الحوار والراي الحر > المنبر الحر

عشتار والأعمى

(1/1)

مارتن كورش تمـرس:
عشتار والأعمىمارتين الشمديناني

كنت كسائر أبناء عينكاوا وأنا أشاهد (لوكو) عشتار يُرفع فوق بناية من أجمل بنياتها والكل كان فرحاً إلا أنا! كنت وقتها حزيناً وحزيناً جداً!! أتعرفون لماذا؟ سأقول لكم:
_   عندما قدمت "عشتار" الى عينكاوا بينما الكل فرح وفرح جدا ،أما أنا فالحزن يملؤني هو لأنني في الـ (70) من عمري وقد فقدت صحتي بين وديان وجبال وسهول وأهوار وهضاب الحروب التي شنها الصنم على الدول المجاورة وعلى شعبنا.
صحيح إنني مشلول و يحملني كرسي يسير بي من البيت الى المقهى (جيخانه) بشكل روتين كل يوم لأشارك بقية الذين مثلي متقاعدين وعاطلين عن العمل و سياسيين فاشلين وقراء جرائدغير فاهمين وبعض من الرجال لابسين القاط والرباط وملمعين أحذيتهم لكنهم ساذجين وفوق هذا فارغين فقط مملوئين بالثرثرة ، لنقتل يومنا منذ صباحه بلعبة الدومنة أو الطاولي او الورق.
ان الشلل الذي أصبت به كان نتيجة شظية في الحرب التي شنها الصنم على الكويت، فأنا لست حزينا على الحالة التي انا فيها لأني وقتها امنت بأن هذا هو قدري ونصيبي في الدنيا واشكر الله ان لي زوجة و أولاد، وان زوجتي لم تمل من حالتي وهي ترعاني كطفل صغير وهي بهذا تذكرني بمحبة الأم وهي تنهض صباحاً لتحضر الفطور لأبنتها التي تروم الذهاب الى الروضة فتغير لها ملابسها وتحضر لها كتبها وتضعها في حقيبة ظهرها وتعمل لها (لفه) ولفها في كيس وتضعها في جيب حقيبتها ثم اهم من كل هذا، تقبلها قبلة الأم على خديها.
اذاً انا محظوظ ولي زوجة ترعاني كما ترعى  الأم طفلتها أو طفلها. اذا لم اقل لحد الآن لماذا أنا كنت من بين كل أبناء عينكاوا حزيناً لوحدي؟
سأفصح دون ان استرسل: مع فقداني لصمتي فأنا بصري ضعيف جداً لأن عيناي مصابتان احدهما بالماء الاسود والاخرى بالماء الابيض لا اعرف ما هية التسمية التي يطلقونها الاطباء على مثل هذه الحالة، الأمر ليس هذا بل هو نظري الذي أميز به شخصا عن آخر إلا بصعوبة جداً وقد يقول قائل: كيف تميز حجرات لعبة الدومنة؟ اجيب قائلاً: لا أعرف! حقاً لا أعرف!! اضف الى هذا انني –دون حسن- أقرء الحجر (بول الدومنة) وهو في يد خصمي اثناء اللعبة وكفه مغلقة!!
مرة اخرى لم اوضح عن حزني لكني الآن سأحكي السبب الذي أحزنني وعلى ما أظن ان بعضكم قد عرفه.
انه قصر نظري وتشتته أمام الشاشة الصغيرة وانا اسمع "بفضائية عشتار" وقد قررت السكن في مدينتنا عينكاوا وكم كان ذلك اليوم (يوم الافتتاح 21/12/2005) حينما وقف صاحب المقهى (جيخانة) العم شمعون ، أمام جهاز التلفاز وهو يطلق صوته الجهوري على مسامعنا.
-   اليوم هو افتتاحية "قناة عشتار الفضائية" لذلك استوجب على كل الزبائن انهاء جميع اللعبات التي بين ايديهم والاكتفاء بالنظر فقط الى هذه الشاشة (وهو يشير الى بيده جهاز التلفاز) .
فنهضت حزيناًَ ومتألماً بل راودني البكاء ولكنه لم يطاوعني لأن الدموع في عيني قد انقلبت منذ سنين الى الماء الابيض + الماء الاسود لتحجب عنهما النظر الى ما ابغي رؤيته والاستفادة منه، لذلك اعقبت العم شمعون لأقول سائلاً:
-   و ماذا عني أنا الذي لا أرى فكيف سأشاهد الافتتاحية؟ وكيف سأتابع برامجها؟؟ \
وإذا بأحد الزبائن يجيب قائلاً وفي الصميم:
_ فاقد النظر، بقلبه يرى!البصير يرى بقلبه وليس بعيبيه !!
عندئذ جلست فرحا جداً جداً لأشاهد افتتاحية (قناة فضائية عشتار)، بعيون قلبي وليس بنظر عيوني، لقد زال الحزن الذي تملكني يوم نزلت (عشتار)  لتسكن وتقيم في مدينتي عينكاوا.
وكانت الافتتاحية لتتزامن مع العيد ولن تصدقوا ان قلت لكم بأن عيد ميلادي هو يوم 21/12/1952 ولدت في عينكاوا و ترعرعت  فيها وما اصبت به فهو قدري ونصيبي ولا اعتراض لي عليه، ولكني حزين على نظري، لا لست حزيناً أنا فرحان وسعيد لأني اجلس منذ يوم الافتتاحية في (جيخانه) امام الشاشة الصغيرة وقد صمّدت نظري (هاي هاي نظري) الباقي لأشاهد برامج (فضائية عشتار) وكم كانت فرحتي كبيرة بحيث كاد الكرسي السائر بي ان ينقلب وانا اسرع به الى (الجيخانة) لأشاهد (مسلسل 7 عيون) وقد ابدع فيه الاعمى (حسن) .
 في حياتنا الكثير من الناس لديهم بصر 6/6  لهم عيون اليمامة ولا يبصرون عاطلون تحولوا الى رواد و زبائن للجيخانات ( المثل الشعبي يقول : المصيبة اذا اتعم اتخف ) لذلك ماعدت من فصاعدا نادماً أو حزيناً على نظري.
وكم كانت فرحتي كبيرة بحيث انقلب كرسي الجيخانة المكسور وسقط بي لأرتطع بالطبلة المربعة التي كانوا زملاء لنا يلعبون لعبة الدومنة ليصرخ أحدهم:

-   أشبيك أعمى؟؟؟؟
لم أجبه ولم انبس ببنت شفه، فتمالكت نفسي وحاولت ان استجمع كل قواي (أوف ماذا فعلت بي أيها الصنم) مستذكرا حادثة اصابتي بالشظية في عمودي الفقري كيف نهضت ووقفت وانا ارفض ان استند على ايدي من معي و أنا اقول وقتها لهم: الموت واقفاً دليل التحدي.
لكن ذلك الزميل تمادى أكثر وهو يعلق:
-   يمعود روح اكعد بالبيت افضلك...!!
وقبل ان اجيبه وعندما استطعت ان اقف على قدمي، اجابه زميل آخر:
-   ما عنده تلفزيون، لم يبق شيئاً ولم يبعه ليعيش من ثمنه فكل الذي يتقاضاه من راتب شهري لا يتجاوز سعر قاط بدون رباط .

عندئذ قدم ذلك الذي تمادى كثير وحضنني وقبلني واعتذر على مرئً و مسمع كل رواد (الجيخانه). الثقيل وجلست لأراقب عن كثب ما ستطل به علينا " فضائية عشتار "
فنسيت كل ذلك المزاح...

المستشارالقانوني
مارتين الشمديناني[/b][/size][/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة