المنتدى العام > الكتب والمكتبات

مقهى هواة الكتب و عشاق القراءة

<< < (4/4)

sinan y shabilla:

--- مقتبس من: hewy في 16:42 21/01/2009 ---


احببت ان اشارككم اليوم قراءتي في كتاب
خوارق اللاشعور .. اسرار الشخصية الناجحة ج1
للكاتب علي الوردي _ كلية االاداب . بغداد


اخترت لكم من بين طيات الكتاب الاتي واتمنى تنال رضاكم :

ان من البلاهة ان نحاول اقناع غيرنا على رأي من الاراء بنفس البراهين التي نقنع بها انفسنا !!
يجدر بنا ان نغير وجهة الاطار الفكري للمقابل اولا و اذ ذاك نجده قد مال الى الاصغاء الى براهيننا بشكل يدعو الى العجب الشديد.




كثيرا ما نحرص على شيء وندأب من اجله عزما وارادة وسعيا ، ثم نراه يبتعد عنا كلما اردناه ، ويصعب علينا بمقدار ما حرصنا عليه . حتى اذا اهملناه او تغافلنا عنه وجدناه قد استلان بين ايدينا وتراضخ بشكل قد يثير فينا الدهشة والمرارة .



مما لا ريب فيه انه ليس هناك حظ بالمعنى الذي يفهمه الناس عادة من هذه الكلمة .
ان هناك بالاحرى قوة لا شعورية تنبثق من اغوار النفس ويكون لها اثر لا يستهان به في نجاح الفرد او نبوغه او تفوقه .
والفرق الذي نراه احيانا بين فرد واخر في مبلغ النجاح رغم تشابههما في السعي والذكاء ناتج في الاغلب من كون احدهما يسمح لقواه اللاشعورية بالانبثاق ويستفيد منها في حياته العملية بينما يكدح الاخر طول وقته فيكبح بذلك تلك القوى ولا يصغي لحوادسها وحوافزها واشاراتها . لذا نراه قد ابتعد رغم انفه عن طريق النجاح.



عجيب امركم ايها البشر !!
فانتم تؤمنون بألة يركبها الانسان !! ولا تؤمنون بالانسان نفسه
هذا المخلوق العجيب الذي يحتوي بدنه على غرائب لا تحصى


البرهان الذي نقبله اليوم ربما بدا لنا سخيفا غدا


لقد كان القدماء يعتقدون بان الانسان حيوان عاقل !!
والواقع انه حيوان متحذلق
فهو متعاقل لا عاقل!
يتظاهر بالتعقل وهو في الحقيقة مجنون.. على وجه من الوجوه


ان المقياس الذي نقيس به ثقافة الشخص هو مبلغ ما يتحمل هذا الشخص من اراء غيره المخالفة لرأيه


كلما اشتد اعتقاد الانسان بانه حر بتفكيره
زاد اعتقادي بعبوديته الفكرية !!   











--- نهاية الإقتباس ---
هاي
هذا كتاب حلو واني قريته كله ، يجوز علي الوردي شوية راح زايد بس بنفس الوقت بيه افكار حلوة خاصة ويجوز عملية

hewy:
قــراءة في كتــاب
 

 
دانييل جولمان     

عرض: مجتبى العلوي
 
عن سلسلة عالم المعرفة صدر كتاب (الذكاء العاطفي) ، محتوياً على ثلاثة أقسام مع مقدمة يقدم المؤلف في هذا الكتاب طريقاً جديداً للنظر في جذور أسباب أمراض الأسر والمجتمعات، ويدعو فيه إلى ثقافة العقل والقلب معاً.

قام المؤلف في هذا الكتاب برحلة تأمل علمي ثاقب في عواطف الإنسان، نفهم منها معنى الذكاء، وكيفية ارتباطه بالعاطفة، ونطلع عبر صفحاته على مملكة المشاعر وتأثيرها في مسار حياتنا.

اعتمد المؤلف على الأبحاث الطبية والدراسات التي أجريت على الدماغ البشري خلال العقدين الماضيين، ليخرج بآخر اكتشافات تركيبة المخ العاطفية التي تفسر كيف تهيمن قبضة العاطفة القوية على العقل المفكر، وكيف تكشف تراكيب المخ المتداخلة المتحكمة في لحظات الغضب والخوف أو الحب عن كثير من الحقائق، وأن النقص في الذكاء العاطفي أساس الكثير من مشاكل كل فرد منا، لأنه يدمر الذهن ويهدد الصحة الجسمانية بأخطار جسيمة.

ويجيب المؤلف عن السؤال المهم: ما هذه المشاعر الإنسانية؟ وما مكانها في المخ؟ وهل ما ورثناه من طباع قدر محتوم، أم أن دوائر المخ العصبية دوائر مرنة يمكن أن تتعلم وتتغذى، وتقوى وفقاً للبنية التي يتأسس عليها ذكاؤنا العاطفي منذ الطفولة؟.

أما أكثر الحقائق إثارة للقلق في هذا الكتاب فهي ذلك المسح البحثي الشامل الذي يكشف كيف بات جيل الأطفال الحالي في العالم كله أكثر غضباً وجنوحاً وقلقاً واندفاعاً وعنفاً.. فهل الذكاء العاطفي يقدم علاجاً؟ .

الجواب في صفحات هذا الكتاب الشيق.

في المقدمة يستشهد المؤلف بقول لأرسطو في كتابه (الأخلاق إلى نيقو ماخوس): (أن يغضب أي إنسان، فهذا أمر سهل.. لكن أن تغضب من الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب.. فليس هذا بالأمر السهل).

ثم يذكر المؤلف حادثة كان شاهداً عليها قبل عشرين عاماً والتي انحفرت في ذهنه ودعته إلى تأليف هذا الكتاب..

تتلخص تلك الحادثة بصعود المؤلف إلى إحدى الحافلات حيث شد انتباهه سائقها وهو يرحب به وترتسم على وجهه ابتسامة دافئة حيث حيّاه بود، وقد انتبه المؤلف إلى أن السائق كان يرحب بكل راكب حين صعوده.. بينما ارتسم على وجوه الركاب المزاج الكئيب فلم تكن تلقى تحيته وداً إلا من قليل منهم.

ولكن مع تقدم الحافلة ببطء في مسيرها واستمرار السائق بتحية الركاب والتعليق على ما تمر عليه الحافلة من أسواق، ودور سينما.. حدث تحول بطيء وسحري داخل الحافلة، ومع الوقت انتقلت عدوى ابتهاجه بما يتمتع به من إمكانات ثرية إلى الركاب.. ونزل كل فرد في محطته وقد خلع عن وجهه ذلك القناع المتجهم الذي صعد به. وعندما كان السائق يودع كلاً منهم بقوله: إلى اللقاء.. يوماً سعيداً.. كان الرد يأتيه بابتسامة جميلة على الوجوه..

ويعلق المؤلف على هذه الحادثة بقوله:

لقد انطبع هذا الموقف في ذاكرتي قرابة عشرين عاماً، وكنت وقتها قد انتهيت رأساً من إعداد رسالتين لنيل الدكتوراه في علم النفس.. لكن الدراسات السيكولوجية في تلك الأيام لم تكن تبدي اهتماماً يذكر بالكيفية التي يمكن أن يحدث بها مثل هذا التحول..

إذ لم يكن العلم السيكولوجي يعرف سوى القليل، وربما لم يكن يعرف شيئاً أصلاً، عن آليات العاطفة.. ومع ذلك فكلما تخيلت انتشار (فيروس) المشاعر الطيبة بين ركاب الحافلة الذي لابد أنه سرى عبر المدينة، بدءاً من ركاب تلك الحافلة، اعتبرت ذلك السائق مصلحاً يجوب المدينة (أو باعث السلام في مجموعة من البشر) بمقدرته السحرية على التخفيف من حالة التجهم الشديد البادي على وجوه الركاب، فإذا بقلوبهم تتفتح قليلاً، ويتحول التجهم المرسوم على الوجوه إلى ابتسامة، وفي تناقض صارخ مع هذه الحادثة تنبئنا بعض فقرات الصحف بما يلي:

- أحد المراهقين يطلق النار على جمهور أحد النوادي في مدينة مانهاتن ويصيب ثمانية من الصبية لأن كرامته أهينت كما تصور..

- جاء في تقرير حول ضحايا جرائم ما قبل سن الثانية عشرة، أن 75 % من صبية هذه المرحلة السنية هم ضحايا آبائهم أو أزواج أمهاتهم.. وفي 50% من الحالات الواردة في التقرير يقول الآباء أنهم لم يفعلوا شيئاً سوى محاولة أداء واجبهم في تربية أولادهم، بمعاقبتهم بالضرب حين يخالفون أوامرهم..

- وشاب ألماني يقتل خمس نساء تركيات، من خلال إشعال النار فيهن وهن نائمات.. وقد اعترف الشاب أثناء محاكمته، وهو عضو في مجموعة نازية جديدة، بأنه فشل في الحصول على عمل، وأنه يتعاطى الخمور، وأنه يحمّل الأجانب مسؤولية حظه السيء.

لقد أصبحت أخبار الصحف تحمل لنا كل يوم مثل هذه التقارير حول انهيار الحس الحضاري وفقدان الإحساس بالأمان، بما يشبه موجة من الدوافع النفسية المتدنية الآخذة في الاستفحال.. غير أن هذه الأخبار تعكس في النهاية إحساسنا المتزايد بانتشار هذه الانفعالات غير المحكومة على صعيد حياتنا الخاصة، وحياة الآخرين المحيطين بنا.. وليس هناك أحد بيننا بمنأى عن ذلك المد المتفلت من الانفجار الانفعالي، إذ هو يصيب مختلف مناحي حياتنا بشكل أو بآخر..
 
 بواعث الفعل:
 
إن كل الانفعالات في جوهرها هي دوافع لأفعالنا.. هي الخطط الفورية للتعامل مع الحياة التي غرسها التطور في كياننا الإنساني..

ويلعب كل انفعال في سجلنا العاطفي دوراً فريداً، كما توضحه البصمات البيولوجية المتميزة..

وقد تمكن الباحثون اليوم بالوسائل العلمية الجديدة البالغة التقدم التي استطاعت أن ترى الجسم والمخ من الداخل بدقة من اكتشاف مزيد من تفاصيل الكيفية الفسيولوجية التي تجهز بها العاطفة الجسم بمختلف أنواع الاستجابات، وعلى سبيل المثال:

في حالة الغضب يتدفق الدم إلى اليدين ليجعلهما قادرتين بصورة أسهل على القبض على سلاح أو ضرب عدو.. وتتسارع ضربات القلب، وتندفع دفقة من الهرمونات مثل هرمون (الأدرينالين) فيتولد كم من الطاقة القوية تكفي القيام بعمل عنيف.

وفي حالة الخوف: يندفع الدم إلى أكبر العضلات حجماً، مثل عضلات الساقين، فيسهل الهرب، ويصبح الوجه أبيض اللون شاحباً لأن الدم يهرب منه..

وفي حالة الدهشة؛ ترفع الحواجب لتسمح بنظرة شاملة أوسع، وتسمح بدخول مزيد من الضوء إلى الشبكية، وهذا يوفر مزيداً من المعلومات حول ما حدث دون توقع وأثار الدهشة، ويكشف حقيقة ما يجري بالضبط، بما يساعد على اختيار أفضل فعل مناسب للموقف.

في هذا القسم الأول من الكتاب؛ كانت رحلة المؤلف مع آخر اكتشافات لتركيبة المخ العاطفية، والتي تقدم تفسيراً لتلك اللحظات الأكثر تحييراً في حياتنا والتي تهيمن فيها، مشاعرنا على عقولنا..

إن فهم التفاعل بين تراكيب المخ يكشف عن الكثير فيما يتعلق بكيفية تعلمنا للعادات العاطفية التي يمكن أن تقوض أفضل أهدافنا، وكذلك ما الذي بوسعنا أن نفعله للسيطرة على انفعالاتنا العاطفية الهدامة والمسببة للإحباط؟.

في القسم الثاني من الكتاب يرينا المؤلف كيف تدخل معطياتنا العصبية في تشكيل المهارة الأساسية لممارسة الحياة والتي نسميها (الذكاء العاطفي) أي أن نكون قادرين مثلاً على التحكم في نزعاتنا ونزواتنا، وأن نقرأ مشاعر الآخرين اليومية ونتعامل بمرونة في علاقاتنا مع الآخرون.

هذا النموذج المسهب لمعنى أن يكون المرء (ذكياً) يضع العواطف في بؤرة القدرات الشخصية في التعامل مع الحياة..
 
 انفلات الأعصاب:
 
لاشك في أن ما يثير الفضول لفهم قوة العواطف وتأثيرها في حياتنا العقلية، تلك اللحظات المثيرة للمشاعر، والتي نندم عليها بعد أن ينقشع عنها غبار الانفعال، ونتذكرها فيما بعد..
 
 إعرف نفسك:
 
لاشك في أن وصية سقراط التي تقول (اعرف نفسك) تتحدث عن حجر الزاوية في الذكاء العاطفي، الذي هو وعي الإنسان بمشاعره وقت حدوثها..

وقد يبدو للوهلة الأولى أن مشاعرنا واضحة.. ولكن قدراً أكبر من التفكير والتأمل يذكرنا بأننا جميعاً غافلون عما شعرنا به تجاه شيء ما في الحقيقة، أو يوقظ فينا هذه المشاعر فيما بعد..

وقد استخدم علماء النفس مصطلحاً ثقيلاً اسمه (ما بعد المعرفة) إشارة إلى الوعي بعملية التفكير واستخدموا مصطلح (ما بعد الانفعال) ليشير إلى تأمل الإنسان لانفعالاته..

لكن المؤلف يفضل مصطلح (الوعي بالذات) بمعنى الانتباه إلى الحالات الداخلية التي يعيشها الإنسان وبهذا الوعي التأملي للنفس، يقوم العقل بملاحظة ودراسة الخبرة نفسها بما فيها من انفعالات.

والواقع أن مراقبة الذات - على أحسن الفروض - تحقق إدراكاً رصيناً للمشاعر المضطربة والمتقدمة، إنها في أقل تقدير تقدم نفسها في صورة ظاهرية وبسيطة، وكأنها عائدة لتوها من خبرة ما.. هي مجرى يوازي الوعي، أي ما بعد توزع الانتباه في مجرى الوعي الرئيسي، أو بجانبه، مدركة الحدث الجاري أكثر من انضمامها إلى هذه المشاعر، وضياعها فيها.. وهذا هو الفرق - مثلاً - بين أن تكون غاضباً غضباً شديداً من شخص ما، وأن تدرك بفكرك الذاتي التأملي قائلاً: (أنا أشعر بالغضب) حتى وأنت في حالة هذا الغضب..

وعلى الرغم من التمييز المنطقي بين أن نكون مدركين لمشاعرنا، وأن نعمل على تغييرها، نجد أن جون ماير العالم السيكولوجي بجامعة هامبشير، الذي وضع نظرية الذكاء العاطفي، قد اكتشف أن الوعي بالمشاعر والقيام بالأفعال من أجل الأهداف العملية كلها عادة جنباً إلى جنب ويداً بيد.. ذلك لأن مجرد إدراكنا أن المزاج سيء، فهذا معناه الرغبة في التخلص منه والتعرف على الحالة النفسية شيء متميز عما نبذله من جهود حتى لا نقوم بفعل ما بدافع انفعالي.

واكتشف ماير أن الناس يميلون إلى اتباع أساليب متميزة للعناية بعواطفهم والتعامل معها:

الوعي بالنفس: إن أولئك البشر الذين يدركون حالتهم النفسية في أثناء معايشتها، عندهم بصورة متفهمة بعض الحنكة فيما يخص حياتهم الانفعالية.. ويمثل إدراكهم الواضح لانفعالاتهم أساساً لسماتهم الشخصية.. هم شخصيات استقلالية واثقة من إمكاناتها، ويتمتعون بصحة نفسية جيدة، ويميلون أيضاً إلى النظر للحياة نظرة إيجابية. وعندما يتكدر مزاجهم لا يجترونها ولا تستبد بأفكارهم، هم أيضاً قادرون على الخروج من مزاجهم السيء في أسرع وقت ممكن.. باختصار تساعدهم عقلانيتهم على إدارة عواطفهم وانفعالاتهم..

الغارقون بانفعالاتهم: هؤلاء الأشخاص هم من يشعرون غالباً بأنهم غارقون في انفعالاتهم، عاجزون عن الخروج منها، وكأن حالتهم النفسية قد تملكتهم تماماً. هم أيضاً متقلبو المزاج، غير مدركين تماماً لمشاعرهم إلى الدرجة التي يضيعون فيها ويتيهون عن أهدافهم إلى حد ما، ومن ثم فهم قليلاً ما يحاولون الهرب من حالتهم النفسية السيئة، كما يشعرون بعجزهم عن التحكم في حياتهم العاطفية.. إنهم أناس مغلوبون على أمرهم، فاقدو السيطرة على عواطفهم..

المتقبلون لمشاعرهم: هؤلاء على الرغم من وضوح رؤيتهم بالنسبة لمشاعرهم، فإنهم يميلون لتقبل حالتهم النفسية، دون محاولة تغييرها، ويبدو أن هناك مجموعتين من المتقبلين لمشاعرهم:

المجموعة الأولى: تشمل من هم عادة في حالة مزاجية جيدة، ومن ثم ليس لديهم دافع لتغييرها.. والمجموعة الثانية تشمل من لهم رؤية واضحة لحالتهم النفسية ومع ذلك حين يتعرضون لحالة نفسية سيئة، يتقبلونها كأمر واقع، ولا يفعلون أي شيء لتغييرها على الرغم من اكتئابهم. وهذا النموذج من المتقبلين يدخل في إطار المكتئبين الذين استكانوا لليأس..
 
 عبيد العاطفة:
 
منذ عصر أفلاطون، ظل الإحساس بتفوق النفس وقدرتها على مواجهة العواصف العاطفية الناتجة عن ضربات القدر بدلاً من الاستسلام لها لكي نصبح عبيداً للعاطفة، ظل هذا الإحساس فضيلة تستحق الإشادة بها دائماً..

كانت الكلمة اليونانية لهذه الفضيلة هي (سوفروزايم sophrozyme )أي الانتباه والذكاء في إدارة حياتنا: بمعنى الإتزان والحكمة.. أما الرومان والكنيسة المسيحية القديمة فقد أطلقوا عليها اسم (temprrantia ) أي ضبط النفس، أو كبح جماح الإفراط في الانفعال، والهدف من ذلك تحقيق التوازن العاطفي وليس قمع العاطفة، لأن لكل شعور قيمته ودلالته.. فالحياة من دون عاطفة تصبح أرضاً حيادية قاحلة ومملّة، منقطعة ومنعزلة عن ثراء الحياة نفسها..

والمطلوب، كما لاحظ (أرسطو) انفعال يناسب الظرف ذاته، فعندما يكبت الانفعال تماماً فإن ذلك يؤدي إلى الفتور والعزلة، وعندما يخرج عن إطار الانضباط والسيطرة ويصبح بالغ التطرف، والإلحاح، فإنه يتحول إلى حالة مرضية، تحتاج إلى العلاج مثل الاكتئاب المؤدي إلى الشلل، والقلق الساحق، والغضب الكاسح، والتهيج المجنون..

ولا شك في أن مفتاح سعادتنا العاطفية يكمن في ضبط انفعالاتنا المزعجة بصورة دائمة، هذا؛ لأن التطرف المتزايد والمكثف في العواطف لفترة طويلة يؤدي إلى تقويض استقرارنا.

ومن الطبيعي ألا نشعر طوال الوقت بنوع واحد من الانفعال.. والواقع أن هناك الكثير مما يقال عما تسهم به المعاناة البناءة في الحياة الإبداعية والروحانية، لأن المعاناة تهذب الروح..

ولا شك في أن تقلبات الدهر بما فيها من سعادة وتعاسة تعطي الحياة نكهة خاصة، وإن كانت تحتاج إلى التوازن..

وما يحدد الإحساس بالسعادة - بحساب القلب - هو معدل العواطف الإيجابية والسلبية. وهذه - على الأقل - هي الحكمة التي خرجت بها دراسات عن طبائع مئات الرجال والنساء، وحالاتهم النفسية التي مرت عليهم، وسجلوا انفعالاتهم في تلك الأوقات.. مثل هؤلاء لا يحتاجون إلى تجنب المشاعر غير السارة للإحساس بالرضا عن حياتهم، لكنهم لا يتركون أنفسهم تحت رحمة مشاعرهم العاصفة دون كبح جماحها حتى لا تحل محل حالتهم النفسية المبتهجة، وثمة أناس يتعرضون لنوبات عارمة من الغضب والاكتئاب، ويمكن لأولئك الناس أن يشعروا بالرضا نحو حياتهم إذا ما تناوبتهم بقدر متساو فترات من الفرح والابتهاج..
 
 تحليل ثورة الغضب:
 
يبدو أن الغضب هو أكثر الحالات تصلباً وعناداً من بين كل الحالات التي يرغب الناس في الهروب منها، فقد انتهت (تايس) من دراستها إلى أن الغضب هو أسوأ الحالات النفسية التي يصعب السيطرة عليها. والغضب هو أكثر هذه الحالات غواية وخطأ على العواطف السلبية، ذلك لأن المونولوج الداخلي الذي يحث على الغضب والمبرر أخلاقياً، يملأ عقل الغاضب بالذرائع المقنعة ليصب جام غضبه.. والغضب ليس مثل الحزن، لأنه انفعال يولد الطاقة والتنبه.. فالغضب لديه قدرة على الإغواء والحفز، وربما كان هذا هو السبب في الأفكار الشائعة عنه بأنه يصعب التحكم فيه أو أنه لا ينبغي كظمه.. بل أكثر من ذلك، أن التنفيس بالغضب يطهر النفس وهو في مصلحة الغاضب، أما الرأي الآخر المضاد للرأي السالف والذي قد يكون رد فعل على الصورة الكئيبة التي يرسمها الرأيان الآخران، فيتمثل في القول إن الغضب يمكن الحيلولة دون حدوثه تماماً.

والواقع أن تسلسل الأفكار الغاضبة الذي يؤجج الغضب، من الممكن أن يكون هو نفسه مفتاح أقوى الوسائل للتخفيف من شدة الغضب، وذلك بوضع حد للأفكار التي توقد نار الغضب في مهدها.. وكلما طال الوقت الذي نجتر فيه الأسباب التي أثارت غضبنا، وجدنا (أسباباً طيبة) نلفقها ونخترعها لنبرر بها لأنفسنا أسباب غضبنا، لكن إذا نظرنا للأمور بشكل مختلف فسوف تهدأ هذه النيران المشتعلة. وهذا ما انتهت إليه (تايس) في بحثها فقد وجدت أن إعادة وضع موقف ما إيجابياً في إطاره، كان أكثر السبل الفعالة لوقف الغضب..

في القسم الثالث من الكتاب يبحث المؤلف في بعض الاختلافات الأساسية المترتبة على هذه القدرات مثل: كيف يمكن بهذه القدرات أن نصون علاقتنا الأكثر أهمية أو كيف يفسد الافتقار إلى هذه القدرات تلك العلاقات.. وكيف تسبغ قوى السوق التي تعيد تشكيل حياتنا العملية أهمية غير مسبوقة على الذكاء العاطفي من أجل تحقيق النجاح في العمل. وكيف تتسبب العواطف المسمومة في تهديد صحتنا الجسدية وإصابتها بالمخاطر، تماماً كما يفعل الإفراط في التدخين، في الوقت الذي يمكن للتوازن العاطفي أن يحمي صحتنا وسعادتنا على حد سواء..
 
 الأعداء الحميمون:
 
إذا نظرنا اليوم إلى معدلات الطلاق، فسنجد أنها أصبحت معدلات سنوية ثابتة بدرجة أو بأخرى.. لكن هناك طريقة أخرى لحساب معدلات الطلاق تشير إلى قفزة خطيرة في هذه المعدلات، إذا نظرنا إلى الخلافات الخطيرة التي تنشأ بين المتزوجين حديثاً وتنتهي أخيراً بالطلاق.. وعلى الرغم من ثبات معدلات الطلاق الإجمالية، فإن خطر الطلاق قد انتقل إلى الزيجات الحديثة.

وإذا ناقشنا هذا التصاعد في حالات الطلاق، فسنجد أنه يرجع بدرجة كبيرة إلى انخفاض في مستوى الذكاء العاطفي، وتراجع الضغوط الاجتماعية، المتمثلة في وصمة العار التي تلحق بالمطلق أو المطلقة، أو في اعتماد الزوجات الاقتصادي على أزواجهن، الذي ظل سبباً في بقائهن معهم حتى لو كانوا أسوأ الأزواج. أما بعد أن أصبحت الضغوط الاجتماعية لا تمثل العامل الذي يبقي على العلاقة الزوجية، فقد باتت العلاقة العاطفية بين الزوج والزوجة أهم وأخطر العوامل التي تبقي على الزواج، إذا أراد كل من الزوجين لارتباطهما أن يدوم..
 
 الــــنقد البــــــارع :
 
يقدم هاري لفنسون المحلل السيكولوجي، النصيحة التالية حول (فن النقد) الذي يتضافر مع فن الإطراء!.

كن محدداً: التقط حدثاً له دلالة، هدفاً يوضح مشكلة رئيسية تحتاج إلى التغيير، أو نموذجاً يمثل عدم الكفاءة، مثل عدم القدرة على أداء أجزاء معينة من العمل بصورة جيدة.. هذا لأن ما يثبط معنويات الإنسان هو أن يسمع أنه أخطأ في عمل شيء ما دون أن يعرف على وجه التحديد ما هذا الخطأ لكي يعمل على تصحيحه.. فلابد من التركيز على التحديد..

تذكر الشيء الجيد الذي فعله الإنسان، وما فعله بالتحديد بصورة ضعيفة، وكيف يمكن تغييره؟!..

قدم حلاً: فالنقد مثل كل تغذية مركزة مفيدة، يجب أن يشير إلى طريقة تحدد المشكلة تماماً، وإلا فسوف تترك المتلقي في حالة إحباط ومعنويات منخفضة ودون دافع للقيام بعمل، لأن النقد قد يفتح الباب إلى إمكانات وبدائل لم يتبين الشخص نفسه وجودها، أو يثير - ببساطة - الحساسية بأوجه النقص التي تستلزم الانتباه، وما يجب أن يصاحبه من اقتراحات حول أسلوب الاهتمام بهذه المشاكل.

كن حاضراً: لأن النقد مثل المديح، أكثر فعالية حين يقال وحينما يوجه للشخص نفسه على انفراد.. ونحن نلاحظ أن أولئك الناقدين غير المريحين يوجهون دائماً نقدهم سلباً أو إيجاباً من على بعد، كما لو أنهم يزيحون عبئاً عن أنفسهم.

كن حساساً: هذه دعوة للتعاطف مع الآخر، ليكون متناغماً مع ما تقوله، وكيف يكون وقعه على الشخص المتلقي..

يقدم ليفنسون أيضاً بعض النصائح العاطفية في آخر الأمر لمن يتلقون النقد قائلاً: يجب أن ينظر الإنسان إلى النقد كمعلومة لها قيمتها حول كيفية تحسين العمل وليس بوصفه هجوماً شخصياً، والأمر الآخر أن تراقب حافزك إلى اتخاذ موقف دفاعي بدلاً من تحمل المسؤولية..

وأخيراً ينصح ليفنسون الجميع أن ينظروا إلى النقد بوصفه فرصة للناقد والمنتقد للعمل معاً بهدف حل المشكلة، وليس بوصفه حالة خصومة بينهما..
 
 جـــذور التعصب  :
 
تعتبر حالات التعصب نوعاً من التعلم العاطفي الذي يجري في تيار الحياة منذ وقت مبكر، مكوناً ردود أفعال يصعب استئصالها كلية.. يحدث هذا أيضا حتى مع من يشعرون وهم شباب بخطأ الاقتناع بهذه الأفكار المتعصبة..

ويفسر هذه الحقيقة توماس بيتجرو المتخصص في السيكولوجيا الاجتماعية، بجامعة كاليفورنيا، والذي درس مشكلة التعصب على مدى عقود قائلاً: قد يحدث في وقت متأخر من حياتك أن تغير تعصبك هذا، لكنك ستكتشف أنه من السهل عليك كثيراً أن تغير من معتقداتك الفكرية عن تغيير مشاعرك العميقة..

وتأتي جزئياً الأفكار النمطية الشائعة التي تكرس التعصب من آليات أكثر حيادية في العقل الذي يجعل كل أنواع الأفكار النمطية مؤكدة بذاتها. هذا لأن الناس عموماً على استعداد سريع لتذكر اللحظات التي تؤيد الأفكار من هذا النوع، بينما ينزعون إلى إسقاط اللحظات التي تتحدى هذه الأفكار..
 
التوتر , قلق أكثر من اللازم و في غير محله  :
 
لاحظ السيكولوجي (بروس ماكوين) بجامعة بيل في بحث موسّع نشره عام 1993م حول العلاقة بين التوتر والمرض، لاحظ مجموعة كبيرة من التأثيرات.. وجد أن وظيفة المناعة قد تغيرت إلى درجة يتسارع فيها العامل المسبب للسرطان، وزادت سرعة التأثر بالعدوى الفيروسية كما تفاقم تكون الصفائح المسببة لتصلب الشرايين وتجلط الدم المؤدي إلى الذبحة الصدرية. كما عجل القلق أيضاً ببداية مرض السكر وأثر في نتيجة علاجه، وزاد من نوبات الربو.. وقد يؤدي التوتر أيضا إلى حدوث قرحة في المعدة، ويفاقم أعراض التهاب غشاء القولون المخاطي، والتهاب الأمعاء.. ويتعرض المخ ذاته نتيجة لتأثير التوتر المستمر، للإجهاد الشديد الذي يضر (قرن آمون) وبالتالي يضر الذاكرة نفسها..

في الكلمة الأخيرة التي جاءت ختاما لهذا الكتاب الرائع يقول المؤلف:

بينما كنت على وشك الانتهاء من هذا الكتاب، لفت انتباهي بعض الأخبار الصحافية المثيرة للقلق، تعلن أن الأسلحة أصبحت أول أسباب الموت في أمريكا.

أما الخبر الثاني فقد جاء فيه أن معدل الجريمة في العام الماضي ارتفع إلى 3% أما مصدر الانزعاج الأكبر فقد أورده الخبر الذي تنبأ على لسان أحد علماء الجريمة، بأننا نعيش الآن فترة هجوع تسبق عاصفة إجرامية ستهب علينا في العقد القادم.. والسبب في رأيه أن الجرائم التي يرتكبها المراهقون في سن الرابعة عشرة والخامسة عشرة في تصاعد مستمر.. هذه المجموعة السنية ستبلغ من العمر في العقد القادم الثامنة عشرة إلى الرابعة والعشرين، أي العمر الذي تصل فيه جرائم العنف إلى الذروة لدى المنخرط في العمل الإجرامي..

وتبدو نذر الشر في مقال ثالث، وفقاً لأرقام وزارة العدل الأمريكية التي تبين نسبة الأحداث المتهمين بارتكاب جرائم القتل، والهجوم الخطر والسطو، والاغتصاب، حيث أوضحت أن هذه النسبة قفزت في الفترة من العام 1988م إلى العام 1992م من 68% إلى 80%.

هؤلاء المراهقون هم أول جيل لا يملك فقط المسدسات، بل من السهل عليه الحصول على الأسلحة الأوتوماتيكية، تماماً كما كان من السهل على جيل آبائهم الحصول على المخدرات.. هذا الكم من الأسلحة التي في حوزة المراهقين، يعني أن الخلافات التي كانت في الماضي تؤدي إلى القتال بالأيدي، يمكن اليوم أن تؤدي بالفعل إلى استخدام الرصاص. وكما أشار خبير آخر إلى أن هؤلاء المراهقين ليسوا بالأخلاق التي تدفعهم إلى تجنب المشاجرات..

ومن الأسباب التي تجعل هؤلاء المراهقين يفتقرون إلى المهارات الأساسية في الحياة، أننا مجتمع لم يعبأ بالتأكد من أن كل طفل أمريكي قد تعلم الأساسيات في التعامل مع الغضب، أو حل الصراعات حلاً إيجابياً، كما أننا لم نعبأ بتعليمهم التعاطف الوجداني مع الآخرين، والسيطرة على الاندفاع، أو أية كفاءة عاطفية من الكفاءات الجوهرية.. ومع إهمالنا تعليم أطفالنا الدروس العاطفية وتركها للمصادفات، فقد خاطرنا بفقدنا الفرص المتاحة التي تقدمها عملية نضج المخ المادي البطيء، لمساعدة الأطفال على تنمية مخزون عاطفي سليم وصحي..
 
 و بعـــــد  :
 
الكتاب بأقسامه الخمسة تلك قدم رحلة رائعة وشيقة داخل النفس الإنسانية مستفيداً من أحدث الدراسات والنتائج العلمية..

وهو كتاب جدير بالقراءة، ومحاولة الإستفادة مما ورد فيه على مدار 365 صفحة من القطع الوسط..
 
منقول

hewy:
صفحات كتاب: الذهنية العربية.. العنف سيد الأحكام
 

 

 

الكتاب: الذهنية العربية-العنف سيد الاحكام

المؤلف: فؤاد اسحق الخوري

الناشر: دار الساقي- الطبعة الاولى - 1993

 

 

 

 

المقدمة

يتناول هذا الكتاب القواعد الأساسية التي تتحكم بالذهنية العربية، أي بالمسالك والمذاهب المكتسبة التي نتعامل معها وكأنها واقع قاطع دون العودة إلى التحليل والتعليل. وأعني بالذهنية هنا الحس اللاشعوري الذي يثير الإنسان للتحرك والعمل بشكل عفوي. بهذا المعنى تختلف الذهنية عن العقل، إذ إن العقل ينشأ بالمعرفة ويتحكم بالأمور عن طريق التحليل والتعليل والتبرير والبرهان. نعم! الإنسان حيوان ناطق، ولكنه قد يكون أو لا يكون عاقلاً.

وتبيَّن لنا هذه الدراسة عن الذهنية العربية أهمية الايديولوجيا في المسالك العادية التي نمارسها يوماً بعد يوم، وكيف ترتبط هذه المسالك اليومية بالأمور العليا كالدين والثقافة واللغة والتراث. بمعنى آخر، هناك ذهنية باطنية تحتية تجمع بين الأمور اليومية كالمخاطبة واستعمال الألقاب وفنون اللعب، من جهة، والشؤون العليا كالدين والشعر والهندسة المعمارية وغيرها من الجهة الأخرى. إن الحضارة شأن كامل متكامل ترتبط أجزاؤها بعضها بالبعض الآخر، ولا فرق في ذلك بين مسلك عادي نمارسه كل يوم وشؤون مصيرية أو نشاطات ثقافية رفيعة.

وتبرز هذه الدراسة ايضاً بعض النماذج الحضارية عند العرب وبعض المسلمات الذهنية التي تتحكم فيها إن باطنا أو ظاهراً. هذه النماذج التي تتمحور حول الفرد وعلاقته بالمجموعة، أي كينونة الفرد في المجتمع، أو قل (المجتمع) في ذهنية الفرد. فكثيراً ما نعزو إلى المجتمع أشياء وقيماً ليست فيه بالضرورة، نحرّكها، نثيرها، وقد نتنازع في سبيلها لكسب مصلحة شخصية خاصة، هذا يعني أنه بقدر ما نستسلم للتقاليد والأعراف نحن نوجدها، نستعملها، ونستغلها لإنجاز مآرب شخصية.

هناك أربع قواعد تتحكم في تصور العرب الذهني:

أولاً: التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع.

ثانياً: الضعف يكمن في الانفراد أو الاستفراد.

ثالثاً: القوّة تكمن في الجماعة والتجمع، أو في الإجماع والاجتماع.

رابعاً: الأولية في التعامل والتفاعل بين البشر تعطى للتكتيك والقدرة على التحرّك والمناورة.

يتصوّر العرب الكون وكأنه بُنى مسطحة لا هرمية الشكل والتركيب، تماماً كحبات المسبحة أو كأسنان المشط – وحدات منفصلة ومتساوية ومستقلة بعضها عن البعض. وفي هذا التصوّر اللاهرمي المسطح للأمور لا تستمد السلطة والسلطان من مناصب وبنى متدرجة التركيب، إنما تستمد من استعمال القوة والهيمنة والقسر بحيث يسيطر الفرد، الأمير أو الإمام، على الجماعة والجمهور. المهم في التعامل هو أن يكون الإنسان فاعلاً من خلال مجموعة متلاصقة، متكاتفة، يهيمن عليها، يرأسها، يعتني بأمرها، يدير شؤونها، يسيّسها، يتزعمها، ومن خلال هذا التزعم يحدّد موقعه من الآخرين.

هذه الأحكام الأربعة ثوابت أيديولوجية، بُنى ذهنية صحيحة بالفطرة سلفاً – صحيحة عن طريق الإيمان بها. وهي بذلك لا تحتاج إلى تبرير أو تعليل. ولكونها بنى ذهنية، فهي تبرز أو تتجلى في نواح عدّة ومتنوعة من نواحي الحياة ابتداءً بلعبة (طاولة الزهر) وانتهاءً بالحكم الإمامي أو الأميري أو الأوتوقراطي.

وتتجلّى هذه الأحكام في ألعاب التسلية والرياضة، كما تتجلى في فنون الهندسة المعمارية والرسم، أو في الشعر والنثر، أو في رصد السلالات والأنساب، أو قوانين الإرث والملكية – وهذا ما سنبينه في الفصل الأول من هذا الكتاب. أو أنها تتجلى في أساليب التفاعل اليومي بين البشر حيث يتعاملون وكأن العالم كله من حولهم مكون من الأقارب (اللّزم) (لحّاً)، أي من أخ، وأخت، وعمّ وعمّة، أو خال وخالة، أو من أبناء وأحفاد هؤلاء الأقارب. وهذا ما سنبينه في الفصل الثاني. أو تتجلى في اختيار الزوجة وتفضيل زواج الأقرباء، وخاصة ابنة العم عن غيرها من النساء (الفصل الثالث). أو في التعامل التجاري، وفي المساومة والمقايضة بين البائع والشاري في السوق حيث يتودد الواحد منهما للآخر بقصد المنفعة الشخصية والربح عن طريق الإفادة من الإخاء ووحدة الحال (الفصل الرابع). أو تتجلى في العمل لكسب الجاه والنفوذ عن طريق التحكم بالعوائل والأنساب (الفصل الخامس). أو في التعامل مع الأمراء أو التعاطي مع (العلماء) – علماء الدين (الفصل السادس). أو أنها تتجلى في تنظيم المدن أو في السيطرة على الحكم عن طريق التمسك بالأصوليات والتحالف بين العشائر والقبائل والطوائف (الفصل السابع).

وبالرغم من تعدد هذه النواحي المسلكية وتنوّعها فهي تقوم على قاعدة ثنائية واحدة موحّدة – قاعدة تنظيمية تجمع بين المحور، وهو القطب المهيمن، والأفراد التابعين له الذين يدورون في فلكه، تماماً كالدولاب من دون إطار. وهذا أمر منتظر في غياب التنظيم الهرمي للسلطة وما يستتبع ذلك من تدرّج في المناصب. ففي غياب التنظيم الهرمي للمجتمع تصبح الهيمنة محور العلاقات الاجتماعية والسياسية. من يهيمن على من: الزوج أم الزوجة؟ الأب أم الأبن؟ الأخ الأكبر أم الأخ الأصغر؟ السلطان أم مستشاره؟ الرئيس أم نائب الرئيس؟ الملك أم ولي العهد؟ هذه تساؤلات يطرحها العرب على أنفسهم في شتى المجالس واللقاءات، يطرحونها على أنفسهم في الأفلام السينمائية، في أحاديث المقاهي والمجالس، في الروايات، وفي العمل السياسي.

وفي غياب البُنى الهرمية للمجتمع يحاول القائد الهيمنة على الآخرين من خلال العادات والتقاليد والأعراف المسلكية البسيطة. هذا بالإضافة طبعاً إلى استعمال القسر والجزر والتهديد بقطع الأعناق والأرزاق، و (مصّ الدماء) و(فكّ الرقاب). فلكل حركة معنى، ولكل طرفة عين مغزى، ولكل رفّة جفن لفتة، ولكل إصبع دليل. تصبح هذه معاني اجتماعية تفيد عن مدى السطوة التي يمارسها الفرد على الآخرين. يصبح النظر والبصر ومكان الجلوس وأصول الضيافة وفنون التكريم وغيرها أدوات تراتبية تميز القوي عن الضعيف. وتصبح الإشارة العفوية معنى. (بلا معنى) أي له معنى، و(بعيد عن السامعين) أي فليحذر السامعون.

إن الإصرار على الظهور بمظهر القوي، من جهة، والتعامل مع العالم على أنه مؤلف من وحدات متساوية ومستقلة، من الجهة الأخرى، يفرض علينا السعي الدائم لنكون الأولين بين المتساوين، نحن دائماً في سباق (الأول) مع الآخرين. (الأول) في الصف، أياً يكن نوع الصف، في المدرسة، أو لشراء تذكرة سينما، أو لابتياع حاجة ما، أو لتحضير باسبور. (الأول) للبدء بالطعام و(الأول) بالانتهاء منه وكأننا في سباق مع الأكل. (الأول) في السير ولو تطلّب ذلك (الدوبلة) بالسيارة من جهة اليمين أو من جهة اليسار – ولا فرق هنا بين اليمين واليسار، المهم هو (الأول)، (حربوق) ولو إلى جهنم. (الأول) في الصعود إلى الطائرة و(الأول) في النزول منها، (الأول) أمام الله يوم الحشر، فإما الجنة وإما النار.

وهناك تلازم واضح بين هذه الذهنية المتمثلة بالأحكام الأربعة السابق ذكرها، والمسالك والقيم في مجتمعنا العربي. التكتيك قبل المنصب. نقوّم الناس عندنا بقدرتهم على (الحربقة)، ومعرفتهم (مِن أين تؤكل الكتف)، (إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب)، و(الكذب ملح الرجال). (يأخذك إلى البحر ويردّك عطشانا). (يقلي البيض بلا سمن). (يحافظ على شعرة معاوية). (يستل الشعرة من العجين). (واسع الحيلة)، (ثعلب)، (ينكح النملة).

(الحربقة) و(التكتيك) أهم من الصلاحيات، والشخص أهم من المنصب، الشخص هو المنصب عينه، فإذا كان هذا صحيحاً، وهو صحيح، فلا عجب أن يصبح الاغتيال والتهديد به أسلوباً سياسياً ناجحاً. فكم من إمبراطورية أو دولة أو حزب أو تنظيم سياسي دمّر على أثر اغتيال مؤسسه. التدرج الهرمي عندنا ينحصر في العلاقة الثنائية بين الزعيم والتابع، بين القائد والمؤيد، بين الشيخ والمريد، بين الإمام والأمة، بين الأمير والشعب – دولاب يدور بدون إطار – وسرعان ما يفرط عقد الاجتماع حينما يولي الأمير ظهره، وسرعان ما يتجمع حين يعود. فالجمع الذي يتحوّم بحضرة الأمير يتبخّر بغيابه.  ابن خلدون  وصف القائد (بحَضْرَة)، (ذي حَضْرَة)، أي أنه دائماً حاضر والناس من حوله جمهور.

في هذا التصوّر اللاهرمي للمجتمع يصبح التفرّد أو الانفراد ضعفاً. فإذا كانت الحقيقة مكوّنة من وحدات مستقلة ومنفصلة ومتساوية، فلا تتجلى القوّة إلا بالمجموعة – أي جمع الحبّات المستقلة. يخاف العرب الانفراد – (استفرده) أي أوقع به، فخّخ له. والمستفرد مقطوع، (صعلوك بين قومه)، (من لا أخ له كساع إلى الهيجا بغير سلاح). (التبرية) أي الوضع بالانفراد فعل جزاء، والمقاطعة قصاص، والانعزال مسألة فيها جنون.

هذه المعتقدات الشعبية تجعل المرء في صراع دائم مع نفسه. فهو من جهة يخاف العزلة والانفراد، ومن الجهة الأخرى يسعى ليكون الأول في مجموعته. وبسبب هذا الصراع يسعى المرء إما أن يكون مهيمناً (بكسر الميم)، وإلا أصبح مهيمناً عليه. فالساعي إلى المركز (الأول) بين متساوين عليه أن يهيمن على الآخرين. السعي للهيمنة مفهوم ومسلك أساسي في تعاملنا مع العالم – هو امتداد حتمي للسلطة الإلهية. هو الله (القادر)، و(الناصر)، و(الفاتح)، و(القيوم)، و(المجيد)، و(العزيز)، هو (الرحمن الرحيم). فالضعيف لا يمنّ على الناس بالرحمة.

في هذا التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع تدور السلطة في فلك الأقطاب الأقوياء. السلطان للقوي، (الحكم لمن غَلَب). فإذا كان الحكم لمن غلب فلا حاجة بنا لقواعد معيرة للخلافة. الخلافة لصاحب القوّة، والنفوذ، للفاتح الناصر المنتصر. والقوة تكمن في الأصوليات – في الأهل والجماعة، في النخبة أهل الحل والربط، ولا تكمن في عامة الشعب. الشعب أحجار (داما) تحرّكها النخبة السياسية، الخاصة، صاحبة الودّ والولاء. الشعب عجل مذبوح يؤكل لحمه ويُشرب دمه، ويبقى الأسد سيد الغابة.

تمعّن ايها القارئ في المعاني التي ترمز إليه الحيوانات الوارد ذكرها في كتاب (كليلة ودمنة) أو كتاب (الأسد والغوّاص). ففي هذين الكتابين الكلاسيكيين يصوَّر الأسد على أنه السلطان، ويصوَّر الثعلب، المحتال صاحب التكتيك، على أنه مستشار له. أما العجل والأرنب والحمار والثور فهم الشعب الذي يؤكل لحمه. ويقول المثل الشعبي: (ابتعد عن الشر وغني له). الشعب متفرّج على مسرح السياسة، مفعول به، تماماً كالحمار والأرنب والعجل والثور في (كليلة ودمنة). جمهور لا يحكم ولا يحاسب حاكماً. فإذا كان الشعب متفرجاً لا يقوم بدور فعال في تقرير مصيره، فهو مجموعة حبات مستقلة ومنفصلة لا تقوم قيامتها إلا بقيادة الإمام الأمير. بهذا المعنى ليس في مجتمعنا جمهور محاسب، يترصد الحكم ويتساءل عن صحة القرارات. وإذا ما غاب الجمهور المحاسب غابت معه الجمهورية. الجمهوريات عندنا، مهما تنوّعت، هي اسم لغير مسمّى، والحاكم سلطان ولا فرق في ذلك بين رئيس وأمير وإمام، أو ملك وسلطان و(شيوخ). فالأنظمة كلها، مع الاحتفاظ بالألقاب، تحكم البلاد حكماً إمامياً أميرياً أوتوقراطياً.

الفصل الأول

اللعب والايديولوجيا

إن الأحكام الأربعة التي ذكرتها في المقدمة أحكام ذهنية يمكن تعميمها على نواح عدّة من نواحي الحياة. هي نظام ايديولوجي شامل يتجلى في فنون اللعب كما يتجلى في المسالك والمذاهب الاجتماعية وفي القيم والنماذج الحضارية. ولعل هذا الارتباط بين الأيديولوجيا واللعب يبرز بوضوح في اعتقاد العرب أن ترتيب (طاولة الزهر) إنما يعكس تنظيماً كونياً عاماً. هي للعب إنما ترتبط، كما يعتقد البعض، بالنظام الكوني العام. (فالطاولة) بشكلها المربع، وهي مفتوحة، ترمز إلى كمال الأرض اللامتناهي. وترمز الخانات السوداء والبيضاء المحفورة في الخشب إلى الليل والنهار. كما ترمز الجوانب الأربعة التي تصف في كل منها الخانات الستة إلى الفصول الأربعة؛ وعدد الخانات الاثنتي عشرة في كل جانب إلى عدد الأشهر في السنة؛ والخانات الستة إلى الأيام الستة التي خلق الله فيها العالم؛ والأحجار الثلاثون إلى عدد الأيام في الشهر؛ والخانات الأربع والعشرون إلى عدد الساعات في اليوم الواحد.

ثم إن تكتيك اللعب نفسه يمثل حركة الكون كلها بما فيها من ديناميكية وتبدّل حظوظ وتغير منازل. فهي إذاك مجتمع متحرك أبداً. (الدنيا دولاب، يوم لك ويوم عليك، فإن كانت لك فلا تبهر، وإن كانت عليك فلا تقهر). الأحجار تتحرك حسب الزهر، وهو الحظ المصير المعطى إلى الإنسان بفضل الله وعونه. ومن بعد ذلك ينقل اللاعب الأحجار ويحرّكها وفقاً لاستراتيجية خاصة تعكس قواعدها أصول التنظيم والعمل في المجتمع العربي – الأحكام الذهنية الأربعة.

تُلعب (طاولة الزهر) عادة بثلاث طرق: أولاً: (المحبوسة) (من حبس، أي سَجَنَ) التي يعتبرها الناس أكثر سفسطة من غيرها، يقولون أنها تحتاج إلى فكر وتفكير ولا تعتمد على الحظ فقط. ثانياً، ما يسمى (بالفرنجية) التي تعتمد – هكذا يعتقد الناس – على الحظ أكثر من المهارة؛ غير أن هذا الاعتقاد غير صحيح، ثالثاً، (المغربية) أي الآتية من المغرب، وهي أبسط الأنواع وكثيراً ما يلعبها الأطفال . إن أياً من هذه الأنواع يعكس الأحكام الذهنية الأربعة التي ذكرناها سابقاً: أي التصور اللاهرمي للكون والمجتمع؛ الضعف في الانفراد، القوّة في التجمع، والاعتماد على التكتيك بدل المنصب في التعامل مع الغير.

يتجلى التصوّر اللاهرمي للكون والمجتمع في اعتبار الأحجار الثلاثين كلها متساوية في القيمة، ومستقلة، بعضها عن البعض. هي على عكس لعبة (الشطرنج)، مثلاً، التي تختلف أحجارها في القيمة وكيفية التحرك. ففي لعبة الشطرنج هناك الملك والملكة، والفيل والحصان، والقلعة والجندي العادي، وكل منها يتحرك بأسلوب معيّن وبطريقة خاصة، إن (طاولة الزهر) مبنية على الإيمان بأن (في كل نفس إماماً) فالأحجار كلها متساوية إنما يتخذ البعض منها أهمية مميزة حسب وروده في اللعب وحسب موقعه بالنسبة للأحجار الأخرى، وهذه هي بالضبط استراتيجية اللعبة من الأساس.

تتطلب استراتيجية اللعب في هذه الألعاب تحريك الأحجار بشكل يضمن عدم استفرادها؛ فهي إن استفردت (تؤكل). وتتجلى فيها أحكام الذهنية العربية بشكل واضح. يتجلى التصوّر اللاهرمي في اعتبار الأحجار كلها أحجاراً منفصلة ومتساوية القيمة كلها هكذا منفردة. كما تتجلى فيها الأحكام الأخرى بالتشديد على التكتيك دون المنصب، وعلى نشدان الحماية عن طريق الانتماء المجموعي، وتسجيل الأرباح عن طريق (الحبس) أو (الأكل).

ثم إن العاب التسلية والرياضة الأخرى تظهر بالتالي الأحكام الذهنية نفسها، خُذ لعبة (البيل)، مثلاً، أو لعبة (الأسير) أو لعبة (الباصرة) فهي كلها تتبع الأحكام الذهنية عينها. وهنا يجب التأكيد على أن ما يهمنا من هذه الألعاب الألعاب المحلية الوطنية النابعة من صميم خبرتنا الحضارية، من تراثنا وقيمنا وتقاليدنا، ولا يعنينا في هذا الشأن الألعاب المستوردة من الخارج ككرة الطائرة أو المضرب أو السلة أو القدم وغيرها من الألعاب الهرمية التركيب.

تقوم لعبة (البيل) على قاعدة ذهنية أساسية واحدة: الفرد ضد الكل وهي إذاك تبرز نواحي ذهنية عدة تتمحور حول تكوّن الشخصية في المجتمع العربي، ومن أبرز هذه النواحي الإصرار على مبدأ (الأول بين متساوين).

إن الإصرار على (الأوَّلة) (إن صح التعبير) في العمل والتعامل أضفى على اللفظ نفسه معنى سحرياً، الأولون هم الأجداد، هم السالفون، هم السابقون الذين نحن على خطاهم سائرون. ولشدة ما يتمسك العرب (بالأولة) لم يهتموا خلال تاريخهم الطويل في تطوير قواعد ثابتة معيّرة واضحة المعالم للخلافة في الحكم – (الحكم لمن غلب). فأصبحت الخلافة إذاك مشكلة سياسية متتالية تواجه الدولة عند زوال كل حكم سابق وانهياره. الإصرار على (الأول) يستتبع فرضاً التعامل مع الآخرين على أساس أنهم متساوون. فإذا شاء كل منا أن يكون الأول فالصراع إذاً، وهذا تحصيل حاصل، محصور بين متساوين – تماماً كأحجار (طاولة الزهر) و(الداما) و(المنقلة) حيث يكتسب الحجر الفرد أهمية خاصة – يكتسب دوره – تبعاً لمركزه وموقعه من الآخرين.

بهذا المعنى يصبح التركيز على الإجماع والعمل الجماعي تكتيكاً غرضه الوصول إلى المركز الأول – القوم (تيار يحتاج إلى بحّار). نحن في مسعى دائم للمركز الأول بين المتساوين. فكما أسعى أنا للمركز الأول أنت أيضاً تسعى للمركز عينه، الأمر الذي يولد في نفوسنا الشك والتشكيك بنوايا كل من هم حولنا حتى ولو كانوا من الأقرباء المقربين.

من هذا المنطلق نحن شعب يعاني من الوحدة في المجموعة. ننشد المجموعة لتبوّء المركز الأول فيها. ننشد المجموعة لشعورنا بالوحدة. نغالي بعدد الأصدقاء ونوصد الباب في وجوههم، لا نسمح لأحد أن يقترب من ذواتنا. نخاف الحب، نخاف على ذواتنا من الأقارب المقربين؛ (الأقارب عقارب). نطلب المساواة سعياً وراء الهيمنة. من طبائعنا اللين في التعامل، اللين مسموح، أما الحب والمحبة فعلى الله الاتكال. حبنا، إن أحببنا، يسير في اتجاه واحد. هي تحبني وأنا البطل العظيم! أمارس البطولة بسبب حبها لي – أنا عنتر. وإن أحببت أصبحت (مجنون ليلى). الحب جنون. في حضارتنا عشق ووصال، أما الحب فممنوع على الرجال الأشاوس حملة البنادق والسياط. نحن في مسعى دائم إلى المركز الأول بين متساوين عن طريق القسر والهيمنة.

إن غياب البنى الهرمية في الألعاب، غياب التنظيم المتدرج السلطات والأدوار، يعكس واقعاً حضارياً عاماً يتكرر هو إياه في نماذج مسلكية عدة. خذ، مثلاً، فن الهندسة المعمارية عند العرب، تَرَ أن الإنجازات الكبيرة كقصر الكوردوفا في الأندلس، أو جامعة القرويين في فاس، أو جامع الأزهر في القاهرة – هذه النماذج المعمارية الضخمة تقوم في عظمتها على (وحدات) أو (حبات) هندسية متشابهة، أي القوس العربي الذي يتكرر مراراً في جميع الاتجاهات ليكوّن أشكالاً هندسية جميلة. فبالرغم من ضخامة البناء يبقى التصميم الهندسي مؤلفاً في الأساس من وحدات هندسية بسيطة متشابهة ومتساوية في الشكل والمضمون. هذا بخلاف الفن المعماري (الغوتي) في أوروبا، مثلاً، الذي تختلط فيه عدّة أشكال هندسية متنوعة لتكوّن بناءً منسجماً ومعقد التركيب.

يرى العرب الكون خيماً متشابهة التركيب تتناثر أو تتجمع على أرض مسطحة واسعة، ولا يرونها أهرامات متدرجة السلطات والمناصب. فالمجتمع البشري أمة مؤلفة من إخوة (التشديد على المساواة في لفظة إخوة) يدورون في فلك إمام قائد، ولا يرونها دُوَلاً تقوم على توزيع السلطات والصلاحيات والمناصب المختصة. (أمة) من (أم) أي (جاء) إليه أو تبعه، ومنها (الإمام)، أي الشخص الذي يؤمه الناس وينتظمون في فلكه بروابط ثنائية تتكرر هي إياها لتكوّن مجتمعاً مرصوص البنيان. هذا المجتمع الذي يقوم، تماماً كجامعة القرويين في فاس، على تصوّر هندسي واحد أساسه الفرد، والفرد حلقة في سلسلة.

إن التصور اللاهرمي للواقع والحقيقة قد طبع نظرة العربي إلى المجتمع بطابع خاص. فالمجتمع أمّة مؤلفة من إخوة وأخوات، وحدات متساوية، وإن أتخذ البعض منهم أوّلية التحكم بالآخرين ولو إلى حين. وتتجلى هذه النظرة اللاهرمية بوضوح في غياب التصوّر الطبقي للمجتمع.

 خذ الألقاب التي نستعملها للدلالة على تفاوت المنازل (كبيك) و(زعيم) و(باشا) و(أفندي)، تَرَ أن هذه الألقاب تستعمل للدلالة على من هو أرفع منك منزلة أو من هو أحط منك. يقال للبيك (بيك) وللخادم، على سبيل السخرية، (بيك). تستعمل الألقاب للتورية لا للدلالة على منزلة معينة ثابتة، محصورة المعنى والمدلول.

هذه الإشكالات في استعمال الألقاب امتداد لتصوّر المجتمع تصوّراً مسطحاً لا هرمي الشكل والمضمون. ولما كان مجتمع الأمة مجموعة من الإخوة والأخوات أصبح الإنسان الفرد حلقة في سلسلة، والسلسلة وحدات منتظمة العقد. فلا يأتي الإجماع والتجمّع والتماسك الداخلي عن طريق التنظيم الهرمي، إنما يأتي كسلسلة، كمسبحة، كمشط، كحبل..

وفي ظل هذه التصورات اللاهرمية للمجتمع، مصحوبة بالتشديد على مبدأ الأول بين متساوين، يصبح الوقوف في الصف، ينتظر كل منا دوره، مشكلة، ترى الناس عندنا تتجمهر لاحتلال المركز الأول. كلّ يتسابق لإنجاز عمله قبل الآخرين. وكثيراً ما نلاحظ هذه الظواهر في دور السينما، في السير، في المراكز التجارية، في المكاتب الإدارية وغيرها. وفي غياب التصوّرات اللاهرمية للمجتمع لا يمكن أن تبرز المجموعات الأصولية والتجمعات العصبية إلا عن طريق القوّة والهيمنة والقسر، وذلك بأن تسيطر مجموعة ما على المجموعات الأخرى. الهيمنة محور العلاقات المميزة في المجتمع العربي. الاستئثار بالقوّة هو الذي يميز بين فصائل المجتمع برمته. وتبرز هذه المقولة في ممارسات إتنوغرافية ومعتقدات دينية عدة. فالقبائل الضعيفة موالية، والقبائل القوية أشراف وأصول؛ الفقراء مستضعفون، والأغنياء أقوياء..

فإذا كانت الهيمنة أسلوباً للتعامل بين البشر فالعنف أو التهديد به يصبح سيد الموقف. اللجوء إلى العنف أو التهديد به لفضّ المشاكل البسيطة والمعقّدة أمر محتوم يبرز في كثير من تفاعلاتنا اليومية. التهديد بالضرب والقتل والاغتيال والاحتلال والتهجير والتدمير وقطع الأعناق وسفك الدماء يصدر عنا بشكل تلقائي عفوي لا شعوري. العنف من صلب تراثنا. العنف كأسلوب للتعامل جزء من شخصيتنا الاجتماعية والنفسية. حتى أننا نفهم الحب، الحب المقدّس، وممارسة العشق والوصال نفهمه (فتحاً) و(خزقاً) و(قرطاً) و(حرثاً). واللجوء إلى الهيمنة والعنف، أو التهديد بهما، أسلوب شامل وعام. يهيمن الله القادر والفاتح والناصر على الكائنات، ويهيمن الإنسان على الطبيعة، والأمير أو الإمام على أخيه الإنسان.

الفصل الثاني

العالم مجموعة من الأقرباء اللزم

يتجلى التصوّر اللاهرمي للمجتمع بأروع صوره في التعامل مع العالم حولنا وكأنه مجموعة

من الأقرباء اللّزم. ليس اللعب وأساليب اللعب ضرباً من ضروب التسلية فحسب، إنما هو جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي العام، جزء من الأيديولوجيا الشاملة، جزء من القيم الأخلاقية والأوّليات المسلكية. فالسعي الدائم للوصول إلى مركز الأول بين المتساوين عن طريق العنف والهيمنة والقسر والجزر يولد أجواءً قلقة في نفوس الناس المتفاعلين. فبينما يحاول المرء ان يهيمن ليحتل المركز الأول بين قومه، هو في الوقت نفسه يحاول أن يكون قريباً منهم، متساوياً معهم، يدافع عنهم، يحميهم. هو في آنٍ معهم وضدّهم، وهذا مصدر القلق.

هذا المسعى المتناقض، أي أن يكون الأول بين متساوين، يفرض على المرء أن يكون ليّن العريكة – يتأرجح بين هذا الموقع المهيمن وذاك الموقع الأليف. وليكون الأول بين المتساوين على المرء، إذاً، ان يساوي بين الناس ثم يسعى أن يكون أوّلهم. هو يساوي بين الناس بالتقرّب منهم ومعاملتهم وكأنهم عائلة واحدة من الأنساب. التقرّب من الناس طلباً للمساواة خطوة أولى للسعي وراء المركز الأول.

نطلب المساواة من العالم حولنا بأن نأتيه، نتفاعل معه، وكأنه مجموعة من الإخوة والأخوات، الأعمام والعمات، الأخوال والخالات، وأبناء العم. نستعمل هذه الألفاظ في تفاعلاتنا اليومية لنتقرّب من الناس، نتعاطف معهم، نتساوى وإياهم، ولنعبّر عن وضعنا النفسي تجاههم. غير أن اللجوء إلى هذه الألفاظ النسبية لا يأتي بطريقة عشوائية إنما يتبع نماذج ثابتة تتكرر تلقائياً في مجالات متنوعة من مجالات التفاعل. وسأتناول في البحث الآتي هذه النماذج مشيراً إلى تأثرها وتأثيرها بأحكام الذهنية الأربعة التي ذكرتها سابقاً.

إن أول ما يلاحظه الباحث في هذا المضمار هو تشعب استعمال النسَب ليشمل الأقرباء وغير الأقرباء كما يستعمل للدلالة على حالات نفسية واجتماعية متنوعة. نستعمله للتعبير عن الصداقة والعداوة، وعن الجدّ والهزء، والغضب والراحة، والاحترام والتأنيب، أو الإلفة والبغضاء، أو للتقرّب من الآخرين والابتعاد عنهم في آن. إن استعمال ألفاظ النسب في التفاعلات اليومية عالم قائم بحد ذاته يعبّر عن ايديولوجيا التفاعل بين الناس وعن أوضاعهم النفسية كما يعبر عن منازلهم الاجتماعية. بالطبع، يمارس الناس هذه الأمور بطريقة عفوية لا شعورية. إن ألفاظاً كأخ وأخت، وعم عمّة، وخال وخالة لا تستعمل للدلالة على الشخص الذي تعنيه فحسب إنما تستعمل لتحديد موقعنا وموقفنا من الآخرين.

تستعمل الألقاب الدينية والدنيوية التي تشير إلى منصب رسمي (كجلالة) و(سيادة) و(فخامة) و(دولة) و(معالي) و(سمو) أو (فضيلة) و(نيافة)، و(سماحة) و(غبطة) بشكل مباشر للدلالة على المركز الرسمي الذي يحتله الشخص. هذا بغض النظر عن العلاقة التي يرتبط بها المتخاطبون. فالأصدقاء والغرباء والأنساب والكبير والصغير كلهم يستعملون هذه الألقاب للدلالة على الشخص الذي يحتلها. وإذا ما استعملت هذه الألقاب بالشكل المعكوس، كأن يقول رئيس الوزراء لأحد معاونيه (دولة)، فذلك إنما يعني الهزء والسخرية أو التوبيخ والتأنيب. أما إذا استعملت بالشكل المعمم فهي تدل على الإلفة والصداقة بين الناس، كأن يقول أحد الناس لصديقه مازحاً: (يا دولة الرئيس) وهو ليس برئيس، تقال للتحبب، للتعاطف، أو لتمني توقعات مستقبلية، أن تستعمل هذه الألقاب للتورية فهي تشير بذلك إلى المساواة بين الأصدقاء والمعارف. إنه رمز من رموز الصداقة المتينة ان يشعر الإنسان بحرية تامة أثناء تفاعله مع الآخر. تقال للمزاح بين الأصدقاء وتقبّل المزاح مقياس لعمق الصداقة. والعكس صحيح، فإذا ما استعملت هذه الألفاظ للتورية بشكلها المعمم بين أشخاص لا تجمعهم المحبة والإلفة والصداقة فهي ضرب من ضروب الهزء والسخرية – الذم في معرض المدح.

في هذا المجال يمكن التمييز بين أربعة أنواع من الأنساب والأحساب:

1- اللفظ الذي يفيد الأصل العائلي.

2- اللفظ الذي يشير إلى مجموعات متنوعة من الأقارب.

3- اللفظ المشتق من قرابة الحسَب والنسَب المباشر.

4- اللفظ المشتق من قرابة الزواج والمصاهرة أو الطقوس الدينية.

إن الألفاظ التي تشير إلى الجذور العائلية تشمل في ما تشمل (أصل) و(نسَب) و(حسَب) و(أسباط) و(أحفاد) و(سَلَف) و(خَلَف). وتشير لفظة (نسب) إلى الأجداد الذكور المنحدرين عن طريق الأب، ولفظة (حسَب) إلى الأجداد الذكور المنحدرين عن طريق الأم. يقال فلان (ذا حسَب ونسب)، أي أنه عريق الأصل من جهة الأم والأب. أما (أسباط) فتعني الذكور من أبناء الأبنة أو المنحدرين منها، و(أحفاد) أبناء الابن أو المنحدرين منه. وكثيراً ما يرجع العرب أصول عوائلهم إلى مكان استيطانهم أو ديارهم، وهذا ما يعرف (بالنسبة)، (كمغربي) من المغرب، أو (شامي) من الشام، أو (حوراني) من حوران، أو (يماني) من اليمن، أو (مصري) من مصر، ويرجع البعض منهم أصولهم إلى أسماء القبائل القديمة كقحطان وعدنان وتغلب، أو إلى أسماء الأنبياء والرسل أو الصحابة والأنصار.

ويأتي (الأصل) كسمة خاصة من سمات الشخص الفرد وقلما يأتي كصفة من صفات المجموعة ككل. يقال أن فلاناً (ابن أصل) أو أن له (حسباً) و(نسباً)، جمع المجد من أطرافه، وصاحب الأصل هو صاحب الجاه والقوة والنفوذ في المجتمع. فكلما ارتفعت منزلة الفرد اجتماعياً، عمقت جذوره السلالية تاريخياً. لا يدّعي الأصل إلا صاحب الجاه. ولذا نرى أن لفظة (اصل) تستعمل في المخاطبة اليومية للدلالة على السمات المرغوبة في المجتمع كالجاه والنفوذ، أو المهارة والاستقامة والكرم، أو الدلالة على التمسك بالمبادئ والصداقات القديمة، فصاحب الأصل لا يتخلى عن صداقاته، كريم، مضياف، وعلى استعداد دائم لمساعدة ذوي القربى وأبناء السبيل وطالبي الحاجة. والعكس صحيح. فإذا ما فقدت هذه الصفات عند شخص ما، أصبح (بلا أصل).

وباستثناء لفظة (سَلَف) فإن الألفاظ التي تقيد الأصل العائلي نادراً ما تستعمل في التفاعلات الاجتماعية بشكلها المعاكس أو بشكل التعميم، وكثيراً ما تستعمل بمعناها المباشر فقط كأن يقال أسباط وأحفاد لمن هم في هذه المنزلة. غير أن لفظة (سلف) قد اكتسبت معاني عديدة عن طريق استعمالها بشكل التعميم أو التورية. ولعل السبب في ذلك هو الاعتقاد السائد بأن (السلف) أصلح من (الخلف) يقال (السلف الصالح) ولا يقال (الخلف الصالح) (فالسلف الصالح) هم المؤمنون الذين تمسكوا بأهداب الدين وأقاموا حدود الشرع والتشريع. ومن هنا لفظة (سلفية) التي باتت تعني التمسك المتشدد بالممارسات الدينية عن طريق العودة إلى سِيَر الصالحين. ولعل الهالة السحرية التي نحيط بها (السلف) تعود في الأصل إلى استذكار الإنسان ما يحلو له من تاريخه، فلا يعتبر من ماضيه إلا ما يبهر العين ويريح النفس. ينسى الإنسان (أو يتناسى) وهذا شأن نفسي بحت، ما أصابه من ألم وعذاب وجوع وعطش في الماضي ويتمسك بإنجاز الحاضر.

وفي هذا النسيان أو التناسي مهرب بسيكولوجي رائع يمكن الإنسان من التمتع بلذة العيش. فلو حفر الإنسان في نفسه كل ما أصابه من ألم في الماضي لمات من الحقد والكدر واليأس.

هذه الاستراتيجية في التعارف جعلت البعض منا يغالي في أصله مدّعياً ما ليس فيه، كما جعلت البعض الآخر يهزأ بأصل من لا يرغب بصداقته. ولذلك ترى ان المستضعفين في الدنيا يحاولون الالتفاف حول مجموعات سلالية كبيرة، كقبيلة وشعب، بينما يصرّ الأقوياء على انتسابهم إلى مجموعات سلالية صغيرة كجب وعشيرة ورهط وفصيلة وعترة. غير أن هذه الألفاظ، كقبيلة وفصيلة وشعب وعشيرة، ليس لها مدلولات اجتماعية واحدة إن من ناحية العمق السلالي أو العدد. هذا الإشكال والالتباس في المعنى والمدلول بؤدي بالضرورة إلى الغموض في التخاطب وتورية الأصل التاريخي الصحيح، كما يسهل عملية الدمج والإدغام تبعاً لظروف الفرد الآنية ومصلحته الشخصية. فإذا ما قوي المرء وارتفعت منزلته أصرّ على إبراز مجموعته الصغيرة الضيقة، وإذا ما ضعف ذاب في المجموعات الكبيرة. وبفعل هذا الغموض والإشكال أصبح اللفظ الواحد يحمل معاني مختلفة لمجموعات سلالية متنوعة. (فقبيلة) مثلاً، قد تطلق على المنحدرين من الجد الأول عدنان أو قحطان، أو من المتفرعين من عدنان كربيعة ومَضَر، أو المتفرعين عن ربيعة كقريش وكنانة. وفي السياق نفسه فقد تطلق لفظة طالب أو بني العباس على المتفرعين من بني هاشم.

وهناك حفنة من هذه الألفاظ (كأهل) و(عائلة) و(قربى) مما يستعمل بالتورية لبث روح الإلفة والمساواة ووحدة الحال بين المتخاطبين. وكثيراً ما يرد هذا النوع من التخاطب على ألسنة السياسيين وأهل الحكم خاصة في الأزمات المصيرية، وذلك سعياً وراء التأييد الشعبي والدعم أو لغرض التعبئة والاستنفار. فمن الملاحظ أن الدعوة إلى التماسك الداخلي والوقوف في الصف الواحد، أو في الخندق الواحد، إنما تأتي عن طريق تبني الأصل السلالي الواحد. وهذا واقع اجتماعي يمارسه أصحاب النفوذ والجاه دون غيرهم، إذ لو شاء أحد المستضعفين فعل ذلك لأصبح عرضة للهزء والسخرية. هي لغة القوي أن يقول للضعيف إنهما ينتميان إلى أهل وعائلة واحدة. وإذا شاء المستضعف أن يقول ذلك لاعتبر قوله ادعاءً فارغاً في غير محله. القوي يتساءل عن وضع عائلة المستضعف، والمستضعف يجيب بالتشكر متمنياً لصاحب النفوذ والجاه الصحة والعافية، فالتساؤل عن عائلة صاحب النفوذ من قبل المستضعف مهين له. إذ إن عائلة صاحب الجاه هي في عالم (الخاصّة) وليست في عالم (العامّة) وهي ليست موضع تساؤل. فالتساؤل عن العائلة (من عال، يعيل) يعني القدرة على الاهتمام بها. تساؤل المستضعف إذاً عن عائلة صاحب النفوذ هو في غير محله، وهو ضرب من ضروب الادعاء الفارغ، بمعنى آخر. بينما يحاول صاحب النفوذ والقوة التقرّب من العامة عن طريق الادعاء بأنهم أهل وعائلة واحدة، تحاول العامة تلبية أمنيته بالإشارة إلى سيادته وسطوته وجبروته.

أما الألفاظ المشتقة من نسب الدم والرحم، وممن يقال لهم أقارب (لَزَمْ) (أي إلزام، واجب) أو المشتقة عن طريق المصاهرة والزواج، أو من العقود والطقوس الدينية، فإنها تخضع لنماذج اجتماعية مختلفة جداً عن سابقاتها من الألفاظ.

من الملاحظ أن أقارب الدم هم المنحدرون عن طريق الأب، فالدم في حضارتنا يسيل أبوياً لا أمومياً. بالطبع، يحدثنا علم البيولوجيا بغير ذلك إذ إن المولود، ذكراً أم أنثى، مكوّن مناصفة من جينات الأب والأم. والتعبير الشائع (ما فيك دم)، والذي يقال للإذلال والإهانة، إنما ينكر على المخاطب أصله وجذوره الأبوية، وكثيراً ما يقال هذا التعبير في حالات الإخفاق في الدفاع عن الشرف والأعراض.

وتستعمل ألفاظ نسب الدم والرحم بصيغة التعميم أو التورية لتشمل العالم كله. تخاطب العالم وكأنه مجموعة من الإخوة والأخوات، الأعمام والعمات، أو الأخوال والخالات، عالمنا (مسبحة) مصفوفة حباتها بالتساوي كأسنان المشط – الصورة اللاهرمية للمجتمع.

إن أول ما يلاحظه الباحث في هذا المضمار هو أن استعمال هذه الألفاظ بصيغة التعميم يخضع للقواعد نفسها التي تتحكم بالعلاقات بين الأنساب. بمعنى آخر، نخاطب الغريب أو الغريبة (بأخ) أو (بأخت) أو (بعم) أو (عمّة) إذا ما كانوا بهذه المرتبة من ناحية العمر والمنزلة الاجتماعية بالنسبة إلى المخاطب، و(بعم) إذا ما كان أكبر سناً من المخاطب، أي بمنزلة العم منه، وهكذا دواليك، التخاطب على هذا النحو بين الناس يقيم المساواة بينهم ولا يزيل الاحترام والتقدير. وإذا حدث أن استعملت هذه الألفاظ بصيغة التعميم دون الأخذ بفارق العمر والمنزلة الاجتماعية، أدت النتيجة المعكوسة. فهي إذاك تقيم الإهانة مكان الاحترام والسخرية مكان الجد هكذا، كأن يخاطب رجل من العامة (البيك) صاحب الجاه والنفوذ (بأخ) أو (بعم)، أو أن يخاطب رجل ما فتاة تصغره سناً (بعمة) أو (خالة) بدلاً من (أخت) مثلاً، هذا نوع من المخاطبة قد يحدث بين عشيقين أو صديقين للمزاح – والمزاح مؤشر الصداقة والمحبة، ولا يقال في موضع الجد.

ولهذه الألفاظ، ألفاظ نسب الدم والرحم، (كأخ) و(ابن) استعمالات أخرى: تستعمل للدلالة على التماسك الاجتماعي وعلى وحدة الحال والمساواة بين الناس، شأنها بذلك شأن المجموعات السلالية (كأهل) و(بيت) و(شعب) وغيرها. وقد يظهر هذا الاستعمال الوضع النفسي للقائد بقدر ما يظهر تجاوب الأمة معه. خذ على سبيل المثال والمقارنة الطريقة التي كان يخاطب بها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الأمة والطريقة التي استعملها الرئيس الراحل أنور السادات.

كان عبد الناصر يخاطب القوم (بأخوة) و(أخوات) خصوصاً في وقت الأزمات السياسية، وكان يتحاشى لفظة مواطنين إلا في الحالات الرسمية. كان الهدف من هذا الاستعمال التقرّب من الأمة لغرض التعبئة العامة. وجاء خلفه السادات ليخاطب القوم (بأبنائي) لأنه كان يرى نفسه وصياً على الأمة كوصاية الأب على الابن. (أبنائي) ترمز إلى التعاطف والرأفة والعناية بقدر ما ترمز إلى الوصاية والموقف السلطوي من الناس.

أما الألفاظ المتأتية عن فعل الزواج والمصاهرة والطقوس الدينية فهي عالم أيديولوجي خاص قائم بحد ذاته، مرآة للمجتمع بما فيه من قيم الشرف والكرامة والعرض. لاحظ قبل كل شيء معنى بعض الألفاظ ومشتقاتها: (حرمة) من حَرَم وحرّم وحرام ومحترم ومحرّم، و(امرأة) من المروءة والرجولة والشرف. هذه الألفاظ تستعمل بصيغة التعميم لترابطها مع عالم الزواج والجنس. العالم الذي لا يجوز أو يمكن نقله إلى الغرباء. هذه الألفاظ لا تستعمل إلا للدلالة المباشرة على المرجع الذي تعنيه، فهي لا تستعمل بالشكل المعكوس ولا بالشكل المعمم خصوصاً إذا ما أضيف لها ياء الملكية – فلا يقال لأحد (امرأتي) أو (حرمتي) أو (سلفي) أو (صهري) أو (زوجي) إلا متى كان أو كانت في تلك المنزلة من المخاطب. أن يقال لأي امرأة (امرأتي) بشكل التعميم هو ضرب من ضروب التعدي على الأعراض، الأمر الذي قد يثير الحمية والنزاع.

الفصل الثالث

العائلة قبل الزواج، والأم قبل الزوجة

والآن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي: لماذا يفضّل العرب الزواج من الأقرباء اللّزمْ؟ صحيح أن هذا النوع من الزواج يرتبط بالتصوّر اللاهرمي العام للمجتمع، ولكنه يرتبط أيضاً بتصور الإنسان لنفسه وبموقعه من غيره في المجتمع. يسود الاعتقاد أن الزواج من الأقارب اللزم يحافظ على (وجه) العائلة وشرفها، ولا ينال من منزلتها الاجتماعية، بمعنى آخر، يخفف هذا النمط من الزواج من تأثير فعل الزواج على العلاقات العائلية القائمة إن سلباً أو إيجاباً. فهو يُحْدِث الزواج وفي الوقت نفسه لا يؤثر في تركيبة العائلة والتوازنات القائمة ضمنها – يحدث الزواج وكأنه لم يكن. إن القرابات الجديدة التي يولدها الزواج الجديد، من مصاهرة وأرحام، تُلغى في حالة الزواج من ابنة العم وتبقى التوازنات العائلية التي سبقت الزواج هي إياها. الزواج من الأقارب اللزم يحدث الزواج بيولوجياً وينفيه اجتماعياً. هكذا – لأن العلاقات التي تسود بين أفراد العائلة قبل الزواج تتطابق في حال زواج أقرباء اللزم مع العلاقات التي تنشأ بعد الزواج. الأولية في التفاعل الاجتماعي للعائلة التي تلف الدنيا من حولنا بشكل معمم.

لا بد لأي زواج كان من أن يحدث بعض البلبلة في التوازنات التي يرتبط بها أفراد العائلة وذلك بإدخال عنصر جديد، الزوج – الصهر أو الزوجة – الكِنّة على الوضع العائلي. فالأب يصبح (عمّاً)، والأم تصبح (حماة) والإبن يصبح (زوجاً) والأخ يصبح (سِلفاً)، والعريس (صهراً). زواج الابن هو خطوة أولى لتأسيس عائلة منفصلة عن الأهل، الأمر الذي لا بد من أن يبدل التوازنات العائلية التي كانت تسود قبل الزواج. وبسبب هذا التبدل القلق ترى  العائلات تهتم كثيراً بزواج الابن والابنة.

الزواج عندنا ترتيب اجتماعي وليس رغبة شخصية. فالعائلة كلها، ولا سيما الأم والأخت، تساهم في اختيار العروس، ويقال إنه في بعض المجتمعات العربية التقليدية المحافظة تمنحن العروس من قبل الأم أو الأخت في عدة مجالات: مدى الجمال ومستواه، رائحة الفم، المزايا الجسدية الخاصة، الأطعمة المستحبة، وغيرها من الأمور الشخصية الخاصة. تنقل الأم أو الأخت هذه المزايا إلى العريس ليتم من بعدها القرار بالزواج سلباً أو إيجاباً. ولكثرة ما نحرص على كبت جماح العاطفة عند النساء وقت الزواج أو الوصال. هناك من الرجال من يأتي المرأة لغرض إنجاب الأطفال فقط. غراميات (ألف ليلة وليلة) عند بعض التقليديين المحافظين حكايات تروى وليست ممارسات تنفذ.

الزواج وسيلة لغاية أسمى، وهي العائلة، التي يتم تكوينها بالولادة، العائلة رابطة بين الوالدين (جمع والد) والمولودين، أياً يكن الوالد أو المولود. وبهذا المعنى يعتبر الترتيب العائلي أمراً طبيعياً، أي أنه يصح حدوثه في المخلوقات الحيوانية كما يصح في العالم الإنساني. فهناك كثير من الدراسات الموثقة وأفلام التلفزيون التي تتحدث عن الروابط العائلية في مملكة الحيوان الواسعة. فنحن، في تقديمنا العائلة على الزواج، أقرب إلى الطبيعة منا إلى الحضارة، فالعائلة شأن تطوري طبيعي، أما الزواج فشأن حضاري بحت يختلف ويتنوّع باختلاف الحضارات الإنسانية وتنوعها. فمن الناحية البيولوجية الصرف لاحاجة للإنسان إلى عقود أو طقوس دينية لتشريع الزواج في سبيل استمرار الجنس البشري جيلاً بعد جيل. إن تقديم العائلة على الزواج لهو في الواقع امتداد حتمي للسلطة الأبوية في العائلة، وما يترتب على هذه السلطة من أمور تتعلق بالشرف والكرامة والعرض. نحن شعب نعاني من عقدة الشرف والحب والعرض. نحارب لستر الأعراض وصيانة الشرف، نهرب من المعركة لصيانة الأعراض وحفظ الشرف، نثأر، نرحل، نبالغ، نكرّم، نُذِل ونُذَل، كله في سبيل صيانة الشرف وحفظ الأعراض. زواج الأقارب مفضل لأن ابنة العم أو العمة، أو ابنة الخال أو الخالة، (منّا وفينا)، شرفه شرفنا وعرضها عرضنا. تضع ابنة العم مصلحة العائلة الكبيرة فوق مصلحة الأسرة الصغيرة المكونة من زوجها وأولادها.

هذا بخلاف المرأة الغريبة التي تضع مصلحة أسرتها فوق مصلحة عائلة زوجها. وهذا أمر متوقع إذ إن شرفها وعرضها مصونان عند أبيها وأخيها وليس عند زوجها وحميها. ولذا يسود الاعتقاد عند البعض أن الزوجة الغريبة (قنبلة موقوتة) داخل الدار لا يعرف متى تنفجر. فإذا ما أساءت المسلك فعلى مربيها، أي أبيها وأمها وأخيها، أن يتدبروا أمرها، وعادة ترسل الزوجة التي تسيء المسلك إلى بيت أبيها، (بيت الطاعة) لتقويم الأعوجاج فيها.

ولشدّة تمسكنا بالشرف والعرض – وموضوعهما المرأة – تبقى المرأة العازبة مصدر قلق دائم لأهلها حتى تتزوج. ويكمن مصدر القلق في الاعتقاد السائد بأن المرأة عاطفية النزعة تحتاج إلى حماية، ودراية، وصيانة ووصاية، وكثيراً ما يقوم بدور الحماية والدراية فريق من النساء المتزوجات في العائلة من أم وأخت وحماة. الإصرار على السترة يجعل البعض، ولاسيما الرجال، يتمنى زواج الفتاة بأقرب وقت ممكن وذلك فور بلوغها الحيض حوالي الثانية عشرة من العمر. وهناك من يصر على زواج الفتاة قبل نضوجها الجسدي. يقولون للفتاة منذ صغرها (فرحتك) و(إنشاء الله نفرح بك) في كل مناسبة، ولا يقال الشيء نفسه للذكر إلا متى بلغ سن الرشد وأتخذ لنفسه عملاً منتجاً.

الزواج الداخلي من ابناء العم والعمة أو الخال والخالة ضمن العشيرة الواحدة لا يستر الأعراض فحسب إنما يقيم التكافؤ الاجتماعي بين الناس. ففي ممارسة الزواج يحرص العرب على التكافؤ الاجتماعي بقدر حرصهم على الشرف والأعراض. ومن الممكن هنا التمييز بين الشرف والعرض على أساس أن الأول، أي الشرف، من خصائص المجموعة بالنسبة إلى سمعتها ومنزلتها الاجتماعية بين الناس كالثأر والضيافة والكرم وغيرها. أما العرض فهو تلك السمعة التي تمس مكانة العائلة بالنسبة إلى مسلك النساء فيها. بمعنى آخر العرض هو الشرف الذي يتعلق بتصرّف النساء الجنسي. غير أن التكافؤ في الزواج، أو ما يعرف في الشرع الديني بزواج الكفاءة، لا يقاس بالضرورة بالنساء اللواتي يتزوجهن الرجل، إنما يقاس بالرجال الذين يتزوجهم النساء. الرجل صاحب الجاه والنفوذ والمنزلة العليا في المجتمع قد يتزوج ممن هي أوضع منه اجتماعياً، كالأصولي، مثلاً، يتزوج مدينية أو امرأة لا نسَب لها ولا حسَب، وهذا أمر لا يمس بالضرورة من سمعة العائلة أو ينال من منزلتها، وقد جرت العادة في التنظيمات القبلية أن يحصل هذا النوع من الزواج لاكتساب ودّ القبائل الضعيفة والاستئثار بتأييدها السياسي. فالمصاهرة، مصاهرة القوي للضعيف، تُكسب القوي ودّ الضعيف وتأييده. أن يتزوج صاحب النفوذ فتاة أوضع منه منزلة امر مقبول، وإن يكن غير مستحب. أما أن تتزوج صاحبة الأصل من هو أوضع منها منزلة، فهذا أمر مرفوض عرفاً وتقليداً وشرعاً. ويعتبر بعض الفقهاء الزواج غير المتكافئ سبباً ظرفياً للطلاق.

هذه الازدواجية في المعايير بين الذكور والإناث تؤثر بشكل واضح على انتماءات المولودين من أزواج غير متكافئين في المنزلة الاجتماعية. فالمولود من أب أصولي وأم غير أصولية يبقى أصولياً. أما المولود من أم أصولية وأب غير أصولي فهو عامي من طينة شعبية. أما المولود من أب وأم أصوليين فهو ذو حسَِب ونسَب، (جمع المجد من أطرافه) مؤصَّل الجدّين، وهذه أرفع المنازل، الأب قبل الأم، والأم قبل الزوجة.

إن تقديم العائلة على الزواج يؤدي بالضرورة إلى تجمع الأسر القريبة بعضها من البعض وتكاثرها في أمكنة سكنية خاصة. وما تقديم العائلة على الزواج في هذا المجال سوى باب آخر لبناء الخانات الاجتماعية والعصبيات بقصد الحماية والدفاع والكرّ والفرّ؛ أو العكس، لغرض التحرك الحرّ والمناورة.

الفصل الرابع

فخ القرابة: فنون المساومة في السوق

ليست المساومة، من الناحية الاقتصادية الصرف، نزعة حضارية معينة، إنما ترتبط بأوضاع السوق التجارية العامة. يمارس الناس المساومة لغرض تحديد الأسعار. ولذلك نرى أن هذا الفن، أي المساومة، يكثر في أوضاع تجارية لا تتبع سياسة ثابتة في التسعير، أو تطبيق مقاييس وموازين معيرة، كما أنها لا تتمتع بوسائل إعلام فعالة تفيد الشاري والبائع عن أوضاع العرض والطلب. والعكس صحيح، إذ أن وجود البضاعة والموازين المعيرة، والفصل بين المنتج والمسوِّق، والتحكم في الإنتاج وتوزيعه عن طريق التخزين، بالإضافة إلى وسائل إعلام ناشطة تفيد المستهلك عن الأسعار – هذه العوامل كلها تقلل

عاشقة الكتب:
هذا الموقع يحتاج امثالكم لتفعيله  :'( http://aoshaq.forumarabia.com افتحوا الرابط وتفاعلوا لتجدوا ما يسركم ;D

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[*] الصفحة السابقة

الذهاب الى النسخة الكاملة