل ساور Carl Sauer، في 1925 في مقال بعنوان (مورفولوجيا المشهد) حيث اقترح الا تبدأ الجغرافيا بفكرة القوانين الفضائية المشتقة إلى حد ما من العلوم الطبيعية، بل بالتجربة الأساسية للتمييز المساحي. وهكذا ارتكزت الجغرافيا على تنوع المشاهد بصفتها (أجزاء من الواقع بسيطة ومحددة).

لم يكن ساور يدافع عن التجريبية بمعنى مجرد جمع الوقائع حول الأماكن، وإنما كان يدافع عن علم يتساءل عن الكيفية التي تشكلت بها المشاهد الفردية، وسيكون التحليل صارماً إلا أنه لن يكون هناك قانون عام يشرح النتائج، وقد انتقد ساور خاصة مدرسة كان لها تاثير كبير في أوائل القرن العشرين، وتزعمها بامتياز في الولايات المتحدة إلين سامبل Ellen Semple وركزت المدرسة على الحتمية البيئية، واعتبرت هذه المدرسة تطور الثقافات عملية يتكيف الإنسان فيها مع عوامل مناخية أساسية، وعرفت هذه المقاربة انتقادات قاسية منذ العشرينيات على أسس كثيرة ليس أقلها عنصريتها الأولية، وتروم في جوهرها شرح الثقافات المختلفة من خلال الاستجابة الداروينية الجديدة للحوافز البيئية. وهكذا أوحت بأن المناطق المعتدلة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية قد حققت بشكل (طبيعي) تطوراً ثقافياً واقتصادياً كبيراً لأن المناخ ارغم العامة على العمل إلا أنه كافأ جهدها، في حين أن في المناطق الاستوائية لم يكن الناس في حاجة إلى العمل، وفي أقصى الشمال حيث الحياة مهمشة، كانت إمكانات الغنى محدودة. من هنا شكلت المقاربة مبرراً ذاتياً للإمبريالية الأوروبية بجعل عملية الاستيلاء السياسي تبدو نظاماً طبيعيا. فكان ساور معادياً لهذه النظرية خاصة، لأنها في نظره تذهب ضد برهان تنوع الثقافات وتخضعها لشرح أحادي العلية:

(تمثل الجغرافيا تحت شعار الحتمية البيئية عقيدة، وإصرارا على إيمان يجلب الراحة لروح أغاضها لغز الكون فكانت إنجيلا جديدا لعصر العقل الذي بنى شكله الخاص للنظام الملائم وحتى للغاية النهائية).

 

الإطار 2 – 1

 

الثقافات، مادتها وإعادة إنتاجها

زودنا الانثروبولوجي ألفريد كروبر Alfred Kroeber بالملخص المفيد لتحديد هذا الموقف: (تتكون الثقافة من نماذج، واضحة وضمنية، من السلوك المكتسب ولاجله والمرسل عن طريق الرموز، مشكلاً بذلك الإنجاز المميز للمجموعات البشرية بما في ذلك تجسدهم في المنتجات الصناعية. ويتكون جوهر الثقافة من الأفكار التقليدية (أي المشتقة والمنتقاة من التاريخ) وخاصة قيمها المرتبطة بها، فالأنظمة الثقافية قد تعتبر من ناحية نتائج لنشاط ما ومن ناحية أخرى عناصر مكيفة لنشاط إضافي)..

بالنسبة إلى ساور، يشكل الإقليم الثقافي ومشهده المماثل ركنين أساسيين في التحليل، مكونين بذلك (مفهوماً جغرافيا متكاملاً) محدداً كـ(منطقة مركبة من أشكال موحدة متميزة، مادياً وثقافياً على حد سواء) (1962: 321). إنه مستوى يظهر فيه تفاعل كل الأجزاء ككل، إلا أنه يحدد بصفة متساوية مقابل مناطق أخرى حيث يوجد مشهد مختلف. إن (وحدة الملاحظة يجب أن تحدد إذن كمنطقة يسيطر عليها أسلوب حياة متماسك وظيفيا) (1962: 364). إن هذا الإحساس بالمنطقة المتكاملة ينسجم مع أعمال فيدال دي لابلاش Vidal de la Blache ومدرسة (الحوليات) Annales في فرنسا، حيث حاولوا تعيين شخصية إقليمية أو أسلوب حياة ما معبر عنه في المشهد، وقد كتب ساور عن دراساتهم الإقليمية باستحسان مؤيداً (المشهد الثقافي كتعبير أقصى للمنطقة المتناسقة) (1962: 321) من ناحية ثانية، هناك توكيد على البحث عن الثقافات المختلفة حول الكرة الأرضية وفحص أشكالها المتميزة ككل مركب. وهكذا لم يحدد الإقليم انطلاقاً من خصائصه المادية كما كان الأمر بالنسبة إلى جغرافية بريطانيا ما قبل الحرب. وإنما انطلاقاً من أسلوب الحياة المنظم عبر تلك المعالم. تقريباً، لم يكن محتوماً على الإقليم الثقافي أن يرتبط بدقة بما هو مادي ما دامت جل الثقافات ركزت على حدود أنظمة إيكولوجية مادية مختلفة لكي يتمكنوا من الانتفاع بها ... وفي هذا اعتمد ساور على بعض مقاربات الجغرافيا القديمة عائداً إلى فون هامبولت Von Humboldt ومن سبقه. وهكذا، في بداية مقاله، الذي صدر عام 1941 تحت عنوان (شخصية المكسيك) صرح ساور بما يلي:

(هذه رحلة قصيرة إلى اقدم تقليد في الجغرافيا، لأنه أياً كانت المشاكل اليومية التي قد تستحق اهتمام المختص والتي تفضي إلى أنظمة للمعاينة أكثر دقة وإلى أنظمة للمقارنة ذات اهتمام أكبر بالشكل، يبقى هناك شكل من الفضول الجغرافي الذي لا يمكن أبداً للنظم أن تحتويه. إنه فن إدراك الكيفية التي تختلف بها الأرض عن الحياة من ناحية في الكرة الأرضية إلى أخرى)..

فمفهوم الشخصية هنا هو مفهوم نظام اجتماعي خاص يشكل كل ديناميكية الأرض والحياة. بهذا المعنى، لا يقترح ساور فناً شخصياً تماماً، ومن هنا فهو يعترض على رأي الفيلسوف الإيطالي بيرناديطو كروتشي Bernadetto Croce الذي يقول بأن (الجغرافي الذي يصف المشهد له المهمة نفسها التي هي لرسام المشهد). وعوضاً عن محاولة القبض على رؤية خاصة على المشهد، فإن ساور يدافع عن السعي وراء المشهد النموذجي أو الشامل الذي ينسجم مع ثقافة خاصة.

 

المشهد كالرق الممسوح

اشتق مصطلح (الرق الممسوح) من لوح للكتابة كان يستعمل في القرون الوسطى، وهو يحيل إلى حيث يمكن محو الكلام المنقوش الأصلي وكتابة كلام آخر فوقه مرة بعد مرة. فيما لم تَمحَ الكتابات السابقة تماماً، ومع مرور الزمن كانت النتيجة في شكل مركب – رق ممسوح يمثل مجموع كل المحو والكتابات المتكررة، وهكذا، يمكننا رؤية وجه الشبه مع ثقافة تنقش نفسها على منطقة لتوحي بالمشهد كمجموع من المحو والإضافات والشذوذ والإسهاب على مر الزمن. وكما عبر عن ذلك ساور، (لا يمكننا تشكيل فكرة عن المشهد إلا بلغة علاقاته الزمانية وكذا علاقاته الفضائية، فهو عملية مستمرة من التطور أو من الانحلال والاستبدال).

 

الانتشار الثقافي

افتتن الجغرافيون بقضية الانتشار، درس هاغرستراند Hagerstrand وآخرون (الابتكار) في انتشاره بين سكان مستقرين، وتعقبوا ابتكارات خاصة على مستوى أفراد تبنوا التجديد. وربما كانت مدرسة بوركلي مهتمة أكثر بتحرك الثقافات وتكيفها جنباً إلى جنب مع منتجات صناعية دقيقة، وركزت على التغيير العام عوض الأفراد، وقد أعطانا هذا روايات غنية، خاصة منها ما ركز على الاجتياح الأوروبي لأمريكا، وكان هذا مثالاً رئيسياً للابتكار وإعادة تشكيل المشهد، والأصول والتحولات، والتطور، مما افضى بالثقافة إلى محيط تاريخي وجغرافي.

رسم زلينسكي (1973) خريطة الشكل المعقد للأنواع المختلفة من المستوطنين، باختلاف (حمولتهم) الثقافية، ومجيئهم إلى نواح مختلفة في الساحل الشرقي، ويعتبر الاستقرار الأكادي Acadian  مثالاً جيداً لأنواع تحاليل الأصول التي يمكن اعتمادها. استقر الأكاديون في منطقة كانت فيها الشعوب الأهلية تفتقد إلى الزراعة.

وبالتالي لم ينشب نزاع حول الأرض، وأكثر من هذا، طالب الأكاديون باسترجاع اراضي مستنقعات الملح عوض أن يزيلوا أشجار الغابات، وعكس المشهد الذي أحدثوه حول خليج فاندي Bay of Fundy مجتمعاً قروياً معيناً، اعتمد على المعرفة والممارسات الزراعية التي جاء بها المستوطنون من بواتو Poitou وأونيس Aunis في فرنسا، حيث كانوا قد شاهدوا المطالبة بأراضي المستنقعات على الساحل البيسكايي الفرنسي، إلا أن هذا كان في حد ذاته تقنية جاءت إلى فرنسا من الأراضي المنخفضة Netherlands وهكذا، نُقش تحرك التقنيات على المشاهد التي أحدثت، هذا إضافة إلى أن مناطق الاستقرار التي أعيد تشكيلها على نموذج الإقليم الوطني، كانت مشاهدها التجارية تختلف بشكل بارز عن مشاهد الوطن، يعود ذلك إلى اهتمام التجارة بالبحث عما يتعذر الحصول عليه في الوطن.

ولا يكشف هذا إذن عن سلسلة من المشاهد المختلفة للمستوطنين والتجار فحسب، وإنما يكشف كذلك عن سلسلة من مناطق الاحتكاك بالشعوب الأهلية، فمثلاً، تغير مشهد السهول، ومشهد القبائل يصطادون الجاموس، قبل الغزو الأوروبي، بانتشار الفرس وأسلحة أكثر فعالية من الجنوب. وبالمثل، اجتذبت الأمم الأولى لكندا إلى الدائرة التجارية التي كانت تعتمد على جلد حيوان القندس قبل أن تعرف الاستعمار، وقد أصبحت هذه التجارة مربحة جداً إلى حد أنها أشعلت فتيل المعارك الإقليمية بين الشعوب ودفعت بالقبائل إلى محاولة طرد الآخرين من أراضيهم لكي تحصل على حيوان القندس، مما زاد من حدة النزاعات المحلية، وتحول الأهداف والمخاطر في مثل هذه النزاعات. وبانتشار الأسلحة تجاه الشمال، نمت وسائل العنف، والصيد التدريجي لحيوان القندس إلى حد انقراضه – في حوض نهر بعد آخر – لإمداد السوق الأوروبية دفع بالصيادين، وكذا بالنزاع، إلى الانتشار أبعد مسافة غرباً.

 

الإطار 3-1

 

المشهد الرمزي

* الجيوبوليتيكا: كتابة القوة على المشهد

* علاقات التضمين والإقصاء

* الأيقونوغرافيا والرمزية في المشهد

رأينا كيف أن المشهد يؤول بصفته مشكَّلا عن طريق قدرات وممارسات الشعوب ليلائم ثقافتهم. وينظر هذا الفصل من كثب إلى المشهد بصفته نظاماً رمزياً، بمعنى يدرس الكيفية التي يتم بها تشكيله وفقاً لمعتقدات السكان، وكذا بحسب المعاني التي يوظفونها في ذلك المشهد. سنعتبر إذن المشهد نظاماً ذا دلالة يُظهر القيم التي من خلالها ينظم مجتمع ما. بهذا المعنى، يمكن قراءة المشاهد كنصوص توضح معتقدات الشعوب، كما يمكن اعتبار تشكيل المشاهد تعبيراً عن الأيديولوجيات الاجتماعية التي يتم بعدئذ تخليدها وتدعيمها من خلال المشهد. وسيبدأ هذا الفصل من الأفضية الأكثر حميمية، ألا وهي أفضية المنزل، وسيفحص كيف يمكن رؤية ارتباط شكل المنزل، وعلاقته بالعالم، بالمعتقدات حول الحياة الاجتماعية، وستربط هذه النظرة إلى المنزل كوزمولوجيا الشعوب بالمادة التي تشكل مشهدهم. وفي الجزء الثاني من هذا الفصل سيتم فحص مشهد المنازل والمنتزهات الريفية الإنجليزية الأصلية بصيغة المعاني المتغيرة والمتنازع عليها، والتي تسند العلاقة بين المنزل والمساحات المحيطة به، انطلاقاً من هذا، سيدرس الجزء الثالث كيف أن مشاهد القصر الملكي في الصين في القرون الوسطى تجمع بين معتقدات الحكام الكوزمولوجية وحاجياتهم الجيوبوليتيكية. وسيقترح الجزء الرابع أن ما ذكرناه يستمر في المشاهد الرمزية التي أُبدعت بتعمد – بالتركيز خاصة على إعادة تشكيل الأماكن للتعبير عن الأفكار القومية.

شكل المنزل

من السهل جداً التفكير في المنازل على أنها (طبيعية) فهو شيء يعتاده السكان إلى حد أنه يصبح مألوفاً دونما أي جدال، ومع ذلك، لأن الشيء هو مجرد مشهد يومي لا يعني بأنه يفتقد المعنى، فعلى العكس تماماً نستطيع أن ننظر إلى هذا الشيء على أنه نتاج مجموعة كاملة من الممارسات الروتينية التي تعطي معنى للحياة اليومية، ولتوضيح هذا يمكننا دراسة أشكال مختلفة على مر الزمن أو عبر الفضاء.

 

المنازل الغربية والتقسيمات الاجتماعية

يمكننا، على مر الزمن، أن نلاحظ كيف أن أنواع الممارسات المتعلقة بـ(المنازل) قد تغيرت. وإذا أخذنا الغرب بعين الاعتبار نستطيع أن نصف القرون الثلاثة الأخيرة على أنها تتمحور حول عملية التمييز والتقسيم. مثلاً، فمنزل التاجر في القرون الوسطى كان فضاء متكاملاً يجمع بين الحياة الصناعية والحياة العائلية، إذ كان يتألف المنزل من حجرة أمامية/ تجارية متاخمة للشارع ومستودعات في الجزء العلوي والمؤخرة، ثم غرف (العائلة) فوق ذلك، وقد يكون ذلك ورشات عمل. وفي أماكن وأزمنة مختلفة تحول العمل التجاري إلى المصانع، وتحولت أشكال مختلفة من العمل في أزمنة مختلفة – وأثر ذلك في العلاقة بين الجنسين والقيم المطابقة لعملهما. وكانت الحصيلة تركيباً عميقاً للحياة الغربية المعاصرة، حيث يحدث العمل (المثمر) أي العمل (الاقتصادي) خارج المنزل بينما يقع (إعادة إنتاج العمل) من تغذية ولباس ونوم أو عناية بالأطفال، في المحيط العائلي. يُعد مثل هذا التقسيم ترتيباً جغرافيا وتاريخياً ذا موقع محدد يجسد جغرافيا ثقافية تمنح الأنشطة فيها مختلف الأفضية وضعاً مختلفاً وقيماً اقتصادية منسجمة معها. إذن، يمكن اعتبار المنزل جزءاً من المشهد المرتبط بجنس ما (ذكوري أو أنثوي)، المشهد الذي يُستخدم للحفاظ على فكرة أجور الرجل العامل بصفته (المعيل) وكذا الحفاظ على فكرة (عالم المرأة) في المنزل. وقد شُكلت مثل هذه المشاهد وأعيد تشكيلها طبعاً، ولن تفيد في شيء النظرة الشاملة المبالغ فيها حول كل هذا. وهكذا إذا نظرنا إلى منزل في بلدة بريطانية، يمكننا ملاحظة تغيرات كبيرة في الثلاثينيات وفي حقبة ما بعد الحرب، فحجم المنزل ينخفض وشكله الداخلي يتغير بحدوث تغيرات اقتصادية وثقافية حول ما يشمل الوحدة العائلية. وأساسي جداً أن يتذكر المرء أنه حتى الحرب العالمية الأولى كانت العلامة المميزة للطبقة الوسطى، وتقريباً تعريفها، هو توظيف الخادم. إذن رُتبت منازل البلدة دون إغفال هذا الجانب، مع غرف الخادم في العلية أو في (الدور الأسفل) وبمنأى عن أنظار الضيوف، كما أن صيانة المنزل، وتحضير الطعام وغسل الملابس وهلم جرا، كانت تخفى بعيداً في هذه الجهات، مع ضعف الخدمة العائلية، أصبح المنزل الحديث يصمم لأجل فعالية هذه الأعمال عوض إخفائها عن الأنظار.

والأفضية الروتينية للمنازل تتحدث لنا عن نوع العلاقات الاجتماعية التي نؤمن بها ونوع الممارسات التي تدعمها. ويمكننا أن نتأمل في أي مدى أصبحت ممارسات الانفصال تشكل التصور الغربي للمنزل المناسب. فالأنشطة الاقتصادية توجد في مكان آخر، وانخفاض أهمية الخدم يعني أن المنزل كثيراً ما تسكنه العائلة، مجموعة قرابة، وحدها، وداخل بنية المنزل الحقيقية تفصل الأفضية البارزة للزوار، (الغرف الأمامية) وأفضل الأثاث، عن أفضية الحياة اليومية وما تبقى من غرف النوم. في الواقع، بإمكاننا رسم خريطة خلال القرنين الأخيرين للجغرافيات الأخلاقية المتغيرة في الفصل، أولاً بين جهات النوم والحياة، ثم فصل البالغين عن الأطفال وفصل الأطفال بحسب جنسهم، وتُكتب الأحكام حول الأخلاق والجنس في مبنى المنزل من خلال إحداث أفضية خاصة.

خلاصة

واضح من دون شك أنه لا يمكننا اعتبار المشاهد مجرد معالم مادية، يمكننا كذلك التعامل معها كـ(نصوص) نستطيع قراءتها، فهي تحكي لنا وللسكان معاً قصصاً حول الناس، حول معتقداتهم وهوياتهم، كما أنها ليست ثابتة ولا هي تستعصي على الوصف. وقد تعتبر بعض أجزائها من مسلمات الحياة اليومية، بينما قد تناقش الأجزاء الأخرى سياسياً. والمشاهد قابلة للنزاعات حول معانيها – سواء على مستوى الاستعمال السياسي لتصور نظام الكون في الصين أو على مستوى تواريخ زيمبابوي التي تبقى موضوع خلاف. وقراءة المشهد ليست قضية تتعلق بالكشف عن (منطقة ثقافية) نموذجية، وإنما هي دراسة للكيفية التي من خلالها تعني المشاهد أشياء مختلفة لأناس مختلفين، وكيف أن معانيها تتغير وتبقى موضوع خلاف.

وقد يتعقد الوضع بما يمكن وصفه بعملية تحويل مزدوج للمشاهد إلى رموز، ومن هنا تُلف المشاهد بتمثيل آخر. وهكذا، كانت لمشاهد المنازل الريفية معان بالنسبة إلى الزوار في وقت بنائها. ويستطيع المشاهدون المعاصرون أن يروها في الصور الزيتية، أو رسومات الكتاب، أو التلفزة، وقد تضع كل واحدة من هؤلاء نسيجاً مختلفاً على المشهد، وتستعمله لأغراض خاصة في برنامج ما، مثلاً، إذن، نملك قيمنا المعاصرة الخاصة بنا إضافة إلى تلك القيم الموجودة في مشهد مشبع من قبل بالمعاني. ومن ثم قد يصبح الوضع معقداً جداً. ولإعطاء توضيح موجز، يمكننا التفكير في المنازل الريفية في القرن الثامن عشر على أنها مودعة لمشهد مدبر، مشهد بنظام يمكن تصوره ككل، فكان، بلغة ذلك الوقت، مشهداً (مصلَحا) مشهدا برهن على أنه يعنى به ويملك بنظامه، وعلى الرغم من ذلك، إذا فكرنا في الصور الزيتية لكونستابل Constable، مثلاً، وجدناها مليئة بميزات كانت ستغضب أهل الريف المحليين، مثل الأشجار الميتة، والبوابات المكسرة، أو قطيع مهمل من الخرفان، وكانت هذه الميزات موجهة إلى الأذواق الحضرية ،وتستعمل الآن هذه الصور الزيتية لتشجيع السياحة ولتدل على أنشودة رعوية ريفية بعيداً عن سرعة وصخب الحياة الحضرية. 

 

الإطار 4 – 1

 

الضوء والسلطة والتصميم

يعد وصف الضوء والظلمة والمشهد الحضري المبهم على المعرفة الخارجية مواضيع قوية تخبرنا كثيراً عن ثقافة التصميم. إذن، يردد آلان سيليتو Alan Sillitoe (البؤساء) التي قرأها وأعاد قراءتها عندما كان طفلاً، في حديثه عن نوتينغهام Nottingham. ويعتبر هذا ملائماً إذا ما نظرنا إلى تاريخ تصميم مدينة نوتينغهام. في حقبة ما بعد الحرب، كانت هي كذلك منهمكة في إزالة المناطق الحضرية الكثيفة و(المشوشة) – حيث كان يعيش الفقراء – وبناء ممتلكات سكنية جديدة وصفت على أنها مشرقة ومهواة وفسيحة فالتطابق بين التصميم والمعرفة مدهش.

وفي القصص البوليسية يمكننا رؤية تشغيل مختلف لمواضيع المعرفة والسيطرة، وهي توحي

بثقة اقل في القدرة على التحكم في الحياة الحضرية، مثل (البؤساء) فالموضوع المتكرر هو كيف يمكن للمدينة أن تصبح مفهومة ومقروءة بالنسبة إلى قوات الدولة، وربما، بالنسبة إلى العدالة، فالمدينة أبعد من أن تكون ستارة خلفية للقصة:

(إن أفضية القصة البوليسية هي دائماً كل متكامل من القصة البوليسية... فأفضية هذا النوع الأدبي هي دائماً (منتجة) للجريمة التي تحتوي عليها وتركبها، دافعة برجل الشرطة أن ينهمك في المحيط الذي يسكنه لفهم، وبناء عليه، حل لغز الجريمة...[بالنسبة إلى رجل الشرطة] ليس هناك أي حجَر في الشارع، أي آجرة في الحائط، لا تعتبر في الواقع رمزاً متعمداً – رسالة من رجل ما، مثلما لو كانت برقية أو بطاقة بريدية).

خلاصة

لا يعكس النص مجرد عالم خارجي، ومن الخطأ ان ندرس النص على أساس انسجامه (بدقة) أو على نحو مختلف مع العالم. وهذه النوعية من المقاربة الساذجة تغفل عناصر المشاهد الأدبية النافعة والممتعة إلى أقصى حد. ويتم التفكير بطريقة أفضل في المشاهد الأدبية عند اعتبارها مجموعة مؤتلفة من الأدب والمشهد، وليس الأدب كعدسة منفصلة أو مرآة تعكس أو تحرف العالم الخارجي. وبالمثل، لا تقتصر وظيفة الأدب في مجرد توفيره نسخة عاطفية لمعرفة موضوعية في الجغرافيا. بل يمنح الأدب طرقاً للنظر إلى العالم الذي يظهر سلسلة من مشاهد الذوق والتجربة والمعرفة. والقول بذاتية الأدب يغفل نقطة أساسية. فهو نتاج اجتماعي بالفعل، في ترويجه للأفكار، فهو عملية اجتماعية للتعبير. إنه وسيلة اجتماعية. فأيديولوجيات ومعتقدات الشعوب والعهود تشكل هذه النصوص وتتشكل بها على حد سواء. فهي تشكل ما يحس المؤلفون أنهم قادرون أو مرغمون على التعبير عنه كما تشكل طريقة تعبيرهم. في هذه الحالة سيعتمد كل نص على نصوص أخرى إلى حد ما، يقرأ النص بصيغة التقاليد التي إما أنه يستخدمها أو يقلبها، ويحاول النص أن يتكلم إلى جمهور ما، ولهذا يجب أن ينشغل بتوقعاتهم وهمومهم. وقد يغير هذا أو يتحداه ولكن على نحو يمكن إدراكه، وهكذا فالقراء المقصودون يسجلون حضورهم فيما قد يستطيع أي مؤلف أن يكتبه.

لهذه الغاية، ليس الأدب مرآة معروضة للعالم وإنما هو شبكة معقدة من المعاني، وسيعمل أي وصف قائم بذاته في علاقة مع النصوص الأخرى. وفي الوقت الحاضر ليس ضرورياً أن تكون كل هذه النصوص أدبية – قد تكون في وسائل الإعلام الأخرى  أو في النماذج الأدبية المختلفة (التقارير الرسمية، والوريقات الترويجية، أو حتى الأعمال الأكاديمية). تعمل النصوص لإبداع شبكات من الترابط بين الأفكار لكي تخلق طرقاً لرؤية العالم. و(النزعة الواقعية) هي إحدى حلقات هذه الكوكبة وليست معياراً للحكم على عمل ما. وتعكس النزعة الواقعية مجموعة واحدة من التجارب الحضرية – وقد تعكس الأساليب الأدبية الأخرى تجارب مختلفة. وهنا نستطيع أن نسأل هل الروايات الجغرافية مختلفة جداً عن الأدب. كل تجربة على حدة تحاول أن تفتح طريقا لفهم المشهد، وكل تجربة تعتمد على أعمال أخرى، وكل واحدة تعتمد على تقاليد الكتابة المناسبة، وكل واحدة ترتبط بافتراضات جمهورها، وكل واحدة تستعمل الأساليب والبلاغة لتزود القارئ برؤية مقنعة. يجب علينا ألا نعتبر الجغرافيا والأدب نوعين مختلفين من المعرفة (واحد تخيلي والآخر واقعي)، وإنما على الأصح هما حقل واحد من الأنواع النصية، لأجل إلقاء الضوء على (دنيوية النصوص الأدبية (لها علاقة بالعالم الحقيقي) وتخيلية النصوص الجغرافية) على حد سواء.

 

إحداث الآخر

كثير من الأعمال الحديثة في الجغرافيا الثقافية كانت حول تكوين الهويات. ويمكن اعتبار هذه الهويات على المستوى الفردي وعلى مستوى المجموعات والقوميات، وكثيراً ما تشكل من طريق معتقدات الأسلاف المشتركين، أو من طريق التجربة، ويكون بذلك باعثاً على مميزات أو سمات مشتركة. ومع ذلك، فليست الأشياء بهذه السهولة. بداية، قليل جداً من الناس (يشبهون) الآخرين – كل واحد يختلف عن الآخر في بعض الأوجه. وأقصى ما يمكن قوله هو أن مجمعات معينة تتقاسم أشياء معينة مشتركة، وبالتالي سيتوقف تحديد من يحسب عضواً في جماعة ما أو يقصى منها على نوعية الأشياء التي اختيرت لمغزاها المهم، في زيارة إحدى قاعات المحاضرات مثلاً سنلاحظ أفكاراً مختلفة جداً لمجموعات تتقاسم هوية ما إن استعملنا الجنوسة كعامل مشترك، مختلفة من ناحية ثانية إن استعملنا مقاييس جنسية، ومن ناحية ثالثة إذا اعتمدنا السن، ومن ناحية رابعة إذا ركزنا على الدخل أو الانتماء العرقي، وهكذا دواليك، والانتماء إلى مجموعة ما يعتمد على طبيعة واحدة من كل المميزات الممكنة التي تم اختيارها في (تحديد) العضوية، وتتفاوت المميزات التي اعتبرت نهائية بحسب الفضاء والزمان مع نتائج سياسية مهمة لها علاقة بالحسم فيما يحدد الانتماء.

وقد توصف بعض المميزات على أنها اختيارية – تستطيع اختيار أن تكون يسارياً أو يمينيا، وقد تختار موسيقى مستقلة أو موسيقى الروك. وتعتبر المميزات الأخرى منسوبة – فجنسنا هو عموماً معطى مثل لون بشرتنا، ومع ذلك، لا هذه ولا تلك هي في الواقع واضحة إلى حد بعيد. ويتخذ لون بشرة شخص ما دلالة فقط عندما تعطيه مجموعات في مجتمع ما أهمية كبيرة، وأن تكون أنثى وراثياً لا يستلزم قابلية أو رغبة في العمل المنزلي، إلا ان المجتمع قد يقضي بأن ذلك الدور مناسب. وحتى الطبقات الأحيائية تعطي معناها من خلال الآليات الاجتماعية – لا يتوافر لها مدلول طبيعي أو مقدر. وطبقات الهوية ليست معطى إرادياً ولا هو طبيعي. وتصنيف الناس عملية سياسية، حيث المخاطر المطروحة هي في أحوال كثيرة تحديد الطبقات التي يُفترض أنها طبيعية ولا نزاع فيها، سيقترح هذا الفصل أنه من المستحيل تماماً التفكير بتمعن في طريقة اكتساب الناس للهوية، بمعنى كيف يمكن تحديد المميزات المشتركة دون حل، بالتالي، لمسألة إقصاء الآخرين – كيف أن الهوية تنشأ من التمييز، وبتعبير بسيط، إنها وضعية (نحن) و(هم). ومن الصعب أن نتصور كيف سنحدد أنفسنا كمجموعة (نحن) بأي طريقة كانت دون آخر مغاير.

 

الإطار 5 – 1

 

الهوية الوصلية

يمكن تحديد الهوية من طريق نقيض ما نحن عليه بقدر ما يمكن تحديدها من طريق من نحن. وكثيراً ما تدخل الجغرافيا هنا لأن هذه المجموعات من (نحن) و(هم) هي في أحوال كثيرة محدودة إقليمياً. نستعمل موجزاً فضائياً لتلخيص مميزات المجموعات الأخرى – يتم تحديدها بالمكان الذي تعيش فيه وهي بدورها تحدد هذا المكان، على حد سواء. وبربط هذا الفصل بأفكار الإقليمية والارتباط بالمكان ، فهو يسبر كيف تصبح العلاقات عبر الفضاء متورطة في تحديد هويات المجمعات. وستتم الإشارة إلى أن الفضاء متورط بشكل حاسم في تحديد مجموعات (أخرى). وهناك عملية كثيرة ما يصطلح عليها بـ(إحداث الآخر) التي من خلالها تؤسس الهويات في علاقة غير متكافئة، فتحدد المجموعة الأولى نفسها حول مقوم مشترك (مثلاً أ) وتحدد من ثم كل الأعضاء الذين لا ينتمون إليها كفضالة (ليس (أ). ومن الواضح أن ما هو هوية اختيارية بالنسبة إلى مجموعة ما ليس كذلك بالنسبة إلى مجموعة أخرى. علاوة على ذلك، فالغرض هو تأليف مميزات يرى أنها (جيدة) وهكذا كل ما يحد (أ) سينزع إلى أن يكون موضع تقدير حقيقي، والآن، لنفترض أن أغلبية الناس خليط من النقط الجيدة والسيئة، سيسبب هذه مشكلة محيرة شيئاً ما بالنسبة لأشخاص (أ) فيما سيفعلونه بالجانب المرغوب فيه بدرجة أقل. ويقترح هذا الفصل أن الميل كان نحو إسقاط تخوفات مجموعات ما، (النقط السيئة) على الغرباء، إذن، جزء من الانتماء إلى مجموعة ما هو إسقاط التخوفات والكره على أناس آخرين..

ويكشف ربط الهوية بالجغرافية عن العلاقات غير المتكافئة بين المجموعات وأهمية التسمية – أن يسمي المرء شيئاً أو أن يعطي اسماً بحسب موقعه كفاعل أو كمفعول به لهذه العملية، وهكذا يشير ريتشونRichon إلى أن المصطلحات مثل (الشرق والغرب ليست مجرد كلمات، وإنما هي أسماء، أسماء مميزة تبني هويات أصبحت أقاليم)، وأصبحت هذه الأقاليم في النهاية واضحة بالنظرة الغربية المحدقة الشاملة التي تبني نفسها من خلال النظر إلى الشرق، بينما يود (الشرق) من خلال تلك النظرة المحدقة فقط. سيقترح هذا الفصل بأن هذه العلاقة تترك المجموعة الثانوية كـ(أشياء) لمعرفة تحرمهم من حق تشكيل هويتهم الخاصة وتستعملهم كـ(قطب سلبي) ما داموا هم العناصر التي لا قيمة لها أو مكروهة، وحول إقصائهم تستطيع المجموعة المسيطرة أن تنظم إحساساً بالذات. ومع ذلك، يجب أن نشير إلى أن في إسقاط المجموعات لتخوفاتهم، فهي تنزع كذلك إلى إسقاط رغباتها الممنوعة على الغرباء، إذن يجب ألا ندهش إذا امتزجت هذه التخوفات والرغبات أحياناً بهذه العملية. ويمكن ملاحظة هذا عندما تشكل المجموعات هويات بإقصائها ما تخاف منه – وهي بذلك تجعلها مرغوبة فيها لأنها ممنوعة ولا يمكن الحصول عليها. في الواقع لا يحدد الناس بمميزات منفردة، لذا طوال الفصل ستكون هناك نقط حيث توجد صراعات وتحولات عندما يحاول الأشخاص أن يتفاوضوا حول وضعيتهم في كل هذا – وكثيراً ما يربطون مميزات وأوضاعاً متناقضة ستصنفهم على أنهم جزء من مجموعة واحدة وجزء من مجموعة أخرى على حد سواء.

الإطار 5 -2

 

الصيغ المجازية

الصيغ المجازية طرق لرواية قصة، من خلال شكل خاص، سيناريو أو علاقة الشخصيات إلى حد أن النمط يتكرر في أوضاع معينة مختلفة بمواضيع مختلفة. قد نفكر في أفلام رعاة البقر التي تتبع حبكة طريقة حياة أصحاب مربى الماشية التي يهددها مالكو الأراضي المجاورة (مروضو المروج) الذين يرعبونهم بالبندقيات المأجورة إلى أن يواجه أحدهم بجرأة صاحب المربى فيقتل، وبعد ذلك يتحد معه الآخرون جميعهم. أو هناك الأفلام البوليسية حيث يفر النذل لهدف تقني، مرغماً بذلك رجال الشرطة على الخروج عن القوانين لخداع رؤسائهم. وخطوط الحبكة هذه ظهرت في عدد كبير جداً من الأفلام المختلفة ويبقى التصميم نفسه، مهما كان مقدار التغيير في المكان والشخصيات.

الشرق الغامض

كانت قضية العلاقة بين الشرق وأوروبا معقدة وفي أحوال كثيرة مقلقة. ولم يكن هناك إمكان الادعاء بأن أراضي الشرق الأدنى والشرق الأقصى كانت أفضية فارغة. كانت قد ملئت سابقاً بصور وتخوفات حول الشرق طوال قرون. وعوض إفراغ الشرق، لقد جرى إيداعه إلى الماضي – كأصل عتيق، وليس منافساً في العصر الحالي. وكانت العلاقة في أشكال مغايرة لـ(الصفة الزمنية) بالنسبة إلى الغرب والشرق. وقد حدد الغرب نفسه على أنه متقدم، بمعنى أنه يصنع التاريخ ويغير العالم، بينما اعتبر الشرق سكونياً وسرمدياً، ويمكن ملاحظة هذا النمط في مفكرين من هيجل وماركس مروراً بسياسيين مثل ديسرائيلي Disraeli. فأوروبا تشكل المستقبل، بينما يستطيع الشرق أن يجرب التكرار. وهكذا يناصر ديسرائيلي الوزير الأول البريطاني في القرن التاسع عشر، في روايته (تانكرد أو الحملة الصليبية الجديدة) فكرة التاريخ الدائري في بلاد فارس، أو بطريقة أخرى، في الرواية الشعبية (حاجي بابا) علقت إحدى الشخصيات أن شاها واحداً يفسد فقط ما قام به الشاه السابق. وبطريقة مماثلة، يقاوم الشاه (التحسينات) والتقدم الطبي مثل التلقيح. إذن، يحدد الغرب على أنه يقوم بأشياء لمصلحة الشرق، وأنه فاعل التاريخ، من خلال قدرته على التأثير في الشرق الثانوي، وهكذا في رواية (كيم) لروديارد كبلين Rudyard Kipling التي تقع أحداثها في راج الهندية، إنها الشخصية الغربية التي ترتبط بالفعل بينما يرمز الكاتب إلى الهويات الشرقية بطمأنينة الراهب البوذي اللامي وانسحابه من العالم.

تضيف (الجغرافيا المتخيلة) للخوف والاشمئزاز والرغبة أبعاداً إضافية لخريطة الشرق هذه. وجرى بناء فكرة الشرق إلى حد أبعد من خلال المميزات التي يرغب الغرب في قذفها من صورته الذاتية الخاصة. ويوضح الافتتان الغربي اللانهائي فيما يبدو بـ(حريم) الشرق كيف أن هذه المؤسسة قد أصبحت بوتقة لسلسلة كاملة من الاشمئزاز والرغبة. وكثيراً ما يعبر الغربيون عن مقتهم لتعدد الزوجات ومكائد الحريم وفكرة المخصيين والانحطاط الذي يحسون أنها تعبر عنه، يصور في أحوال كثيرة بنساء عاريات أو نصف عاريات (وأحياناً أطفال)، لا يمثل الشرق مجرد ما كان ممنوعاً في أوربا وإنما كذلك ما كان يصعب الحصول عليه في الشرق:

(فالحريم مكان يقصي أي نظرة أجنبية. وأشكال التمثيل الغربية للحريم هي إذن تحقيق لرغبة الكشف عما هو مخفي. وإذا كان المصور قد تم جعله شرقياً، فالفاعل المصور هو بديهياً غربي).

 

الجغرافيا والمعرفة

طوال هذا الفصل كان التركيز على المعارف الجغرافية الشعبية، وكيف شكّلت، وواصلت هي تشكيل العلاقات بين الثقافات من خلال تجربة الإمبريالية ومع ذلك، لم يحدث هذا في استقلال عن الجغرافيا (الرسمية) أو الأكاديمية وقامت منظمات جغرافية بتعزيز إعجاب المستكشف، كجغرافي يكتسب المعرفة حول المجهول، وقد نظمت هيئات مثل المجتمع الجغرافي الملكي (وما زالت تنظم) بعثات للسفر خارج بريطانيا والعودة إليها بمعرفة جغرافية. من ناحية، ربما كان هذا هو الرومانس الذي أشعل في البداية نار الجغرافيا في هذا البلد، وهو نوع من المعرفة لقبه جوزيف كونراد نضال الجغرافيا. في تخيلاته الجامحة عند طفولته، دلت فكرة الأفضية المفتوحة على مداها لأجل استكشافها من طرف الجغرافيين أن (خياله يستطيع أن يصور لنفسه هناك رجالاً شرفاء، ومغامرين، ومخلصين، حذرين من الحوافي... ينتزعون قليلاً من الحقيقة هنا، وقليلاً من الحقيقة هناك) إلا أن هذه الفكرة الرومانسية عن المستكشفين الجغرافيين أفسدت (بالإطلاع البغيض عن الزحف الوضيع إلى أبعد حد لأجل النهب الذي شوه إلى الأبد تاريخ الضمير الإنساني والاستكشاف الجغرافي) (كونراد،) يجب أن نفكر بعناية في طبيعة التراث الذي بقي للجغرافيا. مثلاً، ترك نموذج الاستكشاف هذا صورة بطولية للمستكشف كجغرافي بامتياز. وقد نستطيع أن نبرهن أيضاً أن فكرة ضرورة تجربة الميدان لكي يثبت المرء نفسه جغرافيا – طقس للمرور – تستمر في الشروط الأساسية للأطروحات التي تعتمد البحث الميداني في مئات المناهج الجامعية.

ودُعم إعجاب المستكشف بصحافة صفراء شوفينية، مع بعثات مدعمة مادياً من طرف الصحف لتزويدها بالقصص. وهكذا كانت بعثات ستانلي إلى أفريقيا مرتبطة من كثب بحرب انتشار الصحف، وكان للجغرافيا الرسمية ارتباط وثيق بوسائل الإعلام الشعبية. فضلاً عن ذلك، صيغت صورة المستكشف بإحكام على غرار صورة ساكن الحدود، وقد رأينا طرق إنشاء هذا لإثبات نوع محدد من الرجولة وتأنيث الشعوب الذين يقابلونهم. وأخيراً، جُمعت المعرفة في المؤسسات التي عملت على نحو ملتزم مع معاقل العلم والنظام الدبلوماسي العسكري، وقد عملت الخاصية الذكورية القوية في نموذج المستكشف من أجل شكل معرفي عقلاني تجريبي (إمبريقي). ولم يكن مع ذلك الوصف التجريبي المفصل للأقاليم سعياً علمياً محايداً، لم يكن هذا الوصف مؤَمناً من طرف المصالح الإمبريالية فحسب، وإنما كثيراً ما أفاد شكله الحقيقي في تخليد الأفكار الإمبريالية. وعملت المحاضرات المصورة عن الرحلة والمليئة بالوقائع على اختزال الشعوب المستعمرة في صور موجزة كثيرة جداً – وأفادت النبرة المبنية للمجهول في إخفاء علاقات الاضطهاد التي جعلت (الاستكشاف) ممكناً. وكثيراً ما نفعت الجهود التي بحثت في جعل المعطيات (موضوعية) في حجب العنف من وراء إحداثها أو حجب المصالح التي كانت وراءها.

في التأمل في دراسة الجغرافيا الثقافية، يجب أن نكون حذرين من أن الادعاءات حول الكونية والعلم الموضوعي كانت متورطة بعمق في ماض عنصري وإمبريالي، والادعاء بالحديث عن فراغ (ليس من مكان ما، ولكل مكان) كثيراً ما كان يعني الحديث من موقع الرجل الغربي الأبيض  وكما حاول باري أن يثبت  إن هذا يُطبِّع أفكار الثقافة المسيطرة (أي يجعلها طبيعية) كأشكال كونية من الفكر ويمنح تمثيلها المفوض مرتبة الحقيقة. ويسمي الغربيون الشعوب والأماكن، الأصناف والعمليات، بحسب أفكارهم الخاصة عن الزمن والتاريخ، أفكار تنزع إلى ترك الثقافات الأخرى في أدوار ثانوية. والمعرفة الجغرافية التي تراكمت من خلال الإمبريالية حُددت بوعي عالمي. فوضع كل العالم في دراسات النماذج والتراتبية الهرمية والتقسيمات الفرعية وفقاً لخريطة مفاهيمية غربية:

(في هذا النموذج من المعرفة، تسمى الأصناف من طرف الأوروبيين، وتنتزع من بيئتها، وفي عملية تسميتها ووضعها في نظام تصنيفي، تحول من الشواش إلى تنظيم أوروبي... وتعطى المعرفة هنا مظهر المسعى المحايد البسيط على المستوى الفردي، لكنها في الواقع جزء حقيقي من الإمبريالية. بهذه الطريقة تقدم المعرفة العلمية نفسها بأنها حرة من الفساد الذي يحيط بالانتشار التجاري والسياسي الذي أمنته).

 

الإطار 5 – 3

 

العلم (الموضوعي) والعرق

hewy:
قراءة في كتاب : لكي نفهم العراق

الكتاب: لكي نفهم العراق

المؤلف  : وليام بولك

الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

عدد الصفحات: 244 من الحجم الكبير

عرض وتعليق: لطيف القصاب 




شبكة النبأ: الكتاب يعطي المامة سريعة لتاريخ العراق منذ بزوغ فجر الحضارة فيه ويقف عند ابرز المفاصل التي شكلت هويته  القديمة الجديدة ... ورغم ان المؤلف يقدم تحليلا كاشفا عن زوايا  معتمة في الحياة الاجتماعية للبلاد الا انه يقف في احيان اخرى في شبه حيرة مطبقة امام بعض الاسئلة المهمة  مثل نزعة التعلق  بالماضي لدى العراقيين والقدرة العجيبة على بعث  ذلك الماضي  حيا من رفاته ومن ثم اعادت انتاجه بصيغ اكثر تطورا من الناحية الشكلية ليس الا ....     

ويسرد الكاتب بعض الافكار التي يمكن ان يجدها المتتبع للشان التاريخي والاجتماعي العراقي في مؤلفات اخرى تناولت ذات الموضوع ,  من ذلك ما كتبه كل من الدكتور علي الوردي في كتابه " لمحات من تاريخ العراق الحديث " والاستاذ حنا بطاطو في كتابه  " العراق " ولكن مع فارق الايحاء والرغبة المبطنة في اضفاء مسحة من الغموض او الجمال ... 

اهم ما لفت انتباهي في الكتاب – قيد العرض _ انه صيغ باسلوب ادبي شيق في احسن الحالات ولايبعث على السام في اسوئها ...الامر الذي يجعلني اثني على المترجم في كل مرة ينتابني فيه شعور الامتنان او التقدير لقلم وليام فولك ... اذ ان  النص مدين في تفوقه الى قلم المترجم ايضا على الاقل من وجهة نظر شخصية 

 الكتاب لايخلو من هنات في اكثر من موضع منه وهو من جهة اخرى يهدف الى استجلاء فهم واضح عن المجتمع العراقي وتقديمه بين يدي مواطنيه الاميركيين في المقام الاول ولكن في المحصلة العامة يظل الكتاب جديرا بالقراءة حتى من قبل الجمهور الذي لم يضعه الكاتب في حسبانه الا وهم المثقفون العراقيون ....

يتالف الكتاب  من تمهيد يتبعه مقدمة الكاتب  تتبعها  ستة  فصول مع ملاحظة هامة تتعلق  بتقديم الدكتور عبد الحي يحيى زلوم للكتاب حيث بلغ التقديم  زهاء الثلاثين صفحة وجاء تحت عنوان : "احتلال العراق احدى حروب البترول الاميركية" وحاول فيه زلوم ان يفض الاشتباك  بين افكار بولك وافكاره الخاصة بقوله :" نود ان ننوه بان هذه المقدمة تعبر فقط عن راي كاتبها الدكتور عبد الحي يحيى زلوم , ولا تعبر بالضرورة عن رأي الدكتور وليام بولك . كما ان ما جاء في الكتاب يعبر عن راي د. بولك ولا يعبر بالضرورة عن راي د. زلوم "

واذا ما تجاوزنا التمهيد الذي لم يتعد الورقة الواحدة فان اهم مايطالعنا في مقدمة الكاتب القول الاتي : " ان الفترة الحالية _ التي يعيشها العراق  _ من غير دكتاتور قد يثبت انها كانت مجرد فترة بين الدكتور السابق والدكتاتور التالي " وفي القول انف الذكر ما يؤكد على طابع الفوضى التي سادت البلاد بعد سقوط نظام صدام حسين .

الفصل الاول : العراق القديم :

 وفيه يسرد المؤلف معلومات تاريخية متواترة عن " ميزوبوتاميا " او بلاد مابين النهرين ولكنه يتجه في بعض الاحيان الى البحث في مضامين لم يتوصل الباحثون من قبله الى ثمرة ذات جدوى فيها لينتهي الى نفس المآل بعد اطناب لا داعي له سيما في حديثه حول اصل اللغة السومرية وهل هي سامية المنشأ او هندو اوربية ليبقى السؤال مفتوحا كما بدأه اول مرة.... 

ويبدو ان الفكرة التي يحاول الكاتب جاهداعلى لثباتها  تنصب على ان السومريين القدماء  هم الاسلاف الحقيقيون لمعظم عراقيي هذا العصر من دون سائر الاقوام الاخرى ويمكن ملاحظة هذا النسق من التصور  حتى في ربط القالب الديني الاوتوقراطي  المعاصر على حد وصفه بالقالب الديني الذي عرفه العراقيون منذ عصور سحيقة وفي هذا الباب يقول الكاتب : كان ابناء المجتمع العراقي القديم يتوجهون الى بعض الادعياء للقيام بالطقوس الرامية الى كسب الرضا الالهي . وكان هؤلاء الادعياء يعملون باسم الاله ويديرون بيته , أي المعبد , ولهذا اعطوا انفسهم حق المطالبة بالعطايا للاله  . وهكذا استطاعوا ان يجمعوا ممتلكات اداروها نيابة عنه .., فاصبحوا اغنياء , واصبحوا اقوياء ومحترمين فكانوا رواد اسلوب اوتوقراطي في الحكم اصبح سمة غالبة في العراق الى هذا اليوم " وخلاصة فكرة الكاتب تتمثل في ان مدنا من امثال كربلاء والكاظمية وسامراء هي امتداد طبيعي لمعبد "نيبور" الذي وجد في العراق قبل 5000 عام .

وفيما يخص الاشوريين فان الكاتب يحدد لهم صفات القوة والتفوق والريادة في سكن وادي الرافدين في اجزائه الشمالية ولكنه يشير الى ان الاشوريين وبعد التوسع في مناطق نفوذهم التي شملت مناطق تواجد السومريين ايضا اضطروا الى تغيير سياسة اعتمدوها طويلا تقضي بالاعتماد فقط على ابناء الشعب الاشوري الى سياسة اخرى مفادها استقدام مرتزقة من دول او دويلات اخرى لينتهي به المطاف الى القول 69 : بدات الدولة المترهلة ويعني بها الدولة الاشورية في استخدام اعداد كبيرة من المرتزقة الذين جلبوهم من الجبال المجاورة التي تحيطهم وما حدث لايمكن توثيقه لكنه لابد ان يكون قد لعب دورا في تشكيل ما ما يمكن ان يوصف بانه السابقة التاريخية لما يسمى اليوم كردستان".....

يتحدث الكاتب باسهاب ايضا عن علاقة الفرس بالعراقيين القدماء منهم والجدد ليقع في مازق ينتهي به الى القول "ان الكهنة الزرادشتين القدماء في بلاد فارس كانوا نموذجا للكهنة الشيعة المعاصرين " 71وهو بهذا يناقض قوله المتقدم في كون المؤسسة الدينية العراقية المعاصرة هي امتداد لاسلافهم الكهنة السومريين كما اوردنا ذلك سابقا...

الفصل الثاني : العراق الاسلامي :

 في هذا الفصل وبعد استعراض لخطوات فتح العراق يتحدث الكاتب عن تطوير مفهوم العشيرة ليتحول فيما بعد  الى مفهوم الامة يقول الكاتب 83 : " كان الافتراض لدى محمد واتباعه الاوائل ان اولئك الذين سيعتنقون الاسلام سيكونون عربا وعندما كانوا يتلفظون بكلمة المسلم فانها كانت تعني العربي ايضا"ويستطرد الكاتب في مفارقة غريبة عن الواقع فيقول في ذات الصفحة ان المسلمين لم يحاولوا ادخال غير العرب الى حظيرة الاسلام وكل مافي الامر انهم شجعوا الاجانب على التشبه بالمسلمين ولايخفى على احد ما في هذا المعنى من مجانبة للحقيقة والصواب .

ثم يحاول الكاتب تصوير العراقيين بعد الفتح على انهم فئة مضطهدة تساورها مشاعر النقمة والسخط نحو الفاتحين بخاصة من ولدوا من امهات عراقيات واباء عرب وصنفوا في طبقة الموالي وكان البعض من ذوي الثقافة الرفيعة في هذه الطبقة تنتابهم حالة من الغضب الشديد كلما راوا البدو الاميين الجهلة يستهلكون خيرات بلد كان يعود الى اسلاف امهاتهم .  83  لهذا فان العراقيين من هذه الطبقة كانوا مهيئين لنصرة علي والحسين بدعوى الحفاظ على مؤسسة الخلافة ولهذا فقد كانت الكوفة هي المكان الذي بدات فيه الحركات الثورية وظلت

كذلك حتى الاطاحة بالامبراطورية الاموية .

ثم يسترسل الكاتب في تسلسل للاحداث في العراق بعد نجاح الثورة العباسية التي رفعت شعارات شيعية ثم تنصلت منها بعد ذلك لاسباب سياسية معروفة لتنتهي الحقبة العباسية باجتياح المغول لبغداد عام 656حسب التقويم الهجري وهنا يقرر الكاتب مايلي : "ن المذابح المنغولية في بغداد كانت ادهى وانكى بكثير من الكارثة التي عانتها اوروبا الحديثة في الطاعون الاسود المميت" ثم يزري الكاتب بعقيدة القضاء والقدرعند المسلمين فبحسب فهم وليام بولك الذي اخذه بدوره عن هولاكو فان المستعصم بالله اخر خلفاء بني العباس الذي لفه المغول بسجادة ومن ثم قتلوه ركلا بالاقدام كان يستحق ما ال اليه من مصير .

اما العصور التي تلت سقوط بغداد على ايدي التتر فان الكاتب يستعرضها بسرعة لكنه يقف وقفة متانية عند العهد العثماني حيث بلغ فيه العراق الدرك الاسفل في الجانب الحضاري حتى بالقياس الى الدول العربية الاخرى التي كانت تحت النفوذ العثماني مثل مصر وبلاد الشام رغم ما كان يتمتع به العراق من ثروات وموقع جغرافي مهم .

الفصل الثالث : العراق البريطاني :

 من المعلومات المهمة التي يسردها الكاتب في هذا الفصل والتي قد تكون غائبة عن اذهان الكثيرين ان بريطانيا اعترفت بالكويت رسميا قبل ان تعلن الحرب على الدولة العثمانية التي كانت ارض الكويت جزءا منها وتابعة لولاية البصرة .....

وفي معرض جوابه عن سؤال لماذا احتلت بريطانيا العراق يورد الكاتب معاذير وتبريرات يراها الكاتب متطابقة الى حد بعيد مع ما ساقه الاميركان من اسباب وتبريرات قبل احتلال العراق ويكاد هذا الفصل يبدأ وينتهي بمقارنات _لبعض منها موضوعي والاخر يشوبه الاقحام _ بين الاحتلالين البريطاني للعراق عام 1917 والاميركي عام 2003.

وفي عهد الاحتلال البريطاني ظل العراقيون يعيشون حالة من عدم التوازن الاجتماعي على صعيد ادارة شؤون بلادهم بالتعاون مع القوات البريطانية المحتلة فنالت الطائفة السنية الحظوة لدى البريطانيين بينما بقيت الطائفة الشيعية على حالها من ناحية التخلف والافتقار وعدم ولوج الميادين السياسية , هذا الامر سيتكرر مع احتلال العراق من قبل الاميركان ولكن بطريقة معكوسة الى حد بعيد ...

ولكي يمهد الكاتب للفصل الرابع وهو بعنوان العراق الثوري يرجع بولك اسباب ثورة 1958 م الى سببين مهمين الاوهما نظام الاقطاع الذي ولد في العراق عام 1932 م بمباركة الانكليز والى معاهدة حلف بغداد عام 1955م

التي جعلت من العراق مخفرا اماميا للامبراطورية البريطانية بحسب تعبير وليام بولك .

الفصل الرابع : العراق الثوري :

 يستهل الكاتب هذا الفصل بايراد فكرة كانت تسود ضباط الجيش العراقي الذي تاسس عام 1922م ومفادها ان ضباط الجيش هم خيرة البلاد واكثرهم نزاهة وابعدهم عن ميادين الفساد الذي كان سائدا مجتمع السياسيين المدنيين....

وفي حديث الكاتب عن مفهوم الوطنية عند ساسة العراق فانه يضع اسم نوري السعيد الى جانب عبد الكريم قاسم لكنه وفي مفارقة اخرى عن الواقع يضع الى جانبهما صدام حسين الامر الذي يستغربه أي باحث مطلع على الشان العراقي لان صدام هذا كان مغرما بالقومية العربية التي تناى بطبعها عن مفهوم الوطنية والعمل لصالح الامة العراقية الذي امتاز به طابع الدولة لدى قاسم والسعيد .

في هذا الفصل يستعرض الكاتب نشاة الاحزاب في البلاد فيمر بصورة سريعة على الحزب الشيوعي العراقي والاحزاب القومية من قبيل حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي فضلا عن تاسيس الحزب الاسلامي السني الذي هو امتداد لحركة الاخوان المسلمين وايضا تاسيس حزب الدعوة الاسلامية نهاية الخمسينات من القرن الماضي

وفي هذا الفصل يتحدث الكاتب عن نماذج من سياسة عبد الكريم قاسم وبخاصة مطالبته بالكويت باعتبارها ارضا عراقية ووقوف جمال عبد الناصر بالضد من موقف قاسم فضلا عن صراع كل من الصديقين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف الذي ينتهي بعداوة قاتلة ففي عام 1963م انقلب الثاني على الاول انقلابا دمويا لم يكن الاصورة مصغرة من ثورة تموز عام 1958م ولم يلبث عارف في السلطة طويلا ايضا كسابقه قاسم فمات بحادثة تحطم طائرته جنوب البلاد وحل محله شقيقه عبد الرحمن الذي بقي في السلطة حتى انقلاب 1968م حيث نفي الى خارج البلاد ووافته المنية في عام 2007 في الاردن , ليبدأ بعد ذلك عهد صدام الذي بدا واضحا بعيد العام 1968  . وفي استعراض لنمط شخصية صدام التي امتازت بالخبث والتآمر على اقرب المقربين اليه وما جره على البلاد من من ثلاثة حروب عبثية ينتهي هذا الفصل ليبدأ الفصل الخامس الا وهو العراق الاميركي 

الفصل الخامس : العراق الاميركي :

في هذا الفصل يحدد الكاتب تاريخ العراق التاريخي بحسب تصنيفه بعام 1990 حينما غزى العراق الكويت وسيظل العراق اميركيا الى زمان الناس هذا , فيما يتعلق باتخاذ قرار الغزو نجد الكاتب يتبنى وبشكل يكاد يكون سافرا لطروحات النظام السابق التي سوغت للشارع العراقي على الاقل قضية الغزو من حيث الاصل فالعراق بهذا المعنى يحتاج الى منفذ اكبر على الخليج او هو في حقيقته طريق لتسوية موضوع الحدود بين البلدين ..., وفي ذلك تجني على حقائق التاريخ القريب سيما ان الذاكرة الشعبية مازالت تعج بعنجهية النظام واقدامه على اعمال كارثية من غير ما روية او اناة كما يحاول ان يثبت الكاتب نقيضها , وع اتفاقنا مع الكاتب على حقيقة وجود اشارات من قبل الادارة الاميركية فهمها  النظام على انها ضوء اميركي اخضر يسمح باجتياح الكويت , وفي هذا الفصل يكرر الكاتب ما سبق واورده من ان النفط لاغير هو السبب الحقيقي وراء حروب الخليج قاطبة , ويمر الكاتب على احداث اذار 1991 التي اعقبت هزيمة العراق في الكويت مرورا سريعا رغم ان المفروض ان تاخذ هذه الاحداث موقعا كبيرا من كتاب يفترض ان يعالج التاريخ الاجتماعي للعراق , على ان ما اورده من نقاط حول اسباب فشل الانتفاضة يمكن ان يعد اسبابا حقيقية فقد خذل العراقيون من قبل الايرانيين والاميركيين على حد سواء ولم يتبق للثوار الا اليد العزلاء وسرعان ما بترت شر بترة . ثم ينتهي هذا الفصل بالاجتياح الاخير للعراق من قبل الاميركان عام 2003 والذي كان معدا سلفا والهدف ايضا هو الخزان النفطي الهائل الذي يتربع فوقه العراق .

الفصل السادس : عراق من ؟ :

 يسرد الكاتب في هذا الفصل اسئلة منها : هل سيكون العراق اميركيا او اسلاميا او ديمقراطيا او ديكتاتوريا ...هل سيظل العراق بيد العملاء.. هل سيبقى  فوضويا.. هل تنتهي الكارثة ام ان الكوارث في هذا البلد سلسلة مأساة بدات قبل الاف السنين ولن تنتهي قبل الاف السنين ...

من وجهة نظر الكاتب ان من يضع حدا للكارثة العراقية التي تسبب بها الاميركيون هذه المرة على نحو رئيسي هو في رحيل الاميركيين ومعرفة الجيران اخيرا للقوانين التي تفرضها الجيرة الطيبة واذا ما تحققت هذه الغايات فان العراق سيكون للعراقيين كما كان دائما او في غالب الاحيان .


منقول عن شبكة النبا المعلوماتية

احــــلام:


كل كلمة الشكر قليلة بحقكي يا سيدتي الأنسة ست هيوي الوردة الرقيقة الطيبة الكتب التي تنزليها بلقسم وكانكي تزرعين لنا بذرة من الورورد الحلوة والمعطرة لنشمها ونتأمل بقرأتها ياملكة الطيبة والجمال خاثي هيوي خان

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[#] الصفحة التالية

[*] الصفحة السابقة

الذهاب الى النسخة الكاملة