المنتدى العام > الكتب والمكتبات

اصدارات جديدة

<< < (6/6)

hewy:
كتاب جديد عن أساطير المغول وعاداتهم 
   
 
مقتنيات من عصر المغول
 
   
   
 صدر عن مشروع كلمة للترجمة بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث بأبوظبي كتاب "رحلة إلى جنوب سيبيريا.. المغول وديانتهم وأساطيرهم" من تأليف جيرمايا كيرتن وترجمة وتقديم الدكتور عدنان خالد عبدالله.

موضوع الكتاب هو الشعب المغولي وعاداته وتقاليده وديانته وتاريخه، والمغول شعب كان له تأثير كبير على البشرية وعلى مسيرة الثقافة والحضارة في بلدان عديدة، وكان شغف قادتهم بالقسوة والوحشية والتنكيل والدمار يفوق الوصف ويستعصي على الفهم، وهم انطلقوا في أرض الله الواسعة فعاثوا فيها قتلا وتدميرا وفسادا.

وأوقف المغول مسيرة حضارات بأكملها ودمروا أخرى دماراً كاملاً، مثل حرقهم لهنغاريا عن بكرة أبيها وتدميرهم لبغداد عاصمة الثقافة العربية  وغيرها كثير من الإمبراطوريات والدول والمدن.

ووفق صحيفة "الوطن" القطرية قدم المؤلف المغول كشعب له حضارته العرفية والروحانية والفكرية متقصيا في رحلته هذه الآثار التي تبقّت من هذا الشعب مسجلاً توزّيعهم الجغرافي الحديث، وما تبقى من حضارتهم وحكاياتهم الشعبية وخرافاتهم وكيف يعيشون في العالم المعاصر.

وعاش جيرمايا كيرتن 68 عاما كان خلالها عالماً لغويا ومترجما وكاتبا ودبلوماسيا ومغامراً وعالم فلكلور وعالماً بأجناس البشر.. حيث تعلم لغات ولهجات عديدة حتى قيل إنه أتقن أكثر من ستين لغة ولهجة وتكلم كل لغة من لغات أوروبا بطلاقة علاوة على عديد من اللغات الآسيوية ومن أهمها الألمانية والسويدية والايطالية والهنغارية والروسية والعربية والسنسكريتية والايسلندية والفلندية واللغة الغيلية.


 


منقول

hewy:
أهمية الجغرافيا في تفسير الظواهر الإنسانية
 

 

 

تأليف: مايك كرانغ

ترجمة: د. سعيد منتاق

الناشر: اصدارات عالم المعرفة

 

 

 

 

 

الإطار  1-1

شبكة النبأ: في نهاية الخمسينيات استطاع المؤلفون أن يجمعوا أكثر من 150 تعريفاً مختلفاً للثقافة قيد الاستعمال في الكتب الأكاديمية. ولا يحاول هذا الكتاب أن يروج لتعريف محدد.

في الواقع إن المقاربات المختلفة المروية هنا يمكن أن تتضمن أفكاراً مختلفة نوعاً ما حول ماهية الثقافة. فالمبدأ الموجه في هذا العمل هو أن الثقافات هي مجموعة من المعتقدات أو القيم التي تعطي معنى لطرق الحياة وتنتج ويعاد إنتاجها من خلال أشكال مادية ورمزية. من هنا أريد أن أتجنب خاصة مفهومين اثنين: المفهوم الأول هو تصوير الثقافة بصفتها نوعاً من (الفُضالة المتبقية) بالنسبة إلى كل تلك الأشياء غير المفسرة في مجالات أخرى. وأناقش على أنها رئيسية جداً أكثر مما تسمح به هذه التفسيرات. والمفهوم الثاني هو أن ذكر (طريقة الحياة) يسائل مدى قدرة الفرد على الاختيار والتمهل، بينما يطرح إعادة إنتاجه قضايا التغيير على مر الزمن. والمجتمعات الحالية قد تنمي فعلاً علاقة بالثقافة تعتمد أكثر على (الاختيار والمزج) وهذا الإمكان قد وَضِّح بتفصيل من خلال الكتاب.

إن الافتراض الأولي للسواد الأعظم هو أن الجغرافيا الثقافية تتمحور حول الكيفية التي تعيش بها الثقافات المختلفة في مناطق الكرة الأرضية، ومن إحدى الحوافز الرئيسية بالنسبة إلى كثير من الطلبة الذين يعملون في الجغرافيا، هي افتتانهم بتنوع الحياة الإنسانية. ومما لا شك فيه هو أن تنوع الناس يعتبر نقطة بداية مهمة في حاجة إلى توضيح إضافي. فالجماعات المختلفة لا تتحدد باللباس المختلف والزخرفة وأساليب الحياة فحسب، وإنما توجه كذلك بـ(نظرتها الاعتبارية للعالم) وأولوياتها وأنظمة اعتقادها وطرقها المختلفة لفهم العالم. إذن، فالجغرافيا الثقافية تنظر إلى أشكال اختلاف الجماعات وثقافاتهم المادية، وكذا الأفكار التي تجمع بينهم وتجعلهم متماسكين. هذا يعني أن هذا الكتاب لن ينظر إلى كيفية انتشار الثقافات في الفضاء فحسب، ولكن أيضاً إلى كيفية فهم هذه الثقافات للفضاء. سنقتفي – إذن – أثر الأفكار والممارسات والأشياء التي تشكل معاً الثقافات، وبالتالي تشكل الهويات التي من خلالها يتعرف الناس على أنفسهم وعلى الآخرين. وسنفعل ذلك من خلال سلسلة من المقاييس ونحن نتأمل دور الدول، والإمبراطوريات والأمم، والشركات والنقابات، والمتاجر والسلع، والكتب والأفلام في إحداث الهويات. وتهتم الجغرافيا الثقافية بطريقة تجمع عمليات مختلفة في أماكن خاصة، وطريقة تلك الأماكن في تطوير المعاني للناس. ربما سننظر أحياناً إلى عمليات ذات مقياس عالمي، وأحياناً أخرى سنهتم بالجغرافيا المحلية للمنازل، والمقياس الحميمي والشخصي للأشياء التي تشكل العالم اليومي للأشخاص.

وهكذا فالجغرافيا الثقافية تعنى بتنوع وتعدد الحياة بكل غناها المرقش، بطريقة الناس في تأويل واستعمال العالم والأفضية والأماكن، ثم بالكيفية التي تساعد بها تلك الأماكن الناس على تخليد تلك الثقافة. سيضطر هذا الكتاب إذن إلى معالجة الطريقة التي تقيم بها الأفكار والمادة، والممارسات والأماكن، والثقافات والفضاء علاقات متبادلة فيما بينها. لن تجد جواباً واحداً، ففصول الكتاب تبين بالأحرى حالات ومقاربات مختلفة لجأ إليها الناس في هذه القضايا.

والثقافات لا تعنى فقط بالشعوب النائية الغريبة، ولكن تعنى أيضاً بالطريقة التي نحن – في الغرب – ننجز بها الأشياء. من السهل جداً أن تعتبر ثقافتك – بمعنى من المعاني – طبيعية، ومن ثم تنظر إلى الخصوصيات الغريبة لمجموعات أخرى. وكما صاغ ذلك بيير بورديو Pierre Bourdieu، إن أي ثقافة هي قصف من الألوان والأصوات المتنافرة حتى تتعلم القواعد التي توجهها وتدرك المراد منها( بورديو )1984، وهذا يعني ضمنياً أن كل ثقافة لها قواعد اعتباطية ومدهشة. وهكذا لاحظ مرة الانثروبولوجي مارشل سالينز Marshall Sahlins في قولته الشهيرة (إننا نسمي الهند أرض البقرة المقدسة لأن بعض العادات الهندوسية تبدو غريبة.. يُسمح لهذا الحيوان بالتجول حيث يشاء، ومع أنه صالح للأكل فهو لا يؤكل، ويتغوط حيث يذهب) طبعاً كما أشار إلى ذلك مارشل سالينز بالمعيار نفسه يمكننا أن نعجب من المملكة المتحدة والولايات المتحدة على أنهما أرضا الكلب المقدس (سالينز 1976). وبهذا المعنى تنزع الجغرافيا الثقافية إلى موقف نسبي، ويجب أن نعترف بخصوصية ثقافتنا ولا نجثم بحكمنا السريع على ثقافات أخرى.

باستطاعتنا أن نحدد موقع الشرارات الأصلية للجغرافيا الثقافية في القرن السادس عشر في إثنوغرافيا لافيطو Lafitau أو ليري Lery، حيث يصفان الشعوب والعادات في العالم الجديد.. ونستطيع أن نفحص الحقول الأدبية والاستعارية التي أطلقها في الوقت نفسه كتاب مثل رابلي Rabelais أو فيما بعد سويفت Swift، حقول استعملت رحلات متخيلة أو واقعية لرسم خريطة ثقافات مجتمعاتهم.. فالعلاقة بين هذه الأماكن الواقعية والمتخيلة، ودور ما هو أجنبي أو غريب شيء يعاد الآن فحصه ويمثل نقطة تقاطع بين الجغرافيا والانثروبولوجيا منذ العهود الأولى. كما أنها تربط كلا الحقلين بالمشروع الإمبريالي الأوروبي بكل المشاكل التي تركها لهم، وتجرنا كذلك إلى معلمتين اثنتين غالباً ما يتم التفكير فيهما. فالاهتمام بالعرق والتطور الإمبريالي يطبع عمل راتسيل Ratzel المُنَظر السياسي الألماني - (الجغرافيا الانثروبولوجية) منذ نهاية القرن التاسع عشر. لقد استعمل مجازاً – مستورداً من الحقل المزهر للبيولوجيا الداروينية – ليقترح تعاملنا مع الثقافات على أنها تشبه الكائنات الحية. فماثل بين الثقافات والشعوب التي حددها على أساس الاختلافات العرقية والثقافية. وكما هو الشأن عند داروين رأى صراعاً من أجل الازدهار والبقاء بين هذه الثقافات ووضع خريطة لهذا على نحو إقليمي كصراع من أجل (الفضاء الحي) وسوف تنتشر الثقافات النابضة بالحياة وتسيطر أو تزيح الثقافات الأقل (حيوية) فعلاقات هذا بمشاريع التوسع الإمبريالي واقتباسها فيما بعد من قبل الأيديولوجيا النازية، يشكل مذكراً كئيباً في مشهدنا. وهناك مدرسة فكرية لها علاقة بالموضوع عرفت انتشاراً واسعاً في أمريكا، خاصة حول إلين سامبل Ellen Semple في الربع الأول من القرن العشرين، تُعرف بالحتمية البيئية، التي أخذت الوحدات الإقليمية لراتسل وربطتها أساساً بالظروف المناخية. وقد درست المدرسة كيف أن الثقافات تتطور في تجاوبها مع البيئة الطبيعية من خلال سلوك تكيفي، (مرة أخرى تقتبس المجاز الأساسي من البيولوجيا). فلم يكن هذا مع ذلك التأثير الأقوى على الجغرافيا الثقافية في الولايات المتحدة، ويستأنف الفصل الثاني قصة هذه الأفكار، كيف تحداها كارل ساور Carl Sauer أو ما أصبح يسمى بمدرسة بوركلي Berkeley للجغرافيا الثقافية، فقد اقترح علاقة للناس بالبيئة أكثر دقة وليست مجرد علاقة سببية ذات طريق أحادي أو قياسات بيولوجية بسيطة. وعندما كان يدرس في بوركلي إلى حدود السبعينيات كان له تأثير كبير في الجغرافيا الثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث طورت الجغرافيا الثقافية علاقات بالجغرافيا الحيوية والانثروبولجيا المادية بتركيزها على الثقافة المادية للشعوب. وباختيارها للمواجهة مع العالم الجديد أدت إلى دراسات الأشخاص وطريقة تشكيلهم وإعادة تشكيلهم للمشهد، وكيف سافرت الثقافات وتغيرت، وكيف بدأت الشعوب المهاجرة في إعادة تشكيل المشهد للأمريكتين والمنتجات الصناعية التي جسدت مجهوداتهم.

وقد أصبح هذا التراث سبباً في خلاف بين جغرافية الولايات المتحدة وجغرافية المملكة المتحدة. أولاً، فالانحياز القروي والتاريخي للعمل لم يعكس الحياة والتجربة الحضريتين. وهكذا بحث جغرافيون مثل دايفد لي David Ley وبيتر جاكسن Peter Jackson في السبعينيات والثمانينيات عن الإلهام في عمل علماء الاجتماع الحضريين أمثال الذين ينتمون إلى (مدرسة شيكاغو) التي استجابت لـ(بوتقة) مدينة ضاعفت من سكانها خلال عشرين سنة وجمعت بين أشخاص من كل منطقة من الولايات المتحدة وأوروبا. وقد تم اختيار عملهم في المدارس بلغة نموذج الحلقة المركزية للمدينة عند بورغيس Burgess، وهو نوع من التقليد الساخر لعمل بورغيس وبارك Park والآخرين. وكان حجم عملهم مرتبطاً بدراسة (القرى الحضرية) والثقافات الفرعية التي كانت تتشكل في المدينة – من إيطاليا الصغرى إلى شارع السقوط Skid Row. ومن أعمالهم أخذت الجغرافيا الثقافية أفكاراً حول تشظي الثقافات كـ(طرق للحياة) ومنهجاً لـ(الإثنوغرافيا)، وذلك بدراستها للناس عن طريق العيش بينهم. وهكذا نشأ خلاف ثان حول كيفية رؤية الثقافة نفسها – مع الحجج التي تقول إن مدرسة بوركلي كانت ما تزال تحتفظ بالمجاز (العضوي) الموجود عند راتسل. وسيجري الحديث بتفصيل عن هذه القضايا في الفصل الثاني، ويكفي القول هنا إن في الجغرافيا البريطانية خاصة، وكذا في الولايات المتحدة تطورت سلسلة من المقاربات الجديدة تعنى برمزية الثقافات.

 

الوجه المتغير للأرض

إن القضية الأولى التي يجب الحديث عنها هي معنى المشهد والدور الذي لعبه هذا المشهد في الجغرافيا الثقافية. فالمشهد قبل كل شيء يدل ضمناً على تشكيل جماعي للأرض على مر الزمن. والمشاهد ليست ملكاً فردياً. فهي تعكس معتقدات وممارسات وتقنيات مجتمع أو ثقافة ما. كما أنها تعكس اجتماع هذه العناصر مثل اجتماع الثقافات بالضبط مادامت الثقافات ليست ملكية خاصة ولا يمكنها أن توجد خارج المجتمع. وقد نظرت أبحاث كثيرة إلى الكيفية التي يشكل بها المشهد ذلك التنظيم الاجتماعي الخاص والكيفية التي يتشكل به. ويعتمد هذا على تقليد جغرافي قديم يعرف بفن وصف الأقاليم ووضع خريطة لها chorography وهو فن يعنى بدراسة الطريقة التي تجمع بها المشاهد عمليات مختلفة في أشكال وحيدة. وغالباً ما يقترح هذا الفن معالجة مركزية فردية idiographic لأنها لا تهتم كثيراً بالقوانين العامة بقدر اهتمامها بالنتائج الفردية لتوافق الظروف. وقد أخذ هذا بعين الاعتبار شخصية أسست لمقاربة مدرسة بوركلي، كارل ساور Carl Sauer، في 1925 في مقال بعنوان (مورفولوجيا المشهد) حيث اقترح الا تبدأ الجغرافيا بفكرة القوانين الفضائية المشتقة إلى حد ما من العلوم الطبيعية، بل بالتجربة الأساسية للتمييز المساحي. وهكذا ارتكزت الجغرافيا على تنوع المشاهد بصفتها (أجزاء من الواقع بسيطة ومحددة).

لم يكن ساور يدافع عن التجريبية بمعنى مجرد جمع الوقائع حول الأماكن، وإنما كان يدافع عن علم يتساءل عن الكيفية التي تشكلت بها المشاهد الفردية، وسيكون التحليل صارماً إلا أنه لن يكون هناك قانون عام يشرح النتائج، وقد انتقد ساور خاصة مدرسة كان لها تاثير كبير في أوائل القرن العشرين، وتزعمها بامتياز في الولايات المتحدة إلين سامبل Ellen Semple وركزت المدرسة على الحتمية البيئية، واعتبرت هذه المدرسة تطور الثقافات عملية يتكيف الإنسان فيها مع عوامل مناخية أساسية، وعرفت هذه المقاربة انتقادات قاسية منذ العشرينيات على أسس كثيرة ليس أقلها عنصريتها الأولية، وتروم في جوهرها شرح الثقافات المختلفة من خلال الاستجابة الداروينية الجديدة للحوافز البيئية. وهكذا أوحت بأن المناطق المعتدلة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية قد حققت بشكل (طبيعي) تطوراً ثقافياً واقتصادياً كبيراً لأن المناخ ارغم العامة على العمل إلا أنه كافأ جهدها، في حين أن في المناطق الاستوائية لم يكن الناس في حاجة إلى العمل، وفي أقصى الشمال حيث الحياة مهمشة، كانت إمكانات الغنى محدودة. من هنا شكلت المقاربة مبرراً ذاتياً للإمبريالية الأوروبية بجعل عملية الاستيلاء السياسي تبدو نظاماً طبيعيا. فكان ساور معادياً لهذه النظرية خاصة، لأنها في نظره تذهب ضد برهان تنوع الثقافات وتخضعها لشرح أحادي العلية:

(تمثل الجغرافيا تحت شعار الحتمية البيئية عقيدة، وإصرارا على إيمان يجلب الراحة لروح أغاضها لغز الكون فكانت إنجيلا جديدا لعصر العقل الذي بنى شكله الخاص للنظام الملائم وحتى للغاية النهائية).

 

الإطار 2 – 1

 

الثقافات، مادتها وإعادة إنتاجها

زودنا الانثروبولوجي ألفريد كروبر Alfred Kroeber بالملخص المفيد لتحديد هذا الموقف: (تتكون الثقافة من نماذج، واضحة وضمنية، من السلوك المكتسب ولاجله والمرسل عن طريق الرموز، مشكلاً بذلك الإنجاز المميز للمجموعات البشرية بما في ذلك تجسدهم في المنتجات الصناعية. ويتكون جوهر الثقافة من الأفكار التقليدية (أي المشتقة والمنتقاة من التاريخ) وخاصة قيمها المرتبطة بها، فالأنظمة الثقافية قد تعتبر من ناحية نتائج لنشاط ما ومن ناحية أخرى عناصر مكيفة لنشاط إضافي)..

بالنسبة إلى ساور، يشكل الإقليم الثقافي ومشهده المماثل ركنين أساسيين في التحليل، مكونين بذلك (مفهوماً جغرافيا متكاملاً) محدداً كـ(منطقة مركبة من أشكال موحدة متميزة، مادياً وثقافياً على حد سواء) (1962: 321). إنه مستوى يظهر فيه تفاعل كل الأجزاء ككل، إلا أنه يحدد بصفة متساوية مقابل مناطق أخرى حيث يوجد مشهد مختلف. إن (وحدة الملاحظة يجب أن تحدد إذن كمنطقة يسيطر عليها أسلوب حياة متماسك وظيفيا) (1962: 364). إن هذا الإحساس بالمنطقة المتكاملة ينسجم مع أعمال فيدال دي لابلاش Vidal de la Blache ومدرسة (الحوليات) Annales في فرنسا، حيث حاولوا تعيين شخصية إقليمية أو أسلوب حياة ما معبر عنه في المشهد، وقد كتب ساور عن دراساتهم الإقليمية باستحسان مؤيداً (المشهد الثقافي كتعبير أقصى للمنطقة المتناسقة) (1962: 321) من ناحية ثانية، هناك توكيد على البحث عن الثقافات المختلفة حول الكرة الأرضية وفحص أشكالها المتميزة ككل مركب. وهكذا لم يحدد الإقليم انطلاقاً من خصائصه المادية كما كان الأمر بالنسبة إلى جغرافية بريطانيا ما قبل الحرب. وإنما انطلاقاً من أسلوب الحياة المنظم عبر تلك المعالم. تقريباً، لم يكن محتوماً على الإقليم الثقافي أن يرتبط بدقة بما هو مادي ما دامت جل الثقافات ركزت على حدود أنظمة إيكولوجية مادية مختلفة لكي يتمكنوا من الانتفاع بها ... وفي هذا اعتمد ساور على بعض مقاربات الجغرافيا القديمة عائداً إلى فون هامبولت Von Humboldt ومن سبقه. وهكذا، في بداية مقاله، الذي صدر عام 1941 تحت عنوان (شخصية المكسيك) صرح ساور بما يلي:

(هذه رحلة قصيرة إلى اقدم تقليد في الجغرافيا، لأنه أياً كانت المشاكل اليومية التي قد تستحق اهتمام المختص والتي تفضي إلى أنظمة للمعاينة أكثر دقة وإلى أنظمة للمقارنة ذات اهتمام أكبر بالشكل، يبقى هناك شكل من الفضول الجغرافي الذي لا يمكن أبداً للنظم أن تحتويه. إنه فن إدراك الكيفية التي تختلف بها الأرض عن الحياة من ناحية في الكرة الأرضية إلى أخرى)..

فمفهوم الشخصية هنا هو مفهوم نظام اجتماعي خاص يشكل كل ديناميكية الأرض والحياة. بهذا المعنى، لا يقترح ساور فناً شخصياً تماماً، ومن هنا فهو يعترض على رأي الفيلسوف الإيطالي بيرناديطو كروتشي Bernadetto Croce الذي يقول بأن (الجغرافي الذي يصف المشهد له المهمة نفسها التي هي لرسام المشهد). وعوضاً عن محاولة القبض على رؤية خاصة على المشهد، فإن ساور يدافع عن السعي وراء المشهد النموذجي أو الشامل الذي ينسجم مع ثقافة خاصة.

 

المشهد كالرق الممسوح

اشتق مصطلح (الرق الممسوح) من لوح للكتابة كان يستعمل في القرون الوسطى، وهو يحيل إلى حيث يمكن محو الكلام المنقوش الأصلي وكتابة كلام آخر فوقه مرة بعد مرة. فيما لم تَمحَ الكتابات السابقة تماماً، ومع مرور الزمن كانت النتيجة في شكل مركب – رق ممسوح يمثل مجموع كل المحو والكتابات المتكررة، وهكذا، يمكننا رؤية وجه الشبه مع ثقافة تنقش نفسها على منطقة لتوحي بالمشهد كمجموع من المحو والإضافات والشذوذ والإسهاب على مر الزمن. وكما عبر عن ذلك ساور، (لا يمكننا تشكيل فكرة عن المشهد إلا بلغة علاقاته الزمانية وكذا علاقاته الفضائية، فهو عملية مستمرة من التطور أو من الانحلال والاستبدال).

 

الانتشار الثقافي

افتتن الجغرافيون بقضية الانتشار، درس هاغرستراند Hagerstrand وآخرون (الابتكار) في انتشاره بين سكان مستقرين، وتعقبوا ابتكارات خاصة على مستوى أفراد تبنوا التجديد. وربما كانت مدرسة بوركلي مهتمة أكثر بتحرك الثقافات وتكيفها جنباً إلى جنب مع منتجات صناعية دقيقة، وركزت على التغيير العام عوض الأفراد، وقد أعطانا هذا روايات غنية، خاصة منها ما ركز على الاجتياح الأوروبي لأمريكا، وكان هذا مثالاً رئيسياً للابتكار وإعادة تشكيل المشهد، والأصول والتحولات، والتطور، مما افضى بالثقافة إلى محيط تاريخي وجغرافي.

رسم زلينسكي (1973) خريطة الشكل المعقد للأنواع المختلفة من المستوطنين، باختلاف (حمولتهم) الثقافية، ومجيئهم إلى نواح مختلفة في الساحل الشرقي، ويعتبر الاستقرار الأكادي Acadian  مثالاً جيداً لأنواع تحاليل الأصول التي يمكن اعتمادها. استقر الأكاديون في منطقة كانت فيها الشعوب الأهلية تفتقد إلى الزراعة.

وبالتالي لم ينشب نزاع حول الأرض، وأكثر من هذا، طالب الأكاديون باسترجاع اراضي مستنقعات الملح عوض أن يزيلوا أشجار الغابات، وعكس المشهد الذي أحدثوه حول خليج فاندي Bay of Fundy مجتمعاً قروياً معيناً، اعتمد على المعرفة والممارسات الزراعية التي جاء بها المستوطنون من بواتو Poitou وأونيس Aunis في فرنسا، حيث كانوا قد شاهدوا المطالبة بأراضي المستنقعات على الساحل البيسكايي الفرنسي، إلا أن هذا كان في حد ذاته تقنية جاءت إلى فرنسا من الأراضي المنخفضة Netherlands وهكذا، نُقش تحرك التقنيات على المشاهد التي أحدثت، هذا إضافة إلى أن مناطق الاستقرار التي أعيد تشكيلها على نموذج الإقليم الوطني، كانت مشاهدها التجارية تختلف بشكل بارز عن مشاهد الوطن، يعود ذلك إلى اهتمام التجارة بالبحث عما يتعذر الحصول عليه في الوطن.

ولا يكشف هذا إذن عن سلسلة من المشاهد المختلفة للمستوطنين والتجار فحسب، وإنما يكشف كذلك عن سلسلة من مناطق الاحتكاك بالشعوب الأهلية، فمثلاً، تغير مشهد السهول، ومشهد القبائل يصطادون الجاموس، قبل الغزو الأوروبي، بانتشار الفرس وأسلحة أكثر فعالية من الجنوب. وبالمثل، اجتذبت الأمم الأولى لكندا إلى الدائرة التجارية التي كانت تعتمد على جلد حيوان القندس قبل أن تعرف الاستعمار، وقد أصبحت هذه التجارة مربحة جداً إلى حد أنها أشعلت فتيل المعارك الإقليمية بين الشعوب ودفعت بالقبائل إلى محاولة طرد الآخرين من أراضيهم لكي تحصل على حيوان القندس، مما زاد من حدة النزاعات المحلية، وتحول الأهداف والمخاطر في مثل هذه النزاعات. وبانتشار الأسلحة تجاه الشمال، نمت وسائل العنف، والصيد التدريجي لحيوان القندس إلى حد انقراضه – في حوض نهر بعد آخر – لإمداد السوق الأوروبية دفع بالصيادين، وكذا بالنزاع، إلى الانتشار أبعد مسافة غرباً.

 

الإطار 3-1

 

المشهد الرمزي

* الجيوبوليتيكا: كتابة القوة على المشهد

* علاقات التضمين والإقصاء

* الأيقونوغرافيا والرمزية في المشهد

رأينا كيف أن المشهد يؤول بصفته مشكَّلا عن طريق قدرات وممارسات الشعوب ليلائم ثقافتهم. وينظر هذا الفصل من كثب إلى المشهد بصفته نظاماً رمزياً، بمعنى يدرس الكيفية التي يتم بها تشكيله وفقاً لمعتقدات السكان، وكذا بحسب المعاني التي يوظفونها في ذلك المشهد. سنعتبر إذن المشهد نظاماً ذا دلالة يُظهر القيم التي من خلالها ينظم مجتمع ما. بهذا المعنى، يمكن قراءة المشاهد كنصوص توضح معتقدات الشعوب، كما يمكن اعتبار تشكيل المشاهد تعبيراً عن الأيديولوجيات الاجتماعية التي يتم بعدئذ تخليدها وتدعيمها من خلال المشهد. وسيبدأ هذا الفصل من الأفضية الأكثر حميمية، ألا وهي أفضية المنزل، وسيفحص كيف يمكن رؤية ارتباط شكل المنزل، وعلاقته بالعالم، بالمعتقدات حول الحياة الاجتماعية، وستربط هذه النظرة إلى المنزل كوزمولوجيا الشعوب بالمادة التي تشكل مشهدهم. وفي الجزء الثاني من هذا الفصل سيتم فحص مشهد المنازل والمنتزهات الريفية الإنجليزية الأصلية بصيغة المعاني المتغيرة والمتنازع عليها، والتي تسند العلاقة بين المنزل والمساحات المحيطة به، انطلاقاً من هذا، سيدرس الجزء الثالث كيف أن مشاهد القصر الملكي في الصين في القرون الوسطى تجمع بين معتقدات الحكام الكوزمولوجية وحاجياتهم الجيوبوليتيكية. وسيقترح الجزء الرابع أن ما ذكرناه يستمر في المشاهد الرمزية التي أُبدعت بتعمد – بالتركيز خاصة على إعادة تشكيل الأماكن للتعبير عن الأفكار القومية.

شكل المنزل

من السهل جداً التفكير في المنازل على أنها (طبيعية) فهو شيء يعتاده السكان إلى حد أنه يصبح مألوفاً دونما أي جدال، ومع ذلك، لأن الشيء هو مجرد مشهد يومي لا يعني بأنه يفتقد المعنى، فعلى العكس تماماً نستطيع أن ننظر إلى هذا الشيء على أنه نتاج مجموعة كاملة من الممارسات الروتينية التي تعطي معنى للحياة اليومية، ولتوضيح هذا يمكننا دراسة أشكال مختلفة على مر الزمن أو عبر الفضاء.

 

المنازل الغربية والتقسيمات الاجتماعية

يمكننا، على مر الزمن، أن نلاحظ كيف أن أنواع الممارسات المتعلقة بـ(المنازل) قد تغيرت. وإذا أخذنا الغرب بعين الاعتبار نستطيع أن نصف القرون الثلاثة الأخيرة على أنها تتمحور حول عملية التمييز والتقسيم. مثلاً، فمنزل التاجر في القرون الوسطى كان فضاء متكاملاً يجمع بين الحياة الصناعية والحياة العائلية، إذ كان يتألف المنزل من حجرة أمامية/ تجارية متاخمة للشارع ومستودعات في الجزء العلوي والمؤخرة، ثم غرف (العائلة) فوق ذلك، وقد يكون ذلك ورشات عمل. وفي أماكن وأزمنة مختلفة تحول العمل التجاري إلى المصانع، وتحولت أشكال مختلفة من العمل في أزمنة مختلفة – وأثر ذلك في العلاقة بين الجنسين والقيم المطابقة لعملهما. وكانت الحصيلة تركيباً عميقاً للحياة الغربية المعاصرة، حيث يحدث العمل (المثمر) أي العمل (الاقتصادي) خارج المنزل بينما يقع (إعادة إنتاج العمل) من تغذية ولباس ونوم أو عناية بالأطفال، في المحيط العائلي. يُعد مثل هذا التقسيم ترتيباً جغرافيا وتاريخياً ذا موقع محدد يجسد جغرافيا ثقافية تمنح الأنشطة فيها مختلف الأفضية وضعاً مختلفاً وقيماً اقتصادية منسجمة معها. إذن، يمكن اعتبار المنزل جزءاً من المشهد المرتبط بجنس ما (ذكوري أو أنثوي)، المشهد الذي يُستخدم للحفاظ على فكرة أجور الرجل العامل بصفته (المعيل) وكذا الحفاظ على فكرة (عالم المرأة) في المنزل. وقد شُكلت مثل هذه المشاهد وأعيد تشكيلها طبعاً، ولن تفيد في شيء النظرة الشاملة المبالغ فيها حول كل هذا. وهكذا إذا نظرنا إلى منزل في بلدة بريطانية، يمكننا ملاحظة تغيرات كبيرة في الثلاثينيات وفي حقبة ما بعد الحرب، فحجم المنزل ينخفض وشكله الداخلي يتغير بحدوث تغيرات اقتصادية وثقافية حول ما يشمل الوحدة العائلية. وأساسي جداً أن يتذكر المرء أنه حتى الحرب العالمية الأولى كانت العلامة المميزة للطبقة الوسطى، وتقريباً تعريفها، هو توظيف الخادم. إذن رُتبت منازل البلدة دون إغفال هذا الجانب، مع غرف الخادم في العلية أو في (الدور الأسفل) وبمنأى عن أنظار الضيوف، كما أن صيانة المنزل، وتحضير الطعام وغسل الملابس وهلم جرا، كانت تخفى بعيداً في هذه الجهات، مع ضعف الخدمة العائلية، أصبح المنزل الحديث يصمم لأجل فعالية هذه الأعمال عوض إخفائها عن الأنظار.

والأفضية الروتينية للمنازل تتحدث لنا عن نوع العلاقات الاجتماعية التي نؤمن بها ونوع الممارسات التي تدعمها. ويمكننا أن نتأمل في أي مدى أصبحت ممارسات الانفصال تشكل التصور الغربي للمنزل المناسب. فالأنشطة الاقتصادية توجد في مكان آخر، وانخفاض أهمية الخدم يعني أن المنزل كثيراً ما تسكنه العائلة، مجموعة قرابة، وحدها، وداخل بنية المنزل الحقيقية تفصل الأفضية البارزة للزوار، (الغرف الأمامية) وأفضل الأثاث، عن أفضية الحياة اليومية وما تبقى من غرف النوم. في الواقع، بإمكاننا رسم خريطة خلال القرنين الأخيرين للجغرافيات الأخلاقية المتغيرة في الفصل، أولاً بين جهات النوم والحياة، ثم فصل البالغين عن الأطفال وفصل الأطفال بحسب جنسهم، وتُكتب الأحكام حول الأخلاق والجنس في مبنى المنزل من خلال إحداث أفضية خاصة.

خلاصة

واضح من دون شك أنه لا يمكننا اعتبار المشاهد مجرد معالم مادية، يمكننا كذلك التعامل معها كـ(نصوص) نستطيع قراءتها، فهي تحكي لنا وللسكان معاً قصصاً حول الناس، حول معتقداتهم وهوياتهم، كما أنها ليست ثابتة ولا هي تستعصي على الوصف. وقد تعتبر بعض أجزائها من مسلمات الحياة اليومية، بينما قد تناقش الأجزاء الأخرى سياسياً. والمشاهد قابلة للنزاعات حول معانيها – سواء على مستوى الاستعمال السياسي لتصور نظام الكون في الصين أو على مستوى تواريخ زيمبابوي التي تبقى موضوع خلاف. وقراءة المشهد ليست قضية تتعلق بالكشف عن (منطقة ثقافية) نموذجية، وإنما هي دراسة للكيفية التي من خلالها تعني المشاهد أشياء مختلفة لأناس مختلفين، وكيف أن معانيها تتغير وتبقى موضوع خلاف.

وقد يتعقد الوضع بما يمكن وصفه بعملية تحويل مزدوج للمشاهد إلى رموز، ومن هنا تُلف المشاهد بتمثيل آخر. وهكذا، كانت لمشاهد المنازل الريفية معان بالنسبة إلى الزوار في وقت بنائها. ويستطيع المشاهدون المعاصرون أن يروها في الصور الزيتية، أو رسومات الكتاب، أو التلفزة، وقد تضع كل واحدة من هؤلاء نسيجاً مختلفاً على المشهد، وتستعمله لأغراض خاصة في برنامج ما، مثلاً، إذن، نملك قيمنا المعاصرة الخاصة بنا إضافة إلى تلك القيم الموجودة في مشهد مشبع من قبل بالمعاني. ومن ثم قد يصبح الوضع معقداً جداً. ولإعطاء توضيح موجز، يمكننا التفكير في المنازل الريفية في القرن الثامن عشر على أنها مودعة لمشهد مدبر، مشهد بنظام يمكن تصوره ككل، فكان، بلغة ذلك الوقت، مشهداً (مصلَحا) مشهدا برهن على أنه يعنى به ويملك بنظامه، وعلى الرغم من ذلك، إذا فكرنا في الصور الزيتية لكونستابل Constable، مثلاً، وجدناها مليئة بميزات كانت ستغضب أهل الريف المحليين، مثل الأشجار الميتة، والبوابات المكسرة، أو قطيع مهمل من الخرفان، وكانت هذه الميزات موجهة إلى الأذواق الحضرية ،وتستعمل الآن هذه الصور الزيتية لتشجيع السياحة ولتدل على أنشودة رعوية ريفية بعيداً عن سرعة وصخب الحياة الحضرية. 

 

الإطار 4 – 1

 

الضوء والسلطة والتصميم

يعد وصف الضوء والظلمة والمشهد الحضري المبهم على المعرفة الخارجية مواضيع قوية تخبرنا كثيراً عن ثقافة التصميم. إذن، يردد آلان سيليتو Alan Sillitoe (البؤساء) التي قرأها وأعاد قراءتها عندما كان طفلاً، في حديثه عن نوتينغهام Nottingham. ويعتبر هذا ملائماً إذا ما نظرنا إلى تاريخ تصميم مدينة نوتينغهام. في حقبة ما بعد الحرب، كانت هي كذلك منهمكة في إزالة المناطق الحضرية الكثيفة و(المشوشة) – حيث كان يعيش الفقراء – وبناء ممتلكات سكنية جديدة وصفت على أنها مشرقة ومهواة وفسيحة فالتطابق بين التصميم والمعرفة مدهش.

وفي القصص البوليسية يمكننا رؤية تشغيل مختلف لمواضيع المعرفة والسيطرة، وهي توحي

بثقة اقل في القدرة على التحكم في الحياة الحضرية، مثل (البؤساء) فالموضوع المتكرر هو كيف يمكن للمدينة أن تصبح مفهومة ومقروءة بالنسبة إلى قوات الدولة، وربما، بالنسبة إلى العدالة، فالمدينة أبعد من أن تكون ستارة خلفية للقصة:

(إن أفضية القصة البوليسية هي دائماً كل متكامل من القصة البوليسية... فأفضية هذا النوع الأدبي هي دائماً (منتجة) للجريمة التي تحتوي عليها وتركبها، دافعة برجل الشرطة أن ينهمك في المحيط الذي يسكنه لفهم، وبناء عليه، حل لغز الجريمة...[بالنسبة إلى رجل الشرطة] ليس هناك أي حجَر في الشارع، أي آجرة في الحائط، لا تعتبر في الواقع رمزاً متعمداً – رسالة من رجل ما، مثلما لو كانت برقية أو بطاقة بريدية).

خلاصة

لا يعكس النص مجرد عالم خارجي، ومن الخطأ ان ندرس النص على أساس انسجامه (بدقة) أو على نحو مختلف مع العالم. وهذه النوعية من المقاربة الساذجة تغفل عناصر المشاهد الأدبية النافعة والممتعة إلى أقصى حد. ويتم التفكير بطريقة أفضل في المشاهد الأدبية عند اعتبارها مجموعة مؤتلفة من الأدب والمشهد، وليس الأدب كعدسة منفصلة أو مرآة تعكس أو تحرف العالم الخارجي. وبالمثل، لا تقتصر وظيفة الأدب في مجرد توفيره نسخة عاطفية لمعرفة موضوعية في الجغرافيا. بل يمنح الأدب طرقاً للنظر إلى العالم الذي يظهر سلسلة من مشاهد الذوق والتجربة والمعرفة. والقول بذاتية الأدب يغفل نقطة أساسية. فهو نتاج اجتماعي بالفعل، في ترويجه للأفكار، فهو عملية اجتماعية للتعبير. إنه وسيلة اجتماعية. فأيديولوجيات ومعتقدات الشعوب والعهود تشكل هذه النصوص وتتشكل بها على حد سواء. فهي تشكل ما يحس المؤلفون أنهم قادرون أو مرغمون على التعبير عنه كما تشكل طريقة تعبيرهم. في هذه الحالة سيعتمد كل نص على نصوص أخرى إلى حد ما، يقرأ النص بصيغة التقاليد التي إما أنه يستخدمها أو يقلبها، ويحاول النص أن يتكلم إلى جمهور ما، ولهذا يجب أن ينشغل بتوقعاتهم وهمومهم. وقد يغير هذا أو يتحداه ولكن على نحو يمكن إدراكه، وهكذا فالقراء المقصودون يسجلون حضورهم فيما قد يستطيع أي مؤلف أن يكتبه.

لهذه الغاية، ليس الأدب مرآة معروضة للعالم وإنما هو شبكة معقدة من المعاني، وسيعمل أي وصف قائم بذاته في علاقة مع النصوص الأخرى. وفي الوقت الحاضر ليس ضرورياً أن تكون كل هذه النصوص أدبية – قد تكون في وسائل الإعلام الأخرى  أو في النماذج الأدبية المختلفة (التقارير الرسمية، والوريقات الترويجية، أو حتى الأعمال الأكاديمية). تعمل النصوص لإبداع شبكات من الترابط بين الأفكار لكي تخلق طرقاً لرؤية العالم. و(النزعة الواقعية) هي إحدى حلقات هذه الكوكبة وليست معياراً للحكم على عمل ما. وتعكس النزعة الواقعية مجموعة واحدة من التجارب الحضرية – وقد تعكس الأساليب الأدبية الأخرى تجارب مختلفة. وهنا نستطيع أن نسأل هل الروايات الجغرافية مختلفة جداً عن الأدب. كل تجربة على حدة تحاول أن تفتح طريقا لفهم المشهد، وكل تجربة تعتمد على أعمال أخرى، وكل واحدة تعتمد على تقاليد الكتابة المناسبة، وكل واحدة ترتبط بافتراضات جمهورها، وكل واحدة تستعمل الأساليب والبلاغة لتزود القارئ برؤية مقنعة. يجب علينا ألا نعتبر الجغرافيا والأدب نوعين مختلفين من المعرفة (واحد تخيلي والآخر واقعي)، وإنما على الأصح هما حقل واحد من الأنواع النصية، لأجل إلقاء الضوء على (دنيوية النصوص الأدبية (لها علاقة بالعالم الحقيقي) وتخيلية النصوص الجغرافية) على حد سواء.

 

إحداث الآخر

كثير من الأعمال الحديثة في الجغرافيا الثقافية كانت حول تكوين الهويات. ويمكن اعتبار هذه الهويات على المستوى الفردي وعلى مستوى المجموعات والقوميات، وكثيراً ما تشكل من طريق معتقدات الأسلاف المشتركين، أو من طريق التجربة، ويكون بذلك باعثاً على مميزات أو سمات مشتركة. ومع ذلك، فليست الأشياء بهذه السهولة. بداية، قليل جداً من الناس (يشبهون) الآخرين – كل واحد يختلف عن الآخر في بعض الأوجه. وأقصى ما يمكن قوله هو أن مجمعات معينة تتقاسم أشياء معينة مشتركة، وبالتالي سيتوقف تحديد من يحسب عضواً في جماعة ما أو يقصى منها على نوعية الأشياء التي اختيرت لمغزاها المهم، في زيارة إحدى قاعات المحاضرات مثلاً سنلاحظ أفكاراً مختلفة جداً لمجموعات تتقاسم هوية ما إن استعملنا الجنوسة كعامل مشترك، مختلفة من ناحية ثانية إن استعملنا مقاييس جنسية، ومن ناحية ثالثة إذا اعتمدنا السن، ومن ناحية رابعة إذا ركزنا على الدخل أو الانتماء العرقي، وهكذا دواليك، والانتماء إلى مجموعة ما يعتمد على طبيعة واحدة من كل المميزات الممكنة التي تم اختيارها في (تحديد) العضوية، وتتفاوت المميزات التي اعتبرت نهائية بحسب الفضاء والزمان مع نتائج سياسية مهمة لها علاقة بالحسم فيما يحدد الانتماء.

وقد توصف بعض المميزات على أنها اختيارية – تستطيع اختيار أن تكون يسارياً أو يمينيا، وقد تختار موسيقى مستقلة أو موسيقى الروك. وتعتبر المميزات الأخرى منسوبة – فجنسنا هو عموماً معطى مثل لون بشرتنا، ومع ذلك، لا هذه ولا تلك هي في الواقع واضحة إلى حد بعيد. ويتخذ لون بشرة شخص ما دلالة فقط عندما تعطيه مجموعات في مجتمع ما أهمية كبيرة، وأن تكون أنثى وراثياً لا يستلزم قابلية أو رغبة في العمل المنزلي، إلا ان المجتمع قد يقضي بأن ذلك الدور مناسب. وحتى الطبقات الأحيائية تعطي معناها من خلال الآليات الاجتماعية – لا يتوافر لها مدلول طبيعي أو مقدر. وطبقات الهوية ليست معطى إرادياً ولا هو طبيعي. وتصنيف الناس عملية سياسية، حيث المخاطر المطروحة هي في أحوال كثيرة تحديد الطبقات التي يُفترض أنها طبيعية ولا نزاع فيها، سيقترح هذا الفصل أنه من المستحيل تماماً التفكير بتمعن في طريقة اكتساب الناس للهوية، بمعنى كيف يمكن تحديد المميزات المشتركة دون حل، بالتالي، لمسألة إقصاء الآخرين – كيف أن الهوية تنشأ من التمييز، وبتعبير بسيط، إنها وضعية (نحن) و(هم). ومن الصعب أن نتصور كيف سنحدد أنفسنا كمجموعة (نحن) بأي طريقة كانت دون آخر مغاير.

 

الإطار 5 – 1

 

الهوية الوصلية

يمكن تحديد الهوية من طريق نقيض ما نحن عليه بقدر ما يمكن تحديدها من طريق من نحن. وكثيراً ما تدخل الجغرافيا هنا لأن هذه المجموعات من (نحن) و(هم) هي في أحوال كثيرة محدودة إقليمياً. نستعمل موجزاً فضائياً لتلخيص مميزات المجموعات الأخرى – يتم تحديدها بالمكان الذي تعيش فيه وهي بدورها تحدد هذا المكان، على حد سواء. وبربط هذا الفصل بأفكار الإقليمية والارتباط بالمكان ، فهو يسبر كيف تصبح العلاقات عبر الفضاء متورطة في تحديد هويات المجمعات. وستتم الإشارة إلى أن الفضاء متورط بشكل حاسم في تحديد مجموعات (أخرى). وهناك عملية كثيرة ما يصطلح عليها بـ(إحداث الآخر) التي من خلالها تؤسس الهويات في علاقة غير متكافئة، فتحدد المجموعة الأولى نفسها حول مقوم مشترك (مثلاً أ) وتحدد من ثم كل الأعضاء الذين لا ينتمون إليها كفضالة (ليس (أ). ومن الواضح أن ما هو هوية اختيارية بالنسبة إلى مجموعة ما ليس كذلك بالنسبة إلى مجموعة أخرى. علاوة على ذلك، فالغرض هو تأليف مميزات يرى أنها (جيدة) وهكذا كل ما يحد (أ) سينزع إلى أن يكون موضع تقدير حقيقي، والآن، لنفترض أن أغلبية الناس خليط من النقط الجيدة والسيئة، سيسبب هذه مشكلة محيرة شيئاً ما بالنسبة لأشخاص (أ) فيما سيفعلونه بالجانب المرغوب فيه بدرجة أقل. ويقترح هذا الفصل أن الميل كان نحو إسقاط تخوفات مجموعات ما، (النقط السيئة) على الغرباء، إذن، جزء من الانتماء إلى مجموعة ما هو إسقاط التخوفات والكره على أناس آخرين..

ويكشف ربط الهوية بالجغرافية عن العلاقات غير المتكافئة بين المجموعات وأهمية التسمية – أن يسمي المرء شيئاً أو أن يعطي اسماً بحسب موقعه كفاعل أو كمفعول به لهذه العملية، وهكذا يشير ريتشونRichon إلى أن المصطلحات مثل (الشرق والغرب ليست مجرد كلمات، وإنما هي أسماء، أسماء مميزة تبني هويات أصبحت أقاليم)، وأصبحت هذه الأقاليم في النهاية واضحة بالنظرة الغربية المحدقة الشاملة التي تبني نفسها من خلال النظر إلى الشرق، بينما يود (الشرق) من خلال تلك النظرة المحدقة فقط. سيقترح هذا الفصل بأن هذه العلاقة تترك المجموعة الثانوية كـ(أشياء) لمعرفة تحرمهم من حق تشكيل هويتهم الخاصة وتستعملهم كـ(قطب سلبي) ما داموا هم العناصر التي لا قيمة لها أو مكروهة، وحول إقصائهم تستطيع المجموعة المسيطرة أن تنظم إحساساً بالذات. ومع ذلك، يجب أن نشير إلى أن في إسقاط المجموعات لتخوفاتهم، فهي تنزع كذلك إلى إسقاط رغباتها الممنوعة على الغرباء، إذن يجب ألا ندهش إذا امتزجت هذه التخوفات والرغبات أحياناً بهذه العملية. ويمكن ملاحظة هذا عندما تشكل المجموعات هويات بإقصائها ما تخاف منه – وهي بذلك تجعلها مرغوبة فيها لأنها ممنوعة ولا يمكن الحصول عليها. في الواقع لا يحدد الناس بمميزات منفردة، لذا طوال الفصل ستكون هناك نقط حيث توجد صراعات وتحولات عندما يحاول الأشخاص أن يتفاوضوا حول وضعيتهم في كل هذا – وكثيراً ما يربطون مميزات وأوضاعاً متناقضة ستصنفهم على أنهم جزء من مجموعة واحدة وجزء من مجموعة أخرى على حد سواء.

الإطار 5 -2

 

الصيغ المجازية

الصيغ المجازية طرق لرواية قصة، من خلال شكل خاص، سيناريو أو علاقة الشخصيات إلى حد أن النمط يتكرر في أوضاع معينة مختلفة بمواضيع مختلفة. قد نفكر في أفلام رعاة البقر التي تتبع حبكة طريقة حياة أصحاب مربى الماشية التي يهددها مالكو الأراضي المجاورة (مروضو المروج) الذين يرعبونهم بالبندقيات المأجورة إلى أن يواجه أحدهم بجرأة صاحب المربى فيقتل، وبعد ذلك يتحد معه الآخرون جميعهم. أو هناك الأفلام البوليسية حيث يفر النذل لهدف تقني، مرغماً بذلك رجال الشرطة على الخروج عن القوانين لخداع رؤسائهم. وخطوط الحبكة هذه ظهرت في عدد كبير جداً من الأفلام المختلفة ويبقى التصميم نفسه، مهما كان مقدار التغيير في المكان والشخصيات.

الشرق الغامض

كانت قضية العلاقة بين الشرق وأوروبا معقدة وفي أحوال كثيرة مقلقة. ولم يكن هناك إمكان الادعاء بأن أراضي الشرق الأدنى والشرق الأقصى كانت أفضية فارغة. كانت قد ملئت سابقاً بصور وتخوفات حول الشرق طوال قرون. وعوض إفراغ الشرق، لقد جرى إيداعه إلى الماضي – كأصل عتيق، وليس منافساً في العصر الحالي. وكانت العلاقة في أشكال مغايرة لـ(الصفة الزمنية) بالنسبة إلى الغرب والشرق. وقد حدد الغرب نفسه على أنه متقدم، بمعنى أنه يصنع التاريخ ويغير العالم، بينما اعتبر الشرق سكونياً وسرمدياً، ويمكن ملاحظة هذا النمط في مفكرين من هيجل وماركس مروراً بسياسيين مثل ديسرائيلي Disraeli. فأوروبا تشكل المستقبل، بينما يستطيع الشرق أن يجرب التكرار. وهكذا يناصر ديسرائيلي الوزير الأول البريطاني في القرن التاسع عشر، في روايته (تانكرد أو الحملة الصليبية الجديدة) فكرة التاريخ الدائري في بلاد فارس، أو بطريقة أخرى، في الرواية الشعبية (حاجي بابا) علقت إحدى الشخصيات أن شاها واحداً يفسد فقط ما قام به الشاه السابق. وبطريقة مماثلة، يقاوم الشاه (التحسينات) والتقدم الطبي مثل التلقيح. إذن، يحدد الغرب على أنه يقوم بأشياء لمصلحة الشرق، وأنه فاعل التاريخ، من خلال قدرته على التأثير في الشرق الثانوي، وهكذا في رواية (كيم) لروديارد كبلين Rudyard Kipling التي تقع أحداثها في راج الهندية، إنها الشخصية الغربية التي ترتبط بالفعل بينما يرمز الكاتب إلى الهويات الشرقية بطمأنينة الراهب البوذي اللامي وانسحابه من العالم.

تضيف (الجغرافيا المتخيلة) للخوف والاشمئزاز والرغبة أبعاداً إضافية لخريطة الشرق هذه. وجرى بناء فكرة الشرق إلى حد أبعد من خلال المميزات التي يرغب الغرب في قذفها من صورته الذاتية الخاصة. ويوضح الافتتان الغربي اللانهائي فيما يبدو بـ(حريم) الشرق كيف أن هذه المؤسسة قد أصبحت بوتقة لسلسلة كاملة من الاشمئزاز والرغبة. وكثيراً ما يعبر الغربيون عن مقتهم لتعدد الزوجات ومكائد الحريم وفكرة المخصيين والانحطاط الذي يحسون أنها تعبر عنه، يصور في أحوال كثيرة بنساء عاريات أو نصف عاريات (وأحياناً أطفال)، لا يمثل الشرق مجرد ما كان ممنوعاً في أوربا وإنما كذلك ما كان يصعب الحصول عليه في الشرق:

(فالحريم مكان يقصي أي نظرة أجنبية. وأشكال التمثيل الغربية للحريم هي إذن تحقيق لرغبة الكشف عما هو مخفي. وإذا كان المصور قد تم جعله شرقياً، فالفاعل المصور هو بديهياً غربي).

 

الجغرافيا والمعرفة

طوال هذا الفصل كان التركيز على المعارف الجغرافية الشعبية، وكيف شكّلت، وواصلت هي تشكيل العلاقات بين الثقافات من خلال تجربة الإمبريالية ومع ذلك، لم يحدث هذا في استقلال عن الجغرافيا (الرسمية) أو الأكاديمية وقامت منظمات جغرافية بتعزيز إعجاب المستكشف، كجغرافي يكتسب المعرفة حول المجهول، وقد نظمت هيئات مثل المجتمع الجغرافي الملكي (وما زالت تنظم) بعثات للسفر خارج بريطانيا والعودة إليها بمعرفة جغرافية. من ناحية، ربما كان هذا هو الرومانس الذي أشعل في البداية نار الجغرافيا في هذا البلد، وهو نوع من المعرفة لقبه جوزيف كونراد نضال الجغرافيا. في تخيلاته الجامحة عند طفولته، دلت فكرة الأفضية المفتوحة على مداها لأجل استكشافها من طرف الجغرافيين أن (خياله يستطيع أن يصور لنفسه هناك رجالاً شرفاء، ومغامرين، ومخلصين، حذرين من الحوافي... ينتزعون قليلاً من الحقيقة هنا، وقليلاً من الحقيقة هناك) إلا أن هذه الفكرة الرومانسية عن المستكشفين الجغرافيين أفسدت (بالإطلاع البغيض عن الزحف الوضيع إلى أبعد حد لأجل النهب الذي شوه إلى الأبد تاريخ الضمير الإنساني والاستكشاف الجغرافي) (كونراد،) يجب أن نفكر بعناية في طبيعة التراث الذي بقي للجغرافيا. مثلاً، ترك نموذج الاستكشاف هذا صورة بطولية للمستكشف كجغرافي بامتياز. وقد نستطيع أن نبرهن أيضاً أن فكرة ضرورة تجربة الميدان لكي يثبت المرء نفسه جغرافيا – طقس للمرور – تستمر في الشروط الأساسية للأطروحات التي تعتمد البحث الميداني في مئات المناهج الجامعية.

ودُعم إعجاب المستكشف بصحافة صفراء شوفينية، مع بعثات مدعمة مادياً من طرف الصحف لتزويدها بالقصص. وهكذا كانت بعثات ستانلي إلى أفريقيا مرتبطة من كثب بحرب انتشار الصحف، وكان للجغرافيا الرسمية ارتباط وثيق بوسائل الإعلام الشعبية. فضلاً عن ذلك، صيغت صورة المستكشف بإحكام على غرار صورة ساكن الحدود، وقد رأينا طرق إنشاء هذا لإثبات نوع محدد من الرجولة وتأنيث الشعوب الذين يقابلونهم. وأخيراً، جُمعت المعرفة في المؤسسات التي عملت على نحو ملتزم مع معاقل العلم والنظام الدبلوماسي العسكري، وقد عملت الخاصية الذكورية القوية في نموذج المستكشف من أجل شكل معرفي عقلاني تجريبي (إمبريقي). ولم يكن مع ذلك الوصف التجريبي المفصل للأقاليم سعياً علمياً محايداً، لم يكن هذا الوصف مؤَمناً من طرف المصالح الإمبريالية فحسب، وإنما كثيراً ما أفاد شكله الحقيقي في تخليد الأفكار الإمبريالية. وعملت المحاضرات المصورة عن الرحلة والمليئة بالوقائع على اختزال الشعوب المستعمرة في صور موجزة كثيرة جداً – وأفادت النبرة المبنية للمجهول في إخفاء علاقات الاضطهاد التي جعلت (الاستكشاف) ممكناً. وكثيراً ما نفعت الجهود التي بحثت في جعل المعطيات (موضوعية) في حجب العنف من وراء إحداثها أو حجب المصالح التي كانت وراءها.

في التأمل في دراسة الجغرافيا الثقافية، يجب أن نكون حذرين من أن الادعاءات حول الكونية والعلم الموضوعي كانت متورطة بعمق في ماض عنصري وإمبريالي، والادعاء بالحديث عن فراغ (ليس من مكان ما، ولكل مكان) كثيراً ما كان يعني الحديث من موقع الرجل الغربي الأبيض  وكما حاول باري أن يثبت  إن هذا يُطبِّع أفكار الثقافة المسيطرة (أي يجعلها طبيعية) كأشكال كونية من الفكر ويمنح تمثيلها المفوض مرتبة الحقيقة. ويسمي الغربيون الشعوب والأماكن، الأصناف والعمليات، بحسب أفكارهم الخاصة عن الزمن والتاريخ، أفكار تنزع إلى ترك الثقافات الأخرى في أدوار ثانوية. والمعرفة الجغرافية التي تراكمت من خلال الإمبريالية حُددت بوعي عالمي. فوضع كل العالم في دراسات النماذج والتراتبية الهرمية والتقسيمات الفرعية وفقاً لخريطة مفاهيمية غربية:

(في هذا النموذج من المعرفة، تسمى الأصناف من طرف الأوروبيين، وتنتزع من بيئتها، وفي عملية تسميتها ووضعها في نظام تصنيفي، تحول من الشواش إلى تنظيم أوروبي... وتعطى المعرفة هنا مظهر المسعى المحايد البسيط على المستوى الفردي، لكنها في الواقع جزء حقيقي من الإمبريالية. بهذه الطريقة تقدم المعرفة العلمية نفسها بأنها حرة من الفساد الذي يحيط بالانتشار التجاري والسياسي الذي أمنته).

 

الإطار 5 – 3

 

العلم (الموضوعي) والعرق

** يدكو **:
شكرا على الموضوع الرائع دمت بخير وبحظورك المتميز

1kd1:
استاذنا مشكور على التعب بس مجاي اشوف رابط التحميل !!!!1
فهل من حل للموضوع

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[*] الصفحة السابقة

الذهاب الى النسخة الكاملة